فصل: تفسير الآيات (16- 18):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآية رقم (15):

{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)}
{فَلِذَلِكَ} أي فلأجل ما ذُكِرَ من التفرق والشكِّ المريبِ أو فلأجلِ أنَّه شرعَ لهم الدينَ القويمَ القديمَ الحقيقَ بأنْ ينافسَ فيهِ المتنافسونَ {فادع} أي الناسَ كافةً إلى إقامةِ ذلكَ الدينِ بموجبِه فإنَّ كلاً من تفرقِهم وكونِهم في شكَ مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سببٌ للدعوةِ إليهِ والأمرِ بَها، وليسَ المشارُ إليهِ ما ذُكرَ من التوصية والأمرِ بالإقامة والنَّهي عن التفرقِ حتى يُتوهمُ شائبةُ التكرارِ، وقيلَ: المشارُ إليهِ نفسُ الدينِ المشروعِ، واللامُ بمَعْنى إِلى كَما في قولِه تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} أي فإلى ذلكَ الدينِ فادعُ {واستقم} عليه وعلى الدعوة إليه {كَمَا أُمِرْتَ} وأُوحيَ إليكَ {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} الباطلةَ {وَقُلْ ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب} أيَّ كتابٍ كان من الكتبِ المنزلةِ لا كالذينَ آمنُوا ببعضٍ منها وكفرُوا ببعضٍ، وفيه تحقيقٌ للحقِّ وبيانٌ لاتفاق الكتبِ في الأصول وتأليفٌ لقلوب أهلِ الكتابينِ وتعريضٌ بهم وقد مرَّ بيانُ كيفيةِ الإيمانِ بها في خاتمةِ سورةِ البقرةِ {وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في تبليغ الشرائعِ والأحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام، وقيل معناه لأسوي بيني وبينكُم ولا آمرَكم بما لا أعملُه ولا أخالفَكم إلى ما أنهاكُم عْنهُ ولا أفرقَ بين أكابرِكم وأصاغرِكم، واللام إمَّا على حقيقتها والمأمورُ به محذوفٌ أيْ أمِرتْ بذلكَ لأعدلَ، أو زائدةٌ أيْ أمرتُ أنْ أعدلَ والباءُ محذوفةٌ. {الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي خالقُنا جميعاً ومتولِّي أمورنا {لَنَا أعمالنا} لا يتخطانَا جزاؤُها ثواباً كانَ أو عقاباً {وَلَكُمْ أعمالكم} لا تجاوزكم آثارها لنستفيد بحسناتكم ونتضرر بسيئاتكم {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أيْ لا مُحاجَّةَ ولا خصومةَ لأنَّ الحقَّ قد ظهرَ ولم يبقَ للمحاجَّةِ حاجةٌ ولا للمخالفة محملٌ سوى المكابرةِ {الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يومَ القيامةِ {وَإِلَيْهِ المصير} فيظهرُ هناكَ حالُنا وحالُكم. وهذا كما تَرَى محاجزةٌ في مواقف المجاوبةِ لا متارَكةٌ في مواطن المحاربةِ حتى يُصارَ إلى النسخ بآيةِ القتالِ.

.تفسير الآيات (16- 18):

{وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18)}
{والذين يُحَاجُّونَ فِي الله} أي في دينِه {مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ} من بعدِ ما استجابَ له الناسُ ودخلُوا فيهِ، والتعبيرُ عن ذلكَ بالاستجابةِ باعتبار دعوتِهم إليهِ أو من بعد ما استجابَ الله لرسولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيَّده بنصره أو من بعد ما استجابَ له أهلُ الكتابِ بأنْ أقرُّوا بنبوته عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واستفتحُوا به قبلَ مبعثِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وذلكَ أنَّ اليهودَ والنَّصارى كانوا يقولونَ للمؤمنين كتابُنَا قبلَ كتابِكم ونبيُنا قبلَ نبيِّكُم ونحنُ خير منكُم وأولى بالحقِّ. {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ} زالَّةٌ زائلةٌ باطلةٌ بلْ لا حجةَ لهم أصلاً وإنما عبَّر عن أباطيلهم بالحجة مجاراةً معهم على زعمهم الباطلِ. {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} عظيمٌ لمكابرتِهم الحقَّ بعدَ ظهورِه {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لا يُقَادرُ قَدرُهُ.
{الله الذي أَنزَلَ الكتاب} أي جنسَ الكتابِ {بالحق} ملتبساً به في أحكامه وأخبارِه أو بما يحقُّ إنزالُه من العقائدِ والأحكامِ. {والميزان} والشرعِ الذي يُوزنُ به الحقوقُ ويسوى بينَ الناسِ، أو نفسُ العدلِ بأنْ أنزلَ الأمرَ بهِ أو آلةُ الوزنِ {وَمَا يُدْرِيكَ} أيْ أيُّ شيءٍ يجعلكَ عالماً {لَعَلَّ الساعة} التي يخبرُ بمجيئها الكتابُ الناطقُ بالحقِّ {قَرِيبٌ} أيْ شيءٌ قريبٌ أو قريب مجيئُها، وقيلَ: القريبُ بمعنى ذاتِ قربٍ، أو الساعةُ بمعنى البعثِ والمَعْنى أنَّها على جناحِ الإتيانِ فاتبعِ الكتابَ واعملْ بهِ وواظبْ على العدل قبل أنْ يفاجئكَ اليومُ الذي يوزنُ فيه الأعمالُ ويوفي جزاؤها.
{يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} استعجالَ إنكارٍ واستهزاءٍ، كانُوا يقولونَ متى هيَ ليتها قامتْ حَتَّى يظهرَ لنا الحقُّ أهُو الذي نحنُ عليهِ أم الذي عليهِ محمدٌ وأصحابُه {والذين ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} خائفونَ منَها معَ اعتناءٍ بها لتوقعِ الثوابِ {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق} أي الكائنُ لا محالةَ {أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ في الساعة} يجادلونَ فيها، منَ المرية أو من مَرَيتُ الناقةَ إذا مسحتُ ضَرعَها بشدةٍ للحلب لأنَّ كلاً من المتجادلينِ يستخرجُ ما عند صاحبهِ بكلامٍ فيه شدَّةٌ {لَفِى ضلال بَعِيدٍ} عن الحقِّ فإن البعثَ أشبه الغائباتِ بالمحسوسات فمن لم يهتدِ إلى تجويزِه فهُو عن الاهتداءِ إلى ما وراءَهُ أبعدُ وأبعدُ.

.تفسير الآيات (19- 22):

