فصل: تفسير الآيات (64- 66):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآية رقم (61):

{أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)}
{أَم مَّنْ جَعَلَ الأرض قَرَاراً} قيلَ: هو بدلٌ من أمْ مَنْ خلقَ السمواتِ إلخ وكذا ما بعدَه من الجُملِ الثَّلاثِ، وحكم الكلِّ واحدٌ والأظهرُ أنَّ كلَّ واحدةٍ منها إضرابٌ وانتقالٌ من التبكيتِ بما قبلها إلى التبكيتِ بوجهٍ آخرَ أدخلُ في الإلزامِ بجهةٍ من الجهاتِ أي جعلها بحيثُ بستقرُّ عليها الإنسانُ والدوابُّ بإبداءِ بعضِها من الماءِ ودخولها وتسويتِها حسبما تدورُ عليه منافعهُم {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا} أوساطَها {أَنْهَاراً} جاريةً ينتفعونَ بها {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابتَ تمنعها أنْ تميدَ بأهلها ويتكونُ فيها المعادنُ وينبعُ في حضيضِها الينابيعُ ويتعلقُ بها من المصالح ما لا يُحصى {وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين} أي العذابِ والمالحِ أو خليجيْ فارسَ والرومِ {حَاجِزاً} برزخاً مانعاً من الممازجةِ وقد مرَّ في سورةِ الفرقانِ، والجعلُ في المواقعِ الثلاثةِ الأخيرةِ إبداعيٌّ وتأخيرُ مفعولِه عن الظرفِ لما مرَّ مراراً من التَّشويقِ {أءلاه مَّعَ الله} في الوجودِ أو في إبداعِ هذه البدائعِ على ما مرَّ. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي شيئاً من الأشياءِ ولذلك لا يفهمونَ بطلانَ ما هُم عليهِ من الشركِ مع كمالِ ظهورِه.

.تفسير الآيات (62- 63):

{أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63)}
{أَم مَّنْ يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} وهو الذي أحوجتْه شدةٌ من الشَّدائدِ وألجأته إى اللجَأِ والضَّراعةِ إلى الله عزَّ وجلَّ، اسم مفعولٍ من الاضطرارِ الذي هو افتعالٌ من الضِّرورةِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما هو المجهودُ وعن السُّدِّيِّ رحمه الله تعالى مَن لا حولَ له ولا قوةَ، وقيل: المذنبُ إذا استغفرَ. واللامُ للجِنسِ لا للاستغراقِ حتَّى يلزمَ إجابة كلِّ مضطرٍ. {وَيَكْشِفُ السوء} وهُو الذي يعترِي الإنسانَ مما يسوؤُه {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الأرض} أي خلفاءَ فيها بأنْ ورَّثكم سُكناها والتَّصرفَ فيها ممَّن قبلكم من الأممِ وقيل المرادُ بالخلافةِ الملكُ والتَّسلطُ. {أءلاه مَّعَ الله} الذي يُفيض على كافةِ الأنامِ هذه النعمَ الجسامَ {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تتذكرونَ، وما مزيدةٌ لتأكيدِ معنى القلَّةِ التي أريدَ بها العدمُ أو ما يجري مجراه في الحقارةِ وعدمِ الجدوى. وفي تذيبلِ الكلامِ بنفي التذكرِ عنهم إيذانٌ بأنَّ مضمونَهُ مركوزٌ في ذهنِ كلِّ ذكيَ وغبيَ وأنَّه من الوضوحِ بحيثُ لا يتوقفُ إلا على التوجِه إليه وتذكره. وقرئ: {تتذكرونَ} على الأصلِ و{تذّكرون} {يذّكرونَ} بالتاءِ والياءِ مع الإدغامِ.
{أَم مَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظلمات البر والبحر} أي في ظلماتِ الليالي فيهما على أنَّ الإضافةَ للملابسةِ أو في مشتبهاتِ الطرقِ يقالُ طريقةٌ ظلماءُ وعمياءُ للتي لا منارَ بها {وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} وهي المطرُ، ولئن صحَّ أن السببَ الأكثريَّ في تكونِ الريحِ معاودةُ الأدخنةِ الصاعدةِ من الطبقةِ الباردةِ لانكسارِ حرِّها وتمويجِها للهواءِ فلا ريبَ في أنَّ الأسبابَ الفاعليةَ والقابليةَ لذلك كلِّه من خلقِ الله عزَّ وجلَّ، والفاعلُ للسببِ فاعلٌ للمسبَّب قطعاً {أءلاه مَّعَ الله} نفيٌ لأنْ يكونَ معه إلهٌ آخرُ. وقولُه تعالى: {تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} تقريرٌ وتحقيقٌ له، وإظهار الاسمِ الجليلِ في موضعِ الإضمارِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكمِ أي تعالَى وتنزه بذاتِه المنفردةِ بالألُوهيةِ المستتبعةِ لجميعِ صفاتِ الكمالِ ونعوتِ الجمالِ والجلالِ المقتضيةِ لكونِ كلِّ المخلوقاتِ مقهُوراً تحتَ قُدرتِه عمَّا يُشركون أي عنْ وجودِ ما يُشركونَه به تعالَى لا مُطلقاً فإنَّ وجودَه مما لا مردَّ لهُ بلْ عن وجودِه بعُنوانِ كونِه إلهاً وشريكاً له تعالَى أو عن إشراكهم.

