فصل: أولاد المنصور

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة

فيها‏:‏ تكامل بناء قصر المنصور المسمى‏:‏ بالخلد، وسكنه أياماً يسيرة ثم مات وتركه‏.‏

وفيها‏:‏ مات طاغية الروم‏.‏

وفيها‏:‏ وجه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره بعزل موسى بن كعب عن الموصل، وأن يولى عليها خالد بن برمك وكان ذلك بعد نكته غريبة اتفقت ليحيى بن خالد، وذلك‏:‏ أن المنصور كان قد غضب على خالد بن برمك، وألزمه يحمل ثلاثة آلاف ألف، فضاق ذرعاً بذلك، ولم يبق له مال ولا حال، وعجز عن أكثرها، وقد أجله ثلاثة أيام، وأن يحمل ذلك في هذه الثلاثة أيام وإلا فدمه هدر فجعل يرسل ابنه يحيى إلى أصحابه من الأمراء يستقرض منهم، فكان منهم من أعطاه مائة ألف، ومنهم أقل وأكثر‏.‏

قال يحيى بن خالد‏:‏ فبينا أنا ذات يوم من تلك الأيام الثلاثة على جسر بغداد، وأنا مهموم في تحصيل ما طلب منا مما لا طاقة لنا به، إذ وثب إلى زاجر من أولئك الذين يكونون عند الجسر من الطرقية، فقال لي‏:‏ أبشر ‏!‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/129‏)‏

فلم ألتفت إليه فتقدم حتى أخذ بلجام فرسي ثم قال لي‏:‏ أنت مهموم، ليفرجن الله همك ولتمرن غداً في هذا الموضع واللواء بين يديك، فإن كان ما قلت لك حقاً فلي عليك خمسة آلاف‏.‏

فقلت‏:‏ نعم ‏!‏

ولو قال‏:‏ خمسون ألفاً لقلت‏:‏ نعم ‏!‏ لبعد ذلك عندي‏.‏

وذهبت لشأني، وقد بقي علينا من الحمل ثلاثمائة ألف فورد الخبر إلى المنصور بانتقاض الموصل وانتشار الأكراد فيها، فاستشار المنصور الأمراء‏:‏ من يصلح للموصل ‏؟‏

فأشار بعضهم بخالد بن برمك، فقال له المنصور‏:‏ أو يصلح لذلك بعد ما فعلنا به ‏؟‏

فقال‏:‏ نعم ‏!‏ وأنا الضامن أنه يصلح لها‏.‏

فأمر بإحضاره فولاه إياها ووضع عنه بقية ما كان عليه، وعقد له اللواء، وولى ابنه يحيى أذربيجان، وخرج الناس في خدمتهما‏.‏

قال يحيى‏:‏ فمررنا بالجسر فسار إلي ذلك الزاجر فطالبني بما وعدته به، فأمرت له به فقبض خمسة آلاف‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خرج المنصور إلى الحج فساق الهدي معه، فلما جاوز الكوفة بمراحل أخذه وجعه الذي مات به وكان عنده سوء مزاج فاشتد عليه من شدة الحد وركوبه في الهواجر، وأخذه إسهال وأفرط به، فقوي مرضه، ودخل مكة فتوفي بها ليلة السبت لست مضين من ذي الحجة، وصلي عليه ودفن بكدا عند ثنية باب المعلاة التي بأعلا مكة، وكان عمره يومئذ ثلاثاً، وقيل‏:‏ أربعاً، وقيل‏:‏ خمساً وستين، وقيل‏:‏ إنه بلغ ثمانياً وستين، فالله أعلم‏.‏

وقد كتم الربيع الحاجب موته حتى أخذ البيعة للمهدي من القواد ورؤوس بني هاشم، ثم دفن‏.‏

وكان الذي صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، وهو الذي أقام للناس الحج في هذه السنة‏.‏

 ترجمة المنصور

هو‏:‏ عبد الله بن محمد بن علي بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو جعفر المنصور، وكان أكبر من أخيه أبي العباس السفاح، وأمه أم ولد اسمها‏:‏، سلامة‏.‏

وروى عن جده، عن ابن عباس‏:‏ ‏(‏‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه‏)‏‏)‏‏.‏

أورده ابن عساكر، من طريق محمد بن إبراهيم السلمي، عن المأمون، عن الرشيد، عن المهدي، عن أبيه المنصور، به‏.‏

بويع له بالخلافة بعد أخيه في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وعمره يومئذ إحدى وأربعون سنة، لأنه ولد في سنة خمس وتسعين على المشهور في صفر منها، بالحميمة من بلاد البلقاء، وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنة إلا أياماً‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/130‏)‏

وكان أسمر اللون، موفور اللمة، خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى الأنف، أعين كأن عينيه لسانان ناطقان، يخالطه أبهة الملك، وتقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في مواضعه، والعنف في صورته، والليث في مشيته، هكذا وصفه بعض من رآه‏.‏

وقد صح عن ابن عباس أنه قال‏:‏ منَّا السفاح والمنصور‏.‏

وفي رواية‏:‏ حتى نسلمها إلى عيسى بن مريم‏.‏

وقد روي مرفوعاً، ولا يصح، ولا وقفه أيضاً‏.‏

وذكر الخطيب أن أمه سلامة قالت‏:‏ رأيت حين حملت به كأنه خرج مني أسد فزأر واقفاً على يديه، فما بقي أسد حتى جاء فسجد له‏.‏

وقد رأى المنصور في صغره مناماً غريباً كان يقول‏:‏ ينبغي أن يكتب في ألواح الذهب، ويعلق في أعناق الصبيان‏.‏

قال‏:‏ رأيت كأني في المسجد الحرام وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة والناس مجتمعون حولها، فخرج من عنده مناد‏:‏ أين عبد الله ‏؟‏

فقام أخي السفاح يتخطى الرجال حتى جاء باب الكعبة فأخذ بيده فأدخله إياها، فما لبث أن خرج ومعه لواء أسود‏.‏

ثم نودي‏:‏ أين عبد الله ‏؟‏

فقمت أنا وعمي عبد الله بن علي نستبق، فسبقته إلى باب الكعبة فدخلتها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وبلال، فعقد لي لواء وأوصاني بأمته وعممني عمامة كورها ثلاثة وعشرون كوراً، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏

وقد اتفق سجن المنصور في أيام بني أمية فاجتمع به نوبخت المنجم وتوسم فيه الرياسة فقال له‏:‏ ممن تكون ‏؟‏

فقال‏:‏ من بني العباس‏.‏

فلما عرف منه نسبه وكنيته قال‏:‏ أنت الخليفة الذي تلي الأرض‏.‏

فقال له‏:‏ ويحك ‏!‏ ماذا تقول ‏؟‏

فقال‏:‏ هو ما أقول لك، فضع لي خطك في هذه الرقعة أن تعطيني شيئاً إذا وليت‏.‏

فكتب له، فلما ولي أكرمه المنصور وأعطاه وأسلم نوبخت على يديه، وكان قبل ذلك مجوسياً، ثم كان من أخص أصحاب المنصور‏.‏

وقد حج المنصور بالناس سنة‏:‏ أربعين ومائة وأحرم من الحيرة، وفي سنة أربع وأربعين، وفي سنة سبع وأربعين، وفي سنة ثنتين وخمسين، ثم في هذه السنة التي مات فيها‏.‏

وبنى بغداد والرصافة والرافقة وقصره الخلد‏.‏

قال الربيع بن يونس الحاجب‏:‏ سمعت المنصور يقول‏:‏ الخلفاء أربعة‏:‏ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي‏.‏

والملوك أربعة‏:‏ معاوية، وعبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك، وأنا‏.‏

وقال مالك‏:‏ قال لي المنصور‏:‏ من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏

فقلت‏:‏ أبو بكر، وعمر‏.‏

فقال‏:‏ أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين‏.‏

وعن إسماعيل البهري، قال‏:‏ سمعت المنصور على منبر عرفة يوم عرفة، يقول‏:‏ أيها الناس ‏!‏ إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً فإن شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني عليه قفلني‏.‏

فارغبوا إلى الله أيها الناس ‏!‏ وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهبكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه، إذ يقول‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏‏.‏

أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، فإنه سميع مجيب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/131‏)‏

وقد خطب يوماً فاعترضه رجل وهو يثني على الله عز وجل، فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ اذكر من أنت ذاكره، واتق الله فيما تأتيه وتذره‏.‏

فسكت المنصور حتى انتهى كلام الرجل، فقال‏:‏ أعوذ بالله أن أكون ممن قال الله عز وجل فيه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 206‏]‏ أو أن أكون جباراً عصياً‏.‏

أيها الناس ‏!‏ إن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا نبتت، ثم قال للرجل‏:‏ ما أظنك في مقالتك هذه تريد وجه الله، وإنما أردت أن يقال عنك وعظ أمير المؤمنين‏.‏

أيها الناس ‏!‏ لا يغرنكم هذا فتفعلوا كفعله‏.‏

ثم أمر به فاحتفظ به وعاد إلى خطبته فأكملها، ثم قال لمن هو عنده‏:‏ أعرض عليه الدنيا فإن قبلها فأعلمني، وإن ردها فأعلمني، فما زال به الرجل الذي هو عنده حتى أخذ المال ومال إلى الدنيا فولاه الحسبة والمظالم وأدخله على الخليفة في بزة حسنة، وثياب وشارة وهيئة دنيوية، فقال له الخليفة‏:‏ ويحك ‏!‏ لو كنت محقاً مريداً وجه الله بما قلت على رؤوس الناس لما قبلت شيئاً مما أرى، ولكن أردت أن يقال عنك‏:‏ إنك وعظت أمير المؤمنين، وخرجت عليه، ثم أمر به فضربت عنقه‏.‏

وقد قال المنصور لابنه المهدي‏:‏ إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ يا بني ‏!‏ استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتأليف، والنصر بالتواضع والرحمة للناس، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله‏.‏

وحضر عنده مبارك بن فضيلة يوماً وقد أمر برجل أن يضرب عنقه وأحضر النطع والسيف، فقال له مبارك‏:‏ سمعت الحسين، يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا‏)‏‏)‏‏.‏ فأمر بالعفو عن ذلك الرجل‏.‏

ثم أخذ يعدد على جلسائه عظيم جرائم ذلك الرجل وما صنعه‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ أتى المنصور برجل ليعاقبه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ الانتقام عدل والعفو فضل، وتعوذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأدنى القسمين، دون أرفع الدرجتين‏.‏

قال‏:‏ فعفا عنه‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ قال المنصور لرجل من أهل الشام‏:‏ احمد الله يا أعرابي ‏!‏ الذي دفع عنكم الطاعون بولايتنا‏.‏

فقال‏:‏ إن الله لا يجمع علينا حشفاً وسوء كيل‏:‏ ولايتكم والطاعون‏.‏

والحكايات في ذكر حلمه وعفوه كثيرة جداً‏.‏

ودخل بعض الزهاد إلى المنصور فقال‏:‏ إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده‏.‏

قال‏:‏ فأفحم المنصور قوله وأمر له بمال فقال‏:‏ لو احتجت إلى مالك لما وعظتك‏.‏

ودخل عمرو بن عبيد القدري على المنصور فأكرمه وعظمه وقربه وسأله عن أهله وعياله، ثم قال له‏:‏ عظني‏.‏

