فصل: الحديث الثَّانِي بعد الْخمسين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا أَتَى أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل».
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِلَفْظ: «إِذا جَاءَ أحدكُم...» إِلَى آخِره. وَلمُسلم: «إِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يَأْتِي الْجُمُعَة فليغتسل».
وللبيهقي بِإِسْنَاد صَحِيح: «من أَتَى الْجُمُعَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء فليغتسل، وَمن لم يأتها فَلَيْسَ عَلَيْهِ غسل من الرِّجَال وَالنِّسَاء».
وَلابْن حبَان الْقطعَة الأولَى من هَذِه الرِّوَايَة.
فَائِدَة: ذكر ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه أَن هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن نَافِع مولَى ابْن عمر عَن ابْن عمر، جماعات عَددهمْ فَوق الثلاثمائة وَأَن جماعات تابعوا أَيْضا نَافِعًا، وَأَنه رَوَاهُ عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم غير ابْن عمر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ صحابيًّا ثمَّ ذكرهم.

.الحديث الخَامِس بعد الْأَرْبَعين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فبها ونعمت، وَمن اغْتسل فالغسل أفضل».
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق أحْسنهَا طَرِيق الْحسن عَن سَمُرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء، رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقد قدمنَا فِي آخر بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة فصلا عقدناه لهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَهِي سَماع الْحسن من سمُرة وملخصها ثَلَاثَة مَذَاهِب: السماع مِنْهُ مُطلقًا، ومقابلة، وَالتَّفْصِيل بَين حَدِيث الْعَقِيقَة وَغَيرهَا.
وأسلفنا هُنَاكَ أَن البُخَارِيّ قَالَ بِالْأولِ، وَأَن التِّرْمِذِيّ صحّح حَدِيثه فِي مَوَاضِع فَيكون هَذَا الحَدِيث صَحِيحا عَلَى شَرطهمَا وَاقْتصر التِّرْمِذِيّ هُنَا عَلَى تحسينه فَقَالَ عقب إِخْرَاجه: هَذَا حَدِيث حسن. قَالَ: وَرَوَاهُ بَعضهم عَن قَتَادَة، عَن الْحسن، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: وَقد صحّح الإِمَام أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ هَذَا الحَدِيث من طريقيه- أَعنِي الِاتِّصَال والإرسال- فَذكر ابْنه عَنهُ أَنه قَالَ: هما جَمِيعًا صَحِيحَانِ همام ثِقَة وَصله وَأَبَان- يَعْنِي عَن قَتَادَة- لم يوصله وَنقل هَذَا عَن أبي حَاتِم الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الإِمام وَأقرهُ. وَقَالَ فِي إلمامه: من يحمل رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة عَلَى السماع مُطلقًا ويصححها يصحح هَذَا الحَدِيث.
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا: «من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فبها ونعمت...» الحَدِيث.
رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أبي بكر الْهُذلِيّ، عَن الْحسن وَمُحَمّد، عَن أبي هُرَيْرَة ثمَّ قَالَ: لَا نعلمهُ يرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: وَهُوَ وهم، وَالْمَحْفُوظ من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة.
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا: «من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة...» الحَدِيث. رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ، عَن يزِيد بن أبان الرقاشِي، عَن أنس بِهِ.
وَإِسْمَاعِيل وَيزِيد قد ضعفا.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمروزِي، نَا عُثْمَان بن يَحْيَى، نَا مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل، نَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت الْبنانِيّ، عَن أنس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «من تَوَضَّأ فبها ونعمت، وَمن اغْتسل فالغسل أفضل».
ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن حَمَّاد إِلَّا مُؤَمل، تفرد بِهِ عُثْمَان بن يَحْيَى، ومؤمل بن إِسْمَاعِيل صَدُوق وَقد تكلم فِيهِ خَ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الرّبيع بن صبيح، عَن يزِيد الرقاشِي، عَن أنس مَرْفُوعا كَمَا سلف قبله بِزِيَادَة: «وَالْغسْل من السّنة» ثمَّ قَالَ: فِي إِسْنَاده نظر. وَقَالَ فِي الْمعرفَة بعد سياقته لَهُ: وَفِيه إِسْنَاد آخر أصح من ذَلِك. ثمَّ سَاق حَدِيث سَمُرَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث أنس هَذَا فَقَالَ: اخْتلف فِيهِ عَلَى قَتَادَة، وَرَوَاهُ عباد بن الْعَوام، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة، عَن قَتَادَة، عَن أنس. وَوهم فِيهِ وَخَالفهُ يزِيد بن زُرَيْع فَرَوَاهُ عَن سعيد، عَن قَتَادَة، عَن الْحسن، عَن سَمُرَة، وَهُوَ الْمَحْفُوظ.