.تفسير الآيات (64- 66):

{أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)}
{أَم مَّنْ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي بلْ أمن يبدأُ الخلقَ ثمَّ يُعيده بعد الموتِ بالبعثِ {وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض} أي بأسبابٍ سماويةٍ وأرضيةٍ قد رتبَّها على ترتيبٍ بديعٍ تقتضيهِ الحكمةُ التي عليها بُني أمرُ التكوينِ خيرٌ أمْ ما تشركونَه به في العبادةِ من جمادٍ لا يتوهم قدرتُه على شيءٍ ما أصلاً.
{أءلاه} آخرُ موجودٌ {مَعَ الله} حتَّى يجُعلَ شريكاً له في العبادةِ وقولُه تعالَى: {قُلْ هَاتُواْ برهانكم} أمرٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتبكيتِهم إثرَ تبكيتٍ أي هاتُوا بُرهاناً عقلياً أو نقلياً يدلُّ على أنَّ معه تعالى إلهاً لا على أنَّ غيرَه تعالى يقدُر على شيءٍ ممَّا ذُكر من أفعالِه تعالى كما قيلَ فإنَّهم لا يدعونَهُ صريحاً ولا يلتزمونَ كونَه من لوازمِ الألوهيةِ وإن كان منها في الحقيقةِ فمطالبتُهم بالبرهانِ عليه لا على صريحِ دعواهم ممَّا لا وجَه له وفي إضافةِ البرُهان إلى ضميرهم تهكمٌ بهم لما فيَها من إيهامٍ أنَّ لهم برهاناً وأنَّى لهُم ذلكَ {إِن كُنتُمْ صادقين} أي في تلك الدَّعوى.
{قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله} بعد ما حقق تفرده تعالى بالأُلوهيةِ ببيانِ اختصاصِه بعلمِ الغيبِ تكميلاً لما قبله وتمهيداً لما بعدَه من أمرِ البعثِ. والاستثناءُ منقطعٌ ورفعُ المستثنى على اللُّغةِ التميمية للدِّلالةِ على استحالةِ علمِ الغيبِ من أهلِ السَّمواتِ والأرضِ بتعليقِه بكونِه سُبحانه وتعالَى منُهم كأنَّه قيلَ: إنْ كانَ الله تعالَى ممن فيهما ففيهم مَن يعلمُ الغيبَ، أو متصلٌ على أنَّ المرادَ بمن في السَّمواتِ والأَرضِ مَن تعلقَ علمُه بهما واطَّلع عليهما اطِّلاعَ الحاضرِ فيهما فإنَّ ذلكَ معنى مجازيٌّ عامٌّ له تعالَى ولأوُلي العلمِ من خلقِه، ومَن موصولةٌ أو موصوفةٌ {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي مَتَى يُنشرون من القبورِ مع كونِه ممَّا لابد لهم منْهُ ومن أهم الأُمورِ عندهم. وأيَّان مركبةٌ مِنْ أيّ وآن. وقرئ بكسرِ الهمزةِ. والضَّميرُ للكفرةِ وإنْ كانَ عدمُ الشُّعورِ بما ذُكر عامَّاً لئلاَّ يلزمَ التفكيكُ بينَه وبينَ ما سيأتي من الضَّمائِر الخاصَّةِ بهم قطعاً. وقيلَ الكُلُّ لمن، وإسنادُ خواصِّ الكفرةِ إلى الجميعِ من قبيلِ قولِهم بنُو فُلانٍ فعلُوا كَذَا والفاعلُ بعضٌ منُهم.
