فصل: تفسير الآيات (15- 16):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (10- 11):

{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)}
{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ} كصِحّة بعد سَقَم وجِدَةٍ بعد عدمٍ وفرجٍ بعد شدة، وفي التعبير عن ملابسة الرحمةِ والنعماءِ بالذوق المُؤْذِنِ بلذتهما وكونِهما مما يُرْغب فيه، وعن ملابسة الضراءِ بالمسِّ المُشْعِرِ بكونها في أدنى ما ينطلق عليه اسمُ الملاقاة من مراتبها، وإسنادُ الأولِ إلى الله عز وجل دون الثاني، ما لا يخفى من الجزالة والدِلالةِ على أن مرادَه تعالى إنما هو إيصالُ الخير المرغوبِ فيه على أحسن ما يكون، وأنه إنما يريد بعباده اليُسرَ دون العسرِ وإنما ينالهم ذلك بسوء اختيارِهم نيلاً يسيراً كأنما يلاصقُ البشرَةَ من غير تأثيرٍ، وأما نزعُ الرحمةِ فإنما صدَر عنه بقضية الحِكمةِ الداعية إلى ذلك وهي كفرانُهم بها كما سبق، وتنكيرُ الرحمة باعتبار لحُوقِ النزْعِ بها {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عَنّي} أي المصائبُ التي تسوءني ولن يعترِيَني بعدُ أمثالُها كما هو شأنُ أولئك الأشرارِ، فإن الترقّبَ لورود أمثالِها مما يكدّر السرورَ وينغّص العيش {إِنَّهُ لَفَرِحٌ} بطِرٌ وأشِرٌ بالنعم مغترٌّ بها {فَخُورٌ} على الناس بما أوتيَ من النعم مشغولٌ بذلك عن القيام بحقها، واللامُ في لئن في الآيات الأربعِ موطّئةٌ للقسم، وجوابُه سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط.
{إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} على ما أصابهم من الضراء سابقاً أو لاحقاً إيماناً بالله واستسلاماً لقضائه {وَعَمِلُواْ الصالحات} شكراً على آلائه السالفةِ والآنفةِ، واللامُ في الإنسان إما لاستغراق الجنسِ فالاستثناءُ متصلٌ أو للعهد فمُنقطعٌ {أولئك} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتّصافِه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وبُعدِ منزلِتهم في الفضل أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الحميدة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} عظيمةٌ لذنوبهم وإن جمّت {وَأَجْرٌ} ثوابٌ لأعمالهم الحسنة {كَبِيرٌ} ووجهُ تعلّقِ الآياتِ الثلاثِ بما قبلهن من حيث إن إذاقةَ النَّعماءِ ومِساسَ الضّراءِ فصلٌ من باب الابتلاءِ واقعٌ موقعَ التفصيلِ من الإجمال الواقعِ في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} والمعنى أن كلاًّ من إذاقة النَّعماءِ ونزعِها مع كونه ابتلاءً للإنسان أيشكُر أم يكفُر لا يهتدي إلى سنن الصواب بل يحَيد في كلتا الحالتين عنه إلى مهاوي الضلالِ فلا يَظهرُ منه حسنُ عملٍ إلا من الصابرين الصالحين أو من حيث إن إنكارَهم بالبعث واستهزاءَهم بالعذاب بسبب بطرِهم وفخرِهم كأنه قيل: إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبيعةَ الإنسانِ مجبولةٌ على ذلك.

.تفسير الآيات (12- 13):

