فصل: تفسير الآيات (81- 83):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (75- 78):

{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)}
يقول الحق جل جلاله: {ومنهم من عاهد الله} قال: {لئن آتانا من فضله لنصدِّقنّ ولنكونَنَّ من الصالحين}، وهو ثعلبة بن حاطب، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ادعُ الله يرزقني مالاً. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ثعلبة، قليلٌ تُؤدي شُكرَهُ خيرٌ من كثير لا تُطيقه» فراجعه، وقال: والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فدعا له، فاتخذ غنماً، فَنَمت كما تنمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً، وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ، فقال: «يا ويح ثعلبة». فبعث له مُصدقين لأخذ الصدقات؛ فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومروا بثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه الكتابَ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه صدقة، ما هذه إلا أخت الجزية، فارجعا حتى أرى رأيي، فنزلت فيه الآية، فجاء ثلعلبة بالصدقة، فقال: إن الله منعني أن أقبل منك، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له صلى الله عليه وسلم: «هذا منك؛ فقد أمرتُك فلم تطعني» فقُبض الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء بها إلى أبي بكر، فلم يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته، فلم يقبلها منه، وهلك في زمن عثمان، بعد أن لم يقبلها منه.
وهذا معنى قوله: {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} أي: منعوا حق الله منعه، {وتولوا} عن طاعة الله {وهم مُعرضون} أي: وهم قوم عادتهم الإعراض عنها، {فأعقَبهم} أي: فأردفهم {نفاقاً في قلوبهم}؛ عقوبة على العصيان بما هو أشد منه، أو فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً متمكناً في قلوبهم وسوء اعتقاد. قال البيضاوي: ويجوز أن يكون الضمير للبخل، والمعنى: فأورثهم البخلُ نفاقاً متمكناً في قلوبهم {إلى يوم يَلْقونه}، أي: يلقون الله بالموت، والمراد: يلقون جزاءه أو عقابه. وذلك {بما أخَلَفوا اللَّه ما وعدوه} أي: بسبب إخلافهم ما وعده من التصدق والصلاح، {وبما كانوا يكذبُون} أي: وبكونهم كاذبين فيه؛ فإن خلف الوعد متضمن للكذب، مستقبح من الوجهين.
{ألم يعلموا} أي: المنافقون، أو من عاهد الله، {أن الله يعلمُ سِرهُمْ} أي: ما أسروا في أنفسهم من النفاق، {ونجواهم}؛ ما يتناجون فيه، فيما بينهم، من المطاعن وتسمية الزكاة جزية، {وأنَّ الله علامُ الغيوب}؛ فلا يخفى عليه شيء من ذلك، والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الحِكَم العطائية: «من تمام النعمة عليك: أن يرزقك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك». وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خير الرِّزقِ ما يَكفي، وخَيرُ الذِّكرِ الخَفيُّ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما طَلَعت شمسٌ إلا وَبِجَنْبيها ملكان يُناديَان، يُسمعان الخَلائِقَ: أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربَّكم، ما قَلَّ وكَفى خَيرٌ مما كَثرَ وألهى». وقال بعض العارفين: كل من لا يعرف قدر ما زوي عنه في الدنيا، ابتلى بأحد وجهين: إما بحرص مع فقر يتقطع به حسرات، أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما أنعم به عليه.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ الغِنى بكَثرةِ العَرَض، إنما الغِنى غِنى النَّفس» وغنى النفس عن الدنيا: شرف الأولياء المختارين، وعز أهل التقوى المؤمنين المحسنين. ولقد صدق قول الشاعر:
غِنَى النَّفسِ ما يُغنِيكَ عنْ سَد خُلَّةٍ ** فإن زِدتَ شَيئاً عَادَ ذَلك الغِنى فَقْرا

وقد قيل: من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عيني قلبه. وقالت الجارية المجنونة لعبد الواحد بن زيد: يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ثم مال إلى الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، فيظل حيراناً والِهاً، فإن كان له عند الله تعالى نصيب، عاتبه وحياً في سره، فقال: عبدي؛ أردتُ أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي، وإجعلك دليلاً لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني؛ فورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، عبدي؛ ارجع إلى ما كنت عليه، أرجعْ بك إلى ما كنت تعرفه. اهـ. وقد تقدمت الحكاية. وفي بعض الكتب: إن أهون ما أصنع بالعالِمِ، إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي. اهـ.

