فصل: باب الرخصة في رمي الجمار

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار ***


باب البيتوتة بمكة ليالي منى

876- مالك عن نافع أنه قال زعموا أن عمر بن الخطاب كان يبعث رجالا يدخلون الناس من وراء العقبة‏.‏

877- مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة‏.‏

878- مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال في البيتوتة بمكة ليالي منى لا يبيتن أحد إلا بمنى قال أبو عمر على ما روي عن عمر في هذا الباب أكثر الناس وفيه حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يبيتن أحد إلا بمنى حتى يتم حجه ولا يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء والله أعلم وأحسن شيء فيه ما روي عن بن عمر أنه قد بات رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وصلى وكان بن عباس ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ يرخص في المبيت بمكة ليالي منى ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا بن عيينة عن بن دينار عن عكرمة عن بن عباس قال لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى ويظل إلى رمي الجمار وعن بن عيينة عن بن جريج أو غيره عن عطاء عن بن عباس مثله قال‏.‏

وأخبرنا معمر عن الزهري قال إذا بات بمكة ليالي منى فعليه دم قال‏.‏

وأخبرنا بن جريج عن عطاء قال إذا بات بمكة لغير ضرورة فليهرق دما وقال عبد الرزاق قلت للثوري ما على من بات بمكة ليلا أو ليالي منى قال لم يبلغني فيه شيء أحفظه الآن قال أبو عمر لا خلاف علمته بين العلماء أن من سنن الحج المبيت بمنى ليالي التشريق لكل حج إلا من ولي السقاية من آل العباس بن عبد المطلب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في المبيت بمكة من أجل سقايتهم وأرخص لرعاء الإبل في ذلك على ما يأتي ذكره بعد إن شاء الله أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثني محمد بن بكر بن داسة قال حدثني أبو داود قال حدثني عثمان بن أبي شيبة قال حدثني بن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر قال استأذن العباس النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقاية الحاج فأذن له‏.‏

وحدثني محمد بن إبراهيم قال حدثني محمد بن معاوية قال حدثني أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا عيسى قال أخبرنا عبيد الله عن نافع عن بن عمر قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته قال أبو عمر حديث بن عمر هذا ثابت عند أهل العلم بالحديث وفيه دليل على أن المبيت بمنى ليالي منى من سنن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خص بالرخصة عمه دون غيره من أجل السقاية وكانت له في الجاهلية مكرمة يسقي الناس نبيذ التمر في الموسم فأقر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر محمد بن أبي عمر العدني عن سفيان عن بن طاوس قال كان أبي يقول شرب نبيذ السقاية من تمام الحج وروى بن جريج عن نافع أن بن عمر لم يكن يشرب من النبيذ ولا من زمزم قط يعني في الحج وقال دارم بن عبد الرحمن سألت عطاء عن النبيذ فقال كل مسكر حرام فقلت يا بن أم رباح أتزعم أنهم يسقون الحرام في المسجد الحرام فقال يا بن أخي والله لقد أدركت هذا الشراب وإن الرجل ليشرب فتلتزق شفتاه من حلاوته قال فلما ذهبت النخوة وولي السفهاء تهاونوا بالشراب واستخفوا به‏.‏

وأما ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس سقايات زمزم فأشهر من أن تذكر وقال عطاء كان بن عباس يأتي منى كل يوم عند زوال الشمس يرمي الجمار ثم يرجع إلى مكة فيبيت بها لأنه كان من أهل السقاية واختلف الفقهاء في حكم من بات بمكة من غير أهل السقاية فقال مالك من بات ليلة من ليالي منى فعليه دم‏.‏

وقال الشافعي لا رخصة في ترك المبيت بمنى إلا لرعاة الإبل وأهل سقاية العباس دون غير هؤلاء وسواء من استعملوا عليها منهم أو من غيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لأهل السقاية من أهل بيته أن يبيتوا بمكة ليالي منى‏.‏

وقال الشافعي إن غفل أحد فبات بغير منى ولم يكن من أهل السقاية أحببت أن يطعم عن الليلة مسكينا فإن بات ليالي منى كلها أحببت أن يهريق دما وقال أصحاب الشافعي له في هذه المسألة قولان أحدهما أنه إن بان عنها ليلة تصدق بدرهم وإن بان عنها ليلتين تصدق بدرهمين وإن بان عنها ثلاث ليال كان عليه دم والثاني أن عليه لكل ليلة مدا من طعام إلى ثلاث ليال فإن تمت الثلاث فعليه دم‏.‏

وقال أبو حنيفة وأبو محمد إن كان يأتي منى فيرمي الجمار ثم يبيت بمكة فلا شيء عليه وهو قول الحسن البصري‏.‏

وقال أبو ثور إن بات ليالي منى بمكة فعليه دم وهو قول أحمد وإسحاق قال أبو عمر من لم ير عليه شيئا قال لو كانت سنة ما سقطت عن الناس وإنما هو استحباب وحسبه إذا رمى الجمار في وقتها وعلة من رأى الدم في ذلك أنها سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ورخص لأهل السقاية دون غيرهم‏.‏

باب رمي الجمار

 قال أبو عمر الجمار الأحجار الصغار ومن هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر أي من تمسح بالأحجار ومنه الجمار التي ترمى بعرفة يوم النحر وسائر الجمار ترمى أيام التشريق وهي أيام منى قال بن الأنباري الجمار هي الأحجار الصغار يقال جمر الرجل يجمر تجميرا إذا رمى جمار مكة وأنشد قول عمر بن أبي ربيعة‏:‏

فلم أر كالتجمير منظر ناظر *** ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى

قال أبو عمر ويروى أفلتن ذا هوى وهي أبيات لعمر بن أبي ربيعة وقد أمر بنفيه عن مكة من أجلها سليمان بن عبد الملك فقال له يا أمير المؤمنين إني أتوب إلى الله ‏(‏عز وجل‏)‏ ولا أعود إلى أن أقول في النساء شعرا أبدا وأنا أعاهد الله على ذلك فخلى سبيله ونفى الأحوص ولم يشفع فيه الذين شفعوا فيه من الأنصار وقال لا أرده إلى وطنه ما كان لي سلطان فإنه فاسق مجاهر وأبيات عمر التي منها البيت المذكور قوله‏:‏

وكم من قتيل لا يباء به دم *** ومن غلق رهنا إذا ضمه منى

ومن مالىء عينيه من شيء غيره *** إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

يسحبن أذيال المروط بأسوق *** خدال وأعجاز مآكمها روى

أوانس يسلبن الحليم فؤاده *** فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى

مع الليل قصرا رميها بأكفها *** ثلاث أسابيع تعد من الحصى

فلم أر كالتجمير منظر ناظر *** ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى

وقوله لا يباء به أي يسفك دم ثأرا وبدلا من دم‏.‏

879- مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفا طويلا حتى يمل القائم‏.‏

880- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفا طويلا يكبر الله ويسبحه ويحمده ويدعو الله ولا يقف عند جمرة العقبة قال أبو عمر فعل عمر بن الخطاب هذا في بلاغ مالك عنه قد روي عنه مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي ذلك المعنى عن عمر متصلا أيضا‏.‏

وأما الحديث المسند في ذلك فحدثني محمد بن إبراهيم قال حدثني محمد بن معاوية قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال حدثني عثمان بن عمر قال حدثني عثمان عن الزهري قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد منى رمى بسبع حصيات يكبر كلما رمي بحصاة ثم يتقدم أمامها فيقف مستقبل البيت رافعا يديه يدعو يطيل الوقوف ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم يكبر ذات الشمال فيقف مستقبل البيت رافعا يديه يدعو ثم يأتي الجمرة التي في العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينصرف فلا يقف عندها قال الزهري سمعت سالما يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان بن عمر يفعله قال أبو عمر روى هذا الحديث معمر عن الزهري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رمى الجمرتين وقف عندهما ورفع يديه ولا يفعل ذلك في الجمرة الثانية وكان إذا رمى الثالثة انصرف مرسلا هكذا ولم يسنده وقد روت عائشة ‏(‏رضي الله عنها‏)‏ هذا المعنى عنه صلى الله عليه وسلم حدثني عبد الله بن محمد قال حدثني محمد بن بكر قال حدثني أبو داود قال حدثني علي بن بكر وعبد الله بن سعيد ‏(‏المعنى ‏)‏ قالا حدثني أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن قاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها‏.‏

وأما حديث عمر فذكره عبد الرزاق قال أخبرنا بن جريج قال أخبرني هارون بن أبي عائشة عن عدي بن عدي عن سلمان بن ربيعة قال نظرنا عمر بن الخطاب يوم النفر الأول فخرج علينا وهو يحسها في يده حصيات وفي حجزته حصاة ماشيا يكبر في طريقه حتى رمى الجمرة ثم مضى حتى انقطع حيث لا يصيبه الحصا فدعا ساعة ثم مضى إلى الجمرة الوسطى ثم مضى حتى انقطع حيث لا يصيبه الحصا ثم للأخرى‏.‏

881- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يكبر عند رمي الجمرة كلما رمى بحصاة قال أبو عمر قوله عن بن عمر ثم يقف عند الجمرتين يعني من الثلاث التي ترمى أيام التشريق وهي ثلاث جمرات كل جمرة منها ترمى بسبع حصيات ترمى الأولى منها وهي التي عند المسجد فإذا أكمل رميها بسبع حصيات تقدم أمامها فوقف طويلا للدعاء بما تيسر ثم يرمي الثانية وهي الوسطى وينصرف عنها ذات الشمال في بطن المسيل ويطيل الوقوف عندها للدعاء ثم يرمي الثالثة عند العقبة حيث رمى يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات يرميها من أسفلها ولا يقف عندها ولو رماها من فوقها أجزاه ويكبر في ذلك كله كل حصاة يرميها والوقوف عند الجمرتين دون الثالثة معمول بها عند العلماء من نحو ما فيها ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر وبن عيينة عن عمرو بن دينار قال رأيت بن عمر يرمي الجمار حين تزول الشمس قبل أن يصلي الظهر فيقف عند الجمرتين وقوفا طويلا رمى الجمرة الأولى وقام أمامها قياما طويلا ثم رمى الجمرة الثانية وقام عند شمالها قياما طويلا ثم رمى الثالثة ولم يقف عندها وعن بن عباس مثل ذلك قال‏.‏

وأخبرنا معمر والثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز قال كان بن عمر يستر ظله ثلاثة أشبار ثم يرمي وقام عند الجمرتين قدر سورة يوسف قال أبو عمر قد روي عنه قدر سورة البقرة ولا توقيت في ذلك عند الفقهاء وإنما هو ذكر ودعاء كان بن عمر يكبر مع كل حصاة وقد روي عنه أنه كان يقول حين يرمي الجمرة اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعن إبراهيم النخعي مثله وعن القاسم بن محمد أنه كان يقول إذا رمى اللهم لك الحمد ولك الشكر وعن علي ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ أنه كان يقول كلما رمى حصاة اللهم اهدني بالهدى وقني بالتقوى واجعل الآخرة خيرا لي من الأولى قال أبو عمر فإن لم يقف بها ولم يدع فلا حرج إن شاء الله عند أكثر العلماء وقال بعضهم عليه دم وقال الثوري ويستحبون أن يستقبل في الدعاء عند الجمرتين‏.‏

882- مالك أنه سمع بعض أهل العلم يقول الحصى التي يرمى بها الجمار مثل حصى الخذف قال مالك وأكبر من ذلك قليلا أعجب إلي قال أبو عمر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه من حديث جابر بن عبد الله وبن عباس وحديث عمرو بن الأحوص وحديث رجل من بني تيم قرشي يختلف في اسمه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمار بمثل حصى الخذف‏.‏

وأما حديث جابر فحدثناه محمد بن إبراهيم قال حدثني محمد بن معاوية قال حدثني أحمد بن شعيب قال حدثني محمد بن بشار قال حدثني يحيى القطان قال حدثني بن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار بمثل حصى الخذف‏.‏

وأما حديث بن عباس فحدثني محمد بن إبراهيم قال حدثني محمد بن معاوية قال حدثني أحمد بن شعيب قال حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثني بن علية قال حدثني عوف قال حدثني زيد بن حصين قال عن أبي العالية قال قال بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته هات القط لي فلقطت له حصيات هن حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين‏.‏

وأما حديث عمرو بن الأحوص فحدثني عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني الخشني قال حدثني أحمد بن أبي عمر قال حدثني سفيان عن يزيد بن أبي زياد قال أخبرني سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر من بطن الوادي وهو على بغلته وهو يقول يا أيها الناس عليكم السكينة لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رميتم الجمرة بمنى فارموها بمثل حصى الخذف قال أبو عمر هذا هو المستحب عند جماعة أهل العلم وقد أنكر الشافعي على مالك ‏(‏رحمة الله عليهما‏)‏ قوله وأكبر من ذلك قليلا أعجب إلي‏.‏

883- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد قال أبو عمر إنما قال ذلك لأن من غربت له الشمس بمنى لزمه المبيت بها على سنته فإذا أصبح من اليوم الثالث لم ينتظر حتى يرمي لأنه ممن تعجل في يومين فإن أقام حتى تزول الشمس رمى الرمي على سنته في تلك الأيام وقد رخص له أن يرمي في الثالث ضحى وينفر ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا بن جريج عن بن أبي مليكة قال رأيت بن عباس يرمي مع الظهيرة أو قبلها ثم يصدر قال‏.‏

وأخبرنا معمر عن أبيه قال لا بأس بالرمي يوم النفر ضحى‏.‏

884- مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن الناس كانوا إذا رموا الجمار مشوا ذاهبين وراجعين وأول من ركب معاوية بن أبي سفيان قال أبو عمر رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق الجمار ماشيا وفعل ذلك جماعة الخلفاء بعده وعليه العمل عند العلماء وحسبك وما حكاه القاسم بن محمد عن جماعة الناس في ذلك لا يختلفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة راكبا ورمى الجمار ماشيا وذلك أفضل عند الجميع فمن وقف راجلا بعرفة أو رمى الجمار راكبا فلا أعلم أحدا أوجب عليه شيئا ولما قال القاسم إن أول من فعل ذلك معاوية دل على أن غيره فعل ذلك بعده وإن كان ذلك لم يحمد له والله أعلم‏.‏

وأما جمرة العقبة فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رماها راكبا ليرى الناس كيف الرمي وذلك محفوظ في حديث جابر وكان بن عمر يرمي جمرة يوم النحر راكبا ويرمي سائر الجمار أيام التشريق ماشيا‏.‏

885- مالك أنه سأل عبد الرحمن بن القاسم من أين كان القاسم يرمي جمرة العقبة فقال من حيث تيسر قال أبو عمر يعني من حيث تيسر من العقبة من أسفلها أو من أعلاها أو وسطها كل ذلك واسع والموضع المختار منها بطن الوادي لحديث عبد الله بن مسعود أنه قيل له إن ناسا يرمون الجمرة من فوقها فاستبطن الوادي ثم قال من ها هنا والذي لا إله غيره رماها الذي أنزلت عليه سورة البقرة وقد أجمعوا أنه إن رماها من فوق الوادي أو أسفله أو ما فوقه أو أمامه فقد جزى عنه وقالوا إذا وقعت الحصاة من العقبة أجزى وإن لم تقع فيها ولا قريبا منها أعاد الرمي ولم يجزه سئل مالك هل يرمى عن الصبي والمريض فقال نعم ويتحرى المريض حين يرمى عنه فيكبر وهو في منزله ويهريق دما فإن صح المريض في أيام التشريق رمى الذي رمي عنه وأهدى وجوبا لا يختلفون أنه من لا يستطيع الرمي لعذر رمي عنه وإن كبر كما قال مالك فحسن ولو قدر أن يحمل حتى إذا قرب من الجمار وضع الحصى من يده ثم رمى كان حسنا فإن لم يقدر رمى عنه غيره وأجزى عنه بإجماع واختلفوا فيما يلزمه إن صح في أيام الرمي وقد كان رمي عنه بعض أيام الرمي فقال مالك ما تقدم ذكره عنه في موطئه والهدي الذي يلزمه عنده لا بد أن يخرج به إلى الحل ثم يدخله الحرم فيذبحه ويطعمه المساكين أو يشتريه في الحل فيدخله‏.‏

وقال الشافعي إذا صح في أيام الرمي رمى عن نفسه ما رمي عنه وإن مضت أيام الرمي فلا شيء عليه قال فإن لم يرم عن الصبي حتى تمضي أيام الرمي أهريق عن كل واحد منهما دم‏.‏

وقال أبو ثور في ذلك كله مثل قول الشافعي‏.‏

وقال أبو حنيفة إن لم يرم عن الصبي حتى مضت أيام الرمي لم يكن عليه شيء وإن رمى عن المجنون والمريض والمغمى عليه جزى ذلك عنهم قال أبو عمر أجمعوا على أنه إن لم يكبر المريض إذا رمي عنه ولا كبر الصحيح أيضا عند الرمي أنه لا شيء عليه قال مالك لا أرى على الذي يرمي الجمار أو يسعى بين الصفا والمروة وهو متوضئ إعادة ولكن لا يتعمد ذلك قال أبو عمر لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة إذ حاضت افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ولم يستثن على الحائض شيئا غير الطواف بالبيت دل على أن ما عداه جائز أن يعمل على غير طهارة لأن كل ما تصنعه الحائض كان لمن كان على غير طهارة أن يصنعه إلا أن عمل ذلك على طهارة أفضل لا يختلفون في ذلك لمن قدر على الطهارة‏.‏

وأما الحائض فلا تقدر على الطهارة ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا بن جريج عن عطاء قال لا ترمى الجمار إلا على طهور فإن فعل جزى عنه قال‏.‏

وأخبرنا معمر عن الزهري قال لا تغسل الجمار إلا أن يصيبها قذر‏.‏

886- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس قال أبو عمر هذه سنة الرمي في أيام التشريق عند الجميع لا يختلفون في ذلك واختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق فقال جمهور العلماء من رماها قبل الزوال أعاد رميها بعد الزوال وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري وأحمد وأبي ثور وإسحاق وروي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها‏.‏

باب الرخصة في رمي الجمار

887- مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه أن رسول الله أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر‏.‏

888- مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه أرخص للرعاء أن يرموا بالليل يقول في الزمان الأول قال مالك تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا قال أبو عمر قد ذكرنا في التمهيد ما ذكره أحمد بن خالد عن يحيى بن يحيى في حديث أبي البداح أنه قال فيه عن أبي البداح عاصم بن عدي وتكلمنا في ذلك بما حضرنا والذي عندنا في رواية يحيى أنه كما رواه غيره سواء عن أبي البداح بن عاصم بن عدي وهو الصحيح وقد ذكرنا شواهده في التمهيد وقد روى هذا الحديث يحيى القطان عن مالك بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين بعده يجمعونهما في آخرهما لم يذكر البيتوتة عن منى ومعلوم أنه إنما رخص لهم في البيتوتة عن منى هم وكل من ولي السقاية من آل العباس وظاهر حديث يحيى بن سعيد القطان عن مالك أنه رخص للرعاء في دمج يومين في يوم واحد فرموا ذلك أو أجزوه ومالك لا يرى لهم التقديم إنما يرى لهم تأخير رمي اليوم الثاني إلى الثالث ثم يرمون في اليومين لأنه لا يقضى عليه شيء من ذلك حتى يجب فيقضى فيه ومن حجته ما رواه بن جريج عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الإبل أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرمون من الغد يعني يرمون اليوم الذي غابوا عنه من منى ثم يرمون عن يومهم الذي أتوا فيه من رعيهم قال أبو عمر وقال غير مالك لا بأس بذلك كله لأنها رخصة رخص لهم فيها كما رخص لمن نفر وتعجل في يومين في سقوط الرمي في اليوم الثالث وعند مالك إذا رموا في اليوم الثالث وهو الثاني من أيام التشريق لذلك اليوم ولليوم الذي قبله نفروا إن شاؤوا في بقية ذلك اليوم فإن لم ينفروا وبقوا إلى الليل لم ينفروا اليوم الثالث من أيام التشريق حتى يرموا في وقت الرمي بعد الزوال وإنما لم يجز مالك للرعاء في تقديم الرمي لأن غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا في أيام التشريق شيئا من الجمار قبل الزوال ومن رماها قبل الزوال أعادها فكذلك الرعاء سواء وإنما رخص للرعاء في تأخير اليوم الثاني إلى اليوم الثالث فقف على ذلك فهو مذهب مالك قال أبو عمر لما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل بالرمي في الليل دل ذلك على أن الرمي بالليل غيره أفضل منه لأن الليل لا يجوز فيه الرمي أصلا لإجماع العلماء أن الرمي للرعاء وغير الرعاء لا يجوز تأخيره حتى تخرج أيام التشريق فدل على أن الرمي في ليل التشريق رخصة للرعاء وأن الرمي بالنهار هو في الوقت المختار قال معمر سمعت الزهري يقول أرخص للرعاء أن يرموا ليلا وبن جريج عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يرموا بالليل وقال مجاهد لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لغير الرعاء وقال الزهري وعطاء من نسي أن يرمي نهارا في أيام منى فليرم في الليل يرمي في أيام منى بالليل والنهار فإن مضت أيام منى أهراق دما وقال عطاء إذا غابت الشمس من أيام التشريق فقد انقطع الرمي وقد روي أن الرمي يفوت بطلوع الفجر من آخر أيام التشريق وهي رواية شاذة قال عروة من فاته الرمي في أيام التشريق بعد زوال الشمس إلى آخر غروب الشمس‏.‏

وأما قولهم من ترك الرمي إلى أن غربت الشمس فقال مالك من لم يرم حتى الليل رمى ساعة ذكر من ليل أو نهار قال وهو أخف عندي من الذي يفوته الرمي يوم النحر حتى يمسي‏.‏

وقال أبو حنيفة من ترك رمي الجمار كلها يومه إلى الليل وهو في أيام الرمي رماها بالليل ولا شيء عليه فإن ترك الرمي حتى انشق الفجر رمى وعليه دم وقال أبو يوسف ومحمد يرمي من الغد ولا شيء عليه‏.‏

وقال الشافعي من أخر أو نسي شيئا من الرمي أيام منى قضى ذلك في أيام منى فإن مضت أيام منى ولم يرم أهراق دما لذلك إن كان الذي ترك ثلاث حصيات وإن كان أقل ففي كل حصاة مد يتصدق به وهو قول أبي ثور‏.‏

889- مالك عن أبي بكر بن نافع عن أبيه أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئا قال أبو عمر هذه جمرة العقبة وقد تقدم البيان في وقتها في هذا الكتاب وفيمن رماها قبل وقتها وما للعلماء في ذلك ونذكر ها هنا أقوالهم أيضا فيمن رماها ومن بعد وقتها ووقتها من عند طلوع الشمس إلى غروبها واختلفوا فيمن غربت له الشمس قبل أن يرميها فقال مالك إن رماها بعد الغروب من الليل فأحب إلي أن يهريق دما وإن أخرها إلى أيام التشريق كان عليه هدي وقول أبي حنيفة نحو قول مالك في ذلك إلا أنه قال إن رماها من الليل فلا شيء عليه وإن لم يرم حتى الغد رماها وعليه دم وقال أبو يوسف ومحمد إن أخرها إلى الليل أو من الغد رماها وعليه دم وقال أبو يوسف ومحمد إن أخرها من الغد رماها ولا شيء عليه وهو قول الشافعي وأبي ثور وإسحاق سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي قال ليرم أي ساعة ذكر من ليل أو نهار كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلا أو نهارا فإن كان ذلك بعد ما صدر وهو بمكة أو بعد ما يخرج منها فعليه الهدي قال أبو عمر أجمع العلماء على أن من لم يرم الجمار أيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرميها بعد وأنه يجبر ذلك بالدم أو بالطعام على حسب اختلافهم فيها فمن ذلك أن مالكا قال لو ترك رمي الجمار كلها أو ترك جمرة منها أو ترك حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه‏.‏

وقال أبو حنيفة إن ترك الجمار كلها كان عليه دم وإن ترك جمرة واحدة فعليه لكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع من حنطة إلى أن يبلغ دما إلا جمرة العقبة فمن تركها فعليه دم وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه قال إن ترك حصاة تصدق بشيء وقال الثوري يطعم في الحصاة أو الحصاتين والثلاث فإن ترك أربعا فصاعدا فعليه دم وقال الليث عليه في الحصاة الواحدة دم‏.‏

وقال الشافعي في الحصاة الواحدة مد وفي حصاتان مدان وفي ثلاث حصيات دم وله قول آخر مثل قول الليث والأول أشهر عنه قال أبو عمر قد رخصت طائفة من التابعين منهم مجاهد في الحصاة الواحدة ولم يروا فيها شيئا روى بن عيينة عن بن أبي نجيح قال سئل طاوس عن رجل ترك من رمي الجمار حصاة فقال يطعم لقمة أو قال يطعم تمرة فذكر ذلك لمجاهد فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن ألم يسمع ما قال سعد بن أبي وقاص قال سعد خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته فبعضنا يقول رميت بسبع حصيات وبعضنا يقول رميت بست فلم يعب بعضنا على بعض قال أبو عمر من أحسن ما قيل في قلة الجمار بمنى مع كثرة الرمي بها هناك ما حدثني عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني الخشني قال حدثني بن أبي عمر قال حدثني سفيان عن سليمان بن أبي المغيرة عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال الحصا قربان فما تقبل من الحصا رفع وسفيان عن فطر عن أبي العباس عن أبي الطفيل وسفيان عن فطر وبن أبي حسين عن أبي الطفيل قال قلت لابن عباس رميت الجمار في الجاهلية والإسلام فكيف لا تسد الطريق فقال ما تقبل منها رفع ولولا ذلك لكان أعظم من ثبير‏.‏

باب الإفاضة

890- مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب خطب الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت‏.‏

891- مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هديا إن كان معه فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت قال أبو عمر في هذه المسألة أربعة أقوال للسلف والخلف أحدها قول عمر هذا أنه من رمى جمرة العقبة فقد حل له كل ما حرم عليه إلا النساء والطيب وهو مذهب عمر في الطيب على ما تقدم في باب الطيب عند الإحرام في أول الكتاب والثاني إلا النساء والطيب والصيد وهو قول مالك وحجته قول الله تعالى ‏(‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

