فصل: وفيها توفي من الأعيان و المشاهير‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة

في يوم الخميس السابع عشر من صفر، دخل السلطان بغداد مرجعه من واسط، بعد قتل البساسيري، وفي يوم الحادي والعشرين جلس الخليفة في داره وأحضر الملك طغرلبك، ومد سماطاً عظيماً فأكل الأمراء منه والعامة، ثم في يوم الخميس ثاني ربيع الأول عمل السلطان سماطاً للناس‏.‏

وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة قدم الأمير عدة الدين أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله، وعمته، وله من العمر يومئذ أربع سنين، صحبة أبي الغنائم، فتلقاه الناس إجلالاً لجده، وقد ولي الخلافة بعد ذلك، وسمي المقتدي بأمر الله‏.‏

وفي رجب وقف أبو الحسن محمد بن هلال العتابي دار كتب، وهي دار بشارع ابن أبي عوف من غربي بغداد، ونقل إليها ألف كتاب، عوضاً عن دار ازدشير التي أحرقت بالكرخ‏.‏

وفي شعبان ملك محمود بن نصر حلب وقلعتها فامتدحه الشعراء‏.‏

وفيها‏:‏ ملك عطية بن مرداس الرحبة، وذلك كله منتزع من أيدي الفاطميين‏.‏

ولم يحج أحد من أهل العراق فيها، غير أن جماعة اجتمعوا إلى الكوفة وذهبوا مع الخفراء‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 أبو منصور الجيلي

من تلاميذ أبي حامد، ولي القضاء بباب الطلق، وبحريم دار الخلافة، وسمع الحديث من جماعة‏.‏

قال الخطيب‏:‏ وكتبنا عنه وكان ثقة‏.‏

 الحسن بن محمد

ابن أبي الفضل أبو محمد الفسوي، الوالي، سمع الحديث وكان ذكياً في صناعة الولاية، ومعرفة التهم والمتهومين من الغرماء، بلطيف من الصنيع كما نقل عنه أنه أوقف بين يديه جماعة اتهموا بسرقة فأتى بكوز يشرب منه، فرمى به فانزعج الواقفون إلا واحداً، فأمر به أن يقرر، وقال‏:‏ السارق يكون جريئاً قوياً‏.‏

فوجد الأمر كذلك، وقد قتل مرة رجلاً في ضرب بين يديه فادّعى عليه عند القاضي أبي الطيب، فحكم عليه بالقصاص، ثم فادى عن نفسه بمال جزيل حتى خلص‏.‏

 محمد بن عبيد الله

ابن أحمد بن محمد بن عمروس، أبو الفضل البزار، انتهت إليه رياسة الفقهاء المالكيين ببغداد، وكان من القراء المجيدين، وأهل الحديث المسندين، سمع ابن حبانة والمخلص وابن شاهين، وقد قبل شهادته أبو عبد الله الدامغاني، وكان أحد المعدلين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/106‏)‏

 قطر الندى

ويقال‏:‏ الدجى، ويقال‏:‏ علم، أم الخليفة القائم بأمر الله، كانت عجوزاً كبيرة بلغت التسعين، وهي التي احتاجت في زمان البساسيري فأجرى عليها رزقاً، وأخدمها جاريتين، ثم لم تمت حتى أقر الله عينها بولدها، ورجوعه إليها، واستمر أمرهم على ما كانوا عليه، ثم توفيت في هذه السنة، فحضر ولدها الخليفة جنازتها، وكانت حافلة جداً‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة

فيها‏:‏ خطب الملك طغرلبك ابنة الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك، وقال‏:‏ هذا شيء لم تجر العادة بمثله، ثم طلب شيئاً كثيراً كهيئة الفرار‏.‏

ومن ذلك ما كان لزوجته التي توفيت من الإقطاعات بأرض واسط، وثلاثمائة ألف دينار، وأن يقيم الملك ببغداد لا يرحل عنها ولا يوماً واحداً، فوقع الاتفاق على بعض ذلك، وأرسل إليها بمائة ألف دينار مع ابنة أخيه داود زوجة الخليفة، وأشياء كثيرة من آنية الذهب والفضة، والنثار والجواري ومن الجواهر ألفان ومائتي قطعة، من ذلك سبعمائة قطعة من جوهر، وزن القطعة ما بين الثلاث مثاقيل إلى المثقال، وأشياء أخرى‏.‏

فتمنع الخليفة لفوات بعض الشروط، فغضب عميد الملك الوزير لمخدومه السلطان، وجرت شرور طويلة اقتضت أن أرسل السلطان كتاباً يأمر الخليفة بانتزاع ابنة أخيه السيدة أرسلان خاتون، ونقلها من دار الخلافة إلى دار الملك، حتى تنفصل هذه القضية، فعزم الخليفة على الرحيل من بغداد، فانزعج الناس لذلك، وجاء كتاب السلطان إلى رئيس شحنة بغداد برشتق يأمره بعدم المراقبة وكثرة العسف في مقابلة رد أصحابه بالحرمان، ويعزم على نقل الخاتون إلى دار المملكة، وأرسل من يحملها إلى البلد التي هو فيها، كل ذلك غضباً على الخليفة‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي رمضان منها رأى إنسان من الزمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو قائم ومعه ثلاثة أنفس، فجاءه أحدهم فقال له‏:‏ ألا تقوم ‏؟‏

فقال‏:‏ لا أستطيع، أنا رجل مقعد، فأخذ بيده فقال‏:‏ قم، فقام وانتبه‏.‏

فإذا هو قد برأ وأصبح يمشي في حوائجه‏.‏

وفي ربيع الآخر استوزر الخليفة أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست الأهوازي، وخلع عليه وجلس في مجلس الوزارة‏.‏

وفي جمادى الآخرة لليلتين بقيتا منه كسفت الشمس كسوفاً عظيماً، جميع القرص غاب، فمكث الناس أربع ساعات حتى بدت النجوم، وآوت الطيور إلى أوكارها، وتركت الطيران لشدة الظلمة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/107‏)‏

وفيها‏:‏ ولي أبو تميم بن معز الدولة بلاد إفريقية‏.‏

وفيها‏:‏ ولي ابن نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي ديار بكر‏.‏

وفيها‏:‏ ولي قريش بن بدران بلاد الموصل ونصيبين‏.‏

وفيها‏:‏ خلع على طراد بن محمد الزينبي الملقب بالكامل نقابة الطالبيين، ولقب المرتضى‏.‏

وفيها‏:‏ ضمن أبو إسحاق بن علاء اليهودي، ضياع الخليفة من صرصر إلى أواثى، كل سنة ستة وثمانين ألف دينار، وسبع عشرة ألف كر من غلة‏.‏

ولم يحج أحد من أهل العراق هذه السنة‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 أحمد بن مروان

أبو نصر الكردي، صاحب بلاد بكر وميافارقين، لقبه القادر نصر الدولة، وملك هذه البلاد ثنتين وخمسين سنة، وتنعم تنعماً لم يقع لأحد من أهل زمانه، ولا أدركه فيه أحد من أقرانه، وكان عنده خمسمائة سرية سوى من يخدمهن، وعنده خمسمائة خادم، وكان عنده من المغنيات شيء كثير كل واحدة مشتراها خمسة آلاف دينار، وأكثر وكان يحضر في مجلسه من آلات اللهو والأواني ما يساوي مائتي ألف دينار، وتزوج بعدة من بنات الملوك، وكان كثير المهادنة للملوك، إذا قصده عدو أرسل إليه بمقدار ما يصالحه به، فيرجع عنه‏.‏

وقد أرسل إلى الملك طغرلبك بهدية عظيمة حين ملك العراق، من ذلك حبل من ياقوت كان لبني بويه اشتراه منهم بشيء كثير، ومائة ألف دينار، وغير ذلك، وقد وزر له أبو قاسم المغربي مرتين، ووزر له أيضاً أبو نصر محمد بن محمد بن جرير، وكانت بلاده آمن البلاد، وأطيبها وأكثرها عدلاً، وقد بلغه أن الطيور تجوع فتجمع في الشتاء من الحبوب التي في القرى فيصطادها الناس، فأمر بفتح الأهراء وإلقاء ما يكفيها من الغلات في مدة الشتاء، فكانت تكون في ضيافته طول الشتاء مدة عمره، توفي في هذه السنة وقد قارب الثمانين‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ قال ابن الأزرق في ‏(‏تاريخه‏)‏‏:‏ إنه لم يصادر أحداً من رعيته سوى رجل واحد، ولم تفته صلاة مع كثرة مباشرته للّذات، وكان له ثلاثمائة وستون حظية، يبيت عند كل واحد ليلة في السنة، وخلف أولاداً كثيرة، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في التاسع والعشرين من شوال منها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/108‏)‏

 ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة

فيها‏:‏ وردت الكتب الكثيرة من الملك طغرلبك يشكو من قلة إنصاف الخليفة، وعدم موافقته له، ويذكر ما أسداه إليه من الخير والنعم إلى ملوك الأطراف، وقاضي القضاة الدامغاني، فلما رأى الخليفة ذلك، وأن الملك أرسل إلى نوابه بالاحتياط على أموال الخليفة، كتب إلى الملك يجيبه إلى ما سأل، فلما وصل ذلك إلى الملك فرح فرحاً شديداً، وأرسل إلى نوابه أن يطلقوا أملاك الخليفة، واتفقت الكلمة بعد أن كادت تتفرق، فوكل الخليفة في العقد‏.‏

فوقع العقد بمدينة تبريز بحضرة الملك طغرلبك، وعمل سماطاً عظيماً، فلما جيء بالوكلة قام لها الملك وقبل الأرض عند رؤيتها، ودعا للخليفة دعاء كثيراً، ثم أوجب العقد على صداق أربعمائة ألف دينار، وذلك في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، ثم بعث ابنة أخيه الخاتون زوجة الخليفة في شوال بتحف كثيرة، وجوهر وذهب كثير، وجواهر عديدة ثمينة وهدايا عظيمة لأم العروس وأهلها، وقال الملك جهرة للناس‏:‏ أنا عبد الخليفة ما بقيت، لا أملك شيئاً سوى ما عليّ من الثياب‏.‏

وفيها‏:‏ عزل الخليفة وزيره واستوزر أبا نصر محمد بن محمد بن جُهير، استقدمه من ميافارقين‏.‏

وفيها‏:‏ عم الرخص جميع الأرض حتى بيع بالبصرة كل ألف رطل تمر بثمان قراريط‏.‏

ولم يحج فيها أحد‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 ثمال بن صالح

معز الدولة، صاحب حلب، كان حليماً كريماً وقوراً‏.‏

ذكر ابن الجوزي‏:‏ أن الفراش تقدم إليه ليغسل يده فصدمت بلبلة الإبريق ثنيته فسقطت في الطست، فعفا عنه‏.‏

 الحسن بن علي بن محمد

أبو محمد الجوهري، ولد في شعبان سنة ثلاث وستين، وسمع الحديث على جماعة، وتفرد بمشايخ كثيرين، منهم أبو بكر بن مالك القطيعي، وهو آخر من حدث عنه، توفي في ذي القعدة منها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/109‏)‏

 الحسين بن أبي يزيد

أبو على الدباغ‏.‏

قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت‏:‏ يا رسول الله أدع الله أن يميتني على الإسلام‏.‏

فقال‏:‏ وعلى السنة‏.‏

 سعد بن محمد بن منصور

أبو المحاسن الجرجاني، كان رئيساً قديماً، وجه رسولاً إلى الملك محمود بن سبكتكين في حدود سنة عشر، وكان من الفقهاء العلماء، تخرج به جماعة وروى الحديث عن جماعة، وعقد له مجلس المناظرة ببلدان كثيرة، وقتل ظلماً باستراباذ في رجب منها رحمه الله تعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة

فيها‏:‏ دخل السلطان طغرلبك بغداد، وعزم الخليفة على تلقيه، ثم ترك ذلك وأرسل وزيره أبا نصر عوضاً عنه، وكان من الجيش أذية كثيرة للناس في الطريق، وتعرضوا للحريم حتى هجموا على النساء في الحمامات، فخلصهن منهم العامة بعد جهد، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

دخول الملك طغرلبك على بنت الخليفة

لما استقر السلطان ببغداد، أرسل وزيره عميد الملك إلى الخليفة يطالبه بنقل ابنته إلى دار المملكة، فتمنع الخليفة من ذلك وقال‏:‏ إنكم إنما سألتم أن يعقد العقد فقط بحصول التشريف والتزمتم لها بعود المطالبة‏.‏

فتردد الناس في ذلك بين الخليفة والملك، وأرسل الملك زيادة على النقد مائة ألف دينار ومائة وخمسين ألف درهم، وتحفاً أخر، وأشياء لطيفة‏.‏

فلما كان ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر زفت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة، فضربت لها السرادقات من دجلة إلى دار المملكة، وضربت الدبادب والبوقات عند دخولها إلى الدار، فلما دخلت أجلست على سرير مكلل بالذهب، وعلى وجهها برقع، ودخل الملك طغرلبك فوقف بين يديها فقبل الأرض، ولم تقم له ولم تره، ولم يجلس حتى انصرف إلى صحن الدار، والحجاب والأتراك يرقصون هناك فرحاً وسروراً‏.‏

وبعث لها مع الخاتون زوجة الخليفة عقدين فاخرين، وقطعة ياقوت حمراء كبيرة هائلة، ودخل من الغد فقبل الأرض وجلس على سرير مكلل بالفضة بإزائها ساعة، ثم خرج وأرسل لها جواهر كثيرة ثمينة وفرجية نسج بالذهب مكلل بالحب، وما زال كذلك كل يوم يدخل ويقبل الأرض ويجلس على سرير بإزائها، ثم يخرج عنها ويبعث بالتحف والهدايا، ولم يكن منه إليها شيء مقدار سبعة أيام، ويمد كل يوم من هذه الأيام السبعة سماطاً هائلاً، وخلع في اليوم السابع على جميع الأمراء، ثم عرض له سفر واعتراه مرض، فاستأذن الخليفة في الانصراف بالسيدة معه إلى تلك البلاد، ثم يعود بها، فأذن له بعد تمنع شديد وحزن عظيم، فخرج بها وليس معها من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة، برسم خدمتها، وقد تألمت والدتها لفقدها ألماً شديداً، وخرج السلطان وهو مريض مدنف مأيوس منه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/110‏)‏

فلما كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبر بأنه توفي في ثامن الشهر، فثار العيارون فقتلوا العميدي وسبعمائة من أصحابه، ونهبوا الأموال، وجعلوا يأكلون ويشربون على القتلى نهاراً، حتى انسلخ الشهر وأخذت البيعة بعده لولد أخيه سليمان بن داود، وكان طغرلبك قد نص عليه وأوصى إليه، لأنه كان قد تزوج بأمه، واتفقت الكلمة عليه، ولم يبق عليه خوف إلا من جهة أخي سليمان، وهو الملك عضد الدولة ألب أرسلان، محمد بن داود، فإن الجيش كانوا يميلون إليه، وقد خطب له أهل الجبل ومعه نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق وزيره، ولما رأى الكندري قوة أمره خطب له بالري، ثم من بعده لأخيه سليمان بن داود‏.‏

وقد كان الملك طغرلبك حليماً كثير الاحتمال، شديد الكتمان للسر، محافظاً على الصلوات، وعلى صوم الاثنين والخميس، مواظباً على لبس البياض، وكان عمره يوم مات سبعين سنة، ولم يترك ولداً، وملك بحضرة القائم بأمر الله سبع سنين وإحدى عشر شهراً، واثني عشر يوماً، ولما مات اضطربت الأحوال وانتقضت بعده جداً، وعاثت الأعراب في سواد بغداد وأرض العراق ينهبون، وتعذرت الزراعة إلا على المخاطرة، فانزعج الناس لذلك‏.‏

وفيها‏:‏ كانت زلزلة عظيمة بواسط وأرض الشام، فهدمت قطعة من سور طرابلس‏.‏

وفيها‏:‏ وقع بالناس موتان بالجدري والفجأة، ووقع بمصر وباء شديد، كان يخرج منها كل يوم ألف جنازة‏.‏