{بَلِ ادرك عِلْمُهُمْ فِي الأخرة} لمَّا نفَى عنهم علمَ الغيبِ وأكَّد ذلكَ بنفِي شعورِهم بوقت ما هو مصيرُهم لا محالةَ بُولغَ في تأكيدِه وتقريرِه بأنْ أضربَ عنْهُ وبيَّن أنَّهم في جهلٍ أفحشَ من جهلهِم بوقت بعثِهم حيثُ لا يعلمونَ أحوالَ الآخرةِ مُطلقاً معَ تعاضدِ أسبابِ معرفِتها على أنَّ معنى ادَّارك علمُهم في الآخرةِ تداركَ وتتابعَ علمُهم في شأنِ الآخرةِ التي ما ذُكر من البعثِ حالٌ مِن أحوالِها حتَّى انقطعَ ولم يبقَ لهم علمٌ بشيءٍ ممَّا سيكونُ فيها قطعاً لكن لا عَلى معنى أنَّه كانَ لهم علمٌ بذلكَ على الحقيقةِ ثمَّ انتفَى شيئاً فشيئاً بلْ على طريقةِ المجازِ بتنزيلِ أسبابِ العلمِ ومباديِه من الدَّلائلِ العقليةِ والسَّمعيةِ منزلةَ نفسِه وإجراءِ تساقطِها عن درجةِ اعتبارِهم كلَّما لاحظُوها مُجرى تتابعِها إلى الانقطاعِ ثمَّ أضربَ وانتقلَ عن بيانِ عدمِ علمِهم بها إلى بيانِ ما هُو أَسوأُ منه وهو حيرتُهم في ذلكَ حيثُ قيلَ: {بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا} أي في شكَ مُريبٍ من نفسِ الآخرةِ وتحققها كَمن تحيَّر في أمرٍ لا يجدُ عليه دليلاً فضلاً عن الأمورِ التي ستقعُ فيها ثمَّ أضربَ عن ذلكَ إلى بيانِ أنَّ ما هُم فيه أشدُّ وأفظعُ من الشكِّ حيثُ قيلَ: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ} بحيثُ لا يكادونَ يُدركون دلائلَها لاختلالِ بصائرِهم بالكُليَّة.
وقرئ: {بل أدّرك} علمُهم بمعنى انتهى وفَنِيَ، وقد فسَّره الحسنُ البصريُّ باضمحلَّ علمُهم، وقيلَ: كلتَا الصِّيغتينِ على معناهُما الظاهرِ أي تكاملَ واستحكَم أو تمَّ أسبابُ علمِهم بأنها كائنةٌ لا محالةَ من آيات القيامةِ القاطعةِ والحُججِ السَّاطعةِ وتمكَّنُوا من المعرفِة فضلَ تمكنٍ وهم جاهلُون في ذلكَ وقولُه تعالَى: {بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا} إضرابٌ وانتقالٌ من وصفهم بمطلقِ الجهلِ إلى وصفِهم بالشكِّ. وقولُه تعالَى: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ} إضرابٌ من وصفِهم بالشكِّ إلى وصفِهم بَما هُو أشدُّ منْهُ وأفظعُ من العَمَى، وأنتَ خبيرٌ بأنَّ تنزيلَ أسبابِ العلمِ منزلةَ العلمِ سَننٌ مسلوكٌ لكنْ دلالةُ النَّظمِ الكريمِ على جهلِهم حينئذٍ ليستْ بواضحةٍ. وقيلَ: المرادُ بوصفِهم باستحكامِ العلمِ وتكاملِه التَّهكمُ بهم فيكونَ وصفاً لهُم بالجهل مُبالَغةً والإضرابانِ على ما ذُكر وأصلُ ادَّاركَ تَدَارك وبه قرأَ أُبَيٌّ، فأُبدلتِ التَّاءُ دالاً وسُكِّنتْ فتعذَّرَ الابتداءُ فاجتُلِبتْ همزةُ الوصلِ فصارَ أدَّارك. وقرئ: {بلِ ادَّرك} وأصلُه افتعلَ، وبلْ أَأَدَّرك بهمزتينِ، وبلْ آأدْرَك بألفٍ بينَهما، وبلْ دَرَك بالتَّخفيفِ والنَّقلِ، وبَلَ ادَّرك بفتحِ اللامِ وتشديدِ الدَّالِ، وأصلُه بلْ أدّركَ على الاستفهامِ، وبَلَى ادّركَ،، وبَلَى أَأَدْرك، وأمْ تَدَارك، وأمِ ادَّرك. فهذهِ ثِنْتا عشرةَ قراءةً فما فيهِ استفهامٌ صريحٌ أو مضمَّنٌ من ذلكَ فهُو إنكارٌ ونفيٌ وما فيهِ بَلَى فإثباتٌ لشعورِهم وتفسيرٌ له بالإدراكِ على وجهِ التَّهكمِ الذي هو أبلغُ وجوهِ النَّفي والإنْكارِ، وما بعدَهُ إضرابٌ عن التَّفسيرِ مبالغةً في النَّفي ودلالةً على أنَّ شعورَهم بها أنَّهم شاكُّون فيها بلْ إنَّهم منها عَمُون أو ردٌّ وإنْكارٌ لشعورِهم.