ومن لم يحل له وطء النساء فهو حرام والثالث إلا النساء والصيد وهو قول عطاء وطائفة من العلماء والرابع إلا النساء خاصة وهو قول الشافعي وسائر العلماء القائلين بجواز الطيب عند الإحرام وقبل الطواف بالبيت على حديث عائشة وروى بن عيينة ومعمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال قال عمر إذا رمى الرجل الجمر بسبع حصيات وذبح وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء والطيب وفي حديث معمر قال سالم وكانت عائشة تقول قد حل له كل شيء إلا النساء ثم قالت إني طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد بن عيينة لحمة ولحله قبل أن يطوف بالبيت قال سالم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع ولم يذكر هذه الزيادة معمر وروى الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني قال كان بن عباس يقول إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء أحرمتم منه إلا النساء فقلت يا أبا عباس ‏!‏ والطيب قال لا إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضمخا بالطيب وذكر معمر أيضا عن بن المنكدر قال سمعت بن الزبير يقول إذا رميتم الجمرة وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء وبه قال طاوس وعلقمة وروى عبد الرزاق قال حدثنا الثوري عن بن جريج عن عطاء قال إذا رميت الجمرة فقد حل لك كل شيء إلا النساء والصيد وأن شئت أن تتطيب فتطيب ولك أن تقبل ولا يحل لك المسيس وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر ويحيى بن سعيد وربيعة سأل سالم بن عبد الله وخارجة بن زيد بعد أن رمى الجمرة وحلق وقيل أن يفيض عن الطيب فرخص له خارجة بن زيد ونهاه سالم وهذا عن سالم خلاف ما رواه عنه بن شهاب في حديث بن عيينة وقد اختلف قول مالك فيمن تطيب بعد رمي الجمرة وقبل الإفاضة فمرة رأى عليه الفدية ومرة لم ير فيه شيئا لما جاء فيه عن عائشة وخارجة قال أبو عمر لم يختلف الفقهاء أن طواف الإفاضة وهو الذي يدعوه أهل العراق طواف الزيارة لا يرحل فيه ولا يوصل بالسعي بين الصفا والمروة إلا أن يكون القادم لم يطف ولم يسع أو المكي الذي ليس عليه أن يطوف طواف القدوم فإن هذين يطوفان بالبيت وبالصفا والمروة طوافا واحدا سبعا وبين الصفا والمروة على ما قد أوضحناه في غير موضع من هذا الكتاب وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الله وعبيد الله ابنا عمر عن نافع عن بن عمر أنه كان إذا أفاض لا يزيد على طواف واحد ولا يرمل فيه قال‏.‏

وأخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن بن عمر مثله وعن سعيد بن جبير وطاوس وعطاء مثل ذلك قال‏.‏

وأخبرنا معمر عن بن طاوس قال كان أبي إذا أفاض لا يزيد على سبع واحدا ذكر عبد الرزاق عن معمر والثوري عن عبد الكريم قال طفت مع سعيد بن جبير يوم النحر فلم يزد على سبع قال‏.‏

وأخبرنا معمر عن طاوس عن أبيه قال لا يرمل الرجل إذا أفاض إلا إذا لم يطف قبل ذلك قال‏.‏

وأخبرنا بن جريج قال عطاء أفاض النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فلم يسمع في ذلك سبع بالبيت قال أبو عمر يعني لم يرمل ولم يطف بين الصفا والمروة إلا أن عطاء كان يقول يطوف إن شاء ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا هشيم عن الحجاج عن الحكم قال كان أصحاب عبد الله لا يزيدون يوم النحر على سبع قال الحجاج فسألت عطاء فقال طف كيف شئت قال أبو عمر كان إبراهيم النخعي يستحب لمن أفاض أن يطوف ثلاثة أسابيع ويحكى عن شيوخه أنهم كانوا كذلك يفعلون وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن المغيرة عن إبراهيم قال كان الاختلاف إلى مكة أحب إليهم من الجوار وكانوا يستحبون إذا اعتمروا أن يقيموا ثلاثا وكانوا لا يعتمرون في السنة إلا مرة وكانوا يستحبون للرجل أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق وأول ما يحج أن يحرم من بيته وأول ما يعتمر أن يعتمر من بيته وكانوا يستحبون لمن قدم مكة ألا يخرج منها حتى يختم القرآن وكانوا يستحبون أن يطوفوا يوم النحر ثلاثة أسابيع وكانوا يقولون إذا قصر أو لبد أن يحلق قال أبو عمر كانوا يستحبون لمن حج أو اعتمر أن يحلق في أول حجة يحجها أو عمرة يعتمرها يعني ولا يقصر‏.‏

باب دخول الحائض مكة

892- مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا قالت فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى التنعيم فاعتمرت فقال هذا مكان عمرتك فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا منها ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم‏.‏

وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا مالك عن بن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة بمثل ذلك قال أبو عمر هكذا روى هذا الحديث يحيى بن يحيى بهذين الإسنادين ولم يروه أحد من رواة الموطأ وغيرهم عن مالك كذلك وإنما الحديث عند جميعهم غير يحيى عن مالك عن بن شهاب عن عروة عن عائشة لا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة كما روى يحيى وليس إسناد عبد الرحمن بن القاسم عند غير يحيى من رواة الموطأ في هذا الحديث وقد زدنا هذا المعنى بيانا في التمهيد‏.‏

وأما قول عائشة في هذا الحديث خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ففيه حج المرأة مع زوجها وفي معنى ذلك سفرها معه حيث شاء ومما أبيح له ولها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافر امرأة إلا مع زوجها أو أبيها أو ابنها أو أخيها أو ذي محرم منها وروي عنه مسيرة بريد ومسيرة يوم ومسيرة يوم وليلة ومسيرة يومين ومسيرة ثلاثة أيام وسيأتي القول في ذلك في موضعه عند ذكر حديث مالك في ذلك إن شاء الله تعالى واختلفوا في المرأة التي لا زوج لها ولا معها ذو محرم يطاوعها على السفر إلى الحج معها هل تحج من غير زوج ولا ذي محرم أم لا وهل الزوج والمحرم من السبيل الذي قال الله تعالى ‏(‏من استطاع إليه سبيلا‏)‏ آل عمران 97 أم لا فقالت طائفة الزوج والمحرم من السبيل منهم إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والحسن البصري وبن سيرين وعطاء بن أبي رباح وأبو حنيفة وأصحابه وبه قال أحمد وإسحاق‏.‏

وقال مالك والشافعي إذا لزم المرأة الحج وأبي زوجها من الخروج معها أو لم يكن معها زوج ولا ذو محرم حجت مع النساء وليس المحرم عندهما من السبيل وقال بن سيرين تخرج مع رجل من المسلمين ثقة وقال الأوزاعي تخرج مع قوم عدول وتتخذ سلما تصعد عليه وتنزل ولا يقربها رجل إلا أن يأخذ برأس البعير وتضع رجلها على ذراعه أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثني محمد بن عثمان قال حدثني إسماعيل بن إسحاق قال حدثني علي بن المديني قال حدثني محمد بن حازم قال حدثني أبو معاوية قال حدثني الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها زوجها أو أبوها أو أخوها أو أمها أو ابنها أو ذو محرم منها وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وروي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عباس ومن حديث عبد الله بن عمر ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وروى يونس عن بن شهاب عن عمرة عن عائشة أنها أخبرت أن أبا سعيد الخدري يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر إلا مع ذي محرم فقالت عائشة ما كلهن ذوات محرم ولا كل النساء يجدن محرما‏.‏

وأما قولها فأهللنا بعمرة فإن عروة قد خولف في ذلك عنها قال أبو عمر لم يخالفه عندي من هو حجة عليه لأن عروة أحفظ أصحاب عائشة ومن أهل بعمرة في أشهر الحج وهو يريد الحج في عامه فهو متمتع بإجماع إذا حج ومعلوم أن خروجهم كان في ذي القعدة وهو من شهور الحج وحجوا في عامهم فدل على أنه كان منهم المتمتع بالعمرة إلى الحج ومنهم المنفرد بالحج ومنهم من قرن العمرة مع الحج وهذا ما لا خلاف فيه من أهل الآثار وعلماء الأمصار وكذلك أجمعوا أن ذلك سنة معمول بها إلا أنهم اختلفوا في الأفضل منها وفيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما به في حاجة نفسه يومئذ‏.‏

وأما قولها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليحل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منها جميعا وفيه أدل دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حجته قارنا فإنه لا خلاف أنه كان معه يومئذ الهدي ساقه مع نفسه وقلده بذي الحليفة وأشعره إلى ما أتى به علي من اليمن ويؤيد ما ذكرنا حديث حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي فهذا القول مع قوله لأصحابه من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة أوضح دليل على أنه كان قارنا صلى الله عليه وسلم والله أعلم إلى الآثار التي قدمنا ذكرها في باب القران قد صرحت وأفصحت بأنه كان قارنا فإذا كان ما ذكرنا كما وصفنا كان معنى قول عائشة رحمها الله في رواية القاسم ومن تابعه عنها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج أي أباح الإفراد وأذن فيه وأمر به وبينه صلى الله عليه وسلم وقد أوضحنا وجوه الإفراد والتمتع والقران فيما تقدم والحمد لله وفي رواية مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج دليل على أن يحيى وهم في رواية حديث هذا الباب عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه وإنما هو حديث عن بن شهاب عن عروة عن عائشة عند الجميع وقد يمكن أن يكون الحديث عند مالك عن عبد الرحمن بن القاسم كما رواه يحيى عنه فذكره في حين كون يحيى عنده‏.‏

وأما قولها فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فهذا ما لا خلاف فيه أيضا أن الحائض لا تطوف بالبيت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت وقد أجمعوا أن سنة الطواف بين الصفا والمروة أن يكون موصولا بالطواف بالبيت وقد أوضحنا فيما سلف من كتابنا معاني ذلك كله‏.‏