{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)}
{الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} أي برٌّ بليغُ البِرِّ بهم يُفيض عليهم من فنون ألطافِه ما لا يكادُ ينالُه أيدي الأفكارِ والظنونِ {يَرْزُقُ مَن يَشَاء} أنْ يرزقه كيفما يشاءُ فيخصُّ كلاً من عباده بنوعٍ من البرِّ على ما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحِكم البالغةِ. {وَهُوَ القوى} الباهرُ القدرةِ الغالبُ على كلِّ شيءٍ {العزيز} المنيعُ الذي لا يغلبُ. {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة} الحرثُ في الأصل إلقاءُ البَذْرِ في الأرض يُطلقُ على الزرع الحاصلِ منه المتضمن لتشبيهِ الأعمالِ بالبذورِ ويستعملُ في ثمرات الأعمالِ ونتائجِها بطرق الاستعارةِ المبنيةِ على تشبيِهها بالغلال الحاصلةِ من البذورِ أي من كانَ يريدُ بأعماله ثوابَ الآخرةِ {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} نضاعفْ له ثوابَهُ بالواحد عشرةً إلى سبعمائةٍ فما قوقَها {وَمَن كَانَ يُرِيدُ} بأعماله {حَرْثَ الدنيا} وهو متاعُها وطيباتُها {نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي شيئاً منها حسبما قسمنَا لهُ لا ما يريدُه ويبتغيه {وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِن نَّصِيبٍ} إذْ كانتْ همتُه مقصورةً على الدُّنيا وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الإسراء.
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء} أي بلْ ألهُم شركاءُ من الشياطينِ، والهمزةُ للتقرير والتقريعِ {شَرَعُواْ لَهُمْ} بالتسويل {مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله} كالشرك وإنكارِ البعثِ والعملِ للدُّنيا، وقيلَ: شركاؤُهم أوثانُهم وإضافتُها إليهم لأنَّهم الذينَ جعلُوها شركاءَ لله تعالَى وإسنادُ الشرعِ إليها لأنَّها سببُ ضلالتِهم وافتتانِهم كقوله تعالى: {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا} أو تماثيلُ مَنْ سنَّ الضلالَة لهُم {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل} أي القضاءِ السابقِ بتأخيرِ الجزاءِ أو العدةُ بأنَّ الفصلَ يكونُ يومَ القيامةِ {لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي بين الكافرينَ والمؤمنينَ أو بينَ المشركينَ وشركائِهم {وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقرئ بالفتحِ عطفاً على كلمة الفصلِ أي ولولا كلمةُ الفصلِ وتقديرُ عذابِ الظالمينَ في الآخرةِ لقُضيَ بينهم في الدُّنيا فإنَّ العذابَ الأليمَ غالبٌ في عذابِ الآخرةِ.
{تَرَى الظالمين} يومَ القيامةِ والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممن يصلحُ له للقصدِ إلى أنَّ سوءَ حالِهم غيرُ مختصَ برؤية راءٍ دونَ راءٍ {مُشْفِقِينَ} خائفينَ {مِمَّا كَسَبُواْ} من السيئاتِ {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أيْ ووبالُه لاحقٌ بهم لا محالةَ أشفقُوا أو لم يُشفقُوا، والجملةُ حالٌ من ضمير مشفقينَ أو اعتراضٌ {والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات} مستقرونَ في أطيب بقاعِها وأنزهِها {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ} أي ما يشتهونَهُ من فنون المستلذاتِ حاصلٌ لهم عندَ ربِّهم على أنَّ عندَ ربِّهم ظرفٌ للاستقرارِ العاملِ في لهم، وقيلَ ظرفٌ ليشاءون {ذلك} إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من حال المؤمنين، وما فيهِ منْ مَعْنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه {هُوَ الفضل الكبير} الذي لا يُقادَرُ قَدرُه ولا يُبلغُ غايتُه.

.تفسير الآيات (23- 24):

