فصل: باب ما جاء في دلوك الشمس وغسق الليل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار ***


باب وقت الجمعة

11- مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال كنت أرى طنفسه لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب وصلى الجمعة قال مالك ‏(‏‏(‏والد أبي سهيل‏)‏‏)‏ ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحاء روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه فقال فيه ‏(‏‏(‏كان لعقيل طنفسه مما يلي الركن الغربي فإذا أدرك الظل الطنفسة خرج عمر بن الخطاب فصلى الجمعة ثم نرجع فنقيل وروى حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عامر بن أبي عامر ‏(‏‏(‏أن العباس كانت له طنفسه في أصل جدار المسجد عرضها ذراعان أو ذراعان وثلث وكان طول الجدار ستة عشر ذراعا فإذا نظر إلى الظل قد جاوز الطنفسه أذن المؤذن وإذا أذن نظرنا إلى الطنفسه فإذا الظل قد جاوزها‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر جعل مالك الطنفسة لعقيل وجعلها محمد بن إسحاق للعباس والله أعلم المعنى في طرح الطنفسة لعقيل عند الجدار الغربي من المسجد وكان يجلس عليها ويجتمع إليه وكان نسابة عالما بأيام الناس وأدخل مالك هذا الخبر دليلا على أن عمر بن الخطاب لم يكن يصلي الجمعة إلا بعد الزوال وردا على من حكى عنه وعن أبي بكر أنهما كانا يصليان الجمعة قبل الزوال وإنكارا لقول من قال إنها صلاة عيد فلا بأس أن تصلى قبل الزوال وقد ذكرنا في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ الخبر عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يصليان الجمعة قبل الزوال وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي الجمعة ضحى حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال ‏(‏‏(‏كان عبد الله بن مسعود يصلي بنا الجمعة ضحى ويقول إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم‏)‏‏)‏ وحديث حميد عن أنس ‏(‏‏(‏كنا نبكر الجمعة ونقيل بعدها‏)‏‏)‏ وحديث سهل بن سعد ‏(‏‏(‏كنا نبكر بالجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نرجع فنتغدى ونقيل‏)‏‏)‏ وحديث جابر قال ‏(‏‏(‏كنا نصلي الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نرجع فنقيل‏)‏‏)‏ وذكرنا علل هذه الأخبار وضعف أسانيد بعضها وأنه لم يأت من وجه يحتج به إلى ما يدفعها من الأصول المشهورة ولهذا ومثله أدخل مالك حديث طنفسة عقيل ليوضح أن وقت الجمعة وقت الظهر لأنها مع قصر حيطانهم وعرض الطنفسة لا يغشاها الظل إلا وقد فاء الفيء وتمكن الوقت وبان في الأرض دلوك الشمس وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار الذين تدور الفتوى عليهم كلهم يقول إن الجمعة لا تصلى إلا بعد الزوال إلا أن أحمد بن حنبل قال من صلى قبل الزوال لم أعبه قال أبو بكر بن أثرم قلت لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله ‏!‏ ما ترى في صلاة الجمعة قبل الزوال فقال فيها من الاختلاف ما علمت ثم ذكر ما ذكرنا من الآثار عن أبي بكر وعمر وبن مسعود وجابر وسهل بن سعد وأنس وعن مجاهد أنها صلاة عيد وهي آثار كلها ليست بالقوية ولا نقلها الأئمة ومن جهة النظر لما كانت الجمعة تمنع من الظهر دون غيرها من الصلوات - دل على أن وقتها وقت الظهر وقد أجمع المسلمون على أن من صلاها وقت الظهر فقد صلاها في وقتها فدل ذلك على أنها ليست كصلاة العيد لأن العيد لا تصلى بعد الزوال حدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الحسن بن إسماعيل قال حدثنا عبد الملك بن بحر قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصايغ قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال ‏(‏‏(‏ صليت خلف علي بن أبي طالب الجمعة بعد ما زالت الشمس‏)‏‏)‏‏.‏

قال سنيد حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سبع عن أبي رزين قال ‏(‏‏(‏صليت خلف علي بن أبي طالب الجمعة حين زالت الشمس‏)‏‏)‏ وعلى هذا مذهب الفقهاء كلهم لا تجوز الجمعة عندهم ولا الخطبة لها إلا بعد الزوال إلا أنهم اختلفوا في سعة وقتها وآخره فروى بن القاسم عن مالك قال وقت الجمعة وقت الظهر لا تجب إلا بعد الزوال وتصلى إلى غروب الشمس قال بن القاسم إن صلى من الجمعة ركعة ثم غربت الشمس صلى الركعة الأخرى بعد المغيب وكانت جمعة‏.‏

وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والحسن بن حي وقت الجمعة وقت الظهر فإن فات وقت الظهر بدخول وقت العصر لم تصل الجمعة‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه إن دخل وقت العصر وقد بقي من الجمعة سجدة أو قعدة فسدت الجمعة ويستقبل الظهر‏.‏

وقال الشافعي إذا خرج الوقت قبل أن يسلم أتمها ظهرا يعني إذا زاد الظل عن المثل على ما قدمناه من قوله وأصله في ذلك وهو قول عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون‏.‏

وأما قول أبي سهيل عن أبيه ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحاء - فمعلوم أن من صلى بعد زوال الشمس الجمعة لا يرى في ذلك اليوم ضحى فلم يبق إلا ما تأوله أصحابنا أنهم كانوا يهجرون يوم الجمعة فيصلون في الجامع على ما في حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا يصلون إلى أن يخرج عمر بن الخطاب فإذا صلوا الجمعة انصرفوا فاستدركوا راحة القائلة والنوم فيها على ما جرت عادتهم ليستعينوا بذلك على قيام الليل والله أعلم وهذا تأويل حسن غير مدفوع‏.‏

12- مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن بن أبي سليط أن عثمان بن عفان صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل قال مالك وذلك للتهجير وسرعة السير اختلف فيما بين المدينة وملل فروينا عن بن وضاح أنه قال اثنان وعشرون ميلا ونحوها وقال غيره ثمانية عشر ميلا وهذا كما قاله مالك أنه هجر بالجمعة فصلاها في أول الزوال ثم أسرع السير فصلى العصر ‏(‏‏(‏بملل‏)‏‏)‏ ليس في أول وقتها -والله أعلم- ولكنه صلاها والشمس لم تغرب ولعله صلاها ذلك اليوم لسرعة السير والشمس بيضاء نقية وليس في هذا ما يدل على أن عثمان صلى الجمعة قبل الزوال كما زعم من ظن ذلك واحتج بحديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن بن أبي سليط قال ‏(‏‏(‏كنا نصلي مع عثمان بن عفان الجمعة فننصرف وما للجدر ظل‏)‏‏)‏ وهذا الخبر الثاني عن عثمان ليس عند القعنبي ولا عند يحيى بن يحيى صاحبنا وهما من آخر من عرض على مالك ‏(‏‏(‏الموطأ‏)‏‏)‏ وهذا وإن احتمل ما قال فيحتمل أن يكون عثمان صلى الجمعة في أول الزوال ومعلوم أن الحجاز ليس للقائم فيها كبير ظل عند الزوال وقد ذكر أهل العلم بالتعديل أن الشمس بمكة تزول في حزيران على دون عشر أقدام وهذا أقل ما تزول الشمس عليه في سائر السنة بمكة والمدينة فإذا كان هذا أو فوقه قليلا فأي ظل يكون للجدر حينئذ بالمدينة أو مكة فإذا احتمل الوجهين لم يجز أن يضاف إلى عثمان أنه صلى الجمعة قبل الزوال إلا بيقين ولا يقين مع احتمال التأويل والمعروف عن عثمان في مثل هذا أنه كان متبعا لعمر لا يخالفه وقد ذكرنا عن علي أنه كان يصليها بعد الزوال وهو الذي يصح عن سائر الخلفاء وعليه جماعة العلماء والحمد لله ومن بكر بالجمعة في أول الزوال لم يؤمن عليه من العامة فساد التأويل الذي لم يجز على الفقهاء روى حبيب كاتب مالك عن مالك عن ربيعة عن أنس ‏(‏‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة عند الزوال‏)‏‏)‏‏.‏

حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن الحسن الصوفي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة حين يفيء الفيء تحت رأس الإنسان ذراعا ونحوه في الساعة السابعة وهذا كله على السعة في وقتها‏.‏

باب من أدرك ركعة من الصلاة

13- مالك عن بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة‏)‏‏)‏ هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة وروى عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ووقتها‏)‏‏)‏ وهذا أيضا لم يقله عن مالك غيره وهو مجهول لا يحتج به والصواب عن مالك ما في الموطأ وكذلك رواه جماعة رواه بن شهاب كما رواه مالك في الموطأ إلا ما رواه نافع بن يزيد عن يزيد بن الهاد عن عبد الوهاب بن أبي بكر عن بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها‏)‏‏)‏ وهذا لفظ أيضا لم يقله أحد عن بن شهاب وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد عن بن الهاد عن بن شهاب فلم يذكر في الإسناد عبد الوهاب ولا جاء بهذه اللفظة أعني قوله وفضلها وقد اختلف الفقهاء في معنى هذا الحديث فقالت طائفة منهم أراد بقوله ذلك أنه أدرك وقتها حكي عن داود بن علي وأصحابه قالوا إذا أدرك الرجل من الظهر أو العصر ركعة وقام فصلى الثلاث ركعات فقد أدرك الوقت في جماعة وثوابه على الله تعالى قال أبو عمر هؤلاء قوم قد جعلوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة‏)‏‏)‏ في معنى قوله ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع فقد أدرك الصبح‏)‏‏)‏ وليس كما ظنوا لأنهما حديثان لكل واحد منهما معنى على ما بيناه في كتابنا هذا وفي ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ أيضا والحمد لله وقال آخرون من أدرك ركعة من الصلاة في جماعة فقد أدرك فضل الجماعة لأن صلاته صلاة جماعة في فضلها وحكمها واستدلوا على ذلك من أصولهم بأنه لا يعيد في جماعة من أدرك ركعة من صلاة الجماعة وقال آخرون معنى الحديث أن مدرك ركعة من الصلاة مدرك لحكمها كله وهو كمن أدرك جميعها فيما يفوته من سهو الإمام وسجوده لسهوه وإن لم يدركه معه وأنه لو أدرك وهو مسافر ركعة من صلاة المقيم لزمه حكم المقيم في الإتمام ونحو هذا من حكم الصلاة وهذا قول مالك وأصحابه والحديث يقتضي عمومه وظاهره أن مدرك ركعة من صلاة الإمام مدرك للفضل والوقت والحكم إن شاء الله وإن لم يدرك الركعة بتمامها فلم يدرك حكم الصلاة‏.‏

وأما الفضل فإن الله يتفضل بما يشاء على من يشاء والفضل فضله يؤتيه من يشاء وإذا كان الذي ينام عن صلاته بالليل يكتب له أجر صلاته والذي ينوي الجهاد فيحبسه العذر يكتب له أجر المجاهد والمريض يكتب له ما كان يعمله صحيحا ومنتظر الصلاة في صلاة فأين مدخل النظر ها هنا وقد وردت آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أنه يعطيه أجر من صلاها وحضرها قد ذكرناها في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ وذكرنا هناك عن أبي هريرة وهو الذي روى حديث ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة - أنه قال إذا انتهى إلى القوم وهم قعود في صلاتهم فقد دخل في التضعيف وإذا انتهى إلى القوم وقد سلم الإمام ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف قال عطاء بن أبي رباح وكان يقال إذا خرج من بيته وهو ينويهم فقد دخل في التضعيف وعن أبي وائل وشريك من أدرك التشهد فقد أدرك فضلها وقال أبو سلمة - وهو رواية هذا الحديث - من خرج من بيته قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك وهذا كله يؤيد أن الفضل والأجر على قدر النية فلا مدخل للقياس والنظر وما كل مصل يتقبل منه فكيف يضاعف له والله يؤتي فضله من يشاء وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يدرك من الصلاة ركعة فلم يدركها ولا له مدخل في حكمها من حصول سهو لم يدركه مع إمامة وانتقال فرضه من ركعتين إلى أربع ونحو هذا إلا أن الفقهاء اختلفوا في معنى هذا الدليل ها هنا فمن ذلك قولهم من أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها أخرى ومن لم يدرك ركعة منها صلى ظهرا هذا قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري والحسن بن حي والأوزاعي وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن في الأشهر عنه والليث بن سعد وعبد العزيز بن سلمة وبن حنبل وورد ذلك عن علي بن أبي طالب وبن مسعود وبن عمر وعلقمة والأسود والحسن وسعيد بن المسيب وغيره وإبراهيم وبن شهاب وبه قال إسحاق وأبو ثور وقال بن شهاب هي السنة‏.‏

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ‏(‏‏(‏إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين‏)‏‏)‏ روي ذلك عن إبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وحماد بن أبي سليمان وهو قول داود وحجتهم قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا والذي فاته ركعتان لا أربع ومن ذلك أيضا اختلافهم فيمن فاتته الخطبة يوم الجمعة فإن عطاء بن أبي رباح وطاوسا ومجاهدا ومكحولا قالوا من فاتته الخطبة يوم الجمعة صلى أربعا قالوا لم تقصر الصلاة في يوم الجمعة إلا من أجل الخطبة فمن لم يدركها صلى ظهرا وهذا قول يبطل بقوله -عليه السلام- ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة‏)‏‏)‏‏.‏

حدثني محمد بن عبد الله بن حكيم قال حدثنا محمد بن معاوية القرشي قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد قال حدثنا الأوزاعي قال سألت الزهري عن رجل فاتته خطبة الإمام يوم الجمعة وأدرك الصلاة فقال حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها‏)‏‏)‏‏.‏

وأما مسألة المسافر يدرك ركعة من صلاة المقيم فأيسر الناس في ذلك مالك قال إذا لم يدرك المسافر من صلاة الإمام ركعة صلى ركعتين وإن أدرك منها ركعة تامة بسجدتيها صلى أربعا وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي وبن شهاب الزهري وقتادة‏.‏

وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور إذا دخل المسافر في صلاة المقيم صلى أربعا صلاة مقيم وإن أدركها في التشهد وروي ذلك عن بن عباس وبن عمر وجماعة من التابعين‏.‏

وقال الشافعي إذا أحرم قبل أن يسلم الإمام لزمته صلاة المقيم وفي هذه المسألة قولان شاذان أحدهما لطاوس والشعبي والثاني لإسحاق بن راهويه قد ذكرتهما في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏‏.‏

وأما سجود السهو فقال مالك إذا أدرك مع الإمام ركعة لزمه أن يسجد معه لسهوه وسواء أدرك السهو أو لم يدرك وإن لم يدرك معه ركعة لم يلزمه السجود منه ومذهبه في ذلك أن سجدتي السهو إن كانتا قبل السلام سجدهما معه وإن كانتا بعد السلام لم يسجدهما معه وسجدهما إذا أتم صلاته وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد‏.‏

وقال الشافعي والكوفيون وسائر الفقهاء من دخل مع الإمام في بعض صلاته لزمه سهوه وسجد معه وعن الشافعي أيضا أنه يسجدهما بعد القضاء أيضا وهذا كله في حديث من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها ومن لم يدرك منها ركعة فلم يدركها واستعمال الناس بهذا الحديث واستعمال نصه دليل خطأ به مالك وأصحابه‏.‏

14- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يقول إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة‏.‏

15- مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت كانا يقولان من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة هكذا رواه يحيى بن يحيى‏.‏

وأما القعنبي وبن بكير وأكثر رواه الموطأ فرووه عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت كانا يقولان ‏(‏‏(‏من أدرك الركعة قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك السجدة‏)‏‏)‏‏.‏

16- مالك أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير معنى إدراك الركعة ها هنا أن يركع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع هذا قول مالك وأكثر العلماء وفيه اختلاف روي عن أبي هريرة ‏(‏‏(‏من أدرك القوم ركوعا يعتد بها‏)‏‏)‏ وهذا قول لا نعلم أن أحدا قال به من فقهاء الأمصار وفيه وفي إسناده نظر وقد روي معناه عن أشهب وروي عن جماعة من التابعين ضد ذلك قالوا إذا أحرم الداخل والناس ركوع أجزأه وإن لم يدرك الركوع وبهذا قال بن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر بن الهذيل قالوا إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه ركع كيف أمكنه واتبع الإمام وكان بمنزلة التابع واعتد بالركعة وقد روي عن بن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر بن الهذيل والحسن بن زياد أنه إذا كبر بعد رفع الإمام رأسه من الركعة قبل أن يركع اعتد بها وقال الشعبي إذا انتهيت إلى الصف المؤخر ولم يرفعوا رؤوسهم وقد رفع الإمام رأسه فقد أدركت لأن بعضهم أئمة بعض قال جمهور الفقهاء من أدرك الإمام راكعا فكبر وركع وأمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركعة فقد أدرك الركعة ومن لم يدرك ذلك فقد فاتته الركعة ومن فاتته الركعة فقد فاتته السجدة أي لا يعتد بها ويسجدهما هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق وروى ذلك عن علي بن أبي طالب وبن مسعود وزيد بن ثابت وبن عمر وقد ذكرنا الآثار بذلك في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ وبه قال عطاء وإبراهيم وعروة بن الزبير وميمون بن مهران وذكر بن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن بن عمر وزيد بن ثابت قالا إذا أدرك القوم ركوعا فإنه تجزئه تكبيرة واحدة وهو قول إبراهيم وعروة وعطاء والحسن وقتادة والحكم وميمون وجماعة إلا أنهم يستحبون أن يكبر تكبيرتين واحدة للإحرام وثانية للركوع وإن كبر واحده لافتتاح الصلاة أجزأه من الركعة وعلى هذا مذهب الفقهاء بالحجاز والعراق والشام وقال بن سيرين وحماد بن أبي سليمان لا يجزئه حتى يكبر تكبيرتين واحدة يفتتح بها وثانية يركع بها والقول الأول أصح من جهة الأثر والنظر لأن التكبير لما عدا الإحرام مسنون يستحب قد أجمعوا أنه لا يضر سقوط التكبيرة منه والتكبيرتين وسنبين هذا الباب ونوضحه في افتتاح الصلاة إن شاء الله‏.‏

وأما قول أبي هريرة ‏(‏‏(‏من فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير‏)‏‏)‏ فإن بن وضاح وجماعة معه قالوا ذلك لموضع التأمين والله أعلم يعنون قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وسيأتي هذا فيما بعد إن شاء الله عز وجل‏.‏

باب ما جاء في دلوك الشمس وغسق الليل

17- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول دلوك الشمس ميلها‏.‏

18- مالك عن داود بن الحصين قال أخبرني مخبر أن عبد الله بن عباس كان يقول دلوك الشمس إذا فاء الفيء وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته قال أبو عمر المخبر ها هنا عكرمة وكذلك رواه الدراوردي عن عكرمة عن بن عباس وكان مالك يكتم اسمه لكلام سعيد بن المسيب فيه وقد صرح به في كتاب الحج وقد ذكرنا في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ السبب الموجب لكلام بن المسيب في عكرمة ومن قال بتفضيل عكرمة والثناء عليه ومات عكرمة عند داود بن الحصين بالمدينة ولم يختلف عن بن عمر في أن دلوك الشمس ميلها روي ذلك عنه من وجوه ثابتة إلا أن الألفاظ مختلفة والمعنى واحد منهم من يروي عنه دلوكها زوالها ومنهم من يقول عنه دلوكها ميلها بعد نصف النهار وكل سواء وهو قول الحسن ومجاهد ورواه مجاهد أيضا عن قيس بن السائب وهو قول أبي جعفر محمد بن علي والضحاك بن مزاحم وعمر بن عبد العزيز وكذلك روي عن الشعبي ومجاهد عن بن عباس دلوكها زوالها‏.‏

وأما عبد الله بن مسعود فلم يختلف عنه أن دلوكها غروبها وهو قول علي بن أبي طالب وأبي وائل وطائفة والوجهان في اللغة معروفان وقال بعض أهل اللغة دلوكها من زوالها إلى غروبها‏.‏

وأما غسق الليل فالأكثر على أنه أراد به صلاة العشاء وروي عن مجاهد غسق الليل غروب الشمس وقال غيره غسق الليل المغرب والعشاء‏.‏

باب جامع الوقوت

19- مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏ الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله‏)‏‏)‏ ومعناه عند أهل اللغة الذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب فيها وترا فيجتمع عليه غمان غم ذهاب أهله وماله وغم بما يقاسي من طلب الوتر يقول فالذي تفوته صلاة العصر لو وفق لرشده وعرف قدر ما فاته من الخير والفضل كان كالذي أصيب بأهله وماله على ما ذكرنا وقد ذكرنا شواهد هذا على وزنه في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ ومن أحسنها قول الأعرابي‏:‏

كأنما الذئب إذ يعدو على غنمي *** في الصبح طالب وتر كان فاتار

وهذا عندنا على أن تفوته صلاة العصر بغير عذر حتى تغيب الشمس ولا يدرك منها ركعة قبل الغروب ومن قال إن ذلك إن يؤخرها حتى تصفر الشمس فليس بشيء والدليل على ذلك أن مالكا قال في الموطأ في رواية بن القاسم في هذا الموضع ووقت صلاة الظهر والعصر إلى غروب الشمس وقد يحتمل أن يكون خروج قوله عليه السلام في هذا الحديث على جواب سؤال السائل كأنه قال يا رسول الله ما مثل الذي تفوته صلاة العصر فقال هو كمن وتر أهله وماله فإن كان هذا هكذا فيدخل في معنى العصر حينئذ الصبح والعشاء بطلوع الشمس وطلوع الفجر وقد أوضحنا معنى الحديث وبسطناه في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ فمن تأمله هناك يستغني بذلك واختلاف العلماء في الصلاة الوسطى على هذين القولين في الصبح والعصر هو الأكثر الذي عليه الجمهور‏.‏

20- مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب انصرف من صلاة العصر فلقي رجلا لم يشهد العصر فقال عمر ما حبسك عن صلاة العصر فذكر له الرجل عذرا فقال عمر طففت قال مالك ويقال لكل شيء وفاء وتطفيف قال بعض أصحابنا وبعض من تقدمه ممن شرح الموطأ إن الرجل الذي لقيه عمر لم يشهد العصر في هذا الحديث - فهو عثمان بن عفان وهو لا يوجد في أثر علمته وإنما عثمان هو الذي جاء وعمر يخطب فقال له عمر أية ساعة هذه وذلك يوم الجمعة وروي ذلك أيضا من طرق ثابتة قد ذكرتها في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏‏.‏

وأما الرجل المذكور في هذا الحديث رجل من الأنصار من بني حديدة حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال حدثنا بن أبي ذئب عن أبي حازم التمار عن بن حديدة الأنصاري صاحب النبي -عليه السلام- قال ‏(‏‏(‏لقيني عمر بن الخطاب بالزوراء ‏(‏4‏)‏ وأنا ذاهب إلى صلاة العصر فسألني أين تذهب فقلت إلى الصلاة فقال طفقت فأسرع قال فذهبت إلى المسجد فصليت ورجعت فوجدت جاريتي قد احتبست علينا من الاستقاء فذهبت إليها برومة فجئت بها والشمس صالحة‏)‏‏)‏‏.‏

قال قيل للقعنبي ما رومة قال بئر عثمان بن عفان‏.‏

وأما قول عمر للرجل طففت فمعناه أنك نقصت نفسك حظها من الأجر بتأخرك عن صلاة الجماعة وأظنه لم يقبل عذره المذكور في حديث مالك لأن من حبسه عذر مانع عن عمل صالح يريده فقد قدمنا من الآثار ما يبين به أنه يكتب له مثل أجر عمله‏.‏

وأما التطفيف في لسان العرب فهو الزيادة على العدل والنقصان منه وذلك ذم لفاعله قال الله تعالى ‏(‏ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون‏)‏ المطففين‏.‏

1- 3 ومن ذمه الله - تعالى - استحق عقوبته كما أن من مدحه استحق ثوابه‏.‏

وأما قول مالك لكل شيء وفاء وتطفيف فإنه يعني أن هذه اللفظة تدخل في كل شيء مذموم زيادة ونقصانا وروى أبو حميد الزبيري قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن علي قال ‏(‏‏(‏الصلاة كالكيل فمن وفى وفي له‏)‏‏)‏ وروى بن عيينة وغيره عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن مغيث بن سمي ‏(‏ويل للمطففين‏)‏ قال التطفيف في الصلاة والوضوء والمكيال والميزان حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا سلمة بن شبيب وحبيش بن أصرم ومؤمل قال حدثنا عبد الرزاق عن بكار بن عبد الله عن وهب بن منبه قال ترك من التطفيف‏.‏

وحدثنا خلف بن القاسم بن شعبان قال حدثنا محمد بن محمد بن يزيد قال حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال حدثنا بن شبرمة عن سالم بن أبي الجعد عن سلمان قال ‏(‏‏(‏الصلاة كيل ووزن فمن وفى وفي له ومن نقص نقص له وتلا ‏(‏ويل للمطففين‏)‏ ورواه سفيان الثوري عن شيخ كوفي يكنى أبا نصر عن سالم بن أبي الجعد عن سلمان قال ‏(‏ ‏(‏الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين‏)‏‏)‏ ويغفر الله لمن يشاء ويعذب من يشاء‏.‏

21- مالك عن يحيى بن سعيد أنه كان يقول إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاته وقتها ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله هكذا هذا الحديث في الموطأ من قول يحيى بن سعيد وهو مروي عن النبي -عليه السلام- إلا أنها وجوه ضعيفة الإسناد ويردها أيضا أطول الآثار الصحاح فمن ذلك أن غير مالك طائفة تروي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن يعلى بن مسلم عن طلق بن حبيب عن النبي عليه السلام وهذا مرسل وطلق بن حبيب ثقة عندهم فيما نقل إلا أنه رأس من رؤوس المرجئة وكان مع ذلك عابدا فاضلا وكان مالك يثني عليه لعبادته ولا يرضى مذهبه وقد روي مسندا إلا أنه حديث يدور على يعقوب بن الوليد وهو متروك الحديث حدثنا أحمد بن القاسم بن عيسى قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حنانه قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثني جدي قال حدثنا يعقوب بن الوليد عن بن أبي ذئب عن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏إن أحدكم ليصلي الصلاة وما فاته من وقتها أشد عليه من أهله وماله‏)‏‏)‏‏.‏

وأما الأصول التي ترد هذا الحديث ‏(‏فمنها‏)‏ حديث نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏(‏‏(‏من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله‏)‏‏)‏ فلم يقع التمثيل والتشبيه ها هنا إلا لمن فاته وقت الصلاة كله بدليل قوله ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من العصر‏)‏‏)‏ وبدليل قوله حين صلى في طرفي الوقت ‏(‏‏(‏ما بين هذين وقت‏)‏‏)‏ وحديث يحيى بن سعيد يدل أن من فاته بعض وقت الصلاة في حكم من فاته الوقت كله في ذهاب أهله وماله وقد حكى بن القاسم عن مالك أنه لم يعجبه قول يحيى بن سعيد المذكور وذلك لما وصفنا والله أعلم وقد يحتمل حديث يحيى بن سعيد وما كان مثله من الحديث المسند فمن فاته أول الوقت أن يكون قد فاته من الفضل ما كان خيرا من أهله وماله لأن الفضائل التي يستحق عليها ثواب الآخرة قليلها أفضل من الدنيا وما فيها لا أنه كمن وتر أهله وماله على ما في حديث بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها‏)‏‏)‏ والذي يفيدنا حديث يحيى بن سعيد والحديث المرفوع - تفضيل أول الوقت على آخره لأن من فاته أول الوقت فاته كمن فاته الوقت كله والدليل على تفضيل أول الوقت على آخره حديث أبي عمرو الشيباني عن بن مسعود قال ‏(‏‏(‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال الصلاة لأول وقتها‏)‏‏)‏ وحديث عبد الملك بن عمير عن أبي خيثمة عن الشفاء ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها‏)‏‏)‏ وحديث عبد الله بن عمر عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال ‏(‏‏(‏الصلاة في أول وقتها‏)‏‏)‏ وقد ذكرنا هذه الآثار من طرق في كتاب ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ وفي قوله تعالى ‏(‏فاستبقوا الخيرات‏)‏ ‏[‏البقرة 148‏]‏‏.‏

ما يكفي مع أنه معلوم في شواهد العقول أنه مزيد وإلى الطاعة أفضل ممن تأخر عنها وإن كان مباحا له التأخير وبالله التوفيق قال مالك من أدرك الوقت وهو في سفر فأخر الصلاة ساهيا أو ناسيا حتى قدم على أهله أنه إن كان قدم على أهله وهو في الوقت فليصل صلاة المقيم وإن كان قد قدم وقد ذهب الوقت فليصل صلاة المسافر لأنه إنما يقضي مثل الذي كان عليه قال مالك وهذا الأمر الذي أدركت عليه الناس وأهل العلم ببلدنا أما قوله ساهيا فهو الذي يسهو فلا يذكر غفلة وشغلا‏.‏

وأما قوله ناسيا فهو الذي يذكر في أول الوقت صلاته ثم ينسى وقد قيل إن السهو والنسيان متداخلان ومعناهما واحد‏.‏

وأما قوله إن كان قدم على أهله وهو في الوقت وقوله إن كان قدم وقد ذهب الوقت فقد تقدم مذهبه وما يراعى من الوقت في ذلك وما كان مثله في صلاتي النهار وصلاتي الليل وفي الآخرة منها عند ذكر قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس‏)‏‏)‏ فلا وجه لتكرار ذلك‏.‏

وأما قوله إنه إنما يقضي مثل الذي كان عليه فإن الحجة في ذلك قوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها فأشار إلى المنسية وهي التي فاتته ووجبت عليه فيقضيها على حسب ما كان يصليها لأنها لزمته بالذكر فصارت واجبة عليه بهيئتها وهذه المسألة يختلف فيها الفقهاء أئمة الفتوى فذهب مالك إلى ما ذكرنا ها هنا وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي كلهم يقول إذا خرج وقد بقي عليه من الوقت شيء أقله ركعة قصر ومن قدم وقد بقي عليه من الوقت مثل ذلك أتم‏.‏

وقال الشافعي والليث بن سعد والحسن بن حي وزفر إذا خرج بعد دخول الوقت بمقدار ما يصلي فيه تلك الصلاة أو ركعة منها أتم قال أبو عمر قد مضى في آخر الوقت المختار في صلاة العتمة ثلث الليل ونصف الليل في الأحاديث المسندة وقول عمر وغيره - ما فيه إيضاح هذا المعنى وبالله التوفيق وكذلك إن قدم المسافر قبل خروج الوقت أتم وقد مضى في هذا مراعاتهم للركعة وللتكبير ومن راعى أول الوقت وتمكن الصلاة فيه ومن راعى آخره واعتبر الركعة منه فأغنى عن إعادته ها هنا‏.‏

وأما اختلافهم فيمن نسي صلاة السفر فلم يذكرها إلا وهو مسافر - وهو من هذا المعنى - فإن مالكا والثوري وأبا حنيفة وأصحابه قالوا إذا نسي صلاة حضرية فذكرها في السفر صلى أربعا وإن نسيها سفرية وذكرها في الحضر صلى ركعتين وقال الأوزاعي وعبيد الله بن الحسن والشافعي وأحمد بن حنبل يصلي صلاة مقيم في المسألتين معا لأن الأصل أربع فإذا زالت علة السفر لم يجزه إلا أربع ويؤخذ له مع الاختلاف - بالثقة ليؤدي فرضه بيقين وقال البصريون وبن علية وطائفة - وهو قول الحسن البصري - من نسي صلاة في حضر فذكرها في سفر صلاها سفرية ولو نسيها في السفر وذكرها في الحضر صلاها أربعا لأنها وجبت عليه بالذكر لها فيصليها كما من لم ينسها وكما لو نسيها وهو مريض وذكرها صحيحا صلاها قائما كما يقدر ولو نسيها صحيحا فذكرها وهو مريض صلاها قاعدا على حسب طاقته وحاله في الوقت قال مالك الشفق الحمرة التي في المغرب فإذا ذهبت الحمرة فقد وجبت صلاة العشاء وخرجت من وقت المغرب اختلف العلماء في الشفق فقال مالك والثوري والشافعي وبن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل الشفق الحمرة وهو قول بن عمر‏.‏

وقال أبو حنيفة الشفق البياض وروي ذلك عن أنس بن مالك وأبي هريرة وهو قول عمر بن عبد العزيز وروى الثوري عن مزاحم بن زفر قال كتب إلينا عمر بن عبد العزيز فكان في كتابه ووقت العشاء إذا ذهب البياض‏.‏

وقال أحمد بن حنبل يعجبني أن تصلي إذا ذهب البياض في الحضر وتجب في السفر إذا ذهبت الحمرة واللغة تقضي أن الشفق اسم للبياض والحمرة جميعا والحجة لمن قال ‏(‏‏(‏إنه الحمرة - حديث النعمان بن بشير ‏(‏‏(‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة‏)‏‏)‏ وهذا لا محالة قبل ذهاب البياض وروي عن بن عباس في الشفق القولان جميعا وزعم الخليل أنه ارتقب البياض فلم يكد يغيب إلى طلوع الفجر‏.‏

22- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أغمي عليه فذهب عقله فلم يقض الصلاة قال مالك وذلك فيما نرى والله أعلم أن الوقت قد ذهب فأما من أفاق في الوقت فإنه يصلي قال أبو عمر ذهب مالك والشافعي وأصحابهما مذهب بن عمر في الإغماء أنه لا يقضي ما فاته في إغمائه من الصلوات التي أغمي عليه فيها إن خرج وقتها وقد خالف بن عمر في ذلك عمار وعمران بن حصين ونذكر ذلك ومن ذهب إليه من الفقهاء أئمة الأمصار بعد إن شاء الله وبالله التوفيق وحجة مالك ومن ذهب مذهبه ومذهب بن عمر في ذلك أن القلم مرفوع عن المغمى عليه قياسا على المجنون المتفق عليه لأنه لا يشبه المغمى عليه إلا أصلان أحدهما المجنون الذاهب العقل والآخر النائم ومعلوم أن النوم لذة والإغماء مرض فهي بحال المجنون أشبه والأخرى أن المغمى عليه لا ينتبه بالإنباه بخلاف النائم ولما كان العاجز عن القيام في الصلاة يصلي جالسا ويسقط عنه القيام ثم إن عجز عن الجلوس سقط عنه حتى يبلغ حاله مضطجعا إلى الإيماء فلا يقدر على الإيماء فيسقط عنه ما سوى الإيماء فكذلك إن عجز عن الإيماء بما لحقه من الإغماء يسقط عنه فلا يلزمه إلا ما يراجعه عقله وذهنه في وقته لا ما انقضى وقته هذا ما يوجبه النظر لأنها مسألة ليس فيها حديث مسند وفيها عن بن عمر وعمار بن ياسر اختلاف فابن عمر لم يقض ما خرج وقته وعمار أغمي عليه يوما وليلة فقضى وقد روي عن عمران بن حصين مثل ذلك ذكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن السدي عن رجل يقال له يزيد عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق في بعض الليل فقضاهن قال‏.‏

وحدثنا حفص بن غياث عن التيمي عن أبي مجلز عن عمران بن حصين قال يقضي المغمى عليه الصلوات كلها فذهب مالك والشافعي وأصحابه إلى مذهب بن عمر وهو قول طاوس والحسن وبن سيرين والزهري وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري وبه قال أبو ثور وكل هؤلاء يجعل وقت الظهر والعصر النهار كله إلى المغرب ووقت المغرب والعشاء الليل كله على ما تقدم من أصولهم في ذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إن أغمي عليه يوما وليلة قضى وإن أغمي عليه أكثر لم يقض وجعلوا من أغمي عليه يوما وليلة في حكم النائم ومن أغمي عليه أكثر في حكم المجنون الذي رفع عنه القلم قالوا وإنما قضى عمار لأنه أغمي عليه يوما وليلة وهو قول إبراهيم النخعي وقتادة والحكم وحماد وإسحاق بن راهويه وقال الحسن بن حي من أغمي عليه خمس صلوات فما دونهن قضي ذلك كله وإن أغمى عليه أياما قضى خمس صلوات ينظر حين يفيق فيقضي ما يليه وقال عبيد الله بن الحسن المغمى عليه كالنائم يقضى كل صلاة في أيام إغمائه وبه قال أحمد بن حنبل وهو قول عطاء بن رباح ورواية محمد بن رستم عن محمد بن الحسن أن النائم إذا كان نومه أكثر من يوم وليلة لم يقض - منكرة شاذة خارجة عن الأصول لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر النائم بقضاء ما نام عنه من الصلوات ولم يحد في ذلك حدا ولو كان من شرعه في ذلك حد بعدد أو وقت لذكره والله أعلم واختلف عن الثوري في المغمى عليه قال مرة كقول أبي حنيفة وقال الفريابي عنه إنه كان يعجبه أن يقضي صلاة يوم وليلة كقول الحسن بن حي وروي عن قبيصة عن سفيان فيمن أغمي عليه يومين وليلتين ثم أفاق بعد طلوع الشمس لم يكن عليه قضاء الفجر وإذا أغمي عليه قبل الفجر ثم أفاق بعد ما طلعت الشمس فأحب إلي أن يقضي‏.‏

باب النوم عن الصلاة

23- مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من خيبر أسري حتى إذا كان من آخر الليل عرس وقال لبلال ‏(‏‏(‏اكلأ ‏(‏4‏)‏ لنا الصبح‏)‏‏)‏ ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكلأ بلال ما قدر له ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر فغلبته عيناه فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بلال يا رسول الله ‏!‏ أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏اقتادوا‏)‏‏)‏ فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم قال حين قضى الصلاة ‏(‏‏(‏من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه ‏(‏وأقم الصلوة لذكرى ‏)‏ ‏[‏طه 14‏]‏‏.‏

هذا الحديث مرسل في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت وقد ذكرت في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ من تابع مالكا عن بن شهاب من أصحابه في إرساله ومن وصله فأسنده وذكرت هناك من روى عن النبي -عليه السلام- من أصحابه نومه عن الصلاة في سفره فإنه روي عنه من وجوه ذكرتها في حديث زيد بن أسلم من ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ وقول بن شهاب عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من خيبر أسرى - أصح من قول من قال إن ذلك كان مرجعه من غزاة حنين وفي حديث بن مسعود أن نومه ذلك كان عام الحديبية وذلك في زمن خيبر وكذلك قال بن إسحاق وأهل السير إن نومه عن الصلاة كان حين قفوله من خيبر والقفول الرجوع من السفر ولا يقال قفل إذا سار مبتدئا قال صاحب العين قفل الجيش قفولا وقفلا إذا رجعوا وقفلتهم أنا هكذا وهو القفول والقفل وخروج الإمام بنفسه في الغزوات من السنن وكذلك إرساله السرايا كل ذلك سنة مسنونة والسرى سير الليل ومشيه وهو لفظة مؤنثة وسرى وأسرى لغتان قرئ بهما ولا يقال لسير النهار سرى ومنه المثل السائر عند الصباح يحمد القوم السرى والتعريس نزول آخر الليل ولا تسمي العرب نزول أول الليل تعريسا وقوله اكلأ لنا الصبح أي ارقب لنا الصبح واحفظ علينا وقت صلاته وأصل الكلء الحفظ والمنع والرعاية وهي لفظة مهموزة قال الله تعالى ‏(‏قل من يكلؤكم بالليل والنهار‏)‏ ‏[‏الأنبياء 42‏]‏‏.‏

أي يحفظكم ومنه قول بن هرمة ‏(‏إن سليمى والله يكلؤها‏)‏ وفي هذا الحديث إباحة المشي على الدواب بالليل وذلك على قدر الاحتمال ولا ينبغي أن يصل المشي عليها ليلا ونهارا وقد أمر -عليه السلام- بالرفق بها وأن ينجى عليها بنقيها وفيه أمر الرفيق بما خف من الخدمة والعون في السفر وذلك محمول على العرف في مثله وإنما قلنا بالرفيق ولم نقل بالمملوك لأن بلالا كان حرا يومئذ قد كان أبو بكر أعتقه بمكة وكانت خيبر سنة ست من الهجرة وقد أوضحنا في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ معنى نوم النبي -عليه السلام- عن صلاته في سفره حتى طلعت الشمس مع قوله -عليه السلام- ‏(‏‏(‏إن عيني تنامان ولا ينام قلبي‏)‏‏)‏ والنكتة في ذلك أن الأنبياء - عليهم السلام - تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ولذلك كانت رؤيا الأنبياء وحيا وكذلك قال بن عباس رؤيا الأنبياء وحي وتلا ‏(‏افعل ما تؤمر‏)‏ ‏[‏الصافات 102‏]‏‏.‏

وقد روي عن النبي -عليه السلام- أنه قال ‏(‏‏(‏إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا‏)‏‏)‏ وقد ذكرنا الحديث بذلك في ‏(‏‏(‏التمهيد وقال تعالى حاكيا عن إبراهيم نبيه -عليه السلام- أنه قال لابنه ‏(‏إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر‏)‏ ‏[‏الصافات 102‏]‏‏.‏

ونومه عليه السلام في سفره من باب قوله ‏(‏‏(‏إني لأنسى أو أنسى لأسن‏)‏‏)‏ فخرق نومه ذلك عادته عليه السلام ليسن لأمته ألا ترى إلى قوله في حديث العلاء بن خباب ‏(‏‏(‏لو شاء الله لأيقظنا ولكنه أراد أن تكون سنة لمن بعدكم‏)‏‏)‏ وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن عبيدة بن حميد عن يزيد بن أبي زياد عن تميم بن أبي سلمة عن مسروق عن بن عباس قال ‏(‏‏(‏ما يسرني أن لي الدنيا بما فيها بصلاة النبي -عليه السلام- الصبح بعد طلوع الشمس‏)‏‏)‏ وكان مسروق يقول ذلك أيضا قرأت على عبد الوارث أن قاسما حدثهم قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا بن الأصبهاني قال حدثنا عبيدة بن حميد عن يزيد بن أبي زياد عن تميم عن أبي سلمة عن مسروق عن بن عباس قال ‏(‏‏(‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فعرسوا من الليل فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس قال فأمر فأذن ثم صلى ركعتين‏)‏‏)‏‏.‏

قال بن عباس ‏(‏‏(‏فما يسرني بهما الدنيا وما فيها‏)‏‏)‏ يعني الرخصة قال أبو عمر وذلك عندي -والله أعلم- لأنه كان سببا إلى أن علم أصحابه المبلغون عنه إلى سائر أمته أن مراد الله من عباده الصلاة وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في وقتها فإنه يقضيها أبدا متى ما ذكرها ناسيا كان لها أو نائما عنها أو متعمدا لتركها ألا ترى أن حديث مالك في هذا الباب عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها‏)‏‏)‏ والنسيان في لسان العرب يكون الترك عمدا ويكون ضد الذكر قال الله - تعالى - ‏(‏نسوا الله فنسيهم‏)‏ ‏[‏التوبة 67‏]‏‏.‏

أي تركوا طاعة الله تعالى والإيمان بما جاء به رسوله فتركهم الله من رحمته وهذا مما لا خلاف فيه ولا يجهله من له أقل علم بتأويل القرآن فإن قيل فلم خص النائم والناسي بالذكر في قوله في غير هذا الحديث ‏(‏‏(‏من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها‏)‏‏)‏ قيل خص النائم والناسي ليرتفع التوهم والظن فيهما لرفع القلم في سقوط المأثم عنهما بالنوم والنسيان فأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سقوط الإثم عنهما غير مسقط لما لزمهما من فرض الصلاة وأنها واجبة عليهما عند الذكر لها يقضيها كل واحد منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها ولم يحتج إلى ذكر العامد معهما لأن العلة المتوهمة في الناسي والنائم ليست فيه ولا عذر له في ترك فرض قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرا له وسوى الله - تعالى - في حكمه على لسان نبيه بين حكم والصلاة الموقوتة والصيام الموقوت في شهر رمضان - بأن كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته فنص على النائم والناسي في الصلاة لما وصفنا ونص على المريض والمسافر في الصوم وأجمعت الأمة ونقلت الكافة فيمن لم يصم رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرا وبطرا تعمد ذلك ثم تاب عنه - أن عليه قضاءه فكذلك من ترك الصلاة عامدا فالعامد والناسي في القضاء للصلاة والصيام سواء وإن اختلفا في الإثم كالجاني على الأموال المتلف لها عامدا وناسيا إلا في الإثم وكان الحكم في هذا الشرع بخلاف رمي الجمار في الحج التي لا تقضى في غير وقتها لعامد ولا لناس فوجوب الدم فيها ينوب عنها وبخلاف الضحايا أيضا لأن الضحايا ليست بواجبة فرضا والصلاة والصيام كلاهما فرض واجب ودين ثابت يؤدى أبدا وإن خرج الوقت المؤجل لهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏دين الله أحق أن يقضى ‏)‏‏)‏ وإذا كان النائم والناسي للصلاة - وهما معذوران - يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمد لتركها المأثوم في فعله ذلك أولى بالا يسقط عنه فرض الصلاة وأن يحكم عليه بالإتيان بها لأن التوبة من عصيانه في تعمد تركها هي أداؤها وإقامة تركها مع الندم على ما سلف من تركه لها في وقتها وقد شذ بعض أهل الظاهر وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين وسبيل المؤمنين فقال ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في غير وقتها لأنه غير نائم ولا ناس وإنما قال رسول الله ‏(‏‏(‏من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها‏)‏‏)‏‏.‏

قال والمتعمد غير الناسي والنائم قال وقياسه عليهما غير جائز عندنا كما أن من قتل الصيد ناسيا لا يجزئه عندنا فخالفه في المسألة جمهور العلماء وظن أنه يستتر في ذلك برواية جاءت عن بعض التابعين شذ فيها عن جماعة المسلمين وهو محجوج بهم مأمور باتباعهم فخالف هذا الظاهر عن طريق النظر والاعتبار وشذ عن جماعة علماء الأمصار ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليل يصح في العقول ومن الدليل على أن الصلاة تصلي وتقضى بعد خروج وقتها كالصائم سواء وإن كان إجماع الأمة الذين أمر من شذ منهم بالرجوع إليهم وترك الخروج عن سبيلهم يغني عن الدليل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح‏)‏‏)‏ ولم يخص متعمدا من ناس ونقلت الكافة عنه -عليه السلام- أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل الغروب صلى تمام صلاته بعد الغروب وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلها لمن تعمد أو نسي أو فرط وبين عمل بعضها في نظر ولا اعتبار ودليل آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظهر والعصر حتى غربت الشمس لشغله بما نصبه المشركون له من الحرب ولم يكن يومئذ ناسيا ولا نائما ولا كانت بين المسلمين والمشركين يومئذ حرب قائمة ملتحمة وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر في الليل ودليل آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق ‏(‏‏(‏لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ‏(‏1‏)‏ فخرجوا متبادرين وصلى بعضهم العصر في طريق بني قريظة خوفا من خروج وقتها المعهود ولم يصلها بعضهم إلا في بني قريظة بعد غروب الشمس فلم يعنف رسول الله -عليه السلام- إحدى الطائفتين وكلهم غير ناس ولا نائم وقد أخر بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلاها وقد علم رسول الله ذلك فلم يقل لهم إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها ولا تقضى بعد خروج وقتها ودليل آخر وهو قوله -عليه السلام- ‏(‏‏(‏سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها قالوا أفنصليها معهم قال نعم‏)‏‏)‏‏.‏

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال حدثنا أبو حذيفة يوسف بن مسعود قال حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثني الحمصي عن أبي أبي بن امرأة عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال ‏(‏‏(‏كنا عند النبي -عليه السلام- فقال إنه سيكون بعدي أمراء تشغلهم أشياء حتى لا يصلوا الصلاة لميقاتها قالوا نصليها معهم يا رسول الله قال نعم‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر أبو المثنى الحمصي هو الأملوكي ثقة روى عن عتبة وأبي بن أم حرام وكعب الأحبار وأبو أبي بن أم حرام ربيب عبادة له صحبة وقد سماه وكيع وغيره في هذا الحديث عن الثوري وقد ذكرناه في الكنى وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح الصلاة بعد خروج ميقاتها ولم يقل إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها كثيرة جدا وقد كان الأمراء من بني أمية أو أكثرهم يصلون الجمعة عند الغروب وقد قال عليه السلام ‏(‏‏(‏التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى وقد أعلمهم أن وقت الظهر في الحضر ما لم يخرج وقت العصر روي ذلك عنه من وجوه صحاح قد ذكرت بعضها في صدر هذا الكتاب في المواقيت حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن شعيب النسائي قال حدثنا سويد بن نصر قال حدثنا عبد الله - يعني بن المبارك عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يحين وقت الأخرى ‏)‏‏)‏ فقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل هذا مفرطا والمفرط ليس بمعذور وليس كالنائم ولا الناسي عند الجميع من جهة العذر وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته على ما كان من تفريطه وقد روي في حديث أبي قتادة هذا ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها‏)‏‏)‏ وهذا أبعد وأوضح في أداء المفرط الصلاة عند الذكر وبعد الذكر وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد إلا أن هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح في سفره وفيه قالوا يا رسول الله ‏!‏ ألا نصليها من الغد قال لا إن الله لا ينهاكم عن الربا ثم يقبله منكم‏)‏‏)‏ وروي من حديث أبي هريرة عن النبي عليه السلام وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي - وهو مذكور في الصحابة - قال ‏(‏‏(‏قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يسألونه فشغلوه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر‏)‏‏)‏ وأقل ما في هذا أنه أخرها عن وقتها الذي كان يصليها فيه بشغل اشتغل به وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التابعين وقد أجمع العلماء على أن تارك الصلاة عامدا حتى يخرج وقتها عاص لله وذكر بعضهم أنها كبيرة من الكبائر وليس ذلك مذكورا عند الجمهور في الكبائر وأجمعوا على أن على العاصي أن يتوب من ذنبه بالندم عليه واعتقاد ترك العودة إليه قال الله تعالى ‏(‏وتوبوا إلى الله جميعا آية المؤمنون لعلكم تفلحون‏)‏ ‏[‏النور 31‏]‏‏.‏

ومن لزمه حق لله أو لعباده لزمه الخروج منه وقد شبه عليه السلام حق الله تعالى بحقوق الآدميين وقال ‏(‏‏(‏دين الله أحق أن يقضى ‏)‏‏)‏ والعجب من هذا الظاهري في نقضه أصله وأصل أصحابه فيما وجب من الفرائض بإجماع أنه لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا تنازع في قبولها والصلوات المكتوبات واجبات بإجماع ثم جاء من الاختلاف بشذوذ خارج عن أقوال علماء الأمصار وأتبعه دون سند روي في ذلك وأسقط به الفريضة المجتمع على وجوبها ونقض أصله ونسي نفسه والله أسأله التوفيق لما يرضاه والعصمة مما به ابتلاه وقد ذكر أبو الحسن بن المغلس في كتابه ‏(‏‏(‏الموضح على مذهب أهل الظاهر‏)‏‏)‏‏.‏

قال فإذا كان الإنسان في مصر في حش أو موضع نجس أو كان مربوطا على خشبة ولم تمكنه الطهارة ولا قدر عليها لم تجب عليه الصلاة حتى يقدر على الوضوء فإن قدر على الطهارة تطهر وصلى متى ما قدر على الوضوء والتيمم قال أبو عمر هذا غير ناس ولا نائم وقد أوجب أهل الظاهر عليه الصلاة بعد خروج الوقت ولم يذكر بن المغلس خلافا بين أهل الظاهر في ذلك وهذا الظاهري يقول لا يصلي أحد الصلاة بعد خروج وقتها إلا النائم والناسي لأنهما خصا بذلك ونص عليهما فإن قال هذا معذور كما أن النائم والناسي معذوران وقد جمعهما العذر - قيل له قد تركت ما أصلت في نفي القياس واعتبار المعاني وألا يتعدى النص مع أن العقول تشهد أن غير المعذور أولى بإلزام القضاء من المعذور وقد ذكر أبو عبد الله أحمد بن محمد الداودي البغدادي في كتابه المترجم بجامع مذهب أبي سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني في باب ‏(‏‏(‏صوم الحائض وصلاتها‏)‏‏)‏ من كتاب الطهارة - قال كل ما تركت الحائض من صلاتها حتى يخرج وقتها فعليها إعادتها قال ولو تركت الصلاة حتى يخرج وقتها وتريثت عن الإتيان بها حتى حاضت أعادت تلك الصلاة بعينها إذا طهرت فهذا قول داود وهذا قول أهل الظاهر فما أرى هذا الظاهري إلا قد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف - وخالف جميع فرق الفقهاء وشذ عنهم ولا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم وقد أوهم في كتابه أن له سلفا من الصحابة والتابعين تجاهلا منه أو جهلا فذكر عن بن مسعود ومسروق وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى ‏(‏أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا‏)‏ ‏[‏مريم 59‏]‏‏.‏

قالوا أخروها عن مواقيتها قالوا ولو تركوها لكانوا بتركها كفارا وهؤلاء يقولون بكفر تارك الصلاة عمدا ولا يقولون بقتله إذا كان مقرى بها فكيف يحتج بهم على أن من قضى الصلاة فقد تاب من تضييعها قال الله تعالى ‏(‏وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ‏)‏ ‏[‏طه 82‏]‏‏.‏

ولا تصح لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا بأدائه ومن قضى صلاة فرط فيها فقد تاب وعمل صالحا والله لا يضيع أجر من أحسن عملا وذكر عن سليمان أنه قال الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين وهذا لا حجة فيه لأن الظاهر من معناه أن المطفف قد يكون الذي لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها وإن صلاها في وقتها وذكر عن بن عمر أنه قال لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها وكذلك نقول لا صلاة له كاملة كما لا صلاة لجار المسجد ولا إيمان لمن لا أمانة له ومن قضى الصلاة فقد صلاها وتاب من سيئ عمله في تركها وكل ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيح ولا له في شيء منه حجة لأن ظاهره خلاف ما تأوله والله أسأله العصمة والتوفيق‏.‏

وأما فزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فزعا منه وإشفاقا وحزنا على ما فاته من صلاته في وقتها بالنوم الغالب عليه وحرصا على بلوغ الغاية من طاعة ربه ونحو ذلك كما فزع حين قام إلى صلاة الكسوف فزعا يجر رداءه وكان فزع أصحابه في انتباههم لأنهم لم يعرفوا حكم من نام عن صلاته في رفع المأثم عنه وإباحة القضاء له ولذلك قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ويجوز أن يكون فزعهم لما رأوه من فزعه حين انتباهه إشفاقا وفزعا كفزعهم حين صلى بهم عبد الرحمن بن عوف الصبح ورسول الله صلى الله عليه وسلم مشتغل بطهوره ثم أتى فأدرك معهم ركعة فلما سمعوا تكبيرة فزعوا فلما قضى صلاته قال ‏(‏‏(‏أحسنتم‏)‏‏)‏ ولم يكن فزعه -عليه السلام- من عدو خافه كما زعم بعض من تكلم في معاني الموطأ وفي هذا الحديث تخصيص قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ‏)‏‏)‏ وبيان أنه إنما رفع عنه الإثم في تأخير الصلاة لما يغلبه من النوم ولم يرفع عنه وجوب الإتيان بها إذا انتبه وذكرها وكذلك الناسي وفي قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏حتى يستيقظ‏)‏‏)‏ في النائم وفي الساهي فليصلها إذا ذكرها - بيان ما قلنا وبالله توفيقنا‏.‏

وأما قول بلال ‏(‏‏(‏أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك‏)‏‏)‏ - يعني من النوم - فصنف من الاحتجاج لطيف يقول إذا كنت في منزلتك من الله قد غلبتك عينك وقبضت نفسك فأنا أحرى بذلك وقد روى بن شهاب عن علي بن حسين قال ‏(‏‏(‏دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب وفاطمة وهما نائمان فقال ألا تصلون ‏!‏ ألا تصلون ‏!‏ فقال علي يا رسول الله ‏!‏ إنما أنفسنا بيد الله فإذا أراد أن يبعثها بعثها فأنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ ‏(‏وكان الإنسان أكثر شيء جدلا‏)‏ الكهف وفي قول علي إنما أنفسنا بيد الله وقول بلال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك مع قوله عليه السلام إن الله قبض أرواحنا وقوله -عليه السلام- في حديث أبي جحيفة ‏(‏‏(‏إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم مع قوله تعالى ‏(‏الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها‏)‏ الزمر‏.‏

42- دليل واضح على أن الروح والنفس شيء واحد وقد أثبتنا بما بينا في النفس والروح عن السلف ومن بعدهم بما فيه شفاء في مرسل زيد بن أسلم من ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ والحمد لله‏.‏

وأما قوله ‏(‏‏(‏فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا‏)‏‏)‏ - فإنه أراد أثاروا جمالهم واقتادوا سيرا قليلا والإبل إذا كان عليها الأوقار فهي الرواحل واختلف العلماء في معنى اقتيادهم وخروجهم من ذلك الوادي فقال أهل الحجاز إنما كان ذلك لأن الوقت قد كان خرج فلم يخف فوتا آخر وتشاءم بالموضع الذي نابهم فيه فقال هذا واد به شيطان‏)‏‏)‏ كما قال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام ‏(‏وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره‏)‏ ‏[‏الكهف 63‏]‏‏.‏

وقد روى معمر عن الزهري في هذا الحديث عن بن المسيب قال ‏(‏‏(‏فاقتادوا رواحلهم وارتحلوا عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة‏)‏‏)‏ وذكر وكيع عن جعفر بن برقان عن الزهري ‏(‏‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس فقال لأصحابه تزحزحوا عن المكان الذي أصابتكم فيه الغفلة فصلى ثم قال ‏(‏وأقم الصلاة لذكرى ‏)‏ وذلك كله نحو مما أشرنا إليه وليس من باب الطيرة وإنما هو من باب الكراهة‏.‏

وأما أهل العراق فزعموا أن تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلك الصلاة حتى خرج من الوادي إنما كان لأنه انتبه في حين طلوع الشمس قالوا ومن سنته ألا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ومن حجتهم ما أنبأنا سعيد بن نصر وأحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالوا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثنا بندار محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن جامع بن شداد قال سمعت عبد الرحمن بن علقمة قال سمعت بن مسعود يقول ‏(‏‏(‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يكلأنا الليلة فقال بلال أنا فناموا حتى طلعت الشمس فقال افعلوا كما كنتم تفعلون ففعلنا قال ‏(‏‏(‏كذلك فافعلوا ثم نام أو نسي‏)‏‏)‏ واحتجوا بقوله عليه السلام ‏(‏‏(‏إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب وبالآثار التي رواها الصنابحي وغيره في النهي عن الصلاة في حين طلوع الشمس وحين غروبها وحملوا ذلك على الفرائض وعلى النوافل وقالوا لما كان يوم الفطر والأضحى لا يؤدى فيهما صيام رمضان ولا نفل لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما - فكذلك هذه الأوقات لا تصلى فيها فريضة ولا نافلة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها وهذا يرد قوله -عليه السلام- ‏(‏‏(‏من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر‏)‏‏)‏ وروى أبو رافع عن أبي هريرة أن النبي -عليه السلام- أنه قال ‏(‏‏(‏إذا أدركت ركعة من صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فصل إليها أخرى ‏)‏‏)‏ وقد ذكرناه بإسناده في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ وهذه إباحة منه لصلاة الفريضة في حين طلوع الشمس وحين غروبها فدل ذلك على أن نهيه المذكور عن الصلاة في حين طلوع الشمس وحين غروبها لم يكن عن الفرائض وإنما أراد به التطوع والنافلة‏.‏

وأما قوله ‏(‏‏(‏فأمر بلالا فأقام الصلاة‏)‏‏)‏ فيحتمل أنه لم يأمره بالأذان وإنما أمره بالإقامة فقط وهذا مذهب مالك في الموطأ في الصلاة الفائتة أنها تقام بغير أذان وأنه لا يؤذن لصلاة فريضة إلا في وقتها ويحتمل أن يكون أمره فأقام الصلاة بما تقام به من الأذان والإقامة وقد روي عن النبي -عليه السلام- أنه حين نام عن صلاة الفجر في سفره أمر بلالا فأذن وأقام وفي بعضها أنه أمره فأقام ولم يذكر أذانا واختلف الفقهاء في الأذان والإقامة للصلوات الفوائت فقال مالك والأوزاعي والشافعي من فاتته صلاة أو صلوات حتى خرج وقتها أقام لكل صلاة إقامة إقامة ولم يؤذن وقال الثوري ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة‏.‏

وقال أبو حنيفة من فاتته صلاة واحدة صلاها بأذان وإقامة فإن لم يفعل فصلاته تامة وقال محمد بن الحسن إذا فاتته صلوات فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي -عليه السلام- يوم الخندق فحسن وإن أذن وأقام لكل صلاة فحسن ولم يذكر خلافا بينه وبين أصحابه في ذلك‏.‏

وقال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود يؤذن ويقيم لكل صلاة فاتته على ما روي عن النبي -عليه السلام- حين نام في سفره عن صلاة الفجر قال أبو عمر كأنهم ذهبوا إلى أن ما ذكر الصحابة والرواة في أحاديث نوم النبي -عليه السلام- عن صلاة الفجر في سفره من الأذان مع الإقامة حجة على من لم يذكر إلا ما ذكرنا من احتمال لفظ الإقامة في التأويل وقد ذكرنا الأحاديث بذلك في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة منها ما أنبأناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن عن عمران بن حصين قال ‏(‏‏(‏سرينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرس بنا من آخر الليل قال فاستيقظنا وقد طلعت الشمس قال فجعل الرجل يثور إلى طهوره دهشا فازعا فقال النبي -عليه السلام- ‏(‏‏(‏ارتحلوا قال فارتحلنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزلنا فقضينا من حوائجنا ثم أمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين ثم أمر بلالا فأقام فصلى بنا النبي -عليه السلام- قال فقلنا يا رسول الله ‏!‏ أفنقضيها لميقاتها من الغد فقال لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم‏)‏‏)‏ ومن حجة من قال إن الفائتة يقام لها ولا يؤذن - حديث أبي سعيد الخدري وحديث بن مسعود عن يوم الخندق فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس يومئذ عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل ثم أقام لكل صلاة ولم يذكر أذانا حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن حدثنا عمار بن عبد الجبار الخرساني قال حدثنا بن أبي ذئب‏.‏

وحدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة الخشني حدثنا الطحاوي حدثنا المزني حدثنا الشافعي حدثنا بن أبي بديل عن بن أبي ذئب عن المقبري عن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله ‏(‏وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا‏)‏ ‏[‏الأحزاب 25‏]‏‏.‏

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف ‏(‏فإن خفتم فرجالا أو ركبانا‏)‏ ‏[‏البقرة 239‏]‏‏.‏ معنى حديثهما سواء‏.‏

وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن محمد السري حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الوارث حدثنا هشام بن عبد الله عن أبي الزبير عن نافع بن جبير عن مطعم عن أبي عبيدة عن بن مسعود قال ‏(‏‏(‏كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال فأمر رسول الله بلالا فأقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء ثم قال ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر يعني الصلاة في ذلك الوقت وهذان الحديثان حجة في أن الفوائت يقام لها ولا يؤذن واستدل بعض من يقول بأنها يؤذن لها ويقام بما في هذين الحديثين من قوله ‏(‏‏(‏ثم أقام للعشاء فصلاها‏)‏‏)‏ والعشاء مفعولة في وقتها ليست بفائتة ولا بد لها من الأذان فدل ذلك على أن قوله ‏(‏‏(‏ثم أقام فصلى العشاء‏)‏‏)‏ إنما أراد إقامتها بما تقام به على سنتها من الأذان والإقامة قال فكذلك سائر ما ذكر معها من الصلوات قال أبو عمر قد يحتمل أن تكون العشاء صليت في تلك الليلة بعد نصف الليل لقوله في الحديث ‏(‏‏(‏هوي من الليل‏)‏‏)‏ وذلك بعد خروج وقتها فكان حكمها في ذلك حكم صلاة المغرب بعد مغيب الشفق على ما في الأحاديث المسندة وإذا احتمل ذلك فهي فائتة حكمها حكم غيرها مما ذكر من الصلاة معها وصح بظاهر هذين الحديثين أن الفوائت يقام لها ولا يؤذن وبالله التوفيق‏.‏

وأما صلاة ركعتي الفجر لمن نام عن صلاة الفجر ولم ينتبه لها إلا بعد طلوع الشمس فإن مالكا قال يبدأ بالمكتوبة ولم يعرف ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعتي الفجر يومئذ وذكر أبو قرة موسى بن طارق في سماعه من مالك قال قال مالك فيمن نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس إنه لا يركع ركعتي الفجر ولا يبدأ بشيء قبل الفريضة قال‏.‏

وقال مالك لم يبلغنا أن النبي -عليه السلام- صلى ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس قال بن وهب سئل مالك هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ركع ركعتي الفجر قال ما علمت قال أبو عمر ليس في شيء من رواية مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركع ركعتي الفجر في ذلك وإنما صار في ذلك إلى ما روى وعلى مذهبه في ذلك جمهور أصحابه إلا أشهب وعلي بن زياد فإنهما قالا يركع ركعتي الفجر قبل أن يصلي الصبح قالا قد بلغنا ذلك عن النبي -عليه السلام- أنه صلاهما يومئذ‏.‏

وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والحسن بن صالح يركع ركعتي الفجر إن شاء ولا ينبغي له أن يدعهما وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود لما روي في ذلك من حديث عمران بن حصين وغيره وقد ذكرنا ذلك في باب مرسل زيد بن أسلم من التمهيد وقد كان يجب على أصل مالك أن يركعهما قبل أن يصلي الصبح لأن قوله من أتى مسجدا قد صلي فيه لا بأس أن يتطوع قبل المكتوبة إذا كان في سعة من الوقت ومعلوم أن من انتبه بعد طلوع الشمس لا يخاف من فوت الوقت أكثر مما هو فيه وكذلك قال أبو حنيفة والشافعي وداود يتطوع إذا كان في الوقت سعة وقال الثوري أبدأ بالمكتوبة ثم تطوع بما شئت وهو قول الحسن بن حي وقال الليث بن سعد كل واجب من صلاة فريضة أو صلاة نذر أو صيام - يبدأ به قبل النفل رواه بن وهب عنه وقد روى عنه بن وهب خلاف ذلك قال بن وهب سمعت الليث يقول في الذي يدرك الإمام في قيام رمضان ولم يصل العشاء أنه يصلي معهم بصلاتهم فإذا فرغ صلى العشاء قال وإن علم أنهم في القيام قبل أن يدخل في المسجد فوجد مكانا طاهرا فليصل العشاء ثم يدخل معهم في القيام‏.‏

وأما قوله في الحديث ‏(‏‏(‏من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول ‏(‏وأقم الصلاة لذكرى ‏)‏ فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏(‏‏(‏من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها‏)‏‏)‏ من وجوه قد ذكرناها في التمهيد وفي بعضها ‏(‏‏(‏ فذلك وقتها‏)‏‏)‏ واحتج القائلون بأن من ذكر صلاة وهو في صلاة فسدت عليه صلاته التي هو فيها حتى يصلي التي ذكر قبلها من أصحابنا وغيرهم - بقوله هذا ‏(‏‏(‏فليصلها إذا ذكرها‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا فهو مأمور بإقام الصلاة المذكورة في حين الذكر فصار ذلك وقتا لها فإذا ذكرها وهو في صلاة فكأنها مع صلاة الوقت صلاتان من يوم واحد اجتمعتا عليه في وقت واحد فالواجب أن يبدأ بالأولى منهما فلذلك فسدت عليه التي هو فيها كما لو صلى العصر قبل صلاة الظهر من ذلك اليوم وفسادها من جهة الترتيب إلا أن ذلك عند مالك وأصحابه ومن يقول بقولهم لا تجب إلا مع الذكر وحصول الوقت بالترتيب وقلة العدد وذلك صلاة يوم فما دون فإذا خرج الوقت سقط الترتيب وكذلك سقط الترتيب مع كثرة العدد لما في ذلك من المشقة وما لا يطاق عليه ويفحش القياس فيه لأنه لو ذكر صلاة عام فرط فيها أو ذكر صلاة بين وقتها وبين صلاة وقته عام قبح بالمفتى أن يأمره بصلاة عام ونحوه قبل أن يصلي صلاة وقته واحتج بعضهم في وجوب الترتيب بحديث أبي جمعة واسمه حبيب بن سباع وله صحبة قال ‏(‏‏(‏ صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب يوم الأحزاب فلما سلم قال هل علم أحد منكم أني صليت العصر قالوا لا يا رسول الله قال فصلى العصر ثم صلى المغرب‏)‏‏)‏ وهذا حديث لا يعرف إلا عن بن لهيعة عن مجهولين لا تقوم بهم حجة‏.‏

وقال الشافعي وداود بن علي وأبو جعفر الطبري لا يلزم الترتيب في شيء من ذلك وقالوا فيمن ذكر صلاة وهو في صلاة غيرها وحده أو وراء إمام يتمادى في صلاته فإذا أتمها صلى التي ذكر ولم يعد الأخرى بعدها وليس الترتيب عند هؤلاء بواجب فيما قل ولا فيما كثر إلا في صلاة اليوم بعينه وحجتهم أن الترتيب إنما يجب في اليوم وأوقاته كما يجب ترتيب أيام رمضان في رمضان لا في غيره فإذا خرج الوقت سقط الترتيب ألا ترى أن رمضان تجب الرتبة فيه والنسق لوقته فإذا انقضى سقطت الرتبة ولم يجب على الذي لم يصمه في وقته لمرض أو سفر إلا عدة من أيام أخر وكذلك من عليه أيام من شهر رمضان فلم يصمها حتى دخل عليه رمضان آخر أنه يصومه ثم يصوم الأيام من الأول بعده ولا يعيده وهذا إجماع من علماء المسلمين وإنما اختلفوا في الإطعام مع قضاء الأيام لمن فرط وهو قادر على الصيام فأما داود ومن نفى القياس فإنهم احتجوا في سقوط الترتيب بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الفجر يومئذ وهو ذاكر للصبح قالوا فقد صلى صلاة سنة وهو ذاكر فيها لصلاة فريضة فلم تفسد عليه فأحرى ألا تفسد عليه صلاة فريضة إذا ذكر فيها أخرى قبلها وهذا عندي احتجاج فاسد غير لازم من وجوه منها أن لا ترتيب بين السنن والفرائض ومنها أنه لم يذكر في ركعتي الفجر صلاة قبلها وإنما كان ذاكرا فيها صلاة بعدها وهذا لا خفاء فيه لمن أنصف نفسه ولا معنى لقول النبي -عليه السلام- ‏(‏‏(‏فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول ‏(‏ وأقم الصلاة لذكرى ‏)‏ عند من لا يرى الترتيب إلا إيجاب الصلاة على كل من نام عنها أو تركها أو نسيها إذا ذكرها وأنه لازم لكل من ذكر صلاة لم يصلها أن يصليها إذا ذكرها وأن النائم عنها والناس لها إذا ذكرها في حكم من ذكرها في وقتها وليس في ذلك عندهم إيجاب ترتيب وقد أجمع علماء المسلمين أن من ذكر صلوات كثيرة كصلاة شهر أو أكثر أو ما زاد على صلاة يوم وليلة لم يلزمه ترتيب ذلك مع صلاة وقته فكذلك القليل من الصلوات في القياس والنظر وبالله التوفيق وسيأتي من هذا المعنى زيادة مسائل عن العلماء يزيد الناظر فيها بيانا وعلما عند ذكر حديث مالك إن شاء الله‏.‏

وأما معنى قوله تعالى ‏(‏وأقم الصلاة لذكرى ‏)‏ فإن أكثر أهل العلم قالوا معناه أن يصلي الصلاة إذا ذكرها هذا قول إبراهيم والشعبي وأبي العالية وجماعة من العلماء بتأويل القرآن وقد قرئت ‏(‏للذكرى ‏)‏ على هذا المعنى وكان بن شهاب يقرؤها كذلك وقال مجاهد ‏(‏وأقم الصلاة لذكرى ‏)‏ أن يذكر فيها قال فإذا صلى عبد ذكر ربه‏.‏

24- مالك عن زيد بن أسلم أنه قال عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بطريق مكة ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس فاستيقظ القوم وقد فزعوا فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي وقال ‏(‏‏(‏إن هذا واد به شيطان‏)‏‏)‏ فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا وأن يتوضؤوا وأمر بلالا أن ينادي بالصلاة أو يقيم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم فقال ‏(‏‏(‏يا أيها الناس ‏!‏ إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها‏)‏‏)‏ ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال ‏(‏‏(‏إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه فلم يزل يهدئه ‏(‏1‏)‏ كما يهدأ الصبي حتى نام‏)‏‏)‏ ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال أبو بكر أشهد أنك رسول الله‏)‏‏)‏ وقد ذكرنا هذا الحديث متصلا مسندا من وجوه كثيرة في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ بمعان متقاربة وفيها ما يدل على أن نومه عليه السلام كان منه مرة واحدة ويحتمل أن يكون مرتين لأن في حديث بن مسعود أنا أوقظكم وقد يمكن أن رسول الله لم يجبه إلى ذلك وأمر بلالا أن يوقظهم لأن في أكثر الأحاديث أن بلالا كان موكلا بذلك على ما في حديثي مالك وفي بعض الأحاديث أن ذلك النوم كان منه -عليه السلام- زمن الحديبية وفي بعضها زمن خيبر وفي بعضها بطريق مكة ويشبه أن يكون كل واحدا لأن عمرة الحديبية كانت زمن خيبر وهو طريق مكة لمن شاء ويجوز أن يكون غير ذلك والله أعلم‏.‏

وأما قول عطاء بن يسار إن ذلك كان في غزوة تبوك فليس بشيء وأحسبه وهما والله أعلم وقد ذكرنا الآثار بذلك في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ وقد مضى معنى التعريس وكثير من معاني ألفاظ هذا الحديث فيما تقدم من القول في الحديث الذي قبله وقوله في هذا الحديث ‏(‏‏(‏فاستيقظ رسول الله وقد فزعوا‏)‏‏)‏ تفسيره قوله فيه ‏(‏‏(‏ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم فقال يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا‏)‏‏)‏ وهذا القول منه لما رأى من فزعهم دليل على أن فزعهم لم يكن من أجل عدو يخشونه ولو كان فزعهم من العدو كما زعم بعض أصحابنا ممن فسر الموطأ أن فزعهم كان من خوف العدو لما قال لهم هذا القول والوجه عندي في فزعهم أنه كان وجلا وإشفاقا على ما قدمناه ذكره ولم يكونوا علموا سقوط المأثم عن النائم وعدوه تفريطا فلذلك قال لهم -عليه السلام- ‏(‏‏(‏ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة‏)‏‏)‏ وقد ذكرنا الخبر بذلك فيما مضى من هذا الباب وقد تقدم خروجهم من هذا الوادي وما ذهب إليه أهل الحجاز وأهل العراق في ذلك وفي حديث بن شهاب ‏(‏‏(‏فاقتادوا رواحلهم‏)‏‏)‏ وفي حديث زيد بن أسلم ‏(‏‏(‏فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي‏)‏‏)‏ وهذا يحتمل أن يكون بعضهم اقتاد راحلته وبعضهم ركب على ما فهموا من أمره بذلك كله لأن في حديث بن شهاب ‏(‏‏(‏فاقتادوا‏)‏‏)‏ وفي حديث زيد بن أسلم ‏(‏‏(‏فركبوا‏)‏‏)‏ وليس في ذلك تعارض ولا تدافع وممكن أن يجري من القول ذلك كله وفي رواية بن جريج عن عطاء بن أبي رباح في حديث نوم النبي -عليه السلام- عن صلاة الصبح في السفر قال ‏(‏‏(‏فركع ركعتين في معرسه ثم سار ساعة ثم صلى الصبح‏)‏‏)‏‏.‏

قال بن جريج فقلت لعطاء بن أبي رباح أي سفر كان قال لا أدري قال أبو عمر في سيره عليه السلام بعد أن ركع ركعتي الفجر أوضح دليل على أن خروجه من ذلك الوادي وتركه للصلاة كان لبعض ما وصفنا في الحديث قبل هذا لا لأنه انتبه حين بدا حاجب الشمس كما زعم أهل الكوفة لأنه معلوم أن الوقت الذي تحل فيه صلاة النافلة والصلاة المسنونة أحرى أن تحل فيه صلاة الفريضة واختلف القائلون بقول الحجازيين فقال بعضهم من نام عن الصلاة في سفره ثم انتبه بعد خروج الوقت لزمه الزوال عن ذلك الموضع وإذا كان واديا خرج عنه لقوله -عليه السلام- اركبوا واخرجوا من هذا الوادي إن الشيطان هدأ بلالا كما يهدأ الصبي قال فكل موضع يصيب المسافرين فيه مثل ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك الموضع من النوم عن الصلاة حتى يخرج وقتها فينبغي الخروج منه وإقامة الصلاة في غيره لأنه موضع مشؤوم ملعون كما روي عن علي قال ‏(‏‏(‏نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فأنها ملعونة‏)‏‏)‏ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏لما أتى وادي ثمود أمر الناس فأسرعوا وقال هذا واد ملعون وقد روي أنه أمر بالعجين الذي عجن بماء ذلك الوادي فطرح‏)‏‏)‏ وقال آخرون منهم أما ذلك الوادي وحده إن علم وعرض فيه مثل ذلك العارض فواجب الخروج منه على ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأما سائر المواضع فلا وذلك الموضع وحده مخصوص بذلك لأن الله تعالى قال ‏(‏وأقم الصلاة لذكرى ‏)‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها‏)‏‏)‏ ولم يخص الله ولا رسوله موضعا من المواضع إلا ما جاء في ذلك الوادي خاصة وقال آخرون كل من انتبه من نوم أو ذكر بعد نسيان أو ترك صلاة عمدا ثم ثاب إلى أدائها فواجب على كل واحد منهم أن يقيم صلاته تلك بأعلى ما يمكنه في كل موضع ذكرها فيه واديا كان أو غير واد وذلك أن الموضع الطاهر في واد تؤدى الصلاة فيه وسواء ذلك الوادي وغيره لأن قوله عليه السلام إن هذا واد به شيطان خصوص له لا يشركه فيه غيره لأنه كان يعلم من حضور الشياطين بالمواضع ما لا يعلم غيره ولعل ذلك الوادي لم يحضره ذلك الشيطان إلا في ذلك الوقت وذكر إسماعيل في ‏(‏‏(‏المبسوط‏)‏‏)‏ عن الحكم بن محمد عن محمد بن مسلم قال ليس على من نام عن الصلاة في واد أن يؤخرها حتى يخرج من ذلك الوادي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏إن هذا واد به شيطان‏)‏‏)‏ ولا يعلم الناس من ذلك الوادي ولا من غيره ما يعلم من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال ‏(‏‏(‏من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول ‏(‏ وأقم الصلاة لذكرى ‏)‏ قال أبو عمر الذي عليه العمل عندي وفيه الحجة لمن اعتصم به قوله - عليه السلام ‏(‏‏(‏ جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏)‏‏)‏ ولم يخص واديا من غيره في هذا الحديث وفي قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏)‏‏)‏ ما يبيح الصلاة في المقبرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق وبطون الأودية إذا سلم كل ذلك من النجاسة لأن قوله ذلك ناسخ لكل ما خالفه ولا يجوز أن ينسخ بغيره لأن ذلك من فضائله عليه السلام وفضائله لا يجوز عليها النسخ لأنها لم تزل تترى به حتى مات ولم يبتز شيئا منها بل كان يزادا فيها ألا ترى أنه كان عبدا غير نبي ثم نبأه الله ثم أرسله فصار رسولا نبيا ثم غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووعده أن يبعثه المقام المحمود الذي يبين به فضله عن سائر الأنبياء قبله وفي كل ما قلنا من ذلك جاءت الآثار عنه عليه السلام قال ‏(‏‏(‏كنت عبدا قبل أن أكون نبيا وكنت نبيا قبل أن أكون رسولا‏)‏‏)‏ ومما يوضح ما قلنا أنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر الله عنه في أول أمره أنه قال ‏(‏وما أدري ما يفعل بي ولا بكم‏)‏ ‏[‏الأحقاف 9‏]‏‏.‏

وقال ‏(‏‏(‏لا يقل أحدكم إني خير من يونس بن متى ‏)‏‏)‏ وقال له رجل ما خير البرية فقال ‏(‏‏(‏ذلك إبراهيم‏)‏‏)‏ ثم شك في نفسه وفي موسى -عليه السلام- فلم يدر من تنشق الأرض عنه قبل وقال له رجل أنت الكريم بن الكرماء فقال ‏(‏‏(‏ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم‏)‏‏)‏ ثم لما غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‏.‏

وأخبر أنه يبعث المقام المحمود قال ‏(‏ ‏(‏أنا سيد ولد آدم ولا فخر‏)‏‏)‏ فلذلك قلنا إن فضائله لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص ألا ترى إلى قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏أوتيت خمسا‏)‏‏)‏ وقد روي ‏(‏‏(‏ستا‏)‏‏)‏ وروى فيه ثلاثا وأربعا وهي تنتهي إلى أكثر من سبع قال فيهن ‏(‏‏(‏لم يؤتهن أحد قبلي بعثت إلى الأحمر والأسود ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت أمتي خير الأمم وأحلت لي الغنائم لم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأتيت الشفاعة وبعثت بجوامع الكلم وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت بين يدي وزويت ‏(‏3‏)‏ لي مشارق الأرض ومغاربها وأعطيت الكوثر وهو خير كثير وعذب ولي حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدا وختم بي النبيون‏)‏‏)‏ فهذه كلها فضائل خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قوله ‏(‏‏(‏جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا‏)‏‏)‏ وهذه الخصال رواية جماعة من الصحابة وبعضهم يذكر ما لم يذكره غيره وهي صحاح ورويت في آثار شتى فلذلك قلنا إن قوله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏)‏‏)‏ ناسخ للصلاة في ذلك الوادي وغيره وفي كل موضع من الأرض طاهر وقد ذكرنا في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ اختلاف الفقهاء في الصلاة في المقبرة والحمام وأتينا بالحجة من طريق الآثار والاعتبار على من قال إنها مقبرة المشركين في باب ‏(‏‏(‏مرسل زيد بن أسلم‏)‏‏)‏ من ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ والحمد لله ولما لم يجز أن يقال في نهيه عن الصلاة في المزبلة والمجزرة والمقبرة والحمام ومحجة الطريق ومعاطن الإبل مزبلة كذا ولا مجزرة كذا ولا حمام كذا فكذلك لا يجوز أن يقال مقبرة كذا ولا أن يقال مقبرة المشركين فلا حجة ولا دليل وأقام الدليل على أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بناه في مقبرة المشركين وقد أوضحنا هذا الحديث بما فيه كفاية في باب ‏(‏‏(‏مرسل زيد بن أسلم‏)‏‏)‏ من ‏(‏‏(‏ التمهيد‏)‏‏)‏‏.‏

وأما قوله في مرسل حديث زيد هنا ‏(‏‏(‏ثم أمر بلالا أن يؤذن أو يقيم‏)‏‏)‏ فهكذا رواه مالك على الشك وقد مضى ما للعلماء من التنازع والأقوال في الأذان للفوائت من الصلوات في الحديث قبل هذا ومضى المعنى في النفس والروح فلا معنى لإعادة ذلك هنا‏.‏

وأما قوله ‏(‏‏(‏فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها إذا ذكرها كما كان يصليها في وقتها‏)‏‏)‏ فقد مضى ما لمالك وأصحابه والكوفيين في تأويل ذلك وتقدم أيضا قولهم في استنباطهم من قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏فليصلها إذا ذكرها‏)‏‏)‏ وجوب ترتيب الصلوات الفوائت إذا كانت صلاة يوم وليلة وقول الشافعي ومن تابعة في إسقاط وجوب الترتيب في ذلك وتأويل الحديث عندهم وما ذهب إليه كل فريق منهم ووجوه أقوالهم وتلخيص مذاهبهم كل هذا في هذا الباب مجود والحمد لله فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هنا والله الموفق للصواب‏.‏