وأما قولها فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال انقضي رأسك وأهلي بالحج ودعي العمرة فإن جماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي تأولوا في قوله ودعي العمرة أي دعي عمل العمرة يعني الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة لأنه صلى الله عليه وسلم أمرها برفض العمرة وإن شاء الحج كما زعم الكوفيون وذكر بن وهب عن مالك أنه قال في حديث عروة عن عائشة هذا ليس عليه العمل عندنا قديما ولا حديثا قال وأظنه وهما قال أبو عمر يريد مالك أنه ليس عليه العمل في رفض العمرة لأن الله عز وجل قد أمرنا بإتمام الحج والعمرة لكل من دخل فيهما والذي عليه العمل عند مالك والشافعي وجمهور أهل الحجاز في المعتمرة تأتيها حيضتها قبل أن تطوف بالبيت وتخشى فوت عرفة وهي حائض لم تطف أنها تهل بالحج وتكون كمن قرن بين الحج والعمرة ابتداء وعليها هدي القران ولا يعرفون رفض العمرة ولا رفض الحج لأحد دخل فيهما أو في أحدهما وممن قال بذلك مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وإبراهيم بن علية كلهم يقول ذلك في الحائض المعتمرة وفي المعتمر يخاف فوت عرفة قبل أن يطوف قالوا فلا يكون إهلاله رفضا للعمرة بل يكون قارنا بإدخال الحج على العمرة ودفعوا حديث عروة عن عائشة المذكور في هذا الباب بضروب من الاعتدال وعارضوه بآثار مروية عن عائشة بخلافه قد ذكرناها كلها أو أكثرها في التمهيد وذكرنا اعتلالهم هناك بما أغنى عن ذكره هنا واختصار ذلك أن القاسم وعمرة والأسود رووا عن عائشة أنها كانت محرمة بحجة لا بعمرة فكيف يصح أن يقول لها دعي العمرة وقد أوضحنا هذا وجئنا بألفاظ الأحاديث الشاهدة بذلك في التمهيد قال إسماعيل بن إسحاق لما اجتمع هؤلاء الثلاثة يعني القاسم والأسود وعمرة على أن عائشة كانت محرمة بحج لا بعمرة علمنا بذلك أن الرواية التي رويت عن عروة غلط وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه المعتمرة الحائض إذا خافت فوت عرفة ولم تكن طافت ولا سعت رفضت عمرتها وألغتها واهلت بالحج وعليها لرفض عمرتها دم ثم تقضي عمرة بعد وحجتهم حديث بن شهاب هذا عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها إذ شكت إليه حيضتها دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج وكذلك رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة كما رواه بن شهاب بمعنى واحد قالوا وفي قوله لها انقضي رأسك وامتشطي دليل على رفض العمرة لأن القارنة لا تمتشط ولا تنفض رأسها قالوا ولا وجه لمن جعل حديث عروة خطأ لأن الزهري وعروة لا يقاس بهما غيرهما في الحفظ والإتقان قالوا وكذلك روى عكرمة عن عائشة وبن أبي مليكة عن عائشة ذكر عبد الرزاق قال ذكرت للثوري ما حدثناه معمر عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال علي ‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ إذا خشي المتمتع فوتا أهل بالحج مع عمرته وكذلك الحائض المعتمرة تهل بحج مع عمرتها وعن الحسن وطاوس مثله وقال الثوري لا نقول بهذا ولا نأخذ به ونأخذ بحديث عائشة ونقول عليها لرفض عمرتها دم والله أعلم قال أبو عمر ليس في حديث عروة عن عائشة ذكر دم لا من رواية الزهري ولا من رواية غيره بل قال فيه هشام بن عروة ولم يكن في شيء من ذلك دم ذكره أنس بن عياض وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في حديثهما هذا وذكره البخاري فقال حدثني محمد قال حدثني أبو معاوية قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فقال لنا من أحب منكم أن يهل بالحج فليهل ومن أحب منكم أن يهل بالعمرة فليهل فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة قالت فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة وكنت ممن أهل بعمرة فأظلني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي قال أبو عمر هذا أقوى ما احتج به الكوفيون في رفض العمرة للحائض المعتمرة المريدة للحج وقد عارض عروة في ذلك من ليس بدونه في الحفظ وأقل الأحوال سقوط الاحتجاج بما قد صح به التعارض والتدافع والرجوع إلى ظاهر قول الله تعالى ‏(‏وأتموا الحج والعمرة لله‏)‏ ‏[‏البقرة 196‏]‏‏.‏

وقد أجمعوا أن الخائف لفوت عرفة أنه لا يحل له رفض العمرة فكذلك من خاف فوت عرفة لأنه لا يمكنه إدخال الحج على العمرة ويكون قارنا فلا وجه لرفض العمرة في شيء من النظر‏.‏

وأما الأثر فقد اختلفت الرواية فيه وبالله التوفيق فإن قيل لو كانت قارنة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسلها مع أخيها تعتمر ثم يقول لها هذه مكان عمرتك قيل له قد صححنا أنها لم تكن مهلة بعمرة فسقط عنها الجواب ويحتمل أن لو كانت مهلة بعمرة ثم قرنت بها حجا أن يكون معنى قولها يرجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج أي أرجع أنا ولم أطف إلا طواف الحج فأرادت أن تكون عمرتها مفردة تطوف بها وتسعى كما صنع غيرها ألا ترى إلى قولها‏.‏

وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا بهما طوافا واحدا‏.‏

وأما قولها فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا منها ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم فهكذا السنة في كل من تمتع بالعمرة إلى الحج أن يطوف من عمرته وينحر ثم يطوف طواف الإفاضة لحجه يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة وهذا ما لا خلاف فيه ولا مدخل للكلام عليه وقد مضى القول نحو ذا في إدخال الحج على العمرة وما في ذلك للعلماء من المذاهب والمعاني فيما تقدم من كتابنا هذا‏.‏

وأما قولها‏.‏

وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا فلا خلاف بين العلماء أن المرمل بالحج منفرد لا يطوف إلا طوافا واحدا يوم النحر يحل به من كل شيء من النساء وغير النساء مما كان حراما عليه ويستحب له ألا يطوف يوم غير ذلك الطواف فإن طاف بعده ما شاء متطوعا ذلك اليوم لم يحرم عليه‏.‏

وأما من جمع الحج والعمرة فإن العلماء قد اختلفوا قديما وحديثا في طواف القارن وسعيه فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وإسحاق وأبو ثور يجزئ القارن طواف واحد وسعي واحد وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله والحسن وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وطاوس وحجتهم حديث عروة عن عائشة هذا وآثار قد ذكرتها في التمهيد منها حديث الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من جمع الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وهذا الحديث لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي عن عبد الله وغيره أوقفه على بن عمر وكذلك رواه مالك عن نافع عن بن عمر موقوفا ومن حجتهم أيضا حديث بن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إذا رجعت إلى مكة فإن طوافك يجزئك لحجتك وعمرتك وآثار قد ذكرتها كلها بما فيها في التمهيد وقال الثوري والأوزاعي وبن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح على القارن طوافان وسعيان وروى هذا القول عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وبه قال الشعبي وجابر بن زيد قال أبو عمر الحجة بحديث عروة عن عائشة في طواف القارن أنه طواف واحد لازمة للكوفيين لأنهم يأخذون به في رفض العمرة مع احتماله في ذلك للتأويل ويتركونه في طواف القارن ولا يحتمل التأويل‏.‏

839- مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري وفي هذا الحديث أن الحائض لا تطوف بالبيت وفي حكم ذلك كل من ليس على طهارة من جنب وغير متوضئ‏.‏

وأما قوله في هذا الحديث ولا بين الصفا والمروة فلم يقله من رواة الموطأ ولا غيرهم إلا يحيى بن يحيى في هذا الحديث وجمهور العلماء بالحجاز والعراق على أن الطواف بين الصفا والمروة جائز للحائض وغير الطاهر أن يفعله إذا كان قد طاف بالبيت طاهرا وقد تقدم القول عن العلماء فيمن طاف بالبيت على غير طهارة‏.‏

وأما السعي بين الصفا والمروة فلا أعلم أحدا اشترط فيه الطهارة إلا الحسن البصري فإنه قال من سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة فإن ذكر ذلك قبل أن يحل فليعد وإن ذكر بعد ما حل فلا شيء عليه قال مالك في المرأة التي تهل بالعمرة ثم تدخل مكة موافية للحج وهي حائض لا تستطيع الطواف بالبيت إنها إذا خشيت الفوات أهلت بالحج وأهدت وكانت مثل من قرن الحج والعمرة وأجزأ عنها طواف واحد والمرأة الحائض إذا كانت قد طافت بالبيت وصلت فإنها تسعى بين الصفا والمروة وتقف بعرفة والمزدلفة وترمي الجمار غير أنها لا تفيض حتى تطهر من حيضتها قال أبو عمر هذا كله قد مضى القول فيما اجتمع عليه من ذلك وما اختلف فيه فلا وجه لإعادته‏.‏

باب إفاضة الحائض

894- مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن صفية بنت حيي حاضت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أحابستنا هي فقيل إنها قد أفاضت فقال فلا إذا‏.‏

895- وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثله سواء‏.‏

896- مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إن صفية بنت حيي قد حاضت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلها تحبسنا ألم تكن طافت معكن بالبيت قلن بلى قال فاخرجن‏.‏

897- مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت إذا حجت ومعها نساء تخاف أن يحضن قدمتهن يوم النحر فأفضن فإن حضن بعد ذلك لم تنتظرهن فتنفر بهن وهن حيض إذا كن قد أفضن‏.‏

898- مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره أن أم سليم بنت ملحان استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضت أو ولدت بعد ما أفاضت يوم النحر فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت قال مالك والمرأة تحيض بمنى تقيم حتى تطوف بالبيت لا بد لها من ذلك وإن كانت قد أفاضت فحاضت بعد الإفاضة فلتنصرف إلى بلدها فإنه قد بلغنا في ذلك رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم للحائض قال وإن حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض فإن كربها يحبس عليها أكثر مما يحبس النساء الدم قال أبو عمر معنى الآثار المرفوعة في هذا الباب أن طواف الإفاضة يحبس الحائض بمكة لا تبرح حتى تطوف للإفاضة لأن الطواف المفترض على كل من حج فإن كانت الحائض قد طافت قبل أن تحيض جاز لها بالسنة أن تخرج ولا تودع البيت ورخص ذلك للحائض وحدها دون غيرها وهذا كله أمر مجتمع عليه من فقهاء الأمصار وجمهور العلماء عليه لا خلاف بينهم فيه وقد كان بن عمر رضي الله عنه يفتي بأن الحائض لا تنفر حتى تودع البيت ثم رجع عنه وذكر معمر عن أيوب عن نافع عن الزهري عن سالم إن صفية بنت أبي عبيد حاضت يوم النخر بعدها طافت بالبيت فأقام بن عمر عليها سبعا حتى طهرت وطافت فكان آخر عهدها بالبيت ومعمر قال أخبرنا بن طاوس عن أبيه أنه سمع بن عمر يقول لا ينفرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فقلت ما له لم يسمع ما سمع أصحابه ثم جلست إليه من العام القابل فسمعته يقول أما النساء فقد رخص لهن قال‏.‏

وأخبرنا بن طاوس عن أبيه أن زيد بن ثابت وبن عباس تماريا في صدور الحائض قبل أن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت فقال بن عباس تنفر وقال زيد لا تنفر ‏!‏ فدخل زيد على عائشة فسألها فقالت تنفر فخرج زيد وهو يقول ما الكلام إلا ما قلت قال أبو عمر أجمع العلماء على أن طواف الوداع من سنن الحج المسنونة كما أجمعوا أن طواف الإفاضة فريضة وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال إذا نفرتم من منى فلا يصدر أحد حتى يطوف بالبيت فإن آخر المناسك الطواف بالبيت وعن بن عباس وبن عمر مثله عن أبيه وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم للوداع وقد كان قال لهم خذوا عني مناسككم واختلف الفقهاء فيمن صدر ولم يودع فقال مالك لا أحب لأحد أن يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف فإن لم يفعل فلا شيء عليه قال أبو عمر الوداع عنده مستحب وليس بسنة واجبة لسقوطه عن الحائض وعن المكي الذي لا يبرح من مكة بفرقة بعد حجه فإن خرج من مكة إلى حاجة طاف للوداع وخرج حيث شاء وهذا يدل على أنه مستحب ليس من مؤكدات الحج والدليل على ذلك أنه طواف قد حل وطء النساء قبله فأشبه طواف التطوع وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه من خرج عن مكة ولم يودع البيت بالطواف فعليه دم وحجتهم ما جاء عن عمر وبن عباس وبن عمر أنهم قالوا هو من النسك وقال بن عباس من ترك من نسكه شيئا فليهرق دما‏.‏

وأما قول مالك فإن حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض فإن كربها يحبس عليها أكثر مما يحبس النساء الدم وقال بن عبد الحكم إذا حاضت قبل الإفاضة لم تبرح حتى تطهر وتطوف بالبيت ويحبس عليها الكري إلى انقضاء خمسة عشر يوما ‏(‏من حين ذات الدم ويحبس على النفساء حتى تطهر بأكثر ما يحبس النفساء الدم في النفاس‏)‏ قال ولا حجة للكري أن يقول لم أعلم أنها حامل قال مالك وليس عليها أن تعينه في العلف قال فإن حاضت بعد الإفاضة فلتنفر قال وإن كان بين الحائض وبين التي لم تطهر يوم أو يومان حبس عليها الكري ومن معه من أهل رفقته وإن كان بقي لها أيام لم يحبس إلا وحده وقال محمد بن المواز لست أعرف حبس الكري كيف يحبس وحده يعرضه بقطع الطريق عليه‏.‏

باب فدية ما أصيب من الطير والوحش

899- مالك عن أبي الزبير أن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة قال أبو عمر واليربوع دويبة لها أربعة قوائم وذنب تجتر كما تجتر الشاة وهي من ذوات الكرش روينا ذلك عن عكرمة وبه قال أهل اللغة وفي حديث عمر فوق ما نجزي به الضبع وما نجزي به الغزال وما نجزي به الأرنب واليربوع فقال في الضبع كبش وفي الغزال عنز وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة ولو كان العناق عنزا ثنية كما زعم بعض أصحابنا لقال عمر في الغزال والأرنب واليربوع عنز ولكن العنز عند أهل العلم ما قد ولد ‏(‏أو ولد مثله والجفرة عند أهل العلم بالعراق وأهل اللغة والسنة من ولد المعز ما أكل واستغنى عن الرضاع والعناق قيل هو دون الجفرة وقيل هو فوق الجفرة ولا خلاف أنه من ولد المعز قال أبو عمر خالف مالك رحمه الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه من هذا الحديث في الأرنب واليربوع فقال لا يفديان بجفرة ولا بعناق ولا يفديهما من أراد فداءهما بالمثل من النعم إلا بما يجوز هديا وضحية وولد الجذع فما فوقه من الضأن والثني وما فوقه من الإبل والبقر والمعز وإن شاء فداهما بالطعام كفارة للمساكين أو عدل ذلك صياما هو مخير في ذلك فإن اختار الإطعام قوم الصيد وينظر كم ثمنه من الطعام فيطعم لكل مسكين مدا أو يصوم مكان كل مد يوما قال وفي صغار الصيد مثل ما في كباره وفي فراخ الطير ما في الكبير إن حكم عليه بالهدي أو بالصدقة أو الصيام يحكم عليه في الفرخ بمثل دية أبويه قال وكذلك الضباع وكل شيء قال وكذلك دية الكبير والصغير من الناس سواء قال أبو عمر سيأتي بيان قوله في الحمام وغيره من الطير فيما بعد من هذا الكتاب إن شاء الله وحجة مالك فيما ذهب إليه من ذلك ظاهر قول الله تعالى ‏(‏ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

فلما قال هديا ولم يختلفوا أن من جعل على نفسه هديا أنه لا يجزئه أقل من الجذع من الضأن والثني مما سواه كان كذلك حق الصيد لأنه قياس على الهدي الواجب والتطوع والأضحية‏.‏

وقال الشافعي هدي صغار الصيد بالمثل من صغار النعم وكبار الصيد بالمثل من كبار النعم وهو معنى ما روي عن عمر وعثمان وعلي وبن مسعود رضي الله عنهم في تأويل قول الله عز وجل ‏(‏فجزاء مثل ما قتل من النعم‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

قال الشافعي والطائر لا مثل له من النعم فيفدى بقيمته واحتج في ذلك بما يطول ذكره وعنده في النعامة الكبيرة بدنة وفي الصغيرة فصيل وفي حمار الوحش الكبير بقرة وفي ولده عجل وفي الولد الصغير خروف أو جدي‏.‏

وقال أبو حنيفة في الصغير قيمته على أصله في القيمة وقال المثل في جزاء الصيد القيمة وقال أبو يوسف ومحمد إذا بلغ الهدي عناقا أو جملا جاز أن يهديه في زمن الصيد واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم أن الهدي في غير جزاء الصيد لا يكون إلا جذعا من الضأن أو ثنيا مما سواه من الأزواج الثمانية ما يجوز ضحية والثني أحب إليهم من كل شيء وكان الأوزاعي يجيز الجذع من البقر دون المعز واتفق مالك والشافعي ومحمد بن الحسن على أن المثل المأمور به في جزاء الصيد هو الأشبه به من النعم في البدن فقالوا في الغزالة شاة وفي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة‏.‏

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف الواجب في قتل الصيد قيمته سواء كان مما له مثل من النعم أو لم يكن وهو بالخيار بين أن يتصدق بقيمته وبين أن يصرف القيمة في النعم فيشتريه ويهديه‏.‏

900- مالك عن عبد العزيز بن قرير عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى فقال عمر لرجل إلى جنبه تعال حتى أحكم أنا وأنت قال فحكما عليه بعنز فولى الرجل وهو يقول هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا يحكم معه فسمع عمر قول الرجل فدعاه فسأله هل تقرأ سورة المائدة قال لا قال فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي فقال لا فقال لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه ‏(‏يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

وهذا عبد الرحمن بن عوف قال أبو عمر أمر بن وضاح بطرح عبد الملك اسم شيخ مالك في هذا الحديث فقال اجعله عن بن قرير وكذلك روايته عن يحيى عن مالك عن بن قرير عن محمد بن سيرين في هذا الحديث ورواية عبيد الله عن أبيه يحيى بن يحيى عن مالك عن عبد الملك بن قرير وهو عند أكثر العلماء خطأ لأن عبد الملك بن قرير لا يعرف قال يحيى بن معين وهم مالك في اسمه شك في اسم أبيه وإنما هو عبد الملك بن قرير وهو الأصمعي وقال آخرون إنما وهم مالك في اسمه لا في اسم أبيه وإنما هو عبد العزيز بن قرير رجل بصري يروي عن بن سيرين أحاديث هذا منها‏.‏

وقال أحمد بن عبد الله بن بكير لم يهم مالك في اسمه ولا في اسم أبيه وإنما هو عبد الملك بن قرير كما قال مالك أخو عبد العزيز بن قرير قال أبو عمر الرجل مجهول والحديث معروف محفوظ من رواية البصريين والكوفيين عمر رواه بن جابر ورواه عن قبيصة الشعبي ومحمد بن عبد الملك بن قارب الثقفي وعبد الملك بن عمير وهو أحسنهم سياقة له ورواه عن عبد الملك بن عمير جماعة من أهل الحديث منهم سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وجرير بن عبد الحميد وعبد الملك المسعودي ومعمر بن راشد ذكرها كلها علي بن المديني أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال حدثني إسماعيل بن إسحاق قال حدثني علي بن المديني قال‏.‏

وأما حديث سفيان فحدثناه يحيى بن سعيد قال حدثني سفيان قال أخبرني عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر أن محرما قتل ظبيا فقال له عمر اذبح شاة وأهرق دمها وأطعم لحمها وأعط إهابها رجلا يتخذه سقاء هكذا رواه الثوري مختصرا واختصره أيضا شعبة إلا أنه أكمل من حديث الثوري قال علي حدثنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال حدثني شعبة عن عبد الملك بن عمير قال سمعت قبيصة بن جابر يقول خرجت حاجا أنا وصاحب لي فرأينا ظبيا فقال لي صاحبي أو قلت له تراك تبلغه فأخذ حجرا فرماه فأصاب أحشاءه فقتله فأتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال له عمر عمدا أو خطا فقال ما أدري فضحك عمر وقال اعمد إلى شاة فاذبحها ثم تصدق بلحمها واجعل إهابها سقاء قال علي‏.‏

وأما حديث معمر فحدثناه عبد الرزاق بن همام قال أخبرنا معمر عن عبد الملك بن عمير قال أخبرني قبيصة بن جابر الأسدي قال كنت محرما فرأيت ظبيا فرميته فأصبت خشاه يعني أصل قرنه فركب ردعه قال فوقع في نفسي من ذلك شيء فأتيت عمر بن الخطاب أسأله فوجدت إلى جنبه رجلا أبيض رقيق الوجه وإذا هو عبد الرحمن بن عوف فسألت عمر فالتفت عمر إلى الذي إلى جنبه قال أترى شاة تكفيه قال نعم قال فأمرني أن أذبح شاة فقمنا من عنده فقال لي صاحبي إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل قال فسمع عمر بعض كلامه فعلاه بالدرة ضربا ثم أقبل علي ليضربني فقلت يا أمير المؤمنين لم أقل شيئا إنما هو قاله قال فتركني ثم قال أتقتل الحرام وتتعدى الفتيا ثم قال إن في الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة وواحد سيئ فيفسدها ذلك السيئ ثم قال إياك وعثرات اللسان قال علي‏.‏

وأما حديث جرير والمسعودي فحدثناه جرير بن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال علي‏.‏

وحدثني يحيى بن سعيد عن المسعودي قال حدثني سفيان عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال كنا نحج على الرحال وإنا لفي عصابة كلها محرمون نتماشى بين أيدي ركابنا وقد صلينا الغداة ونحن نقودها إذ تذاكر القوم الظبي أسرع أم الفرس فما كان بأسرع من أن سنح لنا ظبي أو برح فأخذ بعض القوم حجرا فرماه فما أخطأ حشاه فركب ردعه ميتا فأقبلنا عليه فقلنا له قولا شديدا فلما كنا بمنى انطلقت أنا والقاتل إلى عمر فقص عليه قصته فقال كيف قتلته أخطأ أم عمدا قال والله ما قتلته خطأ ولا عمدا لأني تعمدت رميه وما أدري قتله فضحك عمر وقال ما أراك إلا قد أشركت الخطأ مع العمد فقال هذا حكم ويحكم به ذوا عدل منكم ثم التفت إلى رجل إلى جنبه كأنه قلب فضة وإذا هو عبد الرحمن بن عوف فقال كيف ترى قال فاتفقا على شاة فقال عمر للقاتل خذ شاة وأهرق دمها وأطعم لحمها واسق إهابها رجلا يجعله سقاء قال وما أشد حكمها منا قال فلما خرجت أنا والقاتل قلت له أيها المستفتى بن الخطاب إن عمر ما درى ما يفتيك حتى سأل بن عوف فلم أكن قرأت المائدة ولو كنت قرأتها لم أقل ذلك واعمد إلى ناقتك فانحرها فإنها خير من شاة عمر قال المسعودي فسمعها عمر وقال جرير فبلغ ذلك عمر فما شعرنا حتى أتينا فلبب كل رجل منا يقاد إلى عمر قال فلما دخلنا عليه قام وأخذ الدرة ثم أخذ بتلابيب القاتل فجعل يصفق رأسه حتى عددت له ثلاثين ثم قال قاتلك الله أتعدى الفتيا وتقتل الحرام ثم أرسله وأخذ بتلابيبي فقلت يا أمير المؤمنين إني لا أحل لك مني شيئا حرمه الله علي فأرسل تلابيبي ورمى بالدرة ثم قال ويحك إني أراك شاب السن فصيح اللسان إن الرجل تكون عنده عشرة أخلاق تسعة صالحة وخلق سيئ فيفسد الخلق السيئ التسعة إياك وعثرات اللسان قال أبو عمر أنا جمعت حديث جرير وحديث المسعودي وأتيت بمعناهما كاملا‏.‏

وأما علي فذكر كل واحد منهما على حدة وأتى بالطرق المذكورة كلها قال علي سألت أبا عبيدة معمر بن المثنى عن سنح أو برح فقال السنوح ما جاء على اليسار والبروح ما جاء من قبل اليمين قال أبو عمر ظاهر حديث مالك من قوله أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا يدل على أن قتل ذلك الظبي كان خطأ وفي حديث قبيصة بن جابر ما يدل على العمد لقوله من رماه فأصاب حشاه أو خششاءه وفي بعض روايته ما أدري خطأ أم عمدا لأني تعمدت رميه وما أردت قتله وقد اختلف العلماء قديما في قتل الصيد خطأ فقال جمهور العلماء وجماعة الفقهاء أهل الفتوى بالأمصار منهم مالك والليث والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهما قتل الصيد عمدا أو خطأ سواء وبه قال أحمد وإسحاق وأبو جعفر الطبري وقال أهل الظاهر لا يجوز الجزاء إلا على قتل الصيد عمدا ومن قتله خطأ فلا شيء عليه لظاهر قول الله عز وجل ‏(‏ومن قتله منكم متعمدا‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

وروي عن مجاهد وطائفة لا تجب الكفارة إلا في قتل الصيد خطأ‏.‏

وأما العمد فلا كفارة فيه قال أبو عمر ظاهر قول مجاهد مخالف لظاهر القرآن إلا أن معناه أنه متعمد لقتله ناس لإحرامه وذكر معمر عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل ‏(‏ومن قتله منكم متعمدا‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

فإن من قتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه قال أبو عمر يقول إذا كان ذاكرا لإحرامه فهو أعظم من أن يكون فيه جزاء كاليمين الغموس‏.‏

وأما أهل الظاهر فقالوا دليل الخطاب يقضي أن حكم من قتله خطأ بخلاف حكم من قتله متعمدا وإلا لم يكن لتخصيص التعمد معنى واستشهدوا عليه بقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وروي عن بن عباس وطائفة من أصحابه هذا المعنى وبه قال أبو ثور وداود‏.‏

وأما وجه ما ذهب إليه الجمهور الذي لا يجوز عليهم تحريف تأويل الكتاب فإن الصحابة رضي الله عنهم منهم عمر وعثمان وعلي وبن مسعود قضوا في الضبع بكبش وفي الظبي بشاة وفي النعامة ببدنة ولم يفرقوا بين العامد والمخطئ في ذلك بل رد أحدهم على حمامة فماتت فقضوا عليه فيها بالجزاء وكذلك حكموا في من أكل مما صيد من أجله بالجزاء ومن جهة النظر أن إتلاف أموال المسلمين وأهل الذمة يستوي في ذلك العمد والخطأ وكذلك الصيد لأنه ممنوع منه محرم على المحرم كما أن أموال بعض المسلمين محرمة على بعض وكذلك الدماء لما كانت محرمة في العمد والخطأ وجعل الله في الخطأ منها الكفارة فكذلك الصيد لأن الله تعالى سماه كفارة طعام مساكين وقد أجمعوا على أن قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ليس في إتلاف الأموال وإنما المراد به رفع المآثم وهذا كله يدل على أن العمد والخطأ سواء وإنما خرج ذكر العمد على الأغلب والله أعلم ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر الزهري قال يحكم عليه في العمد وهو في الخطأ سنة قال عبد الرزاق وهو قول الناس وبه نأخذ قال أبو عمر في هذا الباب أيضا قول شاذ لم يقل به أحد من أئمة الفتوى بالأمصار إلا داود بن علي وهو قول الله عز وجل ‏(‏ومن عاد فينتقم الله منه‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

قال داود لا جزاء إلا في أول مرة فإن عاد فلا شيء عليه وهو قول مجاهد وشريح وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة ورواية عن بن عباس قال في المحرم يصيب الصيد فيحكم عليه ثم يعود قال لا يحكم عليه إن شاء الله عفا عنه وإن شاء انتقم منه وقال سعيد بن جبير إن عاد لم يتركه الله حتى ينتقم منه قال أبو عمر الحجة للجمهور عموم قول الله عز وجل ‏(‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

وظاهر هذا يوجب على من قتل الصيد وهو محرم الجزاء لأنه لم يخص وقتا دون وقت وليس في انتقام الله منه ما يمنع الجزاء لأن حسن الصيد المقتول في المرة الأولى وفي الثانية سواء وقد قيل تلزمه الكفارة انتقاما منه لأنه قال في الأولى ليذوق وبال أمره‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

والمعنى عفا الله عما سلف في الجاهلية ومن عاد فينتقم الله منه يريد من عاد في الإسلام فينتقم منه بالجزاء لأنه لم يكن في الجاهلية ولا في شريعة من قبلها من الأنبياء جزاء ألا ترى إلى قول الله تعالى ‏(‏يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم‏)‏ ‏[‏المائدة 94‏]‏‏.‏

فكانت شريعة إبراهيم عليه السلام تحريم الحرم ولم يكن جزاء إلا على هذه الأمة والله أعلم قال أبو عمر‏.‏

وأما قوله في حديث مالك في هذا الباب فقال عمر لرجل إلى جنبه تعال حتى نحكم أنا وأنت فإن قوله عز وجل ‏(‏يحكم به ذوا عدل منكم‏)‏ ‏[‏المائدة 95‏]‏‏.‏

من المحكم المجتمع عليه إلا أن العلماء اختلفوا هل يستأنفون الحكم فيما مضت به من السلف حكومة أم لا فقال مالك يستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة وفيما لم تمض وهو قول أبي حنيفة وقد روي عن مالك أنه إذا اجتزأ بحكم من مضى في ذلك فلا بأس والأول أشهر عنه وهو تحصيل مذهبه عند أصحابه قال أبن وهب قيل لمالك أترى أن يكون ما قال عمر يعني لازما في الظبي شاة فقال لا أدري ما قال عمر كأنه أراد أن تستأنف في ذلك حكومة وقد قال إني لا أرى أن يصيب شيء من ذلك اليوم أن تكون فيه شاة‏.‏

901- مالك عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول في البقرة من الوحش بقرة وفي الشاة من الظباء شاة‏.‏

902- قال مالك لم أزل أسمع أن في النعامة إذا قتلها المحرم بدنة قال أبو عمر لا خلاف فيه إلا في قول من قال بالقيمة‏.‏

وقال الشافعي يكتفى بحكم من حكم في ذلك من السلف إذا قتل غزالا أهدى شاة وإذا قتل نعامة أهدى بدنة قال وهذا أحب إلي من أن يحكم عليه‏.‏

903- مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول في حمام مكة إذا قتل شاة‏.‏

وقال مالك في الرجل من أهل مكة يحرم بالحج أو العمرة وفي بيته فراخ من حمام مكة فيغلق عليها فتموت فقال أرى بأن يفدي ذلك عن كل فرخ بشاة قال أبو عمر هذا على أصله في صغار الصيد مثل ما في كباره وقد اختلف العلماء في حمام مكة وغيرها فقال مالك في حمام مكة شاة وفي حمام الحل حكومة واختلف قول بن القاسم في حمام الحرم غير مكة فقال شاة كحمام مكة ومرة قال حكومة لحمام الحل‏.‏

وقال الشافعي في كل حمام الحرم شاة وفي حمام غير الحرم قيمته‏.‏

وقال أبو حنيفة في الحمام كله حمام مكة والحل والحرم قيمته وقال داود كل شيء لا مثل له من الصيد فلا جزاء فيه إلا الحمام لأن فيه شاة قال أبو عمر حكم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس في حمام مكة بشاة ولا مخالف لهما من الصحابة وذكره عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء وعن بن عيينة قال حكم عمر وبن عباس في حمام مكة بشاة وللتابعين في هذه المسألة أقوال كأقوال الفقهاء المذكورين أئمة الفتوى روى بن جريج عن عطاء قال في كل شيء من الطير الحمامة والقمري والدبسي والقطاة واليعقوب والكروان ودجاجة الجيش وبن الماء في كل واحدة شاة قال مالك أرى أن في بيضة النعامة عشر ثمن البدنة كما يكون في جنين الحرة غرة عبد أو وليدة وقيمة الغرة خمسون دينارا وذلك عشر دية أمه قال أبو عمر اختلف الفقهاء في هذه المسألة والسلف قبلهم فقال مالك ما ذكرنا عنه في موطئه‏.‏

وقال الشافعي في بيض النعامة قيمته حيث يصاب لأنه لا مثل له من النعم وقياسا على الجرادة فإن فيها قيمتها‏.‏

وقال أبو حنيفة في كل بيضة من بيض الصيد كله قيمته فإن كان في البيضة فرخ ميت فعليه الجزاء وهو قول أبي يوسف ومحمد قالوا نأخذ بالثقة في ذلك‏.‏

وقال أبو ثور في بيض النعامة مثل قول أبي حنيفة وقال إن كسر بيضة كان فيها فرخ فإن كان حيا ثم مات فإن كان من بيض النعام ففيه بدنة وإن كان من بيض الحمام ففيه شاة وإن كان من غير ذلك ففيه ثمنه إن كان له ثمن قال وفيها قول آخر إن كان من الحمام فداه بجدي صغير أو جمل صغير وذلك أنهم قالوا في الحمام شاة فلما كان فرخا كان فيه من الشاء الصغير إذا كان صغيرا وإذا كان كبيرا كان فيه شاة كبيرة وكان في فرخ النعامة فصيل صغير قال أبو عمر أما الصحابة والتابعون فجاء عنهم في هذه المسألة أقوال مختلفة فروى معمر عن بن جريج عن عبد الحميد بن جبير قال أخبرني عكرمة عن بن عباس قال قضى علي رضي الله عنه في بيض النعامة يصيبه المحرم قال ترسل الفحل على إبلك فإذا تبين لقاحها سميت عدد ما أصبت من البيض فقلت هذا هدي ثم ليس عليك ضمان ما فسد قال بن عباس فعجب معاوية من قضاء علي قال بن عباس وهل يعجب معاوية من عجب ما هو إلا ما بيع به البيض في السوق يتصدق به قال بن جريج وقال عطاء من كانت له إبل فالقول فيها ما قال علي ومن لم يكن له إبل ففي كل بيضة درهمان وعن بن عباس عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه من وجه ليس بالقوي وكذلك عن بن مسعود في بيض النعام يصيبه المحرم قيمته وقد روي عن بن مسعود أيضا في بيضة النعامة صيام يوم أو إطعام مسكين وعن أبي موسى الأشعري مثله وبه قال بن سيرين وقد روي فيه أثر منقطع عن النبي عليه السلام بمثل ذلك وذكر عبد الرزاق عن أبي خالد قال أخبرني أبو أمية الثقفي أن نافعا مولى بن عمر أخبره أن رجلا سأل عمر عن بيض النعام يصيبه المحرم فقال ائت عليا فاسأله فإنا قد أمرنا أن تشاوره قال أبو عمر قد تقدمت هذه المسألة في أول هذا الباب فأما قوله في النسور والعقبان والبزاة والرخم فإن مذهب مالك أن الطير كله جائز أكله وهو صيد عنده فيه جزاؤه بقيمته لأنه لا مثل له عنده من النعم‏.‏

وقال الشافعي لا جزاء في قتل جميع ما لا يؤكل سواء كان طبعه الأذى أو لم يكن ولا يوجب الشافعي الجزاء إلا في قتل صيد حلال أكله وجملة مذهب أبي حنيفة أن كل ما يقتله المحرم ففيه عنده الجزاء إلا أن يبتدأه بالأذى فيدفعه عن نفسه إلا الكلب العقور والذئب فإنه لا جزاء عنده فيهما وإن لم يبتدأه بالأذى وقد تقدم عن أبي حنيفة في باب ما يقتل المحرم من الدواب في هذا الكتاب ما يوضح لك مذهبه فيه وكذلك مذهب غيره هنالك أيضا‏.‏

وقال الشافعي في هذه المسألة هو قول عروة وبن شهاب وعطاء وذكر عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء قال كل ما لا يؤكل فإن قتلته وأنت محرم فلا غرم عليك فيه مع قتله إلا أن يكون عدوا أو يؤذيك والله الموفق‏.‏