{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)}
{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ} من البينات الدالةِ على حقية نبوَّتِك المناديةِ بكونها من عند الله عز وجل لمن له أُذنٌ واعية {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} أي عارضٌ لك ضِيقُ صَدرٍ بتلاوته عليهم وتبليغِه إليهم في أثناء الدعوةِ والمُحاجّة {أَن يَقُولُواْ} لأن يقولوا تعامِياً عن تلك البراهينِ التي لا تكاد تخفى صحّتُها على أحد ممن له أدنى بصيرةٍ، وتمادياً في العِناد على وجه الاقتراح {لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} مالٌ خطيرٌ مخزونٌ يدل على صدقه {أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ} يصدّقه. قيل: قاله عبدُ اللَّه بنُ أميةَ المخزوميُّ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رؤساءَ مكةَ قالوا: يا محمد اجعل لنا جبالَ مكةَ ذهباً إن كنت رسولاً، وقال آخرون: ائتِنا بالملائكة يشهدوا بنبوتك فقال: لا أقدِر على ذلك فنزلت» فكأنه عليه الصلاة والسلام لما عاين اجتراءَهم على اقتراح مثلِ هذه العظائمِ، غيرَ قانعين بالبينات الباهرةِ التي كانت تَضْطرّهم إلى القَبول لو كانوا من أرباب العقولِ وشاهدَ ركوبَهم من المكابرة مَتنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ مسارعين إلى المقابلة بالتكذيب والاستهزاءِ وتسميتِها سحراً مُثّل حالُه عليه الصلاة والسلام بحال من يُتوقّع منه أن يضيقَ صدرُه بتلاوة تلك الآيات الساطعةِ عليهم وتبليغِها إليهم فحُمل على الحذر منه بما في لعل من الإشفاق فقيل: {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} ليس عليك إلا الإنذارُ بما أوحي إليك غيرَ مبالٍ بما صدر عنهم من الرد والقَبولِ {والله على كُلّ شيء وَكِيلٌ} يحفَظ أحوالَك وأحوالَهم فتوكلْ عليه في جميع أمورِك فإنه فاعلٌ بهم ما يليق بحالهم، والاقتصار على النذير في أقصى غايةٍ من إصابة المَحزّ {أَمْ يَقُولُونَ افتراه} إضرابٌ بأمْ المنقطعةِ عن ذكر تركِ اعتدادِهم بما يوحى وتهاونِهم به وعدمِ اقتناعِهم بما فيه من المعجزات الظاهرةِ الدالةِ على كونه من عند الله عز وجل وعلى حقية نبوتِه عليه الصلاة والسلام وشروعٌ في ذكر ارتكابِهم لما هو أشدُّ منه وأعظمُ، وما فيها من معنى الهمزةِ للتوبيخ والإنكارِ والتعجيب، والضميرُ المستكنُّ في افتراه للنبي صلى الله عليه وسلم والبارزُ لما يوحى أي بل أيقولون افتراه وليس من عند الله.
{قُلْ} إن كان الأمرُ كما تقولون {فَاتُواْ} أنتم أيضاً {بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ} في البلاغة وحُسنِ النظمِ وهو نعتٌ لسُوَر أي أمثالِه، وتوحيدُه إما باعتبار مماثلةِ كلِّ واحدةٍ منها أو لأن المطابقةَ ليست بشرط، حتى يوصَفُ المثنى بالمفرد كما في قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} أو للإيماء إلى أن وجهَ الشبهِ ومدارَ المماثلةِ في الجميع شيءٌ واحدٌ هو البلاغةُ المؤديةُ إلى مرتبة الإعجازِ فكأن الجميعَ واحدٌ {مُفْتَرَيَاتٍ} صفةٌ أخرى لسُور أُخِّرت عن وصفها بالمماثلة لما يوحى لأنها الصفةُ المقصودةُ بالتكليف إذ بها يظهر عجزُهم وقعودُهم عن المعارضة، وأما وصفُ الافتراء فلا يتعلق به غرضٌ يدور عليه شيءٌ في مقام التحدِّي وإنما ذُكر على نهج المساهلةِ وإرخاءِ العِنانِ، ولأنه لو عُكس الترتيبُ لربما تُوُهّم أن المرادَ هو المماثلةُ في الافتراء، والمعنى فأتوا بعشر سورٍ مماثلةٍ له في البلاغة مختلفاتٍ من عند أنفسِكم إن صحّ أني اختلقتُه من عندي، فإنكم أقدرُ على ذلك مني لأنكم عرَبٌ فصحاءُ بلغاءُ قد مارستم مبادئ ذلك من الخُطَب والأشعارِ وحفِظتم الوقائعَ والأيامَ وزاولتم أساليبَ النظْمِ والنثر.
{وادعوا} للاستظهار في المعارضة {مَنِ استطعتم} دعاءَه والاستعانةَ به من آلهتكم التي تزعُمون أنها مُمِدّةٌ لكم في كل ما تأتون وما تذرون، والكهنةِ ومَدارِهِكم الذين تلجأون إلى آرائهم في المُلمّات ليُسعدوكم فيها {مِن دُونِ الله} متعلق بادعوا أي متجاوزين الله تعالى {إِن كُنتُمْ صادقين} في أني افتريتُه فإن ذلك يستلزِمُ إمكانَ الإتيانِ بمثله وهو أيضاً يسلِزمُ قدرتَكم عليه، والجوابُ محذوفٌ يدل عليه المذكور.