{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)}
{ذلك} الفضلُ الكبيرُ هو {الذى يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ} أي يبشرُهم به، فحذفَ الجارُّ ثمَّ العائدَ إلى الموصول كما في قوله تعالى: {أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً} أو ذلكَ التبشيرُ الذي يبشرُه الله تعالَى عبادَهُ {الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات}. وقرئ: {يُبْشِرُ} منْ أبشرَ.
{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} رُويَ أنَّه اجتمعَ المشركونَ في مجمعٍ لهم فقالَ بعضُهم لبعضٍ: أترونَ أنَّ محمداً يسألُ على ما يتعاطاهُ أجراً فنزلتْ. أيْ لا أطلبُ منكُم على ما أنا عليهِ من التبليغ والبشارة {أَجْراً} نفعاً {إِلاَّ المودة فِي القربى} أيْ إلا أن تودُّون لقرابتي منكم أو تودُّوا أهل قرابتي، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لا أسألُكم أجراً قَطُّ ولكنْ أسألُكم الموَّدةَ. وفي القُربي حالٌ منَها أيْ إلا المودَّةَ ثابتةً في القُربى متمكنةً في أهلِها أو في حقَ القرابةِ. والقُرْبى مصدرٌ كالزُّلْفى بمَعْنى القَرَابةِ. رُويَ أنَّها لما نزلتْ قيلَ: يا رسولَ الله مَنْ قرابتُكَ هؤلاءِ الذينَ وجبتْ علينا مودَّتُهم؟ قالَ عليٌّ وفاطمةُ وابناهُمَا. وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حُرِّمتْ الجنةُ على مَنْ ظلمَ أهلَ بيتِي وآذانِي في عِتْرتِي، ومن اصطنعَ صنيعةَّ إلى أحدٍ من ولدِ عبدِ المطلبِ ولمْ يجازِهْ فأَنَا أجازيهِ عليها غذاً إذا لَقِيَنِي يومَ القيامةِ». وقيلَ: القُرْبَى التقربُ إلى الله أيْ إلاَّ أن تودُّوا الله ورسولَهُ في تقربكم إليهِ بالطاعةِ والعملِ الصالحِ. وقرئ: {إلا مودَّةً في القُربَى}. {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي يكتسبْ أيَّ حسنةٍ كانتْ فتتناولُ مودَّةَ ذِي القُرْبى تناولاً أولياً. وعن السُدِّيِّ: أنَّها المرادةُ، وقيلَ: نزلتْ في الصدِّيقِ رضيَ الله عنه ومودَّتهُ فيهم. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا} أيْ في الحسنة {حَسَنًا} بمضاعفةِ الثوابِ. وقرئ: {يَزِدْ} أيْ يزدِ الله وقرئ: {حُسْنَى}. {أَنَّ الله غَفُورٌ} لمن أذنبَ. {شَكُورٍ} لمن أطاعَ بتوفيقِه للثوابِ والتفضلِ عليهِ بالزيادةِ.
{أَمْ يَقُولُونَ} بلْ أيقولونَ {افترى} محمدٌ {عَلَى الله كَذِبًا} بدعوى النبوةِ وتلاوةِ القُرآنِ، على أنَّ الهمزةَ للإنكار التوبيخيِّ كأنَّه قيلَ: أيتمالكونَ أنْ ينسُبُوا مثلَه عليهِ السَّلامُ. وهُوَ هُوَ. إلى الافتراء لاسيما الافتراءُ على الله الذي هُو أعظمُ الفِرَى وأفحشُها. وقوله تعالى: {فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ} استشهادٌ على بُطلان ما قالُوا ببيان أنَّه عليه السَّلامُ لو افتَرى على الله تعالَى لمنعَهُ من ذلك قطعاً، وتحقيقُه أنَّ دعوى كونِ القرآنِ افتراءً عليه تعالَى قولٌ منهم بأنَّه تعالَى لا يشاءُ صدورَهُ عن النبِّي صلى الله عليه وسلم بلْ يشاءُ عدمَ صدورِه عْنهُ ومن ضرورتِه منعُه عنْهُ قطعاً، فكأنَّه قيلَ: لو كانَ افتراءً عليه تعالَى لشاءَ عدمَ صدورِه عنكَ وإنْ يشأْ ذلكَ يختُم على قلبكَ بحيثُ لم يخطُرْ ببالك معنىً منْ معانيه ولم تنطقْ بحرفٍ من حروفِه وحيثُ لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ بلْ تواترَ الوحي حيناً فحيناً تبين أنَّه من عندِ الله تعالَى.
هَذا وقيلَ: المَعْنى إنْ يشأْ يجعلْكَ من المختوم على قلوبهم فإنَّه لا بجترىءُ على الافتراءِ عليه تعالى إلا مَنْ كانَ كذلكَ ومؤدَّاهُ استبعاد الافتراءِ منْ مثله عليه السَّلامُ وأنَّه في البُعد مثلُ الشرك بالله والدخولِ في جملةِ المختومِ على قلوبِهم. وعن قَتَادةَ يختمْ على قلبِكَ يُنْسكَ القُرآنَ ويقطعْ عنكَ الوَحيَ. يعني لوا افترَى على الله الكذبَ لفعل به ذلك، وهذا مَعْنى ما قيلَ: لو كذب على الله لأنساهُ القرآنَ، وقيلَ: يختمْ على قلبِكَ يربطْ عليهِ بالصبرِ حتَّى لا يشقَّ عليك أذاهُم.
{وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق بكلماته} استئنافٌ مقررٌ لنفي الافتراء غيرُ معطوفٍ عَلَى يختمُ كما ينبىءُ عنه إظهارُ الاسمِ الجليلِ، وسقوطُ الواوِ كما في بعض المصاحفِ لاتّباعِ اللفظِ كما في قولِه تعالى: {وَيَدْعُ الإنسان بالشر} أيُ ومن عادته أنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ ويثبتُ الحقَّ بوحيهِ أو بقضائِه كقول تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ} فلو كان افتراءً كما زعمُوا لمحقَةُ ودمغَهُ. أو عِدةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بأنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ الذي هم عليهِ من البَهتِ والتكذيبِ ويثبتُ الحق الذي هو عليهِ بالقرآنِ أو بقضائِه الذي لا مردَّ له بنصرته عليهم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} فيُجرِي عليها أحكامَها اللائقةَ من المحوِ والإثباتِ.