.تفسير الآية رقم (67):

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67)}
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} بيانٌ لجهلِهم بالآخرةِ وعَمَهِهم منها بحكايةِ إنكارِهم للبعثِ، ووضعُ الموصولِ موضَع ضميرِهم لذمِّهم بما في حيِّز صلته والإشعارِ بعلَّة حُكمهم الباطلِ في قولِهم {أَءذَا كُنَّا تُرَاباً وَءابَاؤُنَا أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ} أي أنخرجُ من القبورِ إذا كنَّا تُراباً كما ينبىءُ عنه مخرجونَ ولا مساغَ لأنْ يكونَ هو العاملَ في إذا لاجتماعِ موانعَ لو تفرَّدَ واحدٌ منها لكَفَى في المنعِ، وتقييدُ الإخراجِ بوقتِ كونِهم تُراباً ليس لتخصيصِ الإنكارِ بالإخراجِ حينئذٍ فقط فإنَّهم مُنكرون للإحياءِ بعدَ الموتِ مُطلقاً وإنْ كانَ البدنُ على حالِه بل لتقويةِ الإنكارِ بتوجيههِ إلى الإخراجِ في حالةٍ منافيةٍ له. وقولُه تعالَى وآباؤُنا عطفٌ على اسمِ كانَ، وقامَ الفصلُ مع الخبرِ مقامَ الفصلِ بالتأكيدِ، وتكريرُ الهمزةِ في أئنا للمبالغةِ والتَّشديدِ في الإنكارِ. وتحليةُ الجُملةِ بأنَّ واللامِ لتأكيدِ الإنكارِ لا لإنكار التَّاكيدِ كما يُوهمه ظاهرُ النَّظمِ فإنَّ تقديمَ الهمزةِ لاقتضائِها الصدارةَ كَما في قولِه تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ونظائِره عَلَى رَأي الجُمهورِ فإنَّ المَعْنى عندَهُم تعقيبُ الإنْكارِ لا إنكارُ التَّعقيبِ كما هو المشهورُ. وقرئ: {إذَا كنَّا} بهمزةٍ واحدةٍ مكسورةٍ، وقرئ: {إنَّا لمخرجُون} على الخبرِ.

.تفسير الآيات (68- 73):

{لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73)}
{لَقَدْ وُعِدْنَا هذا} أي الإخراجَ {نَحْنُ وَءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ} أي من قبلِ وعدِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتقديمُ الموعودِ على نحنُ لأنَّه المقصودُ بالذكرِ وحيثُ أُخّرَ قُصد به المبعوثَ والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لتقريرِ الإنكارِ. وتصديرُها بالقسمِ لمزيدِ التأكيدِ. وقولُه تعالى: {إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين} تقريرُ إثرَ تقريرٍ.
{قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين} بسببِ تكذيبِهم للرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيما دَعَوهم إليهِ من الإيمانِ بالله عزَّ وجلَّ وحَدهُ وباليومِ الآخرِ الذي تُنكرونَهُ فإنَّ في مشاهدةِ عاقبتِهم ما فيهِ كفايةٌ لأُولي الأبصارِ وفي التعبيرِ عن المُكذبينَ بالمجرمينَ لُطفٌ بالمؤمنينَ في تَرْكِ الجرائم.
{وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} لإصرارِهم على الكُفْرِ والتَّكذيبِ {وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ} في حَرَجِ صدرٍ {مّمَّا يَمْكُرُونَ} من مكرِهم فإنَّ الله تعالى يَعصِمُك من النَّاسِ. وقرئ بكسرِ الضَّادِ وهُو أيضاً مصدرٌ ويجوزُ أنْ يكونَ المفتوحُ مخفَّفاً من ضيّقٍ. وقد قرئ كذلكَ أي لا تكُن في أمرٍ ضيِّقٍ.
{وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد} أي العذابُ العاجلُ الموعودُ {إِن كُنتُمْ صادقين} في إخبارِكم بإتيانِه. والجمعُ باعتبارِ شركةِ المُؤمنينَ في الإخبارِ بذلَك.
{قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} أي تبعكُم ولحقكُم والَّلامُ مزيدةٌ للتأكيدِ كالباءِ في قولهِ تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} أو الفعلُ مضمَّنٌ معنى فعلٍ يُعدَّى باللَّامِ. وقرئ بفتحِ الدَّالِ وهي لغةٌ فيه {بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ} وهو عذابُ يومِ بدرٍ. وعسَى ولعلَّ وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بها وإنما يطلقونها إظهاراً للوقار وإشعاراً بأنَّ الرَّمزَ من أمثالِهم كالتَّصريحِ ممَّن عداهُم وعلى ذلك مَجرى وعدِ الله تعالى ووعيدهِ. وإيثارُ ما عليه النَّظمُ الكريمُ على أنْ يُقالَ عَسى أنْ يردفَكم إلخ لكونِه أدلَّ على تحققِ الوعدِ.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} أي لذُو إفضالٍ وإنعامٍ على كافَّة النَّاسِ. ومن جُملةِ إنعاماتِه تأخيرُ عقوبةِ هؤلاءِ على ما يرتكبونَهُ من المَعَاصي التي من جُملتِها استعجالُ العذابِ {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} لا يعرفون حقَّ النعمةِ فيه فلا يشكرونَهُ بل يستعجلونَ بجهلِهم وقوعَهُ كدأبِ هؤلاءِ.

.تفسير الآيات (74- 80):