.تفسير الآية رقم (14):

{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)}
{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أي لم يفعلوا ما كُلِّفوه من الإتيان بمثله كقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} وإنما عُبِّر عنه بالاستجابة إيماءً إلى أنه عليه الصلاة والسلام على كمال أمنٍ من أمره، كأن أمرَه لهم بالإتيان بمثله دعاءٌ لهم إلى أمر يريد وقوعَه، والضميرُ في لكم للرسول عليه الصلاة والسلام والجمعُ للتعظيم كما في قول من قال:
وإن شئتِ حرمتُ النساءَ سواكمُ

أوْ له وللمؤمنين لأنهم أتباعٌ له عليه الصلاة والسلام في الأمر بالتحدّي، وفيه تنبيهٌ لطيفٌ على أن حقَّهم ألا ينفكوا عنه عليه الصلاة والسلام ويناصِبوا معه لمعارضة المعارِضين كما كانوا يفعلونه في الجهاد وإرشادٌ إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخَ في الإيمان والطُمأنينةَ في الإيقان، ولذلك رُتّب عليه قولُه عز وجل: {فاعلموا} أي اعلموا حين ظهر لكم عجزُهم عن المعارضة مع تهالُكهم عليها علماً يقيناً متاخِماً لعين اليقينِ بحيث لا مجالَ معه لشائبة ريبٍ بوجه من الوجوه، كأن ما عداه من مراتب العلمِ ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاطِ تلك المراتبِ بل بارتفاع هذه المرتبةِ وبه يتّضح سرُّ إيرادِ كلمةِ الشكِّ مع القطعِ بعدم الاستجابةِ فإن تنزيلَ سائرِ المراتبِ منزلةَ العدمِ مستتبِعٌ لتنزيل الجزْمِ بعدم الاستجابةِ منزلةَ الشكِّ فيه، أو اثبُتوا واستمِرّوا على ما كنتم عليه من العلم {إِنَّمَا أُنزِلَ} ملتبساً {بِعِلْمِ الله} المخصوصِ به بحيث لا تحوم حوله العقولُ والأفهامُ مستبداً بخصائصِ الإعجازِ من جهتي النظمِ الرائقِ والإخبار بالغيب {وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ} أي واعلموا أيضاً ألا شريكَ له في الألوهية وأحكامِها ولا يقدِر على ما يقدر عليه أحدٌ {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه؟ وهذا من باب التثبيتِ والترقيةِ إلى معارج اليقينِ، ويجوز أن يكونَ الخطابُ في الكل للمشركين من جهة الرسولِ صلى الله عليه وسلم داخلاً تحت الأمر بالتحدّي، والضميرُ في لم يستجيبوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجبْ لكم آلهتُكم وسائرُ مَنْ إليهم تجأرون في مُهمّاتكم ومُلماتكم إلى المعاونة والمظاهَرَةِ فاعلموا أن ذلك خارجٌ عن دائرة قُدْرةِ البشر وأنه مُنزّلٌ من خالق القُوى والقدر، فإيرادُ كلمةِ الشكِّ حينئذ مع الجزم بعدمِ الاستجابة من جهة آلهتِهم تهكّمٌ بهم وتسجيلٌ عليهم بكمال سخافةِ العقلِ، وترتيبُ الأمرِ بالعلم على مجرد عدمِ الاستجابة من حيث إنه مسبوقٌ بالدعاء المسبوقِ بعجزهم واضطرارِهم فكأنه قيل: فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائِكم إليهم بعد ما اضطُررتم إلى ذلك وضاقت عليكم الحيلُ وعيَّتْ بكم العللُ أو من حيث إن مَنْ يستمدّون بهم أقوى منهم في اعتقادهم، فإذا ظهر عجزُهم بعدم استجابتِهم وإن كان ذلك قبلَ ظهورِ عجزِ أنفِسهم يكون عجزُهم أظهرَ وأوضحَ، واعلموا أيضاً أن آلهتَكم بمعزل عن رتبة الشِرْكة في الألوهية وأحكامِها فهل أنتم داخلون في الإسلام إذْ لم يبْقَ بعدُ شائبةُ شبهةٍ في حقِّيته وفي بُطلان ما كنتم فيه من الشرك فيدخُلُ فيه الإذعانُ لكون القرآنِ من عند الله تعالى دخولاً أولياً أو منقادون للحق الذي هو كونُ القرآنِ من عند الله تعالى وتاركون لما كنتم فيه من المكابرة والعِناد، وفي هذا الاستفهامِ إيجابٌ بليغٌ لما فيه من معنى الطلب والتنبيهِ على قيام الموجبِ وزوالِ العذر وإقناطٌ من أن يجبُرَهم آلهتُهم من بأس الله عز سلطانُه، هذا والأول أنسبُ لما سلف من قوله تعالى: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} ولما سيأتي من قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ} وأشدُّ ارتباطاً بما يعقُبه كما ستحيط به خُبراً.