.تفسير الآيات (25- 26):

{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)}
{وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} التوبةُ هي الرجوعُ عنِ المعاصِي بالندمِ عليها والعزمُ على أنْ لا يعاودها أبداً. ورَوَى جابرٌ رضيَ الله عْنهُ أنَّ أعرابياً دخلَ مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقالَ: اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ وكبَّرَ فلما فرغَ من صلاتِه قالَ له عليٌّ رضيَ الله عُنهُ يا هَذا إنَّ سرعةَ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذَّابينَ وتوبتُكَ هذهِ تحتاجُ إلى التوبةِ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ، وما التوبةُ قالَ اسمٌ يقع على ستةِ معانٍ: على الماضِي من الذنوبِ الندامةُ، ولتضييع الفرائضِ الإعادةُ وردُّ المظالمِ وإذابةُ النفسِ في الطاعةِ كما ربَّيتها في المعصيةِ وإذقتُها مرارةَ الطاعةِ كما أذقتَها حلاوةَ المعصيةِ والبكاءُ بدلُ كلِّ ضحكٍ ضحكتَهُ. {وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات} صغيرها وكبيرِها لمنْ يشاءُ {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} كائناً ما كانَ من خيرٍ وشرَ فيجازِي ويتجاوزُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنية على الحِكَمِ والمصالحِ. وقرئ: {ما تفعلونَ} بالتاءِ. {وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} أي يستجيبُ الله لهم فحُذف اللامُ كما في قولِه تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ} أي كالُوا لَهُم، والمرادُ إجابةُ دعوتِهم والإثابةُ على طاعتهم فإنَّها كدعاءٍ وطلبٍ لِما يترتبُ عليها، ومنْهُ قولُه عليهِ السَّلامُ: «أفضلُ الدُّعاءِ الحمدُ لله». أو يستجيبونَ بالطاعةِ إذا دَعَاهُم إليَها. وعنُ إبراهيِمَ بنِ أدهم أنَّه قيلَ لَهُ ما بالُنَا ندعُو فلا نجابُ قالَ لأنَّه دعاكُم ولم تجيبُوه ثمَّ قرأَ: {والله يَدْعُو إلى دَارِ السلام} {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} على ما سألوا واستحقوا بموجب الوعد. {والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. بدلَ مَا للمؤمنينَ من الثوابِ والفضلِ المزيدِ.