.تفسير الآيات (79- 80):

{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)}
قلت: {الذين}: مبتدأ حُذف خبره، أي: منهم الذين، أو خبر عن مبتدأ، أو منصوب على الذم، أو بدل من ضمير سرهم. وأصل المطوعين: المتطوعين، فأدغمت التاء في الطاء، و{جهدهم}: مصدر جهد في الأمر: بالغ فيه.
يقول الحق جل جلاله: ومنهم {الذين يلمزون} أي: يعيبون {المُطَّوِّعِين من المؤمنين في الصدقات}، روي أنه صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء عبدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ بأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهم، وقال: كان لي ثمانية آلافٍ، فأقرضت ربي أربعة، وأمسكت لعيالي أربعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «باركَ الله لكَ فِيما أَعطَيت وفيما أمْسَكْتَُ». فبارك الله له حتى صالحته إحدى زوجتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي بثمانية أوسق تمراً، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَنْثُرَه على تمر الصدقات، فلمزَهم المنافقون، وقالوا: ما أعطي عبد الرحمن عاصم إلا رياءً، ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل، فنزلت الآية.
ونزلت في أبي عقيل: {والذين لا يجِدُون إلا جُهدهُم}؛ إلا طاقتهم، {فيسْخَرون منهم}؛ يستهزئون بهم. قال تعالى: {سخر الله منهم}؛ جازاهم على سخريتهم، كقوله: {اللَّهُ يَستَهزئُ بِهِم} [البقرة: 15]، {ولهم عذاب أليم} على كفرهم.
{اسْتَغفِر لهم أو لا تستَغفر لهم}، يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة، كما نص عليه بقوله: {إن تستغفر لهم سبعينَ مرة فلن يغفر الله لهم}، رُوي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من خيار المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرض أبيه، أن يستغفر له، ففعل، فنزلت: {سَوآء علَيهم أَستَغفَرتَ لَهم أَم لَم تَستَغفر لَهم لَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم} [المنافقون: 6]، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام فَهِمَ من السبعين العدد المخصوص، وقال: ولو علمت أني إن زدت على السبعين، غُفِر له، لزدت، فبيَّنَ له أن المراد به التكثير، دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في التكثر؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه بأسره قاله البيضاوي.
{ذلك} أي: عدم قبول استغفارك بسبب أنهم {كفروا بالله ورسوله} أي: ليس لبُخل منا، ولا تقصير في حقك، بل لعدم قابليتهم؛ بسبب الكفر الصارف عنها. {والله لا يهدي القوم الفاسقين}؛ المتمردين في كفرهم، وهو كالدليل على الحكم السابق، فإن مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر، والإرشاد إلى الحق، والمنهمك في كفره، المطبوع عليه، لا ينقلع ولا يهتدي، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره، وهو عدم يأسه من إيمانهم، ما لم يعلم مطبُوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم؛ لقوله: {مَا كَانَ للِنَّبيِ وَالَّذِينَ ءَامَنوا أن يستَغفِروا للِمُشرِكِينَ}.. الآية [التوبة: 113] قاله البيضاوي.
الإشارة: من نصب الميزان على المؤمنين فيما يصدر منهم، أو على الصالحين أو الأولياء فيما يظهر عليهم، حتى يسخر منهم، سخر الله منه، وأبعده من رحمته، فلا تنفع فيه شفاعة الشافعين ولا استغفار المستغفرين. وفي بعض الأخبار: «من تتبع عورة أخيه المؤمن تتبع الله عورته حتى يفضحه، ولو في جوف بيته». ومن اشتغل بإذاية الأولياء، ولم يتب، مات على سوء الخاتمة، وذلك جزاء من حارب الله والعياذ بالله.

.تفسير الآيات (81- 83):

{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)}
قلت: {خلافَ رسول الله}: منصوب على الظرفية، أي: بعده، يقال: أقام خلاف الحي، أي: بعدهم، وقيل: مصدر خالف، فيكون مفعولاً لأجله، أو حال.
يقول الحق جل جلاله: {فَرَحَ المخلَّفُون} أي: الذين خلفهم الله عن الغزو، وأقعدهم عنه، ولذلك عبَّر بالمخلفين دون المتخلفين، فرحوا {بمقعدهم خلافَ رسول الله} أي: بعده في غزوة تبوك، {وكَرِهُوا أن يُجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}؛ إيثاراً للراحة والدّعَةِ على طاعة الله ورسوله. وفيه تعريض بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه؛ ببذل الأموال والمهج، وأما المنافقون فآثروا الراحة وقعدوا، {وقالوا لا تَنفروا في الحر}، قاله بعضهم لبعض، أو قالوه للمؤمنين تثبيطاً لهم. قال ابن جزي: قائل هذه المقالة رجل من بني سليم، ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر. اهـ. {قلْ نارُ جهنم أشدُّ حراً}، وقد آثرتموها بهذه المخالفة، {لو كانوا يفقهون} أن مآلهم إليها، أو كيف هي؟... ما اختاروا بإيثار الدعة على الطاعة.
{فليضْحَكُوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسِبُون}، وهو إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة، أي: سيضحكون قليلاً، ويبكون كثيراً؛ لما يرون من سوء العاقبة، وأتى به على صيغة الأمر؛ للدلالة على أن حَتمٌ واجب وقوعه. قال ابن جزي: أمرٌ بمعنى الخبر، فضحكهم القليل في الدنيا مدة بقائهم فيها، وبكاؤهم الكثير في الآخرة، أي: سيضحكون قليلاً في الدنيا، ويبكون كثيراً في الآخرة، وقيل: هو بمعنى الأمر، أي: يجب أن يكونوا يضحكون قليلاً ويبكون كثيراً في الدنيا، لِمَا وقعوا فيه..
{فإنَّ رجعَك اللَّهُ إلى طائفَةٍ منهم} أي: فإن ردك الله من الغزو إلى المدينة، وفيها طائفة من المتخلفين يعني منافقيهم وكانوا اثنى عشر رجلاً ممن تخلف من المنافقين، وإنما لم يقل: إليهم؛ لأن منهم من تاب من النفاق، وندم على التخلف، {فاستأذنوك للخروج} معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك، {فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تُقاتلوا معي عدواً}؛ عقوبة لهم، وفيها خزي وتوبيخ لهم، {إنكم رضيتم بالقعود أَوَّلَ مرةٍ}، يعني: عن تبوك، وهو تعليل لعدم خروجهم معه في المستقبل، {فاقعدُوا مع الخالفين} أي: المتخلفين، أي: لعدم تأهلهم للجهاد كالنساء والصبيان.
الإشارة: من قلَّ إيقانه، وضعف نور إيمانه، فرح ببقائه، مع متابعة هواه وتيسير أمور دنياه، وكره ارتكاب مشاق المجاهدة، واقتحام حَر المخالفة والمكابدة، وثبط من رآه يروم تلك الوجهة، ويريد أن يتأهب لدخول ميدان تلك الحضرة؛ فسَنَندم قريباً، حين يفوز الشجعان بحضرة الوصال، ويتأهلون لمشاهدة الكبير المتعال، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى. {والسابقون السابقون أولئك المقربون فِي جَنَّاتِ النعيم} [الواقعة: 10 12].

.تفسير الآيات (84- 85):

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)}
قلت: {أبداً}: ظرف لمات، أي: مات في مدة لا حياة بعدها؛ فإنا حياة الكافر للتعذيب، وهي كلا حياة.
يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تُصَلِّ على أحدٍ} من المنافقين إذا مات على كفره، بحيث {مات أبداً} أي: موتة لا حياة بعدها. نزلت في عبد الله بن أُبي رأس المنافقين، فإنه لما مرض، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في ثوبه الذي يلي جسده، ويصلي عليه، فلما مات أرسل قميصه ليُكفن فيه، وذهب ليصلي عليه، فنزلت. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم للصلاة عليه جَذَبَه جبريل بثوبه، وتلا عليه الآية فانصرف، ولم يصلِّ عليه. وقيل: صلى عليه ثم نزلت. وفي البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدمَ للصلاة عليه جَذَبَهُ عمر، فقال: كيف تصلي عليه وقد نهاك ربك عن الصلاة على المنافقين؟ فقال: «إِنَّما خَيَّرَنِي...» الحديث.
قال البيضاوي: وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه؛ لأن الضنة بالقميص كانت مُخِلة بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباس العباس قميصه حين أُسر ببدر، والمراد من الصلاة: الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، ولذلك رتب النهي على قوله: {مات أبداً}؛ يعني: الموت على الكفر، فإن إحياء الكافرين للتعذيب، دون التمتع، فكأنه لم يحيى. اهـ.
واستدل ابن عبد الحكم، بهذه الآية، على وجوب الصلاة على المؤمنين، وقرر اللخميُّ وجه الدليل منها بطريق النهي عن الشيء أمر بضده؛ لأن ضد النهي عن الصلاة أمر بها. وأبطله المازوي قائلاً: وإنما هو من دليل الخطاب، ومفهوم المخالفة، وبيان عدم صحة كونها من باب النهي عن الشيء، أَنَّ شرط ذلك اتحاد متعلق الأمر والنهي، كقولك لزيد: لا تسكن، ومعناه تحرك، ومتعلقهما هنا مختلف، فمتعلق النهي: المنافقون، ومتعلق الأمر: المؤمنون. وكذا رد كونها دالة مفهوم المخالفة. انظر الحاشية الفاسية.
ثم قال تعالى: {ولا تَقُم على قبره} أي: ولا تقف على قبره للدفن، أو الزيادة، ثم علل النهي فقال: {إِنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا}، والحال أنهم {فاسقون}؛ خارجون عن دائرة الإسلام.
ثم نهى عن الاغترار بمالهم فقال: {ولا تُعجِبُكَ أَموالُهم وأولادهم إنما يريد اللهُ أن يُعذبهم بها في الدنيا وتزهَق أنفسهم وهم كافرون}، وقد تقدم، وإنما كرره؛ للتأكيد، وهو حقيق به؛ فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مجبولة على حبهما، فكرر النهي عن الاعترار بهما، ويجوز أن تكون هذه فريق آخر غير الأول. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا حصل للعبد القرب من الحبيب قربت منه الأشياء كلها، ورغبت في خُلّته الملائكةُ والجنُّ والإنسُ والروحانيون، فإذا مات صلت على جسده أجناد الأرض، وعلى روحه أجناد السماء، وفرحن بقدومه الملائكة والروحانيون، وربما شفعه الله في أهل عصره أجمعين، وإذا حصل للعبد البعد من ربه بعدت عنه الأشياء كلها، ورفضت جسده وروحه الجن والإنس والملائكة، فلا يصل عليه أحد، ولا يقف على قبره بشر، فالحذر الحذر من كل ما يبعد من حضرة الحبيب من المخلفات والإصرار على الزلات، فإنه بريد الكفر، الذي هو البعد الكبير والعياذ بالله.
والبدارَ البدارَ إلى ما يقرب من الحبيب، من أنواع الطاعات، والمسارعة إلى الخيرات، وسائر الأخلاق الحسنة والشيم المستحسنة. وبالله التوفيق.