فقرأ عليه سورة الفجر إلى‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 14‏]‏‏.‏

فبكى المنصور بكاءً شديداً حتى كأنه لم يسمع بهذه الآيات قبل ذلك، ثم قال له‏:‏ زدني‏.‏

فقال‏:‏ إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، وإن هذا الأمر كان لمن قبلك ثم صار إليك هو صائر لمن بعدك، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/132‏)‏

فبكى المنصور أشد من بكائه الأول حتى اختلفت أجفانه، فقال له سليمان بن مجالد‏:‏ رفقاً بأمير المؤمنين‏.‏

فقال عمرو‏:‏ وماذا على أمير المؤمنين أن يبكي من خشية الله عز وجل‏.‏

ثم أمر له المنصور بعشرة آلاف درهم، فقال‏:‏ لا حاجة لي فيها‏.‏

فقال المنصور‏:‏ والله لتأخذنها‏.‏

فقال‏:‏ والله لا آخذنها‏.‏

فقال له المهدي وهو جالس في سواده وسيفه إلى جانب أبيه‏:‏ أيحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت ‏؟‏

فالتفت إلى المنصور فقال‏:‏ ومن هذا ‏؟‏

فقال‏:‏ هذا ابني محمد ولي العهد من بعدي‏.‏

فقال عمرو‏:‏ إنك سميته اسماً لم يستحقه لعمله، وألبسته لبوساً ما هو لبوس الأبرار، ولقد مهدت له أمراً أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه‏.‏

ثم التفت إلى المهدي فقال‏:‏ يا ابن أخي ‏!‏ إذا حلف أبوك وحلف عمك فلأن يحنث أبوك أيسر من أن يحنث عمك، لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك‏.‏

ثم قال المنصور‏:‏ يا أبا عثمان ‏!‏ هل من حاجة ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ وما هي ‏؟‏

قال‏:‏ لا تبعث إلي حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك‏.‏

فقال المنصور‏:‏ إذاً والله لا نلتقي‏.‏

فقال عمرو‏:‏ عن حاجتي سألتني‏.‏ فودعه وأنصرف‏.‏

فلما ولى أمده بصره وهو يقول‏:‏

كلكم يمشي رويد * كلكم يطلب صيد

غير عمر بن عبيد *

ويقال‏:‏ إن عمرو بن عبيد أنشد المنصور قصيدة في موعظة إياه وهي قوله‏:‏

يا أيها الذي قد غره الأمل * ودون ما يأمل التنغيص والأجل

ألا ترى إنما الدنيا وزينتها * كمنزل الركب حلواً ثمت ارتحلوا

حتوفها رصد وعيشها نكد * وصفوها كدر وملكها دول

تظل تقرع بالروعات ساكنها * فما يسوغ له لين ولا جذل

كأنه للمنايا والردى غرض * تظل فيه بنات الدهر تنتقل

تديره ما تدور به دوائرها * منها المصيب ومنها المخطئ الزلل

والنفس هاربة والموت يطلبها * وكل عسرة رجل عندها جلل

والمرء يسعى بما يسعى لوارثه * والقبر وارث ما يسعى له الرجل

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/133‏)‏

وقال ابن دريد‏:‏ عن الرياشي، عن محمد بن سلام، قال‏:‏ رأت جارية للمنصور ثوبه مرقوعاً فقالت‏:‏ خليفة وقميص مرقوع ‏؟‏

فقال‏:‏ ويحك ‏!‏ أما سمعت ما قال ابن هرمة‏:‏

قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه * خلق وبعض قميصه مرقوع

وقال بعض الزهاد للمنصور‏:‏ اذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة مثلها، واذكر ليلة تمخض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها‏.‏

فأفحم المنصور قوله فأمر له بمال‏.‏

فقال‏:‏ لو احتجت إلى مالك ما وعظتك‏.‏

ومن شعره لما عزم على قتل أبي مسلم‏:‏

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة * فإن فساد الرأي أن يترددا

ولا تمهل الأعداء يوماً لغدرة * وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا

ولما قتله ورآه طريحاً بين يديه قال‏:‏

قد اكتنفتك خلات ثلاث * جلبن عليك محتوم الحمام

خلافك وامتناعك من يميني * وقودك للجماهير العظام

ومن شعره أيضاً‏:‏

المرء يأمل أن يعيـ * ـش وطول عمر قد يضره

تبلى بشاشته ويبـ * ـقى بعد حلو العيش مره

وتخونه الأيام حتى * لا يرى شيئاً يسره

كم شامت بي إن هلكـ * ـت وقائل لله دره

قالوا‏:‏ وكان لمنصور في أول النهار يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولايات والعزل والنظر في مصالح العامة، فإذا صلى الظهر دخل منزله واستراح إلى العصر، فإذا صلاها جلس لأهل بيته ونظر في مصالحهم الخاصة، فإذا صلى العشاء نظر في الكتب والرسائل الواردة من الآفاق، وجلس عنده من يسامره إلى ثلث الليل، ثم يقوم إلى أهله فينام في فراشه إلى الثلث الآخر، فيقوم إلى وضوئه وصلاته حتى يتفجر الصباح، ثم يخرج فيصلى بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه‏.‏

وقد ولى بعض العمال على بلد فبلغه أنه قد تصدى للصيد وأعد لذلك كلاباً وبزاة، فكتب إليه‏:‏ ثكلتك أمك وعشيرتك، ويحك ‏!‏ إنا إنما استكفيناك واستعملناك على أمور المسلمين ولم نستكفيك أمور الوحوش في البراري، فسلم ما تلي من عملنا إلى فلان والحق بأهلك ملوماً مدحوراً‏.‏

وأتي يوماً بخارجي قد هزم جيوش المنصور غير مرة فلما وقف بين يديه قال له المنصور‏:‏ ويحك يا ابن الفاعلة ‏!‏ مثلك يهزم الجيوش ‏؟‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/134‏)‏

فقال الخارجي‏:‏ ويلك سوأة لك بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسب، وما يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فما استقبلها أبداً‏.‏

قال‏:‏ فاستحيى منه المنصور وأطلقه‏.‏ فما رأى له وجهاً إلى الحول‏.‏

وقال لابنه لما ولاه العهد‏:‏ يا بني ‏!‏ ائتدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والنصر بالتواضع، والتألف بالطاعة، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ يا بني ‏!‏ ليس العاقل من يحتال للأمر الذي وقع فيه حتى يخرج منه، ولكن العاقل الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه‏.‏

وقال المنصور‏:‏ يا بني ‏!‏ لا تجلس مجلساً إلا وعندك من أهل الحديث من يحدثك، فإن الزهري قال‏:‏ علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال، ولا يكرهه إلا مؤنثوهم، وصدق أخو زهرة‏.‏

وقد كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه والحديث والفقه فنال جانباً جيداً وطرفاً صالحاً‏.‏

وقد قيل له يوماً‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ هل بقي شيء من اللذات لم تنله ‏؟‏

قال‏:‏ شيء واحد‏.‏

قالوا‏:‏ وما هو ‏؟‏

قال‏:‏ قول المحدث للشيخ من ذكرت رحمك الله‏.‏

فاجتمع وزراؤه وكتَّابه وجلسوا حوله وقالوا‏:‏ ليمل علينا أمير المؤمنين شيئاً من الحديث‏.‏

فقال‏:‏ لستم بهم، إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، رواد الآفاق وقطاع المسافات، تارة بالعراق وتارة بالحجاز، وتارة بالشام، وتارة باليمن‏.‏ فهؤلاء نقلة الحديث‏.‏

وقال يوم لابنه المهدي‏:‏ كم عندك من دابة ‏؟‏

فقال‏:‏ لا أدري‏.‏

فقال‏:‏ هذا هو التقصير، فأنت لأمر الخلافة أشد تضييعاً فاتق الله يا بني‏.‏

وقالت خالصة إحدى حظيات المهدي‏:‏ دخلت يوماً على المنصور وهو يشتكي ضرسه ويداه على صدغيه فقال لي‏:‏ كم عندك من المال يا خالصة ‏؟‏

فقلت‏:‏ ألف درهم‏.‏

فقال‏:‏ ضعي يدك على رأسي واحلفي‏.‏

فقلت‏:‏ عندي عشرة آلاف دينار‏.‏

قال‏:‏ اذهبي فاحمليها إلي‏.‏

قالت‏:‏ فذهبت حتى دخلت على سيدي المهدي وهو مع وزوجته الخيزران فشكوت ذلك إليه فوكزني برجله وقال‏:‏ ويحك ‏!‏ إنه ليس له وجع، ولكني سألته بالأمس مالاً فتمارض، وإنه لا يسعك إلا ما أمرك به‏.‏

فذهبت إليه خالصة ومعها عشرة آلاف دينار، فاستدعى بالمهدي فقال له‏:‏ تشكو الحاجة وهذا كله عند خالصة ‏؟‏

وقال المنصور لخازنه‏:‏ إذا علمت بمجيء المهدي فأتني بخلقان الثياب قبل أن يجيء، فجاء بها فوضعها بين يديه ودخل المهدي والمنصور يقلبها، المهدي يضحك، فقال‏:‏ يا بني ‏!‏ من ليس له خلق ليس له جديد، وقد حضر الشتاء فنحتاج نعين العيال والولد‏.‏

فقال المهدي‏:‏ عليَّ كسوة أمير المؤمنين وعياله‏.‏

فقال‏:‏ دونك فافعل‏.‏

وذكر ابن جرير، عن الهيثم‏:‏ أن المنصور أطلق في يوم واحد لبعض أعمامه ألف ألف درهم‏.‏

وفي هذا اليوم فرق في بيته عشرة آلاف درهم، ولا يعلم خليفة فرق مثل هذا في يوم واحد‏.‏

وقرأ بعض القراء عند المنصور‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 37‏]‏‏.‏

فقال‏:‏ والله لولا أن المال حصن للسلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما ما بت ليلة واحدة وأنا أحرز منه ديناراً ولا درهماً لما أجد لبذل المال من اللذة، ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/135‏)‏

وقرأ عنده قارئ آخر‏:‏ ‏{‏وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏ الآية ‏[‏الإسراء‏:‏ 29‏]‏‏.‏

فقال‏:‏ ما أحسن ما أدبنا ربنا عز وجل‏.‏

وقال المنصور‏:‏ سمعت علي بن عبد الله يقول‏:‏ سادة أهل الدنيا في الدنيا الأسخياء، وسادة أهل الآخرة في الآخرة الأتقياء‏.‏

ولما عزم المنصور على الحج في هذه السنة دعا ولده المهدي فأوصاه في خاصة نفسه وبأهل بيته وبسائر المسلمين خيراً، وعلمه كيف تفعل الأشياء وتسد الثغور، وأوصاه بوصايا يطول بسطها وحرج عليه أن لا يفتح شيئاً من خزائن المسلمين حتى يتحقق وفاته فإن بها من الأموال ما يكفي المسلمين لو لم يجب إليهم من الخوارج درهم عشر سنين، وعهد إليه أن يقضي ما عليه من الدين وهو ثلاثمائة ألف دينار، فإنه لم ير قضاءها من بيت المال‏.‏ فامتثل المهدي ذلك كله‏.‏