.تفسير الآيات (15- 16):

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)}
{مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا} أي ما يزيِّنها ويحسِّنها من الصحة والأمنِ والسعةِ في الرزق وكثرةِ الأولادِ والرياسةِ وغيرِ ذلك، والمرادُ بالإرادة ما يحصُل عند مباشرةِ الأعمالِ لا مجردُ الإرادةِ القلبية لقوله تعالى: {نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} وإدخالُ كان عليها للدِلالة على استمرارها منهم بحيث لا يكادون يريدون الآخِرةَ أصلاً، وليس المرادُ بأعمالهم أعمالَ كلِّهم فإنه لا يجد كلُّ متمنَ ما يتمناه ولا كلُّ أحدٍ ينال كلَّ ما تهواه، فإن ذلك منوطٌ بالمشيئة الجاريةِ على قضية الحِكمة كما نطَق به قولُه تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} ولا كلَّ أعمالِهم بل بعضَها الذي يترتب عليه الأمورُ المذكورةُ بطريق الأجرِ والجزاءِ من أعمال البرِّ وقد أُطلقت وأريد بها ثمراتُها، فالمعنى نوصِلُ إليهم ثمراتِ أعمالِهم في الحياة الدنيا كاملةً، وقرئ {يُوفِّ} على الإسناد إلى الله عز وجل و{تُوَفَّ} بالفوقانية على البناء للمفعول ورفعِ أعمالَهم، وقرئ {نُوْفي} بالتخفيف والرفع لكون الشرط ماضياً كقوله:
وإن أتاه خليلٌ يومَ مسغَبة ** يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ

{وَهُمْ فِيهَا} أي في {الحياة} الدنيا {لاَ يُبْخَسُونَ} أي لا يُنقَصون، وإنما عبّر عن ذلك بالبخْس الذي هو نقصُ الحقِّ مع أنه ليس لهم شائبةُ حقَ فيما أوتوه كما عبّر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاءُ الحقوقِ مع أن أعمالَهم بمعزل من كونها مستوجبةً لذلك بناءً للأمر على ظاهر الحالِ ومحافظةً على صور الأعمالِ ومبالغةً في نفي النقص، كأن ذلك نقصٌ لحقوقهم فلا يدخُل تحت الوقوعِ والصدورِ عن الكريم أصلاً، والمعنى أنهم فيها خاصةً لا يُنقصون ثمراتِ أعمالِهم وأجورَها نقصاً كلياً مطرداً ولا يُحرَمونها حِرماناً كلياً، وأما في الآخرة فهم في الحِرمان المطلقِ واليأسِ المحقق كما ينطِق به قوله تعالى: {أولئك} فإنه إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار إرادتِهم الحياةَ الدنيا أو باعتبار توْفيتِهم أجورَهم من غير بخسٍ أو باعتبارهما معاً. وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان ببُعد منزلتِهم في سوء الحالِ أي أولئك المُريدون للحياة الدنيا وزينتِها المُوَفَّوْن فيها ثمراتِ أعمالِهم من غير بخس {الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الاخرة إِلاَّ النار} لأن هِممَهم كانت مصروفةً إلى الدنيا وأعمالَهم مقصورةً على تحصيلها وقد اجتنَوْا ثمرتَها ولم يكونوا يريدون بها شيئاً آخرَ، فلا جرمَ لم يكن لهم في الآخرة إلا النارُ وعذابُها المخلّد {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} أي ظهر في الآخرة حُبوطُ ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدِّي إلى الثواب لو كانت معمولةً للآخرة أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البِرِّ إذ شرْطُ الاعتدادِ بها الإخلاصُ {وباطل} أي في نفسه {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في أثناء تحصيلِ المطالبِ الدنيويةِ، ولأجل أن الأولَ من شأنه استتباعُ الثوابِ والأجرِ وأن عدمَه لعدم مقارنتِه للإيمان والنيةِ الصحيحةِ وأن الثانيَ ليس له جهةٌ صالحة قطُّ عُلّق بالأول الحُبوطُ المؤذِنُ بسقوط أجرِه بصيغة الفِعل المنبىءِ عن الحدوث وبالثاني البُطلانُ المُفصِحُ عن كونه بحيث لا طائلَ تحته أصلاً بالاسمية الدالةِ على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه، وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماءٌ إلى أن صدورَ البرِّ منهم وإن كان لغرض فاسدٍ ليس في الاستمرار والدوامِ كصدور الأعمالِ التي هي من مقدّمات مطالبِهم الدنية، وقرئ {وبطَل} على الفعل أي ظهر بطلانُه حيث علم هناك أن ذلك وما يستتبعه من الحظوط الدنيويةِ مما لا طائلَ تحته أو انقطع أثرُه الدنيويُّ فبطَل مطلقاً، وقرئ {وباطلاً} ما كانوا يعملون على أن ما إبهاميةٌ أو في معنى المصدر كقوله:
ولا خارجاً مِنْ فِيَّ زورُ كلامِ

وعن أنس رضي الله عنه أن المرادَ بقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ} إلخ اليهودُ والنصارى إن أعطَوا سائلاً أو وصَلوا رحِماً عُجّل لهم جزاءُ ذلك بتوسعة في الرزق وصِحةٍ في البدن، وقيل: هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسْهم لهم في الغنائم، وأنت خبيرٌ بأن ذلك إنما كان بعد الهجرةِ، والسورةُ مكيةٌ، وقيل: هم أهلُ الرياءِ. يقال للقرّاء منهم: أردتَ أن يقال فلانٌ قارىءٌ فقد قيل ذلك وهكذا لغيره ممن يعمل أعمالَ البِرِّ لا لوجه الله تعالى فعلى هذا لابد من تقييد قوله: {لَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ النار} بأنْ ليس لهم بسبب أعمالِهم الريائيةِ إلا ذلك، والذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ أن المرادَ به مطلقُ الكفَرة بحيث يندرِجُ فيهم القادحون في القرآن العظيمِ اندراجاً أولياً فإنه عز وعلا لما أمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآنَ منزلٌ بعلم الله وبأن لا قُدرةَ لغيره على شيء أصلاً وهيّجهم على الثبات على الإسلام والرسوخِ فيه عند ظهورِ عجزِ الكفرةِ وما يدْعون من دون الله عن المعارضة وتبيّن أنهم ليسوا على شيء أصلاً اقتضى الحالُ أن يتعرّض لبعض شؤونِهم الموهمةِ لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظَ العاجلةَ واستيلائهم على المطالب الدنيويةِ وبيانِ أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه، ولقد بُيِّن ذلك أيَّ بيانٍ ثم أعيد الترغيبُ فيما ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيدِ والإسلام فقيل: