فصل: تفسير الآيات (107- 110):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (102):

{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)}
قلت: {أن يتخذوا}: سد مسد المفعولين، أو حذف الثاني، أي: أَحَسِبُوا اتخاذهم نافعَهم و{نزلاً}: حال من جهنم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: منكرًا على الكفار المتقدمين: {أفَحَسِبَ الذين كفروا} حين أعرضوا عن ذكري، وكانت أعينهم في غطاء عن رؤية دلائل توحيدي، {أن يتخذوا عبادي} كالملائكة والمسيح وعزير، أو الشياطين؛ لأنهم عباد، {من دُونِي أولياءَ} أي: معبودين من دوني، يُوالونهِم بالعبادة، أن ذلك ينفعهم، أو: ألا نعذبهم على ذلك، بل نعذبهم على ذلك، {إِنا أَعتدنا}؛ يَسَّرنا وهيأنا {جهنمَ للكافرين نُزُلاً} أي: شيئًا يتمتعون به أول ورودهم القيامة. والنزُل: ما يقدم للنزيل أي: الضيف، وعدل عن الإضمار؛ ذمًا لهم على كفرهم، وإشعارًا بأن ذلك الإعتاد بسبب كفرهم، وعبَّر بالإعْتادِ؛ تهكمًا بهم، وتخطئة لهم، حيث كان اتخاذهم أولياء من قبيل العتاد، وإعداد الزاد ليوم المعاد، فكأنه قيل: إنا أعتدنا لهم، مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذُّخْرِ،، جهنم؛ عدة لهم. وفي ذكر النُزل: إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له، وتستحقر دونه، وقيل: النزل: موضع النزول، أي: أعتدناها لهم منزلاً يقيمون فيه. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ما أحببتَ شيئًا إلا وكنتَ له عبدًا، وهو لا يُحب أن تكون لغيره عبدًا، فأَفْرد قلبك لله، وأَخْرِج منه كلَّ ما سواه، فحينئذ تكونُ عبدًا لله، حرًا مما سواه، فكل ما سوى الله باطلٌ، وظل آفل، فكن إبراهيميًا، حيث قال: {لا أُحِبُّ الآفلين} [الأنعَام: 76]، فارفع أيها العبد همتك عن الخلق، وعلقها بالملك الحق، فلا تُحب إلا الله، ولا تطلب شيئًا سواه، كائنًا ما كان، من جنس الأشخاص، أو من جنس الأحوال أو المقامات أو الكرامات؛ لئلا تنخرط في سلك من اتخذ من دون الله أولياء، فتكون كاذبًا في العبودية.
رُوِيَ عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه قال: قرأتُ الفاتحة، فقلت: الحمد لله رب العالمين. فقال لي الهاتف مِنْ قِبَل الله تعالى: صدقت، فقلت: الرحمن الرحيم، فقال: صدقت. فقلت: مالك يوم الدين، فقال: صدقت. فلما قلتُ: إياك نعبد، قال كذبتَ؛ لأنك تعبد الكرامات، قال: ثم أدبني، وتبت لله تعالى. ذكره ابن الصباغ مُطولاً. قلت: ولعله قبل ملاقاة الشيخ، ولذلك عاتبه بقوله: يا أبا الحسن عِوَضُ ما تقول: سَخِّر لي خلقك، قل: يا رب كن لي، أرأيت إن كان لك أيفوتك شيء؟ نفعنا الله بجميعهم.

.تفسير الآيات (103- 106):

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)}
قلت: {أعمالاً}: تمييز، و{في الحياة}: متعلق بسعيهم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {هل نُنبئُكم} يا معشر الكفرة {بالأخسرين أعمالاً} أي: بالذين خسروا من جهة أعمالهم؛ كصدقةٍ، وعتق، وصلة رحم، وإغاثة ملهوف، حيث عملوها في حال كفرهم فلم تُقبل منهم، وهم: {الذين ضلَّ سعيُهُم} أي: بطل بالكلية {في الحياة الدنيا} أي: بطل ما سَعْوا فيه في الحياة الدنيا وعملوه، {وهم يَحسبون}: يظنون {أنهم يُحسنُون صُنعًا} أي: يأتون بها على الوجه الأكمل، وقد تركوا شرط صحتها وكمالها، وهو الإيمان، واختلف في المراد بهم، فقيل: مشركو العرب، وقيل: أهل الكتابين، ويدخل في الأعمال ما عملوه في الأحكام المنسوخة المتعلقة بالعبادات. وقيل: الرهبان الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحْملونَها على الرياضات الشاقة.
والمختار: العموم في كل من عمل عملاً فاسدًا، يظن أنه صحيح من الكفرة، بدليل قوله: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم}: بدلائل التوحيد، عقلاً ونقلاً، {ولقائه}: البعث وما يتبعه من أمور الآخرة، {فحَبِطَتْ} لذلك {أعمالُهم} المعهودة حبوطًا كليًا، {فلا نُقيم لهم} أي: لأولئك الموصوفين بحبوط الأعمال، {يومَ القيامة وزنًا} أي: فنُهينُهم، ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا؛ لأن مدار التكريم: الأعمالُ الصالحة، وقد حبطت بالمرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «يُؤتى بالرَّجُل السَّمِين العَظِيم يَوْمَ القِيَامَةِ، فلاَ يَزنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ»؛ اقْرَأوا إن شِئْتُمْ: {فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا}. أو: لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانًا؛ لأن الكفر أحبطها. أو: لا نقيم لهم وزنًا نافعًا. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: يأتي أناسٌ بأعمالهم يوم القيامة، هي عندهم في العِظَم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لا تزن شيئًا، فذلك قوله: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا}.
ثم بيَّن مآل كفرهم بعد أن بيَّن مآل أعمالهم، فقال: {ذلك} الصنف الذين حبطت أعمالهم {جزاؤُهم جهنمُ}، أو الأمر ذلك، ثم استأنف بقوله: {جزاؤُهم جهنمُ بما كفروا} أي: بسبب كفرهم المتضمن لسائر القبائح، التي من جملتها ما تضمنه قوله: {واتَّخذُوا آياتي} الدالة على توحيدي أو كلامي، أو معجزاتي، {ورسلي هُزُوًا} أي: مهزوًا بهم، فلم يقتنعوا بمجرد الكفر، بل ارتكبوا ما هو أعظم، وهو الاستهزاء بالآيات والرسل. عائذًا بالله من ذلك.
الإشارة: كل آية في الكفار تجر ذيلها على الغافلين، فكل من قنع بدون عبادة فكرة الشهود والعيان، ينسحب عليه من طريق الباطن أنه ضل سعيه، وهو يحسب أنه يُحسن صُنعًا، فلا يقام له يوم القيامة وزن رفيع، فتنسحب الآية على طوائف، منها: منْ عَبَدَ اللهَ لطلب المنزلة عند الناس، وهذا عين الرياء؛ رُوي عن عثمان أنه قال على المنبر: (الرياء سبعون بابًا، أهونها مثل نكاح الرجل أمه).
ومنها: من عَبَدَ الله لطلب العوض والجزاء عند الخواصِّ، ومنها: من عبد الله لطلب الكرامات وظهور الآيات، ومنها: من عبد الله بالجوارح الظاهرة، وحجب عن الجوارح الباطنة، وهي عبادة القلوب، فإن الذرة منها تعدل أمثال الجبال من عبادة الجوارح، ومنها: من وقف مع الاشتغال بعلم الرسوم، وغفل عن علم القلوب، وهو بطالة وغفلة عند المحققين، ومنها من قنع بعبادة القلوب، كالتفكر والاعتبار، وغفل عن عبادة الأسرار، كفكرة الشهود والاستبصار، والحاصل: أن كل من وقف دون الشهود والعيان فهو بطّال، وإنْ كان لا يشعر، وإنما ينكشف له هذا الأمر عند الموت وبعده، وسيأتي عند قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [الزُّمَر: 47]، زيادة بيان على هذا إن شاء الله. فقد يكون الشيء عبادة عند قوم وبطالة عند أخرين؛ حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولا يفهم هذا إلا من ترقى عن عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب والأسرار. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (107- 110):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الذين آمنوا} بآيات ربهم ولقائه، {وعملوا} الأعمال {الصالحات كانت لهم}؛ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده، {جنَّاتُ الفردوسِ}، وهي أعلى الجنان. وعن كعب: أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي: أهل الوعظ والتذكير من العارفين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في الجَنَِّ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُل دَرَجتين كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْض، أَعلاها الفِرْدَوس، ومِنْها تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجنَّةِ، فَوْقَها عَرْشُ الرحمن، فإذَا سَأَلْتُمُ اللهُ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ»
وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «جنان الفردوس أربع: جنتان من فِضَّةٍ، أبنيتهما وآنيتُهُما، وجنَّتان من ذهب، أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظُرُوا إلى ربهمْ إلا رِدَاءُ الكبْرياءِ على وَجْهِه» وقال قتادة: الفردوس: ربوة الجنة. وقال أبو أمامة: هي سرة الجنة. وقال مجاهد: الفردوس: البستان بالرومية. وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار.
كانت لهم {نُزُلاً} أي: مقدمة لهم عند ورودهم عليه، على حذف مضاف، أي: كانت لهم ثمار جنة الفردوس نُزلاً، أو جعلنا نفس الجنة نُزلاً، مبالغةً في الإكرام، وفيه إيذان بأن ما أعدَّ الله لهم على ما نطق به الوحي على لسان النبوة بقوله: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر» هو بمنزلة النُزُل بالنسبة إلى الضيافة وما بعدها، وإن جُعِلَ النُزل بمعنى المنزل؛ فظاهر. {خالدين فيَبْغُون عنها حِوَلاً} أي: لا يطلبون تحولاً عنها؛ إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم، وأرفع منها، حتى تنزع إليه أنفسهم، أو تطمح نحوه أبصارهم. ونعيمهم مجدد بتجدد أنفاسهم، لا نفادَ له ولا نهاية؛ لأنه مكون بكلمة كن، وهي لا تتناهى.
قال تعالى: {قل لو كان البحرُ} أي: جنس البحر {مِدَادًا}، وهو ما تمد به الدواة من الحِبْر، {لِكلماتِ ربي} وهي ما يقوله سبحانه لأهل الجنة، من اللطف والإكرام، مما لا تكيفُه الأوهام، ولا تحيط به الأفكار، فلو كانت البحار مدادًا والأشجار أقلامًا لنفدت، ولم يبق منها شيء، {قبل أن تنفد كلماتُ ربّي}؛ لأن البحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية. ثم أكّده بقوله: {ولو جئنا بمثله مدَدًا} أي: لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى، هذا لو لم يجيء بمثله مددًا، بل ولو جئنا بمثله {مددًا}؛ عونًا وزيادة؛ لأن ما دخل عالم التكوين كله متناهٍ.
{قل} لهم: {إِنما أنا بشرٌ مثلكم} يتناهى كلامي، وينقضي أجلي، وإنما خُصصت عنكم بالوحي والرسالة؛ {يُوحى إِليَّ} من تلك الكلمات: {أنما إِلهكم إِله واحد} لا شريك له في الخلق، ولا في سائر أحكام الألوهية، {فمن كان يرجو لقاء ربه}: يتوقعه وينتظره، أو يخافه، فالرجاء: توقع وصول الخير في المستقبل، فمن جعل الرجاء على بابه، فالمعنى: يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضى وقبول.
ومن حمله على معنى الخوف، فالمعنى: يخاف سوء لقائه. قال القشيري: حَمْلُه على ظاهره أَوْلى؛ لأن المؤمنين قاطبةً يرجون لقاءَ الله، فالعارفون بالله يرجون لقاءه والنظر إليه والمؤمنون يرجون لقاءه وكرامته بالنعيم المقيم. اهـ. بالمعنى.
والتعبير بالمضارع في {يرجو}؛ للدلالة على أن اللائق بحال المؤمنين: الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء، أي: فمن استمر على رجاء لقاء كرامة الله ورضوانه {فليعملْ}؛ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة {عملاً صالحًا}، وهو الذي توفرت شروط صحته وقبوله، ومدارها على الإتقان؛ ظاهرًا، والإخلاص؛ باطنًا. وقال سهل: العمل الصالح: المقيد بالسُنَّة، وقيل: هو اعتقاد جواز الرؤية وانتظار وقتها. {ولا يُشرك بعبادةِ ربه أحدًا} إشراكًا جليًا، كما فعل الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا؛ حيث كفروا بآيات ربهم ولقائه، أو إشراكًا خفيًا، كما يفعله أهل الرياء، ومن يطلب به عوضًا أو ثناءً حسنًا.
قال شهر بنُ حَوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلاً يُصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يُحمد عليه، ويتصدق يبتغي وجه الله ويُحب أن يُحمد عليه، ويحج كذلك؟ قال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: «أنا خيرُ شريك، فمن كان له شريك فهو له» ورُوي أن جُنْدبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَال لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأعْمَلُ العَمَلَ للهِ تَعَالى، فإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سرَّني، فقال له عليه الصلاة والسلام: «لَكَ أَجْرَان: أجْرُ السِّرِّ، وأَجْرُ العَلاَنِيَةِ» وذلك إذا قصد أن يُقْتَدَى به، وكان مُخْلصًا في عمله. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء».
وقال صلى الله عليه وسلم- لما نزلت هذه الآية-: «إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، وإياكم وشرك السرائر، فإنَّ الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء»، فشق ذلك على القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يذهب الله عنكم صغير الشرك وكبيره»؟ قالوا: بلى، قال: «قولوا: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك من كل ما لا أعلم».
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ قَرَأ آخرَ سورة الكَهف- يعني: {إن الذين آمنوا} إلى آخره- كَانَتْ لَهُ نُورًا من قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّها كانَتْ له نُورًا من الأرْضِ إلى السَّمَاءِ» وعنه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ عِنْدَ مَضْجِعِهِ: {قل إنما أنا بشر مثلكم} إلخ، كَانَ لَهُ مِنْ مَضْجَعِهِ نُورًا يَتَلألأ إلى مَكّةَ، حَشْوُ ذلِكَ النُّور مَلائِكَةٌ يُصَلُون حَتَّى يَقُومَ، وإنْ كَانَ بِمَكَةَ كانَ لَهُ نُورًا إلى البيتِ المَعْمُور» قلت: ومما جُرِّب أن من قرأ هذه الآية، {إن الذين آمنوا} إلخ، ونوى أن يقوم في أي ساعة شاء، فإن الله تعالى يُوقظه بقدرته. وانظر الثعلبي.
الإشارة: إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص- وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة- كانت لهم جنة المعارف نُزلاً، خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً؛ لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها، بفضل الله وكرمه، كما قال القائل:
مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًا ** فأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مَجْمُوعُ

ثم يترقون في معاريج التوحيد، وأسرار التفريد، أبدًا سرمدًا، لا نهاية؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية، وهي كلمة التكوين، التي لا تنفد؛ {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي...} الآية. هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. قل: إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ وحي إلهام، ويلقى في رُوعي أنما إلهكم إله واحد، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان؛ فليعمل عملاً صالحًا، الذي لا حظ فيه للنفس؛ عاجلاً ولا آجلاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

.سورة مريم:

.تفسير الآية رقم (1):

{كهيعص (1)}
قيل: هي مختصرة من أسماء الله تعالى، فالكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من يمين، والعين من عليم أو عزيز، والصاد من صادق. قاله الهروي عن ابن جبير.
قال أبو الهيثم: جعل الياء من يمين، من قولك: يَمَن الله الإنسانَ يَيْمنُهُ يمنًا فهو ميْمون. اهـ. ولذا ورد الدعاء بها، فقد رُوي عن عليّ- كرم الله وجهه- أنه كان يقول: (يا كهيعص؛ أعوذ بك من الذنوب التي تُوجب النقم، وأعوذ بك من الذنوب التي تغير النعم، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتِك العِصَم، وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء، وأعوذ بك من الذنوب التي تُديل الأعداء، انصرنا على من ظلمنا). كان يقدم هذه الكلمات بين يدي كل شدة. فيحتمل أن يكون توسل بالأسماء المختصرة من هذه الحروف، أو تكون الجملة، عنده، اسمًا واحدًا من أسماء الله تعالى، وقيل: هو اسم الله الأعظم. ويحتمل أن يشير بهذه الرموز إلى معاملته تعالى مع أحبائه، فالكاف كفايته لهم، والهاء هدايته إياهم إلى طريق الوصول إلى حضرته، والياء يُمنه وبركته عليهم وعلى من تعلق بهم، والعين عنايته بهم في سابق علمه، والصاد صدقه فيما وعدهم به من الإتحاف والإكرام. والله تعالى أعلم.
وقيل: هي مختصرة من أسماء الرسول- عليه الصلاة والسلام- أي: يا كافي، يا هادي، يا ميمون، يا عين العيون، أنت صادق مصدق. وعن ماضي بن سلطان تلميذ أبي الحسن الشاذلي- رضي الله عنهما-: أنه رأى في منامه أنه اختلف مع بعض الفقهاء في تفسير قوله: (كهيعص. حم. عسق)، فقلت: هي أسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأنه قال: {كاف}؛ أنت كهف الوجود، الذي يؤم إليه كلُّ موجود، {ها}؛ هبنا لك الملك، وهيأنا لك الملكوت، {يَعَ}؛ يا عين العيون، {ص}؛ صفات الله {مَن يُطع الرسولَ فقد أطاع الله}، {حاء}؛ حببناك، {ميم} ملَّكناك، {عين} علمناك، {سين}؛ ساررناك، {قاف}؛ قربناك. فنازعوني في ذلك ولم يقبلوه، فقلت: نسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفصل بيننا، فسرنا إليه، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا: «الذي قال محمد بن سلطان هو الحق». وكأنه يشير إلى أنها صفات أفعال.