وأحرم المنصور بحج وعمرة من الرصافة وساق بدنه وقال‏:‏ يا بني ‏!‏ إني ولدت في ذي الحجة وقد وقع لي أن أموت في ذي الحجة، وهذا الذي جرأني على الحج عامي هذا‏.‏

وودعه وسار واعتراه مرض الموت في أثناء الطريق فما دخل مكة إلا وهو ثقيل جداً، فلما كان بآخر منزل نزله دون مكة إذا في صدر منزله مكتوب‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت * سنوك وأمر الله لابد واقع

أبا جعفر هل كاهن أو منجم * لك اليوم من كرب المنية مانع

فدعا بالحجبة فأقرأهم ذلك فلم يروا شيئاً فعرف أن أجله قد نعي إليه‏.‏

قالوا‏:‏ ورأى المنصور في منامه ويقال‏:‏ بل هتف به هاتف وهو يقول‏:‏

أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك

عليك يا نفس إن أسأت وإن * أحسنت يا نفس كان ذاك لك

ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك

إلا بنقل السلطان عن ملك * إذا انقضى ملكه إلى ملك

حتى يصيرانه إلى ملك * ما عز سلطانه بمشترك

ذاك بديع السماء والأرض والمر * سي لجبال المسخر الفلك

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/136‏)‏

فقال المنصور‏:‏ هذا أوان حضور أجلي وانقضاء عمري‏.‏

وكان قد رأى قبل ذلك في قصره الخلد الذي بناه وتأنق فيه مناماً أفزعه فقال للربيع‏:‏ ويحك يا ربيع ‏!‏ لقد رأيت مناماً هالني، رأيت قائلاً وقف في باب هذا القصر وهو يقول‏:‏

كأني بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه أهله ومنازله

وصار رئيس القصر من بعد بهجة * إلى جدث يبني عليه جنادله

فما أقام في الخلد إلا أقل من سنة حتى مرض في طريق الحج، ودخل مكة مدنفاً ثقيلاً‏.‏

وكانت وفاته ليلة السبت لست، وقيل‏:‏ لسبع مضين من ذي الحجة، وكان آخر ما تكلم به أن قال‏:‏ اللهم بارك لي في لقائك‏.‏

وقيل‏:‏ إنه قال‏:‏ يا رب إن كنت عصيتك في أمور كثيرة فقد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله مخلصاً‏.‏ ثم مات‏.‏

وكان نقش خاتمه‏:‏ الله ثقة عبد الله وبه يؤمن‏.‏

وكان عمره يوم وفاته ثلاثاً وستين سنة على المشهور، منها ثنتان وعشرون سنة خليفة، ودفن بباب المعلاة رحمه الله‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ ومما رثي به قول سلم الخاسر الشاعر‏:‏

عجباً للذي نعى الناعيان * كيف فاهت بموته الشفتان

ملك أن عدا على الدهر يوماً * أصبح الدهر ساقطاً للجران

ليت كفاً حثت عليه تراباً * لم تعد في يمنيها ببنان

حين دانت له البلاد على العسـ* ـف وأغضى من خوفه الثقلان

أين رب الزوراء قد قلدته الـ * ـملك عشرين حجة واثنتان

إنما المرء كالزناد إذا ما * أخذته قوادح النيران

ليس يثني هواه زجر ولا يقـ * ـدح في حبله ذوو الأذهان

قلدته أعنة الملك حتى * قاد أعداءه بغير عنان

يكسر الطرف دونه وترى الأ يـ * ـدي من خوفه على الأذقان

ضم أطراف ملكه ثم أضحى * خلف أقصاهم ودون الداني

هاشمي التشمير لا يحمل الثقـ * ـل على غارب الشرود الهدان

ذو أناة ينسى لها الخائف الخو * ف وعزم يلوي بكل جنان

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/137‏)‏

ذهبت دونه النفوس حذاراً * غير أن الأرواح في الأبدان

وقد دفن عند باب المعلاة بمكة ولا يعرف قبره لأنه أعمي قبره، فإن الربيع الحاجب حفر مائة قبر ودفنه في غيرها لئلا يعرف‏.‏

 أولاد المنصور

محمد المهدي وهو ولي عهده، وجعفر الأكبر مات في حياته، وأمهما أروى بنت منصور‏.‏

وعيسى، ويعقوب، وسليمان، وأمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله‏.‏

وجعفر الأصغر من أم ولد كردية، وصالح المسكين من أم ولد رومية - ويقال لها‏:‏ قالي الفراشة -، والقاسم من أم ولد أيضاً، من امرأة من بني أمية‏.‏

 خلافة المهدي بن المنصور

لما مات أبوه بمكة لست أو لسبع مضين من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة أخذت البيعة للمهدي من رؤوس بني هاشم والقواد الذين هم مع المنصور في الحج قبل دفنه، وبعث الربيع الحاجب بالبيعة مع البرد إلى المهدي وهو ببغداد، فدخل عليه البريد بذلك يوم الثلاثاء النصف من ذي الحجة، فسلم عليه بالخلافة وأعطاه الكتب بالبيعة، وبايعه أهل بغداد، ونفذت بيعته إلى سائر الآفاق‏.‏

وذكر ابن جرير‏:‏ أن المنصور قبل موته بيوم تحامل وتساند واستدعى بالأمراء فجدد البيعة لابنه المهدي، فتسارعوا إلى ذلك وتبادروا إليه‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة‏:‏ إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن وصية عمه المنصور‏.‏

وهو الذي صلى عليه، وقيل‏:‏ إن الذي صلى على المنصور عيسى بن موسى ولي العهد من بعد المهدي، والصحيح الأول، لأنه كان نائب مكة والطائف، وعلى إمرة المدينة عبد الصمد بن علي، وعلى الكوفة عمر بن زهير الضبي - أخو المسيب بن زهير أمير الشرطة للخليفة -، وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة، وعلى صلاتها وقضائها عبد الله بن الحسن العنبري، وعلى أحداثها سعيد بن دعلج‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وأصاب الناس في هذه السنة وباء شديد فتوفي فيه خلق كثير وجم غفير، منهم‏:‏ أفلح بن حميد، وحيوة بن شريح، ومعاوية بن صالح بمكة‏.‏

وزفر بن الهذيل

ابن قيس بن سليم، ثم ساق نسبه إلى معد بن عدنان، يقال له‏:‏ التميمي العنبري الكوفي الفقيه الحنفي، أقدم أصحاب أبي حنيفة وفاة، وأكثرهم استعمالاً للقياس، وكان عابداً، اشتغل أولاً بعلم الحديث ثم غلب عليه الفقه والقياس‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 10/138‏)‏

ولد سنة ست عشرة ومائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة عن ثنتين وأربعين سنة رحمه الله وإيانا‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وخمسون ومائة

استهلت هذه السنة وخليفة الناس أبو عبد الله محمد بن المنصور المهدي، فبعث في أولها العباس بن محمد إلى بلاد الروم في جيش كثيف، وركب معهم مشيعاً لهم، فساروا إليها فافتتحوا مدينة عظيمة للروم، وغنموا غنائم كثيرة ورجعوا سالمين لم يفقد منهم أحد‏.‏

وفيها توفي‏:‏ حميد بن قحطبة نائب خراسان، فولى المهدي مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد، وولى حمزة بن مالك سجستان، وولى جبريل بن يحيى سمرقند‏.‏

وفيها‏:‏ بنى المهدي مسجد الرصافة وخندقها‏.‏

وفيها‏:‏ جهز جيشاً كثيفاً إلى بلاد الهند فوصلوا إليها في السنة الآتية، وكان من أمرهم ما سنذكره‏.‏

وفيها توفي‏:‏ نائب السند معبد بن الخليل فولى المهدي مكانه روح بن حاتم بمشورة وزيره أبي عبد الله‏.‏

وفيها‏:‏ أطلق المهدي من كان في السجون إلا من كان محبوساً على دم، أو من سعى في الأرض فساداً، أو من كان عنده حق لأحد‏.‏

وكان في جملة من أخرج من المطبق‏:‏ يعقوب بن داود مولى بني سليم، والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأمر بصيرورة حسن هذا إلى نصير الخادم ليحترز عليه‏.‏

وكان الحسن قد عزم على الهرب من السجن قبل خروجه منه، فلما خرج يعقوب بن داود ناصح الخليفة بما كان عزم عليه فنقله من السجن وأودعه عند نصير الخادم ليحتاط عليه، وحظي يعقوب بن داود عند المهدي جداً حتى صار يدخل عليه في الليل بلا استئذان، وجعله على أمور كثيرة، وأطلق له مائة ألف درهم‏.‏

سوما زال عنده كذلك حتى تمكن المهدي من الحسن بن إبراهيم، فسقطت منزلة يعقوب عنده‏.‏

وقد عزل المهدي نواباً كثيرة عن البلاد، وولى بدلهم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ تزوج المهدي بابنة عمه أم عبد الله بنت صالح بن علي، وأعتق جاريته الخيزران وتزوجها أيضاً، وهي أم الرشيد‏.‏

وفيها‏:‏ وقع حريق عظيم في السفن التي في دجلة بغداد‏.‏

ولما ولي المهدي سأل عيسى بن موسى - وكان ولي العهد بعده - أن يخلع نفسه من الأمر فامتنع على المهدي، وسأل المهدي أن يقيم بأرض الكوفة في ضيعة له فأذن له، وكان قد استقر على إمرة الكوفة روح بن حاتم، فكتب إلى المهدي‏:‏ إن عيسى بن موسى لا يأتي الجمعة ولا الجماعة مع الناس إلا شهرين من السنة، وإنه إذا جاء يدخل بدوابه داخل باب المسجد فتروث دوابه حيث يصلي الناس‏.‏

فكتب إليه المهدي أن يعمل خشباً على أفواه السكك حتى لا يصل الناس إلى المسجد إلا مشاة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/139‏)‏

فعلم بذلك عيسى بن موسى فاشترى قبل الجمعة دار المختار بن أبي عبيدة من ورثته - وكانت ملاصقة للمسجد - وكان يأتي إليها من يوم الخميس، فإذا كان يوم الجمعة ركب حماراً إلى باب المسجد فنزل إلى هناك وشهد الصلاة مع الناس وأقام بالكلية بالكوفة بأهله، ثم ألح المهدي عليه في أن يخلع نفسه وتوعده إن لم يفعل، ووعده إن فعل فأجابه إلى ذلك فأعطاه أقطاعاً عظيمة، وأعطاه من المال عشرة آلاف ألف، وقيل‏:‏ عشرين ألف ألف، وبايع المهدي لولديه من بعده موسى الهادي، ثم هارون الرشيد كما سيأتي‏.‏

وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدي، وكان نائباً على اليمن فولاه الموسم واستقدمه عليه شوقاً إليه، وغالب نواب البلاد عزلهم المهدي، غير أن إفريقية مع يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة، وعلى خراسان أبو عون، وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى اليمن رجاء بن روح، وعلى اليمامة بشر بن المنذر، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى المدينة عبيد الله بن صفوان الجمحي‏.‏

وعلى مكة والطائف إبراهيم بن يحيى، وعلى أحداث الكوفة إسحق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي، وعلى أحداث البصرة عمارة بن حمزة، وعلى صلاتها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن العنبري‏.‏

 وفيها توفي‏:‏ عبد العزيز بن أبي رواد، وعكرمة بن عمار، ومالك بن مغول، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب المدني، نظير مالك بن أنس في الفقه، وربما أنكر على مالك أشياء ترك الأخذ فيها ببعض الأحاديث، كان يراها مالك من إجماع أهل المدينة وغير ذلك من المسائل‏.‏

 ثم دخلت سنة ستين ومائة

فيها‏:‏ خرج رجل بخراسان على المهدي منكراً عليه أحواله وسيرته وما يتعاطاه، يقال له‏:‏ يوسف البرم، والتف عليه خلق كثير، وتفاقم الأمر وعظم الخطب به‏.‏

فتوجه إليه يزيد بن مزيد فلقيه فاقتتلا قتالاً شديداً حتى تنازلا وتعانقا، فأسر يزيد بن مزيد يوسف هذا، وأسر جماعة من أصحابه فبعثهم إلى المهدي فأدخلوا عليه، وقد حملوا على جمال محمولة وجوههم إلى ناحية أذناب الإبل، فأمر الخليفة هرثمة أن يقطع يدي يوسف ورجليه ثم يضرب عنقه وأعناق من معه، وصلبهم على جسر دجلة الأكبر مما يلي عسكر المهدي، وأطفأ الله ثائرتهم وكفى شرهم‏.‏

 البيعة لموسى الهادي

ذكرنا أن المهدي ألح على عيسى بن موسى أن يخلع نفسه وهو مع كل ذلك يمتنع، وهو مقيم بالكوفة، فبعث إليه المهدي أحد القواد الكبار وهو‏:‏ أبو هريرة محمد بن فروخ في ألف من أصحابه لإحضاره إليه، وأمر كل واحد منهم أن يحمل طبلاً، فإذا واجهوا الكوفة عند إضاءة الفجر ضرب كل واحد منهم على طبله‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/140‏)‏

ففعلوا ذلك فارتجت الكوفة، وخاف عيسى بن موسى، فلما انتهوا إليه دعوه إلى حضرة الخليفة فأظهر أنه يشتكي، فلم يقبلوا ذلك منه بل أخذوه معهم فدخلوا به على الخليفة في يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة، فاجتمع عليه وجوه بني هاشم والقضاة والأعيان وسألوه في ذلك وهو يمتنع، ثم لم يزل الناس به بالرغبة والرهبة حتى أجاب يوم الجمعة لأربع مضين من المحرم بعد العصر‏.‏

وبويع لولدي المهدي‏:‏ موسى، وهارون الرشيد، صباحة يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم وجلس المهدي في قبة عظيمة في إيوان الخلافة، ودخل الأمراء فبايعوا ثم نهض فصعد المنبر وجلس ابنه موسى الهادي تحته، وقام عيسى بن موسى على أول درجة، وخطب المهدي فأعلم الناس بما وقع من خلع عيسى بن موسى نفسه وأنه قد حلل الناس من الأيمان التي له في أعناقهم، وجعل ذلك إلى موسى الهادي‏.‏

فصدق عيسى بن موسى ذلك وبايع المهدي على ذلك، ثم نهض الناس فبايعوا الخليفة على حسب مراتبهم وأسنانهم، وكتب على عيسى بن موسى مكتوباً مؤكداً بالأيمان البالغة من الطلاق والعتاق، وأشهد عليه جماعة الأمراء والوزراء وأعيان بني هاشم وغيرهم، وأعطاه ما ذكرنا من الأموال وغيرها‏.‏

وفيها‏:‏ دخل عبد الملك بن شهاب المسمعي مدينة بإربد من الهند في جحفل كبير فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق، ورموها بالنفط فأحرقوا منها طائفة، وهلك بشر كثير من أهلها، وفتحوها عنوة وأرادوا الانصراف فلم يمكنهم ذلك لاعتلاء البحر، فأقاموا هنالك فأصابهم داء في أفواههم يقال له‏:‏ حمام قر فمات منهم ألف نفس منهم‏:‏ الربيع بن صبيح، فلما أمكنهم المسير ركبوا في البحر فهاجت عليهم ريح فغرق طائفة أيضاً، ووصل بقيتهم إلى البصرة ومعهم سبي كثير، فيهم‏:‏ بنت ملكهم‏.‏

وفيها‏:‏ حكم المهدي بإلحاق ولد أبي بكر الثقفي إلى ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نسبهم من ثقيف، وكتب بذلك كتاباً إلى والي البصرة‏.‏

وقطع نسبه من زياد ومن نسب نافع ففي ذلك يقول بعض الشعراء وهو خالد النجار‏:‏

إن زياداً ونافعاً وأبا * بكرة عندي من أعجب العجب

ذا قرشي كما يقول وذا * مولى وهذا بزعمه عربي

وقد ذكر ابن جرير أن نائب البصرة لم ينفذ ذلك‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/141‏)‏

وفي هذه السنة‏:‏ حج بالناس المهدي واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد وخلقاً من الأمراء، منهم‏:‏ يعقوب بن داود على منزلته ومكانته‏.‏

وكان الحسن بن إبراهيم قد هرب من الخادم فلحق بأرض الحجاز، فاستأمن له يعقوب بن داود فأحسن المهدي صلته وأجزل جائزته، وفرق المهدي في أهل مكة مالاً كثيراً جداً، كان قد قدم معه بثلاثين ألف ألف درهم ومائة ألف ثوب، وجاء من مصر ثلثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فأعطاها كلها في أهل مكة والمدينة‏.‏

وشكت الحجبة إلى المهدي أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم من كثرة ما عليها من الكساوي، فأمر بتجريدها، فلما انتهوا إلى كساوي هشام بن عبد الملك وجدها من ديباج ثخين جداً فأمر بإزالتها وبقيت كساوي الخلفاء قبله وبعده، فلما جردها طلاها بالخلوف وكساها كسوة حسنة جداً‏.‏

ويقال‏:‏ إنه استفتى مالكاً في إعادة الكعبة إلى ما كانت عليه من بناية ابن الزبير، فقال مالك‏:‏ دعها فإني أخشى أن يتخذها الملوك ملعبة‏.‏ فتركها على ما هي‏.‏

وحمل له محمد بن سليمان نائب البصرة الثلج إلى مكة، وكان أول خليفة حمل له الثلج إليها‏.‏

ولما دخل المدينة وسَّع المسجد النبوي، وكان فيه مقصورة فأزالها وأراد أن ينقص من المنبر ما كان زاده معاوية بن أبي سفيان، فقال له مالك‏:‏ إنه يخشى أن ينكسر خشبه العتيق إذا زعزع، فتركه‏.‏

وتزوج من المدينة رقية بنت عمرو العثمانية، وانتخب من أهلها خمسمائة من أعيانها ليكونوا حوله حرساً بالعراق وأنصاراً وأجرى عليهم أرزاقاً غير أعطياتهم وأقطعهم أقطاعاً معروفة بهم‏.‏

 وفيها توفي‏:‏ الربيع بن صبيح، وسفيان بن حسين، أحد أصحاب الزهري‏.‏

وشعبة بن الحجاج

ابن الورد العتكي الأزدي، أبو بسطام الواسطي، ثم انتقل إلى البصرة‏.‏

رأى شعبة الحسن وابن سيرين، وروى عن أمم التابعين وحدث عنه خلق من مشايخه وأقرانه وأئمة الإسلام‏.‏

وهو شيخ المحدثين الملقب فيهم‏:‏ بأمير المؤمنين‏.‏ قاله الثوري‏.‏

وقال يحيى بن معين‏:‏ هو إمام المتقين، وكان في غاية الزهد والورع والتقشف والحفظ وحسن الطريقة‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ لولاه ما عرف الحديث بالعراق‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ كان أمة وحده في هذا الشأن، ولم يكن في زمانه مثله‏.‏

وقال محمد بن سعد‏:‏ كان ثقة مأموناً حجةً صاحب حديث‏.‏

وقال وكيع‏:‏ إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات بذبه عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال صالح بن محمد بن حرزة‏:‏ كان شعبة أول من تكلم في الرجال وتبعه يحيى القطان ثم أحمد وابن معين‏.‏

وقال ابن المهدي‏:‏ ما رأيت أعقل من مالك، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك، ولا أحفظ للحديث من الثوري‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/142‏)‏

وقال مسلم بن إبراهيم‏:‏ ما دخلت على شعبة في وقت صلاة إلا ورأيته يصلي، وكان أباً للفقراء وأماً لهم‏.‏

وقال النضر بن شميل‏:‏ ما رأيت أرحم بمسكين منه، كان إذا رأى مسكيناً لا يزال ينظر إليه حتى يغيب عنه‏.‏

وقال غيره‏:‏ ما رأيت أعبد منه لقد عبد الله حتى لصق جلده بعظمه‏.‏

وقال يحيى القطان‏:‏ ما رأيت أرق للمسكين منه، كان يدخل المسكين في منزله فيعطيه ما أمكنه‏.‏

قال محمد بن سعد وغيره‏:‏ مات في أول سنة ستين ومائة في البصرة عن ثمان وسبعين سنة‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة

فيها‏:‏ غزا الصائفة ثمامة بن الوليد فنزل دابق، وجاشت الروم عليه فلم يتمكن المسلمون من الدخول إليها بسبب ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ أمر المهدي بحفر الركايا وعمل المصانع وبناء القصور في طريق مكة، وولى يقطين بن موسى على ذلك، فلم يزل يعمل في ذلك إلى سنة إحدى وسبعين ومائة، مقدار عشر سنين، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها‏.‏

وفيها‏:‏ وسَّع المهدي جامع البصرة من قبلته وغربه‏.‏

وفيها‏:‏ كتب إلى الآفاق أن لا تبقى مقصورة في مسجد جماعة، وأن تقصر المنابر إلى مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك في المدائن كلها‏.‏

وفيها‏:‏ اتضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهدي وظهرت عنده خيانته فضم إليه المهدي من يشرف عليه، وكان ممن ضم إليه إسماعيل بن علية ثم أبعده وأقصاه وأخرجه من معسكره‏.‏

وفيها‏:‏ ولي القضاء عافية بن يزيد الأزدي، وكان يحكم هو وابن علاثة في عسكر المهدي بالرصافة‏.‏

وفيها‏:‏ خرج رجل يقال له‏:‏ المقنع بخراسان في قرية من قرى مرو، وكان يقول‏:‏ بالتناسخ واتبعه على ذلك خلق كثير، فجهز إليه المهدي عدة من أمرائه وأنفذ إليه جيوشاً كثيرةً، منهم‏:‏ معاذ بن مسلم أمير خراسان، وكان من أمره وأمرهم ما سنذكره‏.‏

وحج بالناس فيها‏:‏ موسى الهادي بن المهدي‏.‏

وفيها‏:‏ توفي إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي، وزائدة بن قدامة‏.‏

وسفيان بن سعد بن مسروق الثوري

أحد أئمة الإسلام وعبادهم والمقتدى به، أبو عبد الله الكوفي‏.‏

وروى عن غير واحد من التابعين، وروى عنه خلق من الأئمة وغيرهم‏.‏

قال شعبة وأبو عاصم وسفيان بن عيينة ويحيى بن معين وغير واحد‏:‏ هو أمير المؤمنين في الحديث‏.‏

وقال ابن المبارك‏:‏ كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ هو أفضلهم‏.‏

وقال أيوب‏:‏ ما رأيت كوفياً أفضله عليه‏.‏

وقال يونس بن عبيد‏:‏ ما رأيت أفضل منه‏.‏

وقال عبد الله‏:‏ ما رأيت أفقه من الثوري‏.‏

وقال شعبة‏:‏ ساد الناس بالورع والعلم‏.‏

وقال‏:‏ أصحاب المذاهب ثلاثة‏:‏ ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمان‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ لا يتقدمه في قلبي أحد‏.‏

ثم قال‏:‏ تدري من الإمام‏؟‏ الإمام سفيان الثوري‏.‏

وقال عبد الرازق‏:‏ سمعت الثوري يقول‏:‏ ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني حتى إني لأمرُّ بالحائك يتغنى فأسد أذني مخافة أن أحفظ ما يقول‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/143‏)‏

وقال‏:‏ لأن أترك عشرة آلاف دينار يحاسبني الله عليها أحل إلي من أن أحتاج إلى الناس‏.‏

قال محمد بن سعد‏:‏ أجمعوا أنه توفي في البصرة سنة إحدى وستين ومائة، وكان عمره يوم مات أربعاً وستين سنة، ورآه بعضهم في المنام يطير في الجنة من نخلة إلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة، وهو يقرأ‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 74‏]‏ الآية‏.‏

وقال‏:‏ إذا ترأس الرجل سريعاً أخَّر بكثير من العلم‏.‏

وممن توفي فيها‏:‏

أبو دلامة

زيد بن الجون، الشاعر الماجن، أحد الظرفاء، أصله من الكوفة وأقام ببغداد وحظي عند المنصور لأنه كان يضحكه وينشده الأشعار ويمدحه، حضر يوماً جنازة امرأة المنصور - وكانت ابنة عمه - يقال لها‏:‏ حمادة بنت عيسى وكان المنصور قد حزن عليها، فلما سووا عليها التراب وكان أبو دلامة حاضراً، فقال له المنصور‏:‏ ويحك يا أبا دلامة ‏!‏ ما أعددت لهذا اليوم ‏؟‏

فقال‏:‏ ابنة عم أمير المؤمنين‏.‏

فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال‏:‏ ويحك ‏!‏ فضحتنا‏.‏

ودخل يوماً على المهدي يهنئه بقدومه من سفره وأنشده‏:‏

إني حلفت لئن رأيتك سالماً * بقرى العراق وأنت ذو وفر

لتصلين على النبي محمد * ولتملأن دراهماً حجري

فقال المهدي‏:‏ أما الأول فنعم، نصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الثاني فلا‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ هما كلمتان فلا تفرق بينهما‏.‏

فأمر أن يملأ حجره دراهم، ثم قال له‏:‏ قم ‏!‏

فقال‏:‏ ينخرق منها قميصي‏.‏

فأفرغت منه في أكياسها ثم قام فحملها وذهب‏.‏

وذكر عنه ابن خلكان‏:‏ أنه مرض ابن له فداواه طبيب فلما عوفي قال له‏:‏ ليس عندنا ما نعطيك، ولكن ادَّع على فلان اليهودي بمبلغ ما تستحقه عندنا من أجرتك حتى أشهد أنا وولدي بالمبلغ المذكور‏.‏

قال‏:‏ فذهب الطبيب إلى قاضي الكوفة محمد عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقيل‏:‏ ابن شبرمة - فادَّعى عليه عنده فأنكر اليهودي فشهد له أبو دلامة وابنه، فلم يستطع القاضي أن يرد شهادتهما وخاف من طلب التزكية، فأعطى الطبيب المدعي المال من عنده وأطلق اليهودي‏.‏ وجمع القاضي بين المصالح‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/144‏)‏

توفي أبو دلامة في هذه السنة، وقيل‏:‏ إنه أدرك خلافة الرشيد سنة سبعين، فالله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ثنتين وستين ومائة

فيها‏:‏ خرج عبد السلام بن هاشم اليشكري بأرض قنسرين واتبعه خلق كثير، وقويت شوكته فقاتله جماعة من الأمراء فلم يقدروا عليه، فجهز إليه المهدي جيوشاً وأنفق فيهم أموالاً فهزمهم مرات ثم آل الأمر به أن قتل بعد ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ غزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثمانين ألفاً من المرتزقة سوى المتطوعة، فدمر الروم وحرق بلداناً كثيرةً، وخرب أماكن وأسر خلقاً من الذراري‏.‏

وكذلك غزا يزيد بن أبي أسيد السلمي بلاد الروم من باب قاليقلا فغنم وسلم وسبى خلقاً كثيراً‏.‏

وفيها‏:‏ خرجت طائفة بجرجان فلبسوا الحمرة مع رجل يقال له‏:‏ عبد القهار، فغزاه عمرو بن العلاء من طبرستان فقهر عبد القهار وقتله وأصحابه‏.‏

وفيها‏:‏ أجرى المهدي الأرزاق في سائر الأقاليم والآفاق على المجذومين والمحبوسين، وهذه مثوبة عظيمة ومكرمة جسيمة‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس إبراهيم بن جعفر بن المنصور‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

إبراهيم بن أدهم

أحد مشاهير العباد وأكابر الزهاد‏.‏

كانت له همة عالية في ذلك رحمه الله‏.‏

فهو‏:‏ إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن عامر بن إسحاق التميمي، ويقال له‏:‏ العجلي، أصله من بلخ ثم سكن الشام ودخل دمشق‏.‏

وروى الحديث عن‏:‏ أبيه، والأعمش، ومحمد بن زياد صاحب أبي هريرة، وأبي إسحاق السبيعي، وخلق‏.‏

وحدث عنه خلق منهم‏:‏ بقية، والثوري، وأبو إسحاق الفزاري، ومحمد بن حميد‏.‏ وحكى عنه الأوزاعي‏.‏

وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجزري، عن إبراهيم بن أدهم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال‏:‏ دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي جالساً فقلت‏:‏ يا رسول الله إنك تصلي جالساً فما أصابك ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الجوع يا أبا هريرة‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فبكيت‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تبك فإن شدة يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا‏)‏‏)‏‏.‏

ومن طريق بقية، عن إبراهيم بن أدهم، حدثني أبو إسحاق الهمداني، عن عمارة بن غزية، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الفتنة تجيء فتنسف العباد نسفاً، وينجوا العالم منها بعلمه‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/145‏)‏

قال النسائي‏:‏ إبراهيم بن أدهم ثقة مأمون أحد الزهاد‏.‏

وذكر أبو نعيم وغيره‏:‏ أنه كان ابن ملك من ملوك خراسان، وكان قد حبب إليه الصيد، قال‏:‏ فخرجت مرة فأثرت ثعلباً فهتف بي هاتف من قربوس سرجي‏:‏ ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت‏.‏

قال‏:‏ فوقفت وقلت‏:‏ انتهيت انتهيت، وجاءني نذير من رب العالمين‏.‏

فرجعت إلى أهلي فخليت عن فرسي وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت منه جبة وكساء ثم ألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق فعملت بها أياماً فلم يصفُ لي بها الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فأرشدني إلى بلاد الشام فأتيت طرطوس فعملت بها أياماً أنطر البساتين وأحصد الحصاد، وكان يقول‏:‏ ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام‏.‏

أفر بديني من شاهق إلى شاهق ومن جبل إلى جبل، فمن يراني يقول‏:‏ هو موسوس‏.‏

ثم دخل البادية ودخل مكة وصحب الثوري والفضل بن عياض ودخل الشام ومات بها، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه مثل الحصاد وعمل الفاعل وحفظ البستان وغير ذلك، وما روي عنه أنه وجد رجلاً في البادية فعلمه اسم الله الأعظم فكان يدعو به حتى رأى الخضر فقال له‏:‏ إنما علمك أخي داود اسم الله الأعظم‏.‏

وذكره القشيري وابن عساكر عنه بإسناد لا يصح‏.‏

وفيه أنه قال له‏:‏ إن إلياس علمك اسم الله الأعظم‏.‏

وقال إبراهيم‏:‏ أطب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار‏.‏

وذكر أبو نعيم، عنه‏:‏ أنه كان أكثر دعائه‏:‏ اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك‏.‏

وقيل له‏:‏ إن اللحم قد غلا‏.‏

فقال‏:‏ ارخصوه، أي‏:‏ لا تشتروه، فإنه يرخص‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ هتف به الهاتف من فوقه‏:‏ يا إبراهيم ‏!‏ ما هذا العبث‏:‏ ‏{‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 115‏]‏، اتق الله وعليك بالزاد ليوم القيامة‏.‏

فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة‏.‏

وروى ابن عساكر بإسناد فيه نظر في ابتداء أمره قال‏:‏ بينما أنا يوماً في منظرة لي ببلخ وإذا شيخ حسن الهيئة حسن اللحية قد استظل بظلها فأخذ بمجامع قلبي، فأمرت غلاماً فدعاه فدخل فعرضت عليه الطعام فأبى فقلت‏:‏ من أين أقبلت ‏؟‏

قال‏:‏ من وراء النهر‏.‏

قلت‏:‏ أين تريد ‏؟‏

قال‏:‏ الحج‏.‏

قلت‏:‏ في هذا الوقت‏؟‏ - وقد كان أول يوم من ذي الحجة أو ثانيه -‏.‏

فقال‏:‏ يفعل الله ما يشاء‏.‏

فقلت‏:‏ الصحبة‏.‏

قال‏:‏ إن أحببت ذلك فموعدك الليل‏.‏

فلما كان الليل جاءني فقال‏:‏ قم بسم الله‏.‏

فأخذت ثياب سفري وسرنا نمشي كأنما الأرض تجذب من تحتنا، ونحن نمر على البلدان ونقول‏:‏ هذه فلانة هذه فلانة، فإذا كان الصباح فارقني ويقول‏:‏ موعدك الليل‏.‏

فإذا كان الليل جاءني ففعلنا مثل ذلك‏.‏

فانتهينا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ثم سرنا إلى مكة فجئناها ليلاً فقضينا الحج مع الناس ثم رجعنا إلى الشام فزرنا بيت المقدس، وقال‏:‏ إني عازم على المقام بالشام‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/146‏)‏

ثم رجعت أنا إلى بلدي بلخ كسائر الضعفاء حتى رجعنا إليها ولم أسأله عن اسمه، فكان ذلك أول أمري‏.‏ وروي من وجه آخر فيه نظر‏.‏

وقال أبو حاتم الرازي‏:‏ عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، قال‏:‏ كان إبراهيم بن أدهم يشبه الخليل، ولو كان في الصحابة كان رجلاً فاضلاً له سرائر وما رأيته يظهر تسبيحاً ولا شيئاً ولا أكل مع أحد طعاماً إلا كان آخر من يرفع يديه‏.‏

وقال عبد الله بن المبارك‏:‏ كان إبراهيم رجلاً فاضلاً له سرائر ومعاملات بينه وبين الله عز وجل وما رأيته يظهر تسبيحاً ولا شيئاً من عمله، ولا أكل مع أحد طعاماً إلا كان آخر من يرفع يده‏.‏

وقال بشر بن الحارث الحافي‏:‏ أربعة رفعهم الله بطيب المطعم‏:‏ إبراهيم بن أدهم، وسليمان بن الخواص، ووهيب بن الورد، ويوسف بن أسباط‏.‏

وروى ابن عساكر، من طريق معاوية بن حفص، قال‏:‏ إنما سمع إبراهيم بن أدهم حديثاً واحداً فأخذ به فساد أهل زمانه‏.‏

قال‏:‏ حدثنا منصور، عن ربعي بن خراش، قال‏:‏ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا أردت أن يحبك الله فأبغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبك الناس فما عندك من فضولها فانبذه إليهم‏)‏‏)‏‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا أبو الربيع، عن إدريس، قال‏:‏ جلس إبراهيم إلى بعض العلماء فجعلوا يتذاكرون الحديث وإبراهيم ساكت، ثم قال‏:‏ حدثنا منصور، ثم سكت فلم ينطق بحرف حتى قام من ذلك المجلس‏.‏

فعاتبه بعض أصحابه في ذلك ‏!‏ فقال‏:‏ إني لأخشى مضرة ذلك المجلس في قلبي إلى اليوم‏.‏

وقال رشدين بن سعد‏:‏ مر إبراهيم بن أدهم بالأوزاعي وحوله حلقة فقال‏:‏ لو أن هذه الحلقة على أبي هريرة لعجز عنهم‏.‏ فقام الأوزاعي وتركهم‏.‏

وقال إبراهيم بن بشار‏:‏ قيل لابن أدهم‏:‏ لم تركت الحديث ‏؟‏

فقال‏:‏ إني مشغول عنه بثلاث‏:‏ بالشكر على النعم، والاستغفار من الذنوب، وبالاستعداد للموت، ثم صاح وغشي عليه فسمعوا هاتفاً يقول‏:‏ لا تدخلوا بيني وبين أوليائي‏.‏

وقال أبو حنيفة يوماً لإبراهيم بن أدهم‏:‏ قد رزقت من العباد شيئاً صالحاً فليكن العلم من بالك فإنه رأس العبادة وقوام الدين‏.‏

فقال له إبراهيم‏:‏ وأنت فليكن العبادة والعمل بالعلم من بالك وإلا هلكت‏.‏

وقال إبراهيم‏:‏ ماذا أنعم الله على الفقراء لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم، إنما يسأل ويحاسب هؤلاء المساكين الأغنياء‏.‏

وقال شقيق بن إبراهيم‏:‏ لقيت ابن أدهم بالشام وقد كنت رأيته بالعراق وبين يديه ثلاثون شاكرياً‏.‏

فقلت له‏:‏ تركت ملك خراسان، وخرجت من نعمتك ‏؟‏

فقال‏:‏ اسكت ما تهنيت بالعيش إلا ههنا، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن يراني يقول‏:‏ هو موسوس أو حمال أو ملاح‏.‏

ثم قال‏:‏ بلغني أنه يؤتى بالفقير يوم القيامة، فيوقف بين يدي الله فيقول له‏:‏ يا عبدي ‏!‏ مالك لم تحج ‏؟‏

فيقول‏:‏ يا رب لم تعطني شيئاً أحج به‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/147‏)‏

فيقول الله‏:‏ صدق عبدي اذهبوا به إلى الجنة‏.‏

وقال‏:‏ أقمت بالشام أربعاً وعشرين سنة ولم أقم بها لجهاد ولا رباط إنما نزلتها لآشبع من خبز حلال‏.‏

وقال‏:‏ الحزن حزنان‏:‏ حزن لك وحزن عليك، فحزنك على الآخرة لك، وحزنك على الدنيا وزينتها عليك‏.‏

وقال‏:‏ الزهد ثلاثة‏:‏ واجب، ومستحب، وزهد سلامة، فأما الواجب‏:‏ فالزهد في الحرام، والزهد عن الشهوات الحلال‏:‏ مستحب، والزهد عن الشبهات‏:‏ سلامة‏.‏

وكان هو وأصحابه يمنعون أنفسهم الحمام والماء البارد والحذاء، ولا يجعلون في ملحهم أبزاراً، وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طبي رمى بطيبها إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون‏.‏

وقال‏:‏ قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تورث الغم والجزع‏.‏

وقال له رجل‏:‏ هذه جبة أحب أن تقبلها مني‏.‏

فقال‏:‏ إن كنت غنياً قبلتها، وإن كنت فقيراً لم أقبلها‏.‏

قال‏:‏ أنا غني‏.‏

قال‏:‏ كم عندك ‏؟‏

قال‏:‏ ألفان‏.‏

قال‏:‏ تود أن تكون أربعة آلاف ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ فأنت فقير، لا أقبلها منك‏.‏

وقيل له‏:‏ لو تزوجت ‏؟‏

فقال‏:‏ لو أمكنني أن أطلق نفسي لطلقتها‏.‏

ومكث بمكة خمسة عشر يوماً لا شيء له ولم يكن له زاد سوى الرمل بالماء، وصلى بوضوء واحد خمس عشرة صلاة، وأكل يوماً على حافة الشريعة كسيرات مبلولة بالماء وضعها بين يديه أبو يوسف الغسولي، فأكل منها ثم قام فشرب من الشريعة ثم جاء واستلقى على قفاه وقال‏:‏ يا أبا يوسف ‏!‏ لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش‏.‏

فقال أبو يوسف‏:‏ طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم‏.‏

فتبسم إبراهيم وقال‏:‏ من أين لك هذا الكلام ‏؟‏

وبينما هو بالمصيصة في جماعة من أصحابه إذ جاءه راكب فقال‏:‏ أيكم إبراهيم بن أدهم ‏؟‏

فأرشد إليه، فقال‏:‏ يا سيدي ‏!‏ أنا غلامك وإن أباك قد مات وترك مالاً هو عند القاضي، وقد جئتك بعشرة آلاف درهم لتنفقها عليك إلى بلخ، وفرس وبغلة‏.‏

فسكت إبراهيم طويلاً ثم رفع رأسه فقال‏:‏ إن كنت صادقاً فالدراهم والفرس والبغلة لك ولا تخبر به أحداً‏.‏

ويقال‏:‏ إنه ذهب بعد ذلك إلى بلخ وأخذ المال من الحاكم وجعله كله في سبيل الله‏.‏

وكان معه بعض أصحابه فمكثوا شهرين لم يحصل لهم شيء يأكلونه، فقال له إبراهيم‏:‏ أدخل إلى هذه الغيضة - وكان ذلك في يوم شاتٍ -‏.‏

قال‏:‏ فدخلت فوجدت شجرة عليها خوخ كثير فملأت منه جرأبي ثم خرجت، فقال‏:‏ ما معك ‏؟‏

قلت‏:‏ خوخ‏.‏

فقال‏:‏ يا ضعيف اليقين ‏!‏ لو صبرت لوجدت رطباً جنياً، كما رزقت مريم بنت عمران‏.‏

وشكا إليه بعض أصحابه الجوع فصلى ركعتين فإذا حوله دنانير كثيرة فقال لصاحبه‏:‏ خذ منها ديناراً‏.‏

فأخذه واشترى لهم به طعاماً‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/148‏)‏

وذكروا أنه كان يعمل بالفاعل ثم يذهب فيشتري البيض والزبدة وتارة الشواء والجوذبان والخبيص فيطعمه أصحابه وهو صائم، فإذا أفطر يأكل من رديء الطعام ويحرم نفسه المطعم الطيب ليبر به الناس تأليفاً لهم وتحبباً وتودداً إليهم‏.‏

وأضاف الأوزاعي إبراهيم بن أدهم فقصر إبراهيم في الأكل فقال‏:‏ مالك قصرت ‏؟‏

فقال‏:‏ لأنك قصرت في الطعام‏.‏

ثم عمل إبراهيم طعاماً كثيراً ودعا الأوزاعي فقال الأوزاعي‏:‏ أما تخاف أن يكون سرفاً ‏؟‏

فقال‏:‏ لا ‏!‏ إنما السرف ما كان في معصية الله، فأما ما أنفقه الرجل على إخوانه فهو من الدين‏.‏

وذكروا أنه حصد مرة بعشرين ديناراً، فجلس مرة عند حجام هو صاحب له ليحلق رؤوسهم ويحجمهم، فكأنه تبرم بهم واشتغل عنهم بغيرهم، فتأذى صاحبه من ذلك ثم أقبل عليهم الحجام فقال‏:‏ ماذا تريدون ‏؟‏

قال إبراهيم‏:‏ أريد أن تحلق رأسي وتحجمني‏.‏

ففعل ذلك، فأعطاه إبراهيم العشرين ديناراً وقال‏:‏ أردت أن لا تحقر بعدها فقيراً أبداً‏.‏

وقال مضاء بن عيسى‏:‏ ما فاق إبراهيم أصحابه بصوم ولا صلاة ولكن بالصدقة والسخاء‏.‏

وكان إبراهيم يقول‏:‏ فروا من الناس كفراركم من الأسد الضاري، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة‏.‏

وكان إذا سافر مع أحد من أصحابه يحدثه إبراهيم، وكان إذا حضر في مجلس فكأنما على رؤوسهم الطير هيبةً له وإجلالاً‏.‏

وربما تسامر هو وسفيان الثوري في الليلة الشاتية إلى الصباح، وكان الثوري يتحرز معه في الكلام‏.‏

ورأى رجلاً قيل له‏:‏ هذا قاتل خالك‏.‏

فذهب إليه فسلم عليه وأهدى له وقال‏:‏ بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه‏.‏

وقال له رجل‏:‏ طوبى لك أفنيت عمرك في العبادة وتركت الدنيا والزوجات‏.‏

فقال‏:‏ ألك عيال ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

فقال‏:‏ لروعة الرجل بعياله - يعني‏:‏ في بعض الأحيان من الفاقة - أفضل من عبادة كذا وكذا سنة‏.‏

ورآه الأوزاعي ببيروت وعلى عنقه حزمة حطب فقال‏:‏ يا أبا إسحاق ‏!‏ إن إخوانك يكفونك هذا‏.‏

فقال له‏:‏ اسكت يا أبا عمرو ‏!‏ فقد بلغني أنه إذا وقف الرجل موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة‏.‏

وخرج ابن أدهم من بيت المقدس فمر بطريق فأخذته المسلحة في الطريق فقالوا‏:‏ أنت عبد ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قالوا‏:‏ آبق ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏ فسجنوه‏.‏

فبلغ أهل بيت المقدس خبره فجاؤوا برمتهم إلى نائب طبرية فقالوا‏:‏ علام سجنت إبراهيم بن أدهم ‏؟‏

قال‏:‏ ما سجنته‏.‏

قالوا‏:‏ بلى ‏!‏ هو في سجنك‏.‏

فاستحضره، فقال‏:‏ علام سجنت ‏؟‏

فقال‏:‏ سل المسلحة‏.‏

قالوا‏:‏ أنت عبد‏؟‏ قلت‏:‏ نعم ‏!‏ وأنا عبد الله‏.‏

قالوا‏:‏ آبق‏؟‏ قلت‏:‏ نعم ‏!‏ وأنا عبد آبق من ذنوبي‏.‏

فخلى سبيله‏.‏

وذكروا أنه مر مع رفقة فإذا الأسد على الطريق فتقدم إليه إبراهيم بن أدهم فقال له‏:‏ يا قسورة ‏!‏ إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به وإلا فعودك على بدئك‏.‏

قالوا‏:‏ فولى السبع ذاهباً يضرب بذنبه، ثم أقبل علينا إبراهيم فقال‏:‏ قولوا‏:‏ اللهم راعنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بكنفك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله، يا الله، يا الله‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/149‏)‏

قال خلف بن تميم‏:‏ فما زلت أقولها منذ سمعتها فما عرض لي لص ولا غيره‏.‏

وقد روي لهذا شواهد من وجوه أخر‏.‏

وروي أنه كان يصلي ذات ليلة فجاءه أُسد ثلاثة فتقدم إليه أحدهم فشم ثيابه ثم ذهب فربض قريباً منه، وجاء الثاني ففعل مثل ذلك، وجاء الثالث ففعل مثل ذلك، واستمر إبراهيم في صلاته، فلما كان وقت السحر قال لهم‏:‏ إن كنتم أمرتم بشيء فهلموا، وإلا فانصرفوا، فانصرفوا‏.‏

وصعد مرة جبلاً بمكة ومعه جماعة فقال لهم‏:‏ فقال لهم‏:‏ لو أن ولياً من أولياء الله قال لجبل‏:‏ زل لزال‏.‏

فتحرك الجبل تحته فوكزه برجله وقال‏:‏ اسكن فإنما ضربتك مثلاً لأصحابي‏.‏ وكان الجبل أبا قبيس‏.‏

وركب مرة سفينة فأخذهم الموج من كل مكان فلف إبراهيم رأسه بكسائه واضطجع وعج أصحاب السفينة بالضجيج والدعاء، وأيقظوه وقالوا‏:‏ ألا ترى ما نحن فيه من الشدة ‏؟‏

فقال‏:‏ ليس هذه شدة، وإنما الشدة الحاجة إلى الناس‏.‏

ثم قال‏:‏ اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك‏.‏ فصار البحر كأنه قدح زيت‏.‏

وكان قد طالبه صاحب السفينة بأجرة حمله دينارين وألح عليه، فقال له‏:‏ اذهب معي حتى أعطيك ديناريك، فأتى إلى جزيرة في البحر فتوضأ إبراهيم وصلى ركعتين ودعا وإذا ما حوله قد مليء دنانير، فقال له‏:‏ خذ حقك ولا تزد ولا تذكر هذا لأحد‏.‏

وقال حذيفة المرعشي‏:‏ أويت أنا وإبراهيم إلى مسجد خراب بالكوفة، وكان قد مضى علينا أياماً لم نأكل فيها شيئاً، فقال لي‏:‏ كأنك جائع ‏؟‏

قلت‏:‏ نعم ‏!‏

فأخذ رقعة فكتب فيها‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال، المشار إليه بكل معنى‏.‏

أنا حامد أنا ذاكر أنا شاكر * أنا جائع أنا حاسر أنا عاري

هي ستة وأنا الضمين لنصفها * فكن الضمين لنصفها يا باري

مدحي لغيرك وهج نار خضتها * فأجر عبيدك من دخول النار

ثم قال لي‏:‏ اخرج بهذه الرقعة ولا تعلق قلبك بغير الله سبحانه وتعالى، وادفع هذه الرقعة لأول رجل تلقاه‏.‏

فخرجت فإذا رجل على بغلة فدفعتها إليه فلما قرأها بكى ودفع إليّ ستمائة دينار وانصرف، فسألت رجلاً‏:‏ من هذا الذي على البغلة ‏؟‏

فقالوا‏:‏ هو رجل نصراني‏.‏

فجئت إبراهيم فأخبرته فقال‏:‏ الآن يجيء مسلم‏.‏

فما كان غير قريب حتى جاء فأكب على رأس إبراهيم وأسلم‏.‏

وكان إبراهيم يقول‏:‏ دارنا إمامنا وحياتنا بعد وفاتنا، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، مثِّل لبصرك حضور ملك الموت وأعوانه لقبض روحك وانظر كيف تكون حينئذ، ومثِّل له هول المضجع ومساءلة منكر ونكير وانظر كيف تكون، ومثِّل له القيامة وأهوالها وأفزاعها والعرض والحساب، وانظر كيف تكون‏.‏ ثم صرخ صرخة خر مغشياً عليه‏.‏

ونظر إلى رجل من أصحابه يضحك فقال له‏:‏ لا تطمع فيما لا يكون، ولا تنسى ما يكون‏.‏

فقيل له‏:‏ كيف هذا يا أبا إسحاق ‏؟‏

فقال‏:‏ لا تطمع في البقاء والموت يطلبك، فكيف يضحك من يموت ولا يدري أين يذهب به إلى جنة أم إلى نار‏؟‏ ولا تنس ما يكون الموت يأتيك صباحاً أو مساء‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/150‏)‏

ثم قال‏:‏ أوّه أوّه ‏!‏ ثم خرّ مغشياً عليه‏.‏

وكان يقول‏:‏ ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا‏.‏

ثم يقول‏:‏ ثكلت عبداً أمه أحب الدنيا ونسي ما في خزائن مولاه‏.‏

وقال‏:‏ إذا كنت بالليل نائماً وبالنهار هائماً وفي المعاصي دائماً فكيف ترضي من هو بأمورك قائماً‏.‏

ورآه بعض أصحابه وهو بمسجد بيروت وهو يبكي ويضرب بيديه على رأسه، فقال‏:‏ ما يبكيك ‏؟‏

فقال‏:‏ ذكرت يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار‏.‏

وقال‏:‏ إنك كلما أمعنت النظر في مرآة التوبة بان لك قبح شين المعصية‏.‏

وكتب إلى الثوري‏:‏ من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه‏.‏

وسأله بعض الولاة‏:‏ من أين معيشتك ‏؟‏

فأنشأ يقول‏:‏

نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

وكان كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات‏:‏

لما توعد الدنيا به من شرورها * يكون بكاء الطفل ساعة يوضع

وإلا فما يبكيه منها وإنها * لأروح مما كان فيه وأوسع

إذا أبصر الدنيا استهل كأنما * يرى ما سيلقى من أذاها ويسمع

وكان يتمثل أيضاً‏:‏

رأيت الذنوب تميت القلوب * ويورثها الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها

وما أفسد الدين إلا ملوك * وأحبار سوء ورهبانها

وباعوا النفوس فلم يربحوا * ولم يغل بالبيع أثمانها

لقد رتع القوم في جيفة * تبين لذي اللب أنتانها

وقال‏:‏ إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك، واقطع الطمع إلا من ربك‏.‏

وقال‏:‏ ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، ووعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكنزتموها، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها، ومنتكم فانقدتم خاضعين لأمانيها تتمرغون في زهراتها وزخارفها، وتتنعمون في لذاتها وتتقلبون في شهواتها، وتتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها‏.‏

وشكى إليه رجل كثرة عياله فقال‏:‏ ابعث إليّ منهم من لا رزقه على الله‏.‏ فسكت الرجل‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/151‏)‏

وقال‏:‏ ومررت في بعض جبال فإذا حجر مكتوب عليه بالعربية‏:‏

كل حيّ وإن بقي * فمن العيش يستقي

فاعمل اليوم واجتهد * واحذر الموت يا شقي

قال‏:‏ فبينا أنا واقف أقرأ وأبكي، وإذا برجل أشعر أغبر عليه مدرعة من شعر فسلم وقال‏:‏ مم تبكي ‏؟‏

فقلت‏:‏ من هذا‏.‏

فأخذ بيدي ومضى غير بعيد فإذا بصخرة عظيمة مثل المحراب فقال‏:‏ اقرأ وابك ولا تقصر‏.‏

وقام هو يصلي فإذا في أعلاه نقش بين عربي‏:‏

لا تبغين جاهاً وجاهك ساقط * عند المليك وكن لجاهك مصلحا

وفي الجانب الآخر نقش بين عربي‏:‏

من لم يثق بالقضاء والقدر * لاقى هموماً كثيرة الضَّرر

وفي الجانب الأيسر نقش بين عربي‏:‏

ما أزين التقى وما أقبح الخنا * وكل مأخوذ بما جنا

وعند الله الجزا *

وفي أسفل المحراب فوق الأرض بذراع أو أكثر‏:‏

إنما الفوز والغنى * في تقى الله والعمل

قال‏:‏ فلما فرغت من القراءة التفت فإذا ليس الرجل هناك، فما أدري أنصرف أم حجب عني‏.‏

وقال‏:‏ أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان، ومن وفى العمل وفي له الأجر، ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير‏.‏

وقال‏:‏ كل سلطان لا يكون عادلاً فهو واللص بمنزلة واحدة، وكل عالم لا يكون ورعاً فهو والذئب بمنزلةٍ واحدةٍ، وكل من خدم سوى الله فهو والكلب بمنزلةٍ واحدةٍ‏.‏

وقال‏:‏ ما ينبغي لمن ذل لله طاعته أن يذل لغير الله في مجاعته، فكيف بمن هو يتقلب في نعم الله وكفايته ‏؟‏

وقال‏:‏ أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب‏.‏

وقال‏:‏ كنا إذا رأينا الشاب يتكلم في المجلس أيسنا من خيره‏.‏

وقال‏:‏ جانبوا الناس ولا تنقطعوا عن جمعة ولا جماعة‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب‏:‏ أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسن بن محمد بن زامين الاسترابادي، قال‏:‏ أنبأ عبد الله بن محمد الحميدي الشيرازي، أنبأ القاضي أحمد بن خرزاد الأهوازي، حدثني علي بن محمد القصوي، حدثني أحمد بن محمد الحلبي، سمعت سرياً السقطي، يقول‏:‏ سمعت بشر بن الحارث الحافي، يقول‏:‏ قال إبراهيم بن أدهم‏:‏ وقفت على راهب فأشرف عليَّ فقلت له‏:‏ عظني‏.‏ فأنشأ يقول‏:‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/152‏)‏

خذ عن الناس جانباً * كن بعدوك راهبا

إن دهراً أظلني * قد أراني العجائبا

قلب الناس كيف شئـ * ـت تجدهم عقاربا

قال بشر‏:‏ فقلت لإبراهيم‏:‏ هذه موعظة الراهب لك، فعظني أنت‏.‏ فأنشأ يقول‏:‏

توحش من الأخوان لا تبغ مونساً * ولا تتخذ خلاً ولا تبغ صاحبا

وكن سامري الفعل من نسل آدم * وكن أوحدياً ما قدرت مجانبا

فقد فسد الإخوان والحب والإخا * فلست ترى إلا مذوقاً وكاذبا فقلت ولولا أن يقال مدهده * وتنكر حالاتي لقد صرت راهبا

قال سري‏:‏ فقلت لبشر‏:‏ هذه موعظة إبراهيم لك فعظني أنت‏.‏

فقال‏:‏ عليك بالخمول ولزوم بيتك‏.‏

فقلت‏:‏ بلغني عن الحسن، أنه قال‏:‏ لولا الليل وملاقاة الإخوان ما باليت متى مت‏.‏

فأنشأ بشر يقول‏:‏

يا من يسر برؤية الإخوان * مهلاً أمنت مكايد الشيطان

خلت القلوب من المعاد وذكره * وتشاغلوا بالحرص والخسران

صارت مجالس من ترى وحديثهم * في هتك مستور وموت جنان

قال الحلبي‏:‏ فقلت لسري‏:‏ هذه موعظة بشر فعظني أنت‏.‏

فقال‏:‏ ما عليك بالإخمال‏.‏

فقلت‏:‏ أحب ذاك‏.‏ فأنشأ يقول‏:‏

يا من يروم بزعمه إخمالاً * إن كان حقاً فاستعدَّ خصالا

ترك المجالس والتذاكر يا أخي * واجعل خروجك للصلاة خيال

بل كن بها حياً كأنك ميت * لا يرتجي منه القريب وصالا

قال علي بن محمد القصري‏:‏ قلت للحلبي‏:‏ هذه موعظة سري لك فعظني أنت‏.‏

قال‏:‏ يا أخي ‏!‏ أحب الأعمال إلى الله ما صعد إليه من قلب زاهد في الدنيا، فازهد في الدنيا يحبك الله‏.‏

ثم أنشأ يقول‏:‏

أنت في دار شتات * فتأهب لشتاتك

واجعل الدنيا كيوم * صمته عن شهواتك

واجعل الفطر إذا * ما صمته يوم وفاتك

قال ابن خرزاد‏:‏ فقلت لعلي‏:‏ هذه موعظة الحلبي لك فعظني أنت‏.‏

فقال لي‏:‏ احفظ وقتك واسخ بنفسك لله عز وجل، وانزع قيمة الأشياء من قلبك يصفو لك بذلك سرك ويذكو به ذكرك‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/153‏)‏

ثم أنشدني‏:‏

حياتك أنفساً تعد فكلما * مضى نفس منها انتقضت به جزءا

فتصبح في نقص وتمسي بمثله * وما لك معقول تحس به رزءا

يميتك ما يحييك في كل ساعة * ويحدوك حاد ما يزيد بك الهزءا

قال أبو محمد لأحمد‏:‏ هذه موعظة علي لك فعظني‏.‏

فقال‏:‏ يا أخي ‏!‏ عليك بلزوم الطاعة وإياك أن تفارق باب القناعة، وأصلح مثواك، ولا تؤثر هواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، واشتغل بما يعنيك بترك ما لا يعنيك‏.‏

ثم أنشدني‏:‏

ندمت على ما كان مني ندامة * ومن يتبع ما تشتهي النفس يندم

فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم * ستلقون رباً عادلاً ليس يظلم

فليس لمغرور بدنياه زاجر * سيندم إن زلت به النعل فاعلموا

قال ابن زامين‏:‏ فقلت لأبي محمد‏:‏ هذه موعظة أحمد لك فعظني أنت‏.‏

فقال‏:‏ اعلم رحمك الله أن الله عز وجل ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمومها، فانظر أين ينزل قلبك، واعلم أن الله سبحانه يقرب من القلوب على حسب ما تقرب منه، وتقرب منه على حسب ما قرب إليها، فانظر من القريب من قلبك‏.‏

وأنشدني‏:‏

قلوب رجال في الحجاب نزول * وأرواحهم فيما هناك حلول

تروح نعيم الأنس في عزِّ قربه * بأفراد توحيد الجليل تحول

لهم بفناء القرب من محض بره * عوائد بذل خطبهن جليل

قال الخطيب‏:‏ فقلت لابن زامين‏:‏ هذه موعظة الحميدي لك فعظني أنت‏.‏

فقال‏:‏ اتق الله وثق به ولا تتهمه فإن اختياره لك خير من اختيارك لنفسك‏.‏

وأنشدني‏:‏

اتخذ اللهَ صاحبا * ودع الناس جانبا

جرب الناس كيف شئـ * ـت تجدهم عقاربا

قال أبو الفرج غيث الصوري‏:‏ فقلت للخطيب‏:‏ هذه موعظة ابن زامين لك فعظني أنت‏.‏

فقال‏:‏ احذر نفسك التي هي أعدى أعدائك أن تتابعها على هواها، فذاك أعضل دائك، واستشرف الخوف من الله تعالى بخلافها، وكرر على قلبك ذكر نعوتها وأوصافها، فإنها الأمارة بالسوء والفحشاء، والموردة من أطاعها موارد العطب والبلاء، واعمد في جميع أمورك إلى تحري الصدق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/154‏)‏

وقد ضمن الله لمن خالف هواه أن يجعل له جنة الخلد قراره ومأواه، ثم أنشد لنفسه‏:‏

إن كنت تبغي الرشاد محضا * في أمر دنياك والمعاد

فخالف النفس في هواها * إن الهوى جامع الفساد

قال ابن عساكر‏:‏ المحفوظ أن إبراهيم بن أدهم توفي سنة ثنتين وستين ومائة‏.‏

وقال غيره‏:‏ إحدى وستين، وقيل‏:‏ سنة ثلاث‏.‏ والصحيح‏:‏ ما قاله ابن عساكر، والله أعلم‏.‏

وذكروا أنه توفي في جزيرة من جزائر بحر الروم وهو مرابط، وأنه ذهب إلى الخلاء ليلة مات نحواً من عشرين مرة، وفي كل مرة يجدد الوضوء بعد هذا، وكان به البطن، فلما كانت غشية الموت قال‏:‏ أوتروا لي قوسي، فأوتروه فقبض عليه فمات وهو قابض عليه يريد الرمي به إلى العدو، رحمه الله وأكرم مثواه‏.‏

وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي‏:‏ حدثنا محمد بن علي بن يزيد الصائغ، قال‏:‏ سمعت الشافعي، يقول‏:‏ كان سفيان معجباً به‏:‏

أجاعتهم الدنيا فخافوا ولم يزل * كذلك ذو التقوى عن العيش ملجما

أخو طيء داود منهم ومسعر * ومنهم وهيب والعريب ابن أدهما

وفي ابن سعيد قدوة البر والنهى * وفي الوارث الفاروق صدقاً مقدما

وحسبك منهم بالفضل مع ابنه * ويوسف إن لم يأل أن يتسلما

أولئك أصحابي وأهل مودتي * فصلى عليهم ذو الجلال وسلما

فما ضر ذا التقوى نصال أسنة * وما زال ذو التقوى أعز وأكرما

ومازالت التقوى تريك على الفتى * إذا محض من العز ميسما

وروى البخاري في كتاب الأدب عن إبراهيم بن أدهم، وأخرج الترمذي في جامعه حديثاً معلقاً في المسح على الخفين، والله سبحانه أعلم‏.‏

وفيها توفي‏:‏

أبو سليمان داود بن نصير الطائي

الكوفي الفقيه الزاهد، أخذ الفقه عن أبي حنيفة‏.‏ قال سفيان بن عيينة‏:‏ ثم ترك داود الفقه وأقبل على العبادة ودفن كتبه‏.‏

قال عبد الله بن المبارك‏:‏ وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي‏.‏

وقال ابن معين‏:‏ كان ثقة، وفد على المهدي ببغداد ثم عاد إلى الكوفة‏.‏

ذكره الخطيب البغدادي، وقال‏:‏ مات في سنة ستين ومائة، وقيل‏:‏ في سنة ست وخمسين ومائة‏.‏

وقد ذكر شيخنا الذهبي في تاريخه أنه توفي في هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ثنتين وستين ومائة -، فالله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة

فيها‏:‏ حصر المقنع الزنديق الذي كان قد نبغ بخراسان وقال بالتناسخ، واتبعه على جهالته وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الأنام، والسفلة من العوام، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش فحاصره سعيد الحريثي فألح عليه في الحصار، فلما أحس بالغلبة تحسى سماً وسم نساءه فماتوا جميعاً، عليهم لعائن الله‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/155‏)‏

ودخل الجيش الإسلامي قلعته فاحتزوا رأسه وبعثوا إلى المهدي، وكان المهدي بحلب‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ كان اسم المقنع‏:‏ عطاء، وقيل‏:‏ جكيم، والأول‏:‏ أشهر‏.‏

وكان أولاً قصاراً ثم ادّعى الربوبية، مع أنه كان أعور قبيح المنظر، وكان يتخذ له وجهاً من ذهب، وتابعه على جهالته خلق كثير، وكان يرى الناس قمراً يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح، وكان يزعم - لعنه الله وتعالى عما يقولون علواً كبيراً -‏:‏ أن الله ظهر في صورة آدم، ولهذا سجدت له الملائكة، ثم في نوح، ثم في الأنبياء واحداً واحداً، ثم تحول إلى أبي مسلم الخراساني، ثم تحول إليه‏.‏

ولما حاصره المسلمون في قلعته كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها‏:‏ سنام، تحسى هو ونساؤه سماً فماتوا واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله‏.‏

وفيها‏:‏ جهز المهدي البعوث من خراسان وغيرها من البلاد لغزو الروم، وأمّر على الجميع ولده هارون الرشيد، وخرج من بغداد مشيعاً له، فسار معه مراحل واستخلف على بغداد ولده موسى الهادي، وكان في هذا الجيش الحسن بن قحطبة والربيع الحاجب، وخالد بن برمك - وهو مثل الوزير للرشيد ولي العهد - ويحيى بن خالد - وهو كاتبه وإليه النفقات - وما زال المهدي مع ولده مشيعاً له حتى بلغ الرشيد إلى بلاد الروم، وارتاد هناك المدينة المسماة‏:‏ بالمهدية في بلاد الروم، ثم رجع إلى الشام وزار بيت المقدس‏.‏

فسار الرشيد إلى بلاد الروم في جحافل عظيمة، وفتح الله عليهم فتوحات كثيرة، وغنموا أموالاً جزيلة جداً، وكان لخالد بن برمك في ذلك أثر جميل لم يكن لغيره، وبعثوا بالبشارة مع سليمان بن برمك إلى المهدي وأجزل عطاءه‏.‏

وفيها‏:‏ عزل المهدي عمه عبد الصمد بن علي عن الجزيرة وولى عليها زفر بن عاصم الهلالي، ثم عزله وولى عبد الله بن صالح بن علي‏.‏

وفيها‏:‏ ولى المهدي ولده هارون الرشيد بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينية، وجعل على رسائله يحيى بن خالد بن برمك، وولى وعزل جماعة من النواب‏.‏

وحج بالناس فيها علي بن المهدي‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 10/156‏)‏

وفيها‏:‏ توفي إبراهيم بن طهمان، وحريز بن عثمان الحمصي الرحبي، وموسى بن علي اللخمي المصري، وشعيب بن أبي حمزة، وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عم السفاح، وإليه ينسب قصر عيسى، ونهر عيسى ببغداد‏.‏

قال يحيى بن معين‏:‏ كان له مذهب جميل، وكان معتزلاً للسلطان، توفي في هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة‏.‏

وهمام بن يحيى، ويحيى بن أيوب المصري، وعبيدة بنت أبي كلاب العابدة، بكت من خشية الله أربعين سنة حتى عميت‏.‏

وكانت تقول‏:‏ أشتهي الموت فإني أخشى أن أجني على نفسي جناية تكون سبب هلاكي يوم القيامة‏.‏