وفيها‏:‏ ملك الصليحي صاحب اليمن مكة، وجلب الأقوات إليها، وأحسن إلى أهلها‏.‏

وفي أوائلها طلبت الست أرسلان زوجة الخليفة النقلة من عنده إلى عمها، وذلك لما هجرها وبارت عنده، فبعثها مع الوزير الكندري إلى عمها، فلما وصلت إليه كان مريضاً مدنفاً، فأرسل إلى الخليفة يعتب عليه في تهاونه بها، فكتب الخليفة إليه ارتجالاً‏:‏

ذهبت شرتي وولى الغرام * وارتجاع الشباب ما لا يرام

أذهبت مني الليالي جديداً * والليالي يضعفن والأيام

فعلى ما عهدته من شبابي * وعلى الغانيات مني السلام

‏(‏ج/ص‏:‏ 12/111‏)‏

 من الأعيان‏:‏

 زهير بن علي بن الحسن بن حزام

أبو نصر الحزامي، ورد بغداد وتفقه على الشيخ أبي حامد الإسفرايني، وسمع بالبصرة سنن أبي داود على القاضي أبي عمر، وحدث بالكثير، وكان يرجع إليه في الفتاوى، وحل المشكلات، وكانت وفاته بسرخس فيها‏.‏

 سعيد بن مروان

صاحب آمد، ويقال‏:‏ إنه سم، فانتقم صاحب ميا فارقين ممن سمه، فقطعه قطعاً‏.‏

 الملك أبو طالب

محمد بن ميكائيل بن سلجوق طغرلبك، كان أول ملوك السلاجقة، وكان خيراً مصلياً، محافظاً على الصلاة في أول وقتها، يديم صيام الاثنين والخميس، حليماً عمن أساء إليه، كتوماً للأسرار، سعيداً في حركاته، ملك في أيام مسعود بن محمود عامة بلاد خراسان، واستناب أخاه داود وأخاه لأمه إبراهيم بن ينال، وأولاد إخوته، على كثير من البلاد، ثم استدعاه الخليفة إلى ملك بغداد كما تقدم ذلك كله مبسوطاً‏.‏

توفي في ثامن رمضان من هذه السنة، وله من العمر سبعون سنة، وكان له في الملك ثلاثون سنة، منها في ملك العراق ثمان سنين إلا ثمانية عشر يوماً‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وخمسين وأربعمائة

فيها‏:‏ قبض السلطان ألب أرسلان على وزير عمه عميد الملك الكندري، وسجنه ببيته ثم أرسل إليه من قتله، واعتمد في الوزارة على نظام الملك، وكان وزير صدق، يكرم العلماء والفقراء، ولما عصى الملك شهاب الدولة قتلمش، وخرج عن الطاعة، وأراد أخذ ألب أرسلان، خاف منه ألب أرسلان فقال له الوزير‏:‏ أيها الملك لا تخف، فإني قد استدمت لك جنداً ما بارزوا عسكراً إلا كسروه، كائناً ما كان‏.‏

قال له الملك‏:‏ من هم ‏؟‏

قال‏:‏ جند يدعون لك وينصرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم، وهم العلماء والفقراء الصلحاء‏.‏

فطابت نفس الملك بذلك، فحين التقى مع قتلمش لم ينظره أن كسره، وقتل خلقاً من جنوده، وقتل قتلمش في المعركة، واجتمعت الكلمة على ألب أرسلان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/112‏)‏

وفيها‏:‏ أرسل ولده ملكشاه ووزيره نظام الملك هذا في جنود عظيمة إلى بلاد الكرج، ففتحوا حصوناً كثيرة، وغنموا أموالاً جزيلة، وفرح المسلمون بنصرهم، وكتب كتاب ولده على ابنة الخان الأعظم صاحب ما وراء النهر وزفت إليه، وزوج ابنه الآخر بابنة صاحب غزنة، واجتمع شمل الملكين السلجوقي والمحمودي‏.‏

وفيها‏:‏ أذن ألب أرسلان لابنة الخليفة في الرجوع إلى أبيها، وأرسل معها بعض القضاة والأمراء، فدخلت بغداد في تجمل عظيم، وخرج الناس لينظروا إليها، فدخلت ليلاً، ففرح الخليفة وأهلها بذلك، وأمر الخليفة بالدعاء لألب أرسلان على المنابر في الخطب، فقيل في الدعاء‏:‏ اللهم وأصلح السلطان المعظم، عضد الدولة، وتاج الملة، ألب أرسلان أبا شجاع محمد بن داود‏.‏

ثم أرسل الخليفة إلى الملك بالخلع والتقليد مع الشريف نقيب النقباء، طراد بن محمد، وأبي محمد التميمي، وموفق الخادم، واستقر أمر السلطان ألب أرسلان على العراق‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي ربيع الأول شاع في بغداد أن قوماً من الأكراد خرجوا يتصيدون، فرأوا في البرية خياماً سوداً، سمعوا بها لطماً شديداً، وعويلاً كثيراً، وقائلاً يقول‏:‏ قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم به عليه، ولم يقم له مأتم فيه‏.‏

قال‏:‏ فخرج النساء العواهر من حريم بغداد إلى المقابر يلطمن ثلاثة أيام، ويخرقن ثيابهن، وينشرن شعورهن، وخرج رجال من الفساق يفعلون ذلك، وفعل هذا بواسط وخوزستان وغيرها من البلاد، قال‏:‏ وهذا من الحمق لم ينقل مثله‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي يوم الجمعة ثاني عشر شعبان هجم قوم من أصحاب عبد الصمد على أبي علي بن الوليد، المدرس للمعتزلة، فسبوه وشتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع، وتدريسه للناس بهذا المذهب، وأهانوه وجروه، ولعنت المعتزلة في جامع المنصور، وجلس أبو سعيد بن أبي عمامة وجعل يلعن المعتزلة‏.‏

وفي شوال ورد الخبر أن السلطان غزا بلداً عظيماً فيه ستمائة ألف دنليز، وألف بيعة ودير، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأسر خمسمائة ألف إنسان‏.‏

وفي ذي القعدة حدث بالناس وباء شديد ببغداد وغيرها من بلاد العراق‏.‏

وغلت أسعار الأدوية، وقل التمرهندي، وزاد الحر في تشارين، وفسد الهواء‏.‏

وفي هذا الشهر خلع على أبي الغنائم المعمر بن محمد بن عبيد الله العلوي بنقابة الطالبيين، وولاية الحج والمظالم، ولقب بالطاهر ذي المناقب، وقرئ تقليده في الموكب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/113‏)‏

 وحج أهل العراق في هذه السنة من الأعيان‏:‏

 ابن حزم الظاهري

هو الإمام الحافظ العلامة، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، أصل جده من فارس، أسلم وخلف المذكور، وهو أول من دخل بلاد المغرب منهم، وكانت بلدهم قرطبة، فولد ابن حزم هذا بها في سلخ رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، فقرأ القرآن واشتغل بالعلوم النافعة الشرعية، وبرز فيها وفاق أهل زمانه، وصنف الكتب المشهورة، يقال‏:‏ إنه صنف أربعمائة مجلد في قريب من ثمانين ألف ورقة‏.‏

وكان أديباً طبيباً شاعراً فصيحاً، له في الطب والمنطق كتب، وكان من بيت وزارة ورياسة، ووجاهة ومال وثروة، وكان مصاحباً للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري، وكان مناوئاً للشيخ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وقد جرت بينهما مناظرات يطول ذكرها، وكان ابن حزم كثير الوقيعة في العلماء بلسانه وقلمه، فأورثه ذلك حقداً في قلوب أهل زمانه، ومازالوا به حتى بغضوه إلى ملوكهم، فطردوه عن بلاده، حتى كانت وفاته في قرية له في شعبان من هذه السنة وقد جاوز التسعين‏.‏

والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهرياً حائراً في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيراً في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول، وآيات الصفات، وأحاديث الصفات، لأنه كان أولاً قد تضلع من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني القرطبي، ذكره ابن ماكولا وابن خلكان، ففسد بذلك حاله في باب الصفات‏.‏

 عبد الواحد بن علي بن برهان

أبو القاسم النحوي، كان شرس الأخلاق جداً، لم يلبس سراويل قط، ولا غطى رأسه ولم يقبل عطاء لأحد، وذكر عنه أنه كان يقبل المردان من غير ريبة‏.‏