.تفسير الآيات (27- 29):

{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29)}
{وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض} لتكبَّرُوا وأفسدُوا فيَها بَطَراً أو لعَلاَ بعضُهم على بعضٍ بالاستيلاءِ والاستعلاء، كمَا عليهِ الجِبلَّةُ البشريةُ. وأصلُ البَغِي طلب تجاوز الاقتصادِ فيَما يُتحرَّى من حيثُ الكميَّةُ أو الكيفيَّةُ {ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ} أي بتقديرٍ {مَا يَشَاء} أنْ ينزلَهُ مما تقتضيه مشيئتُه {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ} محيطٌ بخفايا أمورهم وجلايَاها فيقدرُ لكلِّ واحدٍ منهُم في كلِّ وقتٍ من أوقاتِهم ما يليقُ بشأنِهم فيفقرُ ويُغِني ويمنعُ ويُعطِي ويَقْبِض ويبسُط حسبما تقتضيهِ الحكمةُ الربَّانيةُ. ولو أغناهُم جميعاً لبغَوا ولو أفقرهُم لهلكُوا. ورُويَ أنَّ أهلَ الصُّفَّةِ تمنَّوا الغِنَى فنزلتْ وقيل: نزلتْ في العرب كانُوا إذا أخصبوا تحاربُوا وإذا أجدبوا انتجعوا.
{وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث} أي المطرَ الذي يغيثُهم من الجدب ولذلك خُصَّ بالنافعِ منه. وقرئ: {يُنزل} من الانزال {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} يئسوا منه وتقييدُ تنزيلِه بذلكَ مع تحققه بدونه أيضاً لتذكر كمالِ النعمةِ. وقرئ بكسر النون {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} أيْ بركاتِ الغيثِ ومنافعَهُ في كلِّ شيءٍ من السهلِ والجبلِ والنباتِ والحيوانِ، أو رحمتَهُ الواسعةَ المنتظمةَ لَما ذُكِرَ انتظاماً أولياً {وَهُوَ الولى} الذي يتولَّى عبادَهُ بالإحسان ونشرِ الرحمة {الحميد} المستحقُ للحمدِ على ذلك لا غيرُهُ. {وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السموات والأرض} على ما هُما عليهِ من تعاجيب الصنائع فإنَّها بذاتها وصفاتِها تدلُّ على شؤونه العظيمةِ {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} عطفٌ على السموات أو الخلق {مِن دَابَّةٍ} من حَيَ، على إطلاقِ اسمِ المُسبَّبِ على السببِ أو ممَّا يدبُّ على الأرضِ فإنَّ ما يختصُّ بأحد الشيئين المتجاورين يصحُّ نسبتُه إليهما كَما في قولِه تعالَى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} وإنما يخرجُ من المِلحِ. وقد جُوِّز أنْ يكونَ للملائكة عليهم السَّلامُ مشيٌ مع الطيرانِ فيوصفُوا بالدبيب وأن يخلقَ الله في السماءِ حيواناً يمشُونَ فيها مشيَ الأنَاسيِّ على الأرض كما ينبىءُ عنْهُ قولُه تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقد رُويَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «فوقَ السماءِ السابعةِ بحرٌ من أسفله وأعلاهُ كَما بينَ السماءِ والأرضِ ثمَّ فوقَ ذلكَ ثمانيةُ أوعالٍ بين رُكَبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السماءِ والأرضِ ثم فوقَ ذلكَ العرشُ العظيمُ».
{وَهُوَ على جَمْعِهِمْ} أي حشرِهم بعدَ البعثِ للمحاسبةِ. وقولُه تعالى: {إِذَا يَشَاء} متعلقٌ بما قبلَهُ لا بقوله تعالى: {قَدِيرٌ} فإنَّ المقيدَ بالمشيئةِ جمعُه تعالى لا قدرتُه، وإذَا عندَ كونِها بمَعْنى الوقتِ كَما تدخلُ الماضِي تدخلُ المضارعَ.