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)}
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} أي ما تُخفيه. وقرئ بفتحِ التَّاءِ من كننتُ الشيءَ إذا سترتُه {وَمَا يُعْلِنُونَ} من الأفعالِ والأقوالِ التي مِن جُملتِها ما حُكي عنهم من استعجالِ العذابِ وفيه إيذانٌ بأنَّ لهم قبائحَ غيرَ ما يُظهرونَهُ وأنَّه تعالَى يُجازيهم على الكلِّ. وتقديمُ السرِّ على العَلَن قد مرَّ سرُّه في سُورةِ البقرةِ عند قولِه تعالى: {أَوْ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السماء والأرض} أي من خافيةٍ فيهما وهُما من الصِّفاتِ الغالبةِ. والتَّاءُ للمبالغة كَما في الرِّوايةِ أو اسمانِ لما يغيبُ ويَخْفى والتَّاءُ للنقلِ إلى الاسميَّةِ {إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ} أيْ بيِّنٍ أو مُبينٍ لما فيهِ لَمنْ يُطالعه وهو اللَّوحُ المحفوظُ، وقيلَ هُو القضاءُ العدلُ بطريقِ الاستعارةِ.
{إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} منْ جُملتِه ما اختلفُوا في شأنِ المسيحِ وتحزَّبُوا فيهِ أحزاباً وركبُوا متنَ العُتوِّ والغُلوِّ في الإفراطِ والتَّفريطِ والتَّشبيهِ والتَّنزيهِ ووقعَ بينُهم التَّناكُدُ في أشياءَ حتَّى بلغَ المُشاقَّة إلى حيثُ لعنَ بعضُهم بعضاً وقد نزلَ القرآنُ الكريمُ ببيانِ كُنْهِ الأمرِ لو كانُوا في حيِّز الإنصافِ.
{وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ} على الإطلاقِ فيدخلُ فيهم مَن آمنَ مِن بني إسرائيلَ دُخولاً أَوَّلِياً.
{إِن رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم} أي بينَ بني إسرائيلَ {بِحُكْمِهِ} بما يحكمُ بهِ وهو الحقُّ أو بحكمتِه ويؤيدُه أنَّه قرئ: {بحكمته} {وَهُوَ العزيز} فلا يردُّ حكمُه وقضاؤُه {العليم} بجميعِ الأشياءِ التي مِنْ جُملتها ما يقضى بهِ والفاءُ في قولِه تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله} لترتيبِ الأمرِ على ما ذُكر من شؤونِه عزَّ وجلَّ فإنَّها موجبةٌ للتوكلِ عليهِ وداعيةٌ إلى الأمرِ بهِ أي فتوكَّل عَلى الله الذي هَذا شأنُه فإنَّه موجبٌ على كلِّ أحدٍ أنْ يتوكلَ عليهِ ويفوض جميعَ أمورِه إليهِ وقوله تعالى: {إِنَّكَ عَلَى الحق المبين} تعليلٌ صريحٌ للتَّوكلِ عليه تعالَى بكونِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ على الحقِّ البيِّنِ أو الفاصلِ بينَهُ وبينَ الباطلِ أو بينَ المُحقِّ والمُبطلِ فإنَّ كونَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كذلكَ ممَّا يُوجبُ الوثوقَ بحفظِه تعالى ونُصرتِه وتأييدِه لا محالةَ.
وقولُه تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى} إلخ تعليلٌ آخرُ للتَّوكلِ الذي هُو عبارةٌ عن التَّبتلِ إلى الله تعالى وتفويضِ الأمرِ إليهِ والإعراضِ عن التشبثِ بما سِواه وقد عُلِّل أولاً بما يُوجبه من جهتِه تعالى أعني قضاءَهُ بالحقِّ وعزَّتِه وعلمهِ تعالى وثانياً بما يُوجبه من جهتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على أحدِ الوجهينِ أعنِي كونَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على الحقِّ ومن جهتِه تعالى على الوجهِ الآخرِ أعني إعانتَه تعالى وتأييدَه للحقِّ.
ثم عُلِّل ثالثاً بما يُوجبه لكنْ لا بالذَّاتِ بل بواسطةِ إيجابِه للإعراضِ عن التَّشبثِ بما سِواه تعالى فإنَّ كونَهم كالمَوتى والصُمِّ والعُمْي موجبٌ لقطعِ الطمعِ عن مشايعتِهم ومعاضدتِهم رأساً وداعٍ إلى تخصيصِ الاعتضادِ به تعالى وهو المعنى بالتَّوكل عليه تعالى وإنَّما شُبِّهوا بالموتى لعدمِ تأثرِهم بما يُتلى عليهم من القوارعِ. وإطلاقُ الإِسماعِ عن المفعولِ لبيانِ عدمِ سماعهم لشيءٍ من المسموعاتِ ولعلَّ المرادَ تشبيهُ قلوبِهم بالمَوتى فيما ذُكر من عدمِ الشُّعور فإنَّ القلبَ مَشعرٌ من المشاعرِ أشُير إلى بطلانِه بالمرةِ ثم بُيِّن بطلانُ مشعري الأذنِ والعينِ كما في قولِه تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} وإلا فبعد تشبيهِ أنفسِهم بالمَوتى لا يظهر لتشبيهِهم بالصُّمِّ والعُمي مزيدُ مزيةٍ. {لاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء} أي الدَّعوةَ إلى أمرٍ من الأمُور، وتقييدُ النفيِّ بقوله تعالى: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} لتكميلِ التشبيهِ وتأكيدِ النفيِّ فإنَّهم مع صَمَمِهم عن الدُّعاء إلى الحقِّ معُرضونَ عن الدَّاعي مولُّون على أدبارِهم، ولا ريبَ في أنَّ الأصمَّ لا يسمعُ الدُّعاءَ مع كونِ الدَّاعِي بمقابلةِ صُماخه قريباً فكيفَ إذا كانَ خلفَهُ بعيداً منه. وقرئ قرئ: {ولا يَسمعُ الصمُّ الدعاءَ}.