قال ابن عقيل‏:‏ وكان على مذهب مرجئة المعتزلة وينفي خلود الكفار في النار، ويقول‏:‏ دوام العقاب في حق من لا يجوز عليه التشفي لا وجه له، مع ما وصف الله به نفسه من الرحمة، ويتأول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 100‏]‏ أي‏:‏ أبداً من الآباد‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وقد كان ابن برهان يقدح في أصحاب أحمد، ويخالف اعتقاد المسلمين لأنه قد خالف الإجماع، ثم ذكر كلامه في هذا وغيره، والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة

فيها‏:‏ سار جماعة من العراق إلى الحج بخفارة، فلم يمكنهم المسير فعدلوا إلى الكوفة ورجعوا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/114‏)‏

وفي ذي الحجة منها شرع في بناء المدرسة النظامية، ونقض لأجلها دور كثيرة من مشرعة الزوايا وباب البصرة‏.‏

وفيها‏:‏ كانت حروب كثيرة بين تميم بن المعز بن باديس، وأولاد حماد، والعرب والمغاربة بصنهاجة وزناتة‏.‏

وحج بالناس من بغداد النقيب أبو الغنائم‏.‏

وفيها‏:‏ كان مقتل عميد الملك الكندري، وهو منصور بن محمد أبو نصر الكندري، وزير طغرلبك، وكان مسجوناً سنة تامة، ولما قتل حمل فدفن عند أبيه بقرية كندرة، من عمل طريثيث وليست بكندرة التي هي بالقرب من قزوين‏.‏

واستحوذ السلطان على أمواله وحواصله، وقد كان ذكياً فصيحاً شاعراً، لديه فضائل جمة، حاضر الجواب سريعه‏.‏

ولما أرسله طغرلبك إلى الخليفة يطلب ابنته، وامتنع الخليفة من ذلك وأنشد متمثلاً بقول الشاعر‏:‏

ما كل ما يتمنى المرء يدركه *

فأجابه الوزير تمام قوله‏:‏

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

فسكت الخليفة وأطرق‏.‏

قتل عن نيف وأربعين سنة‏.‏

ومن شعره قوله‏:‏

إن كان في الناس ضيق عن منافستي * فالموت قد وسع الدنيا على الناس

مضيت والشامت المغبون يتبعني * كل لكاس المنايا شاربٌ حاسي

وقد بعثه الملك طغرلبك يخطب له امرأة خوارزم شاه فتزوجها هو، فخصاه الملك، وأمره على عمله فدفن ذكره بخوارزم، وسفح دمه حين قتل بمروالروذ، ودفن جسده بقريته، وحمل رأسه فدفن بنيسابور، ونقل قحف رأسه إلى كرمان، وأنا أشهد أن الله جامع الخلائق إلى ميقات يوم معلوم، أين كانوا وحيث كانوا، وعلى أي صفة كانوا، وعلى أي صفة كانوا سبحانه وتعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة

في يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم وأحضروا نساء ينحن على الحسين، كما جرت به عادتهم السالفة في بدعتهم المتقدمة المخالفة، فحين وقع ذلك أنكرته العامة، وطلب الخليفة أبا الغنائم وأنكر عليه ذلك‏.‏

فاعتذر إليه بأنه لم يعلم به، أنه حين علم أزاله، وتردد أهل الكرخ إلى الديوان يعتذرون من ذلك، وخرج التوقيع بكفر من سب الصحابة وأظهر البدع‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ في ربيع الأول ولد بباب الأزج صبية لها رأسان ووجهان ورقبتان وأربع أيد، على بدن كامل ثم ماتت‏.‏

قال‏:‏ وفي جمادى الآخرة كانت بخراسان زلزلة مكثت أياماً، تصدعت منها الجبال، و هلك جماعة، وخسف بعدة قرى، وخرج الناس إلى الصحراء وأقاموا هنالك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/115‏)‏

ووقع حريق بنهر معلى فاحترق مائة دكان وثلاثة دور، وذهب للناس شيء كثير، ونهب بعضهم بعضاً‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي شعبان وقع قتال بدمشق فأحرقوا داراً كانت قريبة من الجامع، فاحترق جامع دمشق‏.‏

كذا قال ابن الجوزي‏:‏ والصحيح المشهور أن حريق جامع دمشق إنما هو في ليلة النصف من شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة بعد ثلاث سنين مما قال، وأن غلمان الفاطميين اقتتلوا مع غلمان العباسيين فألقيت نار بدار الإمارة، وهي الخضراء، فاحترقت وتعدى حريقها حتى وصل إلى الجامع فسقطت سقوفه، وبادت زخرفته، وتلف رخامه، وبقي كأنه خربة، وبادت الخضراء فصارت كوماً من تراب بعد ما كانت في غاية الإحكام والإتقان، وطيب الفناء، ونزهة المجالس، وحسن المنظر، فهي إلى يومنا هذا لا يسكنها لرداءة مكانها إلا سفلة الناس وأسقاطهم، بعد ما كانت دار الخلافة والملك والإمارة، منذ أسسها معاوية بن أبي سفيان‏.‏

وأما الجامع الأموي فإنه لم يكن على وجه الأرض شيء أحسن منه، ولا أبهى منظراً، إلى أن احترق فبقي خراباً مدة طويلة ثم شرع الملوك في تجديده وترميمه، حتى بلط في زمن العادل أبي بكر بن أيوب، ولم يزالوا في تحسين معالمه إلى زماننا هذا، فتماثل وهو بالنسبة إلى حاله الأول كلا شيء، ولا زال التحسين فيه إلى أيام الأمير سيف الدين بتكنزين عبد الله الناصري، في حدود سنة ثلاث وسبعمائة، وما قبلها وما بعدها بيسير‏.‏

وفيها‏:‏ رخصت الأسعار ببغداد رخصاً كثيراً، ونقصت دجلة نقصاً بيناً‏.‏

وفيها‏:‏ أخذ الملك ألب أرسلان العهد بالملك من بعده لولده ملكشاه، ومشى بين يديه بالغاشية، والأمراء يمشون بين يديه، و كان يوماً مشهوداً‏.‏

وحج بالناس فيها نور الهدى أبو طالب الحسين بن نظام الحضرتين الزينبي، وجاور بمكة‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي

أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى أبو بكر البيهقي، له التصانيف التي سارت بها الركبان إلى سائر الأمصار، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وكان أوحد أهل زمانه في الإتقان والحفظ والفقه والتصنيف، كان فقيهاً محدثاً أصولياً، أخذ العلم عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، وسمع على غيره شيئاً كثيراً، وجمع أشياء كثيرة نافعة، لم يسبق إلى مثلها، ولا يدرك فيها، منها‏:‏ كتاب ‏(‏السنن الكبير‏)‏، و‏(‏نصوص الشافعي‏)‏، كل في عشر مجلدات، و‏(‏السنن الصغير‏)‏، و‏(‏الآثار‏)‏، و‏(‏المدخل‏)‏، و‏(‏الآداب‏)‏، و‏(‏شعب الإيمان‏)‏، و‏(‏الخلافيات‏)‏، و‏(‏دلائل النبوة‏)‏، و‏(‏البعث والنشور‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/116‏)‏

وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار المفيدة التي لا تسامى ولا تدانى، وكان زاهداً متقللاً من الدنيا، كثير العبادة والورع، توفي بنيسابور، ونقل تابوته إلى بيهق في جمادى الأولى منها‏.‏

 الحسن بن غالب

ابن علي بن غالب بن منصور بن صعلوك، أبو علي التميمي، ويعرف بابن المبارك المقري، صحب ابن سمعون، وقرأ القرآن على حروف أنكرت عليه، وجرب عليه الكذب، إما عمداً وإما خطأ، واتهم في رواية كثيرة، وكان أبو بكر القزويني ممن ينكر عليه، وكتب عليه محضر بعدم الإقراء بالحروف المنكرة‏.‏

قال أبو محمد السمرقندي‏:‏ كان كذاباً‏.‏

توفي فيها عن ثنتين وثمانين سنة، ودفن عند إبراهيم الحربي‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ أخذ الفقه عن أبي الفتح نصر بن محمد العمري المروزي، ثم غلب عليه الحديث واشتهر به، ورحل في طلبه‏.‏

 القاضي أبو يعلي بن الفرا الحنبلي

محمد بن الحسن بن محمد بن خلف بن أحمد الفرا القاضي، أبو يعلى شيخ الحنابلة، وممهد مذهبهم في الفروع، ولد في محرم سنة ثمانين وثلاثمائة، وسمع الحديث الكثير، وحدث عن ابن حبابة‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وكان من سادات العلماء الثقات، وشهد عند ابن ماكولا وابن الدامغاني فقبلاه، وتولى النظر في الحكم بحريم الخلافة، وكان إماماً في الفقه، له التصانيف الحسان الكثيرة في مذهب أحمد، ودرس وأفتى سنين، وانتهت إليه رياسة المذهب، وانتشرت تصانيفه وأصحابه‏.‏

وجمع الإمامة والفقه والصدق، وحسن الخلق، والتعبد والتقشف والخشوع، وحسن السمت والصمت عما لا يعني، توفي في العشرين من رمضان منها عن ثمان وسبعين سنة، واجتمع في جنازته القضاة والأعيان، وكان يوماً حاراً، فأفطر بعض من اتبع جنازته‏.‏

وترك من البنين عبيد الله أبا القاسم، وأبا الحسين، وأبا حازم، ورآه بعضهم في المنام فقال‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏

فقال‏:‏ رحمني وغفر لي وأكرمني، ورفع منزلتي، وجعل يعد ذلك بأصبعه‏.‏

فقال‏:‏ بالعلم ‏؟‏

فقال‏:‏ بل بالصدق‏.‏

 ابن سيده

صاحب ‏(‏المحكم في اللغة‏)‏، أبو الحسين علي بن سماعيل المرسي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/117‏)‏

كان إماماً حافظاً في اللغة، وكان ضرير البصر، أخذ علم العربية واللغة عن أبيه، وكان أبوه ضريراً أيضاً، واشتغل على أبي العلاء صاعد البغدادي، وله ‏(‏المحكم‏)‏ في مجلدات عديدة، وله ‏(‏شرح الحماسة‏)‏ في ست مجلدات، وغير ذلك‏.‏

وقرأ على الشيخ أبي عمر الطملنكي كتاب ‏(‏الغريب‏)‏ لأبي عبيد سرداً من حفظه، فتعجب الناس لذلك، وكان الشيخ يقابل بما يقرأ في الكتاب، فسمع الناس بقراءته من حفظه‏.‏

توفي في ربيع الأول منها، وله ستون سنة، وقيل‏:‏ إنه توفي في سنة ثمان وأربعين، والأول أصح، والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة

فيها‏:‏ بنى أبو سعيد المستوفي الملقب بشرف الملك، مشهد الإمام أبي حنيفة ببغداد، وعقد عليه قبة، وعمل بإزائه مدرسة، فدخل أبو جعفر بن البياضي زائراً لأبي حنيفة فأنشد‏:‏

ألم تر العلم كان مضيعاً * فجمعه هذا المغيب في اللحد

كذلك كانت هذه الأرض ميتة * فأنشرها جود العميد أبي السعد

وفيها‏:‏ هبت ريح حارة فمات بسببها خلق كثير، وورد أن ببغداد تلف شجر كثير من الليمون والأترج‏.‏

وفيها‏:‏ احترق قبر معروف الكرخي، وكان سببه أن القيم طبخ له ماء الشعير لمرضه فتعدت النار إلى الأخشاب فاحترق المشهد‏.‏

وفيها‏:‏ وقع غلاء وفناء بدمشق وحلب وحران، وأعمال خراسان بكمالها، ووقع الفناء في الدواب‏:‏ كانت تنتفخ رؤسها وأعينها حتى كان الناس يأخذون حمر الوحش بالأيدي، وكانوا يأنفون من أكلها‏.‏

قال ابن الجوزي في ‏(‏المنتظم‏)‏‏:‏ وفي يوم السبت عاشر ذي القعدة جمع العميد أبو سعد الناس ليحضروا الدرس بالنظامية ببغداد، وعين لتدريسها ومشيختها الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، فلما تكامل اجتماع الناس وجاء أبو إسحاق ليدرس لقيه فقيه شاب فقال‏:‏ يا سيدي تذهب تدرس في مكان مغصوب ‏؟‏

فامتنع أبو إسحاق من الحضور ورجع إلى بيته، فأقيم الشيخ أبو نصر الصباغ فدرس، فلما بلغ نظام الملك ذلك تغيظ على العميد وأرسل إلى الشيخ أبي إسحاق فرده إلى التدريس بالنظامية، في ذي الحجة من هذه السنة، وكان لا يصلي فيها مكتوبة، بل كان يخرج إلى بعض المساجد فيصلي، لما بلغه من أنها مغصوبة، وقد كان مدة تدريس ابن الصباغ فيها عشرين يوماً، ثم عاد أبو إسحاق إليها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/118‏)‏

وفي ذي القعدة من هذه السنة قتل الصليحي أمير اليمن وصاحب مكة، قتله بعض أمراء اليمن، وخطب للقائم بأمر الله العباسي‏.‏

وفيها حج بالناس أبو الغنائم النقيب‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 محمد بن إسماعيل بن محمد

أبو علي الطرسوسي، ويقال له‏:‏ العراقي، لظرفه وطول مقامه بها، سمع الحديث من أبي طاهر المخلص، وتفقه على أبي محمد الباقي، ثم على الشيخ أبي حامد الإسفرايني، وولي قضاء بلدة طرسوس، وكان من الفقهاء الفضلاء المبرزين‏.‏

 ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة

قال ابن الجوزي‏:‏ في جمادى الأولى كانت زلزلة بأرض فلسطين، أهلكت بلد الرملة، ورمت شراريف من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحقت وادي الصفر وخيبر، وانشقت الأرض عن كنوز كثيرة من المال، وبلغ حسها إلى الرحبة والكوفة‏.‏

وجاء كتاب بعض التجار فيه ذكر هذه الزلزلة وذكر فيه أنها خسفت الرملة جميعاً حتى لم يسلم منها إلا داران فقط، وهلك منها خمس عشرة ألف نسمة، وانشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت، وغار البحر مسيرة يوم، وساخ في الأرض وظهر في مكان الماء أشياء من جواهر وغيرها، ودخل الناس في أرضه يلتقطون، فرجع عليهم فأهلك كثيراً منهم أو أكثرهم‏.‏

وفي يوم النسف من جمادى الآخرة قرئ الاعتقاد القادري الذي فيه مذهب أهل السنة، والإنكار على أهل البدع، وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدث كتاب ‏(‏التوحيد‏)‏ لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين‏.‏

وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام، واعترفوا بالموافقة، ثم قرئ الاعتقاد القادري على الشريف أبي جعفر بن المقتدي بالله بباب البصرة، وذلك لسماعه له من الخليفة القادر بالله مصنفه‏.‏

وفيها‏:‏ عزل الخليفة وزيره أبا نصر محمد بن محمد بن جهير، الملقب فخر الدولة، وبعث إليه يعاتبه في أشياء كثيرة، فاعتذر منها وأخذ في الترفق والتذلل، فأجيب بأن يرحل إلى أي جهة شاء، فاختار ابن مزيد فباع أصحابه أملاكهم وطلقوا نساءهم وأخذ أولاده وأهله، وجاء ليركب في سفينة لينحدر منها إلى الحلة، والناس يتباكون حوله لبكائه، فلما اجتاز بدار الخلافة قبّل الأرض دفعات والخليفة في الشباك، و الوزير يقول‏:‏ يا أمير المؤمنين ارحم شيبتي وغربتي وأولادي‏.‏

فأعيد إلى الوزارة بشفاعة دبيس بن مزيد في السنة الآتية، وامتدحه الشعراء، وفرح الناس برجوعه إلى الوزارة، وكان يوماً مشهوداً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/119‏)‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 عبد الملك بن محمد بن يوسف بن منصور

الملقب بالشيخ الأجل، كان أوحد زمانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمبادرة إلى فعل الخيرات، واصطناع الأيادي عند أهلها من أهل السنة، مع شدة القيام على أهل البدع ولعنهم، وافتقاد المستورين بالبر والصدقة، وإخفاء ذلك جهده وطاقته‏.‏

ومن غريب ما وقع له أنه كان يصل إنساناً في كل يوم بعشرة دنانير، كان يكتب بها معه إلى ابن رضوان، فلما توفي الشيخ جاء الرجل إلى ابن رضوان فقال‏:‏ ادفع إلى ما كان يصرف لي الشيخ‏.‏

فقال له ابن رضوان‏:‏ إنه قد مات ولا أصرف لك شيئاً‏.‏

فجاء الرجل إلى قبر الشيخ الأجل فقرأ شيئاً من القرآن، ودعا له وترحم عليه، ثم التفت فإذا هو بكاغد فيه عشرة دنانير، فأخذها وجاء بها إلى ابن رضوان فذكر له ما جرى له، فقال‏:‏ هذه سقطت مني اليوم عند قبره فخذها ولك عندي في كل يوم مثلها‏.‏

توفي في نصف المحرم منها عن خمس وستين سنة، وكان يوم موته يوماً مشهوداً، حضره خلق لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل، فرحمه الله تعالى‏.‏

 أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي

فقيه الشيعة، ودفن في مشهد علي، و كان مجاوراً به حين أحرقت داره بالكرخ، وكتبه، سنة ثمان وأربعين إلى محرم هذه السنة فتوفي ودفن هناك‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة

في ليلة النصف من شعبان منها كان حريق جامع دمشق، وكان سببه أن غلمان الفاطميين والعباسيين اختصموا فألقيت نار بدار الملك، وهي الخضراء المتاخمة للجامع من جهة القبلة، فاحترقت، وسرى الحريق إلى الجامع فسقطت سقوفه وتناثرت فصوصه المذهبة، وتغيرت معالمه، وتقلعت الفسيفساء التي كانت في أرضه وعلى جدرانه، وتبدلت بضدها، وقد كانت سقوفه مذهبة كلها، والجملونات من فوقها، وجدرانه مذهبة ملونة مصور فيها جميع بلاد الدنيا، بحيث إن الإنسان إذا أراد أن يتفرج في إقليم أو بلد وجده في الجامع مصوراً كهيئته، فلا يسافر إليه ولا يعنى في طلبه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/120‏)‏

فقد وجده من قرب الكعبة ومكة فوق المحراب والبلاد كلها شرقاً وغرباً، كل إقليم في مكان لائق به، ومصور فيه كل شجرة مثمرة وغير مثمرة، مصور مشكل في بلدانه وأوطانه، والستور مرخاة على أبوابه النافذة إلى الصحن، وعلى أصول الحيطان إلى مقدار الثلث منها ستور، وباقي الجدران بالفصوص الملونة، وأرضه كلها بالفصوص، ليس فيها بلاط، بحيث إنه لم يكن في الدنيا بناء أحسن منه، لا قصور الملوك ولا غيرها‏.‏

ثم لما وقع هذا الحريق فيه تبدل الحال الكامل بضده، وصارت أرضه طيناً في زمن الشتاء، وغباراً في زمن الصيف، محفورة مهجورة، ولم يزل كذلك حتى بلط في زمن العادل أبي بكر بن أيوب، بعد الستمائة سنة من الهجرة، وكان جميع ما سقط منه من الرخام والفصوص والأخشاب وغيرها، مودعاً في المشاهد الأربعة، حتى فرغها من ذلك كمال الدين الشهرزوري، في زمن العادل نور الدين محمود بن زنكي، حين ولاه نظره مع القضاء ونظر الأوقاف كلها، ونظر دار الضرب وغير ذلك‏.‏

ولم تزل الملوك تجدد في محاسنه إلى زماننا هذا، فتقارب حاله في زمن تنكيز نائب الشام، وقد تقدم أن ابن الجوزي أرخ ما ذكرنا في سنة ثمان وخمسين، وتبعه ابن الساعي أيضاً في هذه السنة، وكذلك شيخنا الذهبي مؤرخ الإسلام، وغير واحد، والله أعلم‏.‏

وفيها‏:‏ نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفا بن عقيل، وهو من كبرائهم، بتردده إلى أبي علي بن الوليد المتكلم المعتزلي، واتهموه بالاعتزال، وإنما كان يتردد إليه ليحيط علماً بمذهبه، ولكن شرقه الهوى فشرق شرقة كادت روحه تخرج معها، وصارت فيه نزعة منه، وجرت بينه وبينهم فتنة طويلة وتأذى بسببها جماعة منهم، وما سكنت الفتنة بينهم إلى سنة خمس وستين، ثم اصطلحوا فيما بينهم، بعد اختصام كبير‏.‏

وفيها‏:‏ زادت دجلة على إحدى وعشرين ذراعاً حتى دخل الماء مشهد أبي حنيفة‏.‏

وفيها‏:‏ ورد الخبر بأن الأفشين دخل بلاد الروم حتى انتهى إلى غورية، فقتل خلقاً وغنم أموالاً كثيرة‏.‏

وفيها‏:‏ كان رخص عظيم في الكوفة حتى بيع السمك كل أربعين رطلاً بحبة‏.‏

وفيها حج بالناس أبو الغنائم العلوي‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الفوراني صاحب ‏(‏الإبانة‏)‏

أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني، المروزي، أحد أئمة الشافعية، ومصنف ‏(‏الإبانة‏)‏ التي فيها من النقول الغريبة والأقوال والأوجه التي لا توجد إلا فيها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/121‏)‏

كان بصيراً بالأصول والفروع، أخذ الفقه عن القفال، وحضر إمام الحرمين عنده وهو صغير، فلم يلتفت إليه، فصار في نفسه منه، فهو يخطئه كثيراً في ‏(‏النهاية‏)‏‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ فمتى قال في ‏(‏النهاية‏)‏‏:‏ وقال بعض المصنفين كذا وغلط في ذلك وشرع في الوقوع فيه فمراده أبو القاسم الفوراني‏.‏

توفي الفوراني في رمضان منها بمرو، عن ثلاث وسبعين سنة، وقد كتب تلميذه أبو سعد عبد الرحمن بن محمد المأمون المعري المدرس بالنظامية بعد أبي إسحاق وقبل ابن الصباغ، وبعده أيضاً، كتاباً على الإبانة، فسماه ‏(‏تتمة الإبانة‏)‏، انتهى فيه إلى كتاب الحدود، ومات قبل إتمامه‏.‏

فتممه أسعد العجلي، وغيره لم يلحقوا شأوه ولا حاموا حوله، وسموه ‏(‏تتمة التتمة‏)‏‏.‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة

قال ابن الجوزي‏:‏ فمن الحوادث فيها أنه كان على ثلاث ساعات في يوم الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الأولى، وهو ثامن عشرين آذار، كانت زلزلة عظيمة بالرملة وأعمالها، فذهب أكثرها وانهدم سورها، وعم ذلك بيت المقدس ونابلس، وانخسفت إيليا، وجفل البحر حتى انكشفت أرضه، ومشى ناس فيه، ثم عاد وتغير، وانهدم إحدى زوايا جامع مصر، وتبعت هذه الزلزلة في ساعتها زلزلتان أخريان‏.‏

وفيها‏:‏ توجه ملك الروم من قسطنطينية إلى الشام في ثلاثمائة ألف مقاتل، فنزل على منبج وأحرق القرى ما بين منبج إلى أرض الروم، وقتل رجالهم وسبى نساءهم وأولادهم، وفزع المسلمون بحلب وغيرها منه فزعاً عظيماً، فأقام ستة عشر يوماً ثم رده الله خاسئاً وهو حسير، وذلك لقلة ما معهم من الميرة وهلاك أكثر جيشه بالجوع، ولله الحمد والمنة‏.‏

وفيها‏:‏ ضاقت النفقة على أمير مكة، فأخذ الذهب من أستار الكعبة والميزاب وباب الكعبة، فضرب ذلك دراهم ودنانير، وكذا فعل صاحب المدينة بالقناديل التي في المسجد النبوي‏.‏

وفيها‏:‏ كان غلاء شديد بمصر فأكلوا الجيف والميتات والكلاب، فكان يباع الكلب بخمسة دنانير، وماتت الفيلة فأكلت ميتاتها، وأفنيت الدواب فلم يبق لصاحب مصر سوى ثلاثة أفراس، بعد أن كان له العدد الكثير من الخيل والدواب، ونزل الوزير يوماً عن بغلته، فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها، فأخذوا فصلبوا فما أصبحوا إلا وعظامهم بادية، قد أخذ الناس لحومهم فأكلوها‏.‏

وظهر على رجل يقتل الصبيان والنساء، ويدفن رؤسهم وأطرافهم، ويبيع لحومهم، فقتل وأكل لحمه‏.‏

وكانت الأعراب يقدمون بالطعام يبيعونه في ظاهر البلد، لا يتجاسرون يدخلون لئلا يخطف وينهب منهم، وكان لا يجسر أحد أن يدفن ميته نهاراً، وإنما يدفنه ليلاً خفية، لئلا ينبش فيؤكل‏.‏

واحتاج صاحب مصر حتى باع أشياء من نفائس ما عنده، من ذلك إحدى عشر ألف درع، وعشرون ألف سيف محلى، وثمانون ألف قطعة بلور كبار، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم، وبيعت ثياب النساء والرجال وغير ذلك بأرخص ثمن، وكذلك الأملاك وغيرها، وقد كان بعض هذه النفائس للخليفة، مما نهب من بغداد في وقعة البساسيري‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/122‏)‏

وفيها‏:‏ وردت التقادم من الملك ألب أرسلان إلى الخليفة‏.‏

وفيها اسم ولي العهد ابن الخليفة على الدنانير والدراهم، ومنع التعامل بغيرها، وسمي المضروب عليه الأميري‏.‏

وفيها‏:‏ ورد كتاب صاحب مكة إلى الملك ألب أرسلان وهو بخراسان يخبره بإقامة الخطبة بمكة للقائم بأمر الله وللسلطان، وقطع خطبة المصريين، فأرسل إليه بثلاثين ألف دينار وخلعة سنية، وأجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار‏.‏

وفيها‏:‏ تزوج عميد الدولة ابن جهير بابنة نظام الملك بالري‏.‏

وحج بالناس أبو الغنائم العلوي‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان و المشاهير‏:‏

 الحسن بن علي

ابن محمد أبو الجوائز الواسطي، سكن بغداد دهراً طويلاً، وكان شاعراً أديباً ظريفاً، ولد سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة، ومات في هذه السنة عن مائة وعشر سنين‏.‏

ومن مستجاد شعره قوله‏:‏

واحسرتي من قولها * قد خان عهدي ولها

وحق من صيرني * وقفاً عليها ولها

ما خطرت بخاطري * إلا كستني ولها

 محمد بن أحمد بن سهل

المعروف بابن بشران النحوي الواسطي، ولد سنة ثمانين وثلاثمائة، وكان عالماً بالأدب، وانتهت إليه الرحلة في اللغة، وله شعر حسن، فمنه قوله‏:‏

يا شائداً للقصور مهلاً * أقصر فقصر الفتى الممات

لم يجتمع شمل أهل قصر * إلا قصارهم الشتات

وإنما العيش مثل ظل * منتقل ماله ثبات

وقوله‏:‏

ودعتهم ولي الدنيا مودعة * ورحت مالي سوى ذكراهم وطر

وقلت يا لذتي بيني لبينهم * كأن صفو حياتي بعدهم كدر

‏(‏ج/ص‏:‏ 12/123‏)‏

لولا تعلل قلبي بالرجاء لهم * ألفيته إن حدوا بالعيس ينفطر

يا ليت عيسهم يوم النوى نحرت * أوليتها للضواري بالفلا جزر

يا ساعة البين أنت الساعة اقتربت * يا لوعة البين أنت النار تستعر

وقوله‏:‏

طلبت صديقاً في البرية كلها * فأعيا طلابي أن أصيب صديقا

بلى من سمي بالصديق مجازه * ولم يك في معنى الوداد صدوقا

فطلقت ود العالمين ثلاثة * وأصبحت من أسر الحفاظ طليقا

 ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة

وفيها‏:‏ أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والكرج والفرنج، وعدد عظيم وعدد، ومعه خمسة وثلاثون ألفاً من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفاً، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفاً، ومعه مائة ألف نقاب وحفار، وألف روزجاري، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والغردات والمناجيق، منها منجنيق عدة ألف ومائتا رحل‏.‏

ومن عزمه قبحه الله أن يبيد الإسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، واستوصى نائبها بالخليفة خيراً، فقال له‏:‏ ارفق بذلك الشيخ فإنه صاحبنا، ثم إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام وأهله ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين، والقدر يقول‏:‏ ‏{‏لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 72‏]‏‏.‏

فالقتاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريب من عشرين ألفاً، بمكان يقال له‏:‏ الزهوة، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف السلطان من كثرة جند ملك الروم، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين، فلما كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجه الفتيان، نزل السلطان عن فرسه وسجد لله عز وجل، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين، ومنحهم أكتافهم، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسر ملكهم أرمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاث مقارع وقال‏:‏ لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل ‏؟‏‏(‏ج/ص‏:‏ 12/124‏)‏

قال‏:‏ كل قبيح‏.‏

قال‏:‏ فما ظنك بي ‏؟‏

فقال‏:‏ إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني‏.‏

قال‏:‏ ما عزمت على غير العفو والفداء‏.‏

فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار‏.‏

فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء، وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً، وأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة، وشيعه فرسخاً، وأرسل معه جيشاً يحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله‏.‏

فلما انتهى إلى بلاده وجد الروم قد ملكوا عليهم غيره، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه، وبعث من الذهب والجواهر ما يقارب ثلاثمائة ألف دينار، وتزهد ولبس الصوف ثم استغاث بملك الأرمن، فأخذه وكحله وأرسله إلى السلطان يتقرب إليه بذلك‏.‏

وفيها‏:‏ خطب محمود بن مرداس للقائم وللسلطان ألب أرسلان، فبعث إليه الخليفة بالخلع والهدايا والتحف، والعهد مع طراد‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس أبو الغنائم العلوي، وخطب بمكة للقائم، وقطعت خطبة المصريين منها، وكان يخطب لهم فيها من نحو مائة سنة، فانقطع ذلك‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 أحمد بن علي

ابن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد مشاهير الحفاظ، وصاحب ‏(‏تاريخ بغداد‏)‏ وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، نحو من ستين مصنفاً، ويقال‏:‏ بل مائة مصنف، فالله أعلم‏.‏

ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وقيل‏:‏ سنة ثنتين وتسعين، وأول سماعه سنة ثلاث وأربعمائة، ونشأ ببغداد، وتفقه على أبي طالب الطبري وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد الإسفرايني وسمع الحديث الكثير، ورحل إلى البصرة ونيسابور وأصبهان وهمذان والشام والحجاز‏.‏

وسمي الخطيب لأنه كان يخطب بدرب ريحان، وسمع بمكة على القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وقرأ ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ على كريمة بنت أحمد في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد وحظي عند الوزير أبي القاسم بن مسلمة، ولما ادعى اليهود الخيابرة أن معهم كتاباً نبوياً فيه إسقاط الجزية عنهم، أوقف ابن مسلمة الخطيب على هذا الكتاب‏.‏

فقال‏:‏ هذا كذب‏.‏

فقال له‏:‏ وما الدليل على كذبه‏؟‏

فقال‏:‏ لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر، وقد كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة، وإنما أسلم معاوية يوم الفتح، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد مات قبل خيبر عام الخندق سنة خمس‏.‏

فأعجب الناس ذلك‏.‏

وقد سبق الخطيب إلى هذا النقل سبقه محمد بن جرير كما ذكرت ذلك في مصنف مفرد، ولما وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين خرج الخطيب إلى الشام فأقام بدمشق بالمأذنة الشرقية من جامعها، وكان يقرأ على الناس الحديث، وكان جهوري الصوت، يسمع صوته من أرجاء الجامع كلها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/125‏)‏

فاتفق أنه قرأ على الناس يوماً فضائل العباس فثار عليه الروافض من أتباع الفاطميين، فأرادوا قتله فتشفع بالشريف الزينبي فأجاره، وكان مسكنه بدار العقيقي، ثم خرج من دمشق فأقام بمدينة صور، فكتب شيئاً كثيراً من مصنفات أبي عبد الله الصوري بخطه كان يستعيرها من زوجته، فلم يزل مقيماً بالشام إلى سنة ثنتين وستين، ثم عاد إلى بغداد فحدث بأشياء من مسموعاته‏.‏

وقد كان سأل الله أن يملك ألف دينار، وأن يحدث بالتاريخ بجامع المنصور، فملك ألف دينار أو ما يقاربها ذهباً، وحين احتضر كان عنده قريب من مائتي دينار، فأوصى بها لأهل الحديث، وسأل السلطان أن يمضي ذلك، فإنه لا يترك وارثاً، فأجيب إلى ذلك‏.‏

وله مصنفات كثيرة مفيدة، منها كتاب ‏(‏التاريخ‏)‏، وكتاب ‏(‏الكفاية‏)‏، و‏(‏الجامع‏)‏، و‏(‏شرف أصحاب الحديث‏)‏، و‏(‏المتفق والمفترق‏)‏، و‏(‏السابق واللاحق‏)‏، و‏(‏تلخيص المتشابه في الرسم‏)‏، و‏(‏فضل الوصل‏)‏، و‏(‏رواية الآباء عن الأبناء‏)‏، و‏(‏رواية الصحابة عن التابعين‏)‏، و‏(‏اقتضاء العلم للعمل‏)‏، و‏(‏الفقيه والمتفقه‏)‏، وغير ذلك‏.‏

وقد سردها ابن الجوزي في ‏(‏المنتظم‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ويقال‏:‏ إن هذه المصنفات أكثرها لأبي عبد الله الصوري، أو ابتدأها فتممها الخطيب، وجعلها لنفسه، وقد كان الخطيب حسن القراءة فصيح اللفظ عارفاً بالأدب يقول الشعر، وكان أولاً يتكلم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فانتقل عنه إلى مذهب الشافعي، ثم صار يتكلم في أصحاب أحمد ويقدح فيهم ما أمكنه، وله دسائس عجيبة في ذمهم‏.‏

ثم شرع ابن الجوزي ينتصر لأصحاب أحمد ويذكر مثالب الخطيب ودسائسه، وما كان عليه من محبة الدنيا والميل إلى أهلها بما يطول ذكره، وقد أورد ابن الجوزي من شعره قصيدة جيدة المطلع حسنة المنزع أولها قوله‏:‏

لعمرك ما شجاني رسم دار * وقفت به ولا رسم المغاني

ولا أثر الخيام أراق دمعي * لأجل تذكري عهد الغواني

ولا ملك الهوى يوماً قيادي * ولا عاصيته فثنى عناني

ولم أطمعه فيّ وكم قتيل * له في الناس ما تحصى دعاني

عرفت فعاله بذوي التصابي * وما يلقون من ذل الهوان

طلبت أخاً صحيح الود محظى * سليم الغيب محفوظ اللسان

فلم أعرف من الإخوان إلا * نفاقاً في التباعد والتداني

وعالم دهرنا لا خير فيهم * ترى صوراً تروق بلا معاني

ووصف جميعهم هذا فما أن * أقول سوى فلان أو فلان

ولما لم أجد حراً يواتى * على ما ناب من صرف الزمان

صبرت تكرماً لقراع دهري * ولم أجزع لما منه دهاني

‏(‏ج/ص‏:‏ 12/126‏)‏

ولم أك في الشدائد مستكيناً * أقول لها ألا كفي كفاني

ولكني صليب العود عود * ربيط الجأش مجتمع الجنان

أبي النفس لا أختار رزقاً * يجيء بغير سيفي أو سناني

فعز في لظى باغيه يهوى * ألذ من المذلة في الجنان

وقد ترجمه ابن عساكر في ‏(‏تاريخه‏)‏ ترجمة حسنة كعادته وأورد له من شعره قوله‏:‏

لا يغبطن أخا الدنيا لزخرفها * ولا للذة عيش عجلت فرحا

فالدهر أسرع شيء في تقلبه * وفعله بيّن للخلق قد وضحا

كم شارب عسلاً فيه منيته * وكم مقلد سيفاً من قربه ذبحا

توفي يوم الاثنين ضحى من ذي الحجة منها، وله ثنتان وسبعون سنة، في حجرة كان يسكنها بدرب السلسلة، جوار المدرسة النظامية، واحتفل الناس بجنازته، وحمل نعشه فيمن حمل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ودفن إلى جانب قبر بشر الحافي في قبر رجل كان قد أعده لنفسه، فسئل أن يتركه للخطيب فشح به ولم تسمح نفسه، حتى قال له بعض الحاضرين‏:‏ بالله عليك لو جلست أنت والخطيب إلى بشر أيكما كان يجلسه إلى جانبه ‏؟‏

فقال‏:‏ الخطيب‏.‏

فقيل له‏:‏ فاسمح له به‏.‏

فوهبه منه فدفن فيه رحمه الله وسامحه، وهو ممن قيل فيه وفي أمثاله قول الشاعر‏:‏

ما زلت تدأب في التاريخ مجتهداً * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا

 حسان بن سعيد

ابن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي المنيعي، كان في شبابه يجمع بين الزهد والتجارة حتى ساد أهل زمانه، ثم ترك ذلك، وأقبل على العبادة والزهد والبر والصلة والصدقة وغير ذلك، وبناء المساجد والرباطات، وكان السلطان يأتي إليه ويتبرك به‏.‏

ولما وقع الغلاء كان يعمل كل يوم شيئاً كثيراً من الخبز والأطعمة ويتصدق به، وكان يكسو في كل سنة قريباً من ألف فقير ثياباً وجباباً، وكذلك كان يكسو الأرامل وغيرهن من النساء، وكان يجهز البنات الأيتام وبنات الفقراء، وأسقط شيئاً كثيراً من المكوس والوظائف السلطانية عن بلاد نيسابور، وقرأها وهو مع ذلك في غاية التبذل والثياب والأطمار، وترك الشهوات ولم يزل كذلك إلى أن توفي في هذه السنة، في بلدة مرو الروز، تغمده الله برحمته، ورفع درجته، ولا خيب الله له سعياً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/127‏)‏

أمين بن محمد بن الحسن بن حمزة

أبو علي الجعفري، فقيه الشيعة في زمانه‏.‏

محمد بن وشاح بن عبد الله

أبو علي مولى أبي تمام محمد بن علي بن الحسن الزينبي، سمع الحديث، وكان أديباً شاعراً، وكان ينسب إلى الاعتزال والرفض، ومن شعره قوله‏:‏

حملت العصا لا الضعف أوجب حملها * علي ولا أني نحلت من الكبر

ولكنني ألزمت نفسي حملها * لأعلمها أن المقيم على سفر

الشيخ الأجل أبو عمر عبد البر النمري

صاحب التصانيف المليحة الهائلة، منها ‏(‏التمهيد‏)‏، و‏(‏الاستذكار‏)‏، و‏(‏الاستيعاب‏)‏ وغير ذلك‏.‏

 ابن زيدون

الشاعر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون أبو الوليد، الشاعر الماهر الأندلسي القرطبي، اتصل بالأمير المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، فحظي عنده وصار مشاوراً في منزلة الوزير، ثم وزر له ولولده أبي بكر بن أبي الوليد، وهو صاحب القصيدة الفراقية التي يقول فيها‏:‏

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا * شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

تكاد حين تناجيكم ضمائرنا * يقضي عليها الأسى لولا تاسينا

حالت لبعدكم أيامنا فغدت * سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا

بالأمس كنا ولا نخشى تفرقنا * واليوم نحن ولا يرجى تلاقينا

‏(‏ج/ص‏:‏ 12/128‏)‏

وهي طويلة وفيها صنعة قوية مهيجة على البكاء لكل من قرأها أو سمعها، لأنه ما من أحد إلا فارق خلاً أو حبيباً أو نسيباً، وله أيضاً‏:‏

بيني وبينك ما لو شئت لم يصعِ * سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع

يا بائعاً حظه مني ولو بذلت * لي الحياة بحظي منه لم أبع

يكفيك أنك لو حملت قلبي ما * لا تستطيع قلوب الناس يستطيع

تهْ احتمل واستطل أصبر وعزهن * وول أقبل وقل أسمع ومر أطع

توفي في رجب منها واستمر ولده أبو بكر وزيراً للمعتمد بن عباد، حتى أخذ ابن ياسين قرطبة من يده في سنة أربع وثمانين، فقتل يومئذ‏.‏

قاله ابن خلكان‏.‏

 كريمة بنت أحمد

ابن محمد بن أبي حاتم المروزية، كانت عالمة صالحة، سمعت ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ على الكشميهني، وقرأ عليها الأئمة كالخطيب وأبي المظفر السمعاني وغيرهما‏.‏