الطَّرِيق الرَّابِع: من حَدِيث عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «من تَوَضَّأ فبها ونعمت وَيُجزئ من الْفَرِيضَة، وَمن اغْتسل فالغسل أفضل».
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. قَالَ: وَإِنَّمَا يعرف من حَدِيث الْحسن وَغَيره.
الطَّرِيق الْخَامِس: من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا بِهِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْبَزَّار وَقَالَ: لَا نعلم رَوَاهُ عَن عَوْف إِلَّا شريك، وَلَا عَن شريك إِلَّا أسيد بن زيد قَالَ: وَأسيد هَذَا كُوفِي قد احْتمل حَدِيثه مَعَ شِيعِيَّة شَدِيدَة كَانَت فِيهِ.
قلت: قَالَ يَحْيَى فِي حَقه: كَذَّاب وَقَالَ السَّاجِي: لَهُ مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الْمُنْكَرَات عَن الثِّقَات. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَمَعَ هَذَا فقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ وَهُوَ مِمَّن عيب عَلَيْهِ الْإِخْرَاج عَنهُ.
قلت وَذكره أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي تمهيده بِإِسْنَاد آخر أَجود من هَذَا فَقَالَ: ثَنَا عبد الْوَارِث بن سُفْيَان، نَا قَاسم بن أصبغ، نَا إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن نَا صَالح بن مَالك، نَا الرّبيع بن بدر، عَن الْجريرِي، عَن أبي نَضرة، عَن أبي سعيد بِهِ، لَكِن الرّبيع هَذَا تَرَكُوهُ.
الطَّرِيق السَّادِس: من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا بِهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فَقَالَ: رَوَاهُ الثَّوْريّ عَمَّن حَدثهُ، عَن أبي نَضرة عَنهُ، وَرَوَاهُ إِسْحَاق عَن أبي دَاوُد الْحَفرِي، عَن سُفْيَان.
الطَّرِيق السَّابِع: من حَدِيث أبي حرَّة، عَن الْحسن، عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة- قَالَ أَبُو حرَّة: لَا أعلمهُ إِلَّا عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة...» الحَدِيث. ذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة وَرَوَاهَا قبله أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن أبي حرَّة بِهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ: رَوَاهُ بكر بن بكار، عَن أبي حرَّة بِإِسْنَادِهِ عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَلم يشك، فَهَذَا مَا حَضَرنَا من طرق هَذَا الحَدِيث، وَكلهَا شاهدة لطريق الْحسن عَن سَمُرَة، وعاضدة لَهُ، فَهُوَ صَحِيح إِذن، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: وَقع فِي شرح التَّنْبِيه لِلْحَافِظِ محب الدَّين الطَّبَرِيّ فِي آخر بَاب الْغسْل عقب هَذَا الحَدِيث: أَخْرجَاهُ. وَالْعَادَة فِي مثل ذَلِك إِرَادَة البُخَارِيّ وَمُسلم، وَهَذَا وهم وَقع من النَّاسِخ، وَقد عزاهُ فِي هَذَا الشَّرْح الْمَذْكُور فِي بَاب هَيْئَة الْجُمُعَة عَلَى الصَّوَاب، فَقَالَ: أخرجه أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ.
ثَانِيهَا: نعمت الْأَشْهر فِي ضَبطهَا- كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ- كسر النُّون وَإِسْكَان الْعين. قَالَ الْخطابِيّ: والعوام يَرْوُونَهُ «ونَعِمت» بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: إِن هَذَا هُوَ الأَصْل فِي هَذَا اللَّفْظ. قَالَ الْخطابِيّ والقلعي: وَرَوَاهُ بَعضهم بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين وَفتح التَّاء، أَي: نعمك الله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن هَذَا تَصْحِيف. قلت: وَذكر هَذَا ابْن قُتَيْبَة فَقَالَ: وَيُقَال: نَعِمْتَ- بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْمِيم وَفتح التَّاء للمخاطب- أَي: نعَّمك الله. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره: يُقَال: إِن فعلهَا كَذَا وَكَذَا فبها ونِعمت ونَعمت. وَقَالَ ابْن بري: فِي «نعمت» أَربع لُغَات مَشْهُورَة: نِعْمَت ونَعْمَت ونِعَمَتْ ونَعِمَتْ.
ثَالِثهَا: اخْتلف فِي مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «فبها ونعمت» عَلَى أَقْوَال:
أَحدهَا: فبالسنة آخذ ونعمت السّنة. قَالَه الْأَصْمَعِي فِيمَا حَكَاهُ الْأَزْهَرِي والخطابي، وَلَعَلَّه أَرَادَ بقوله: فبالسنة آخذ أَي: بِمَا جوزتهُ السّنة.
ثَانِيهَا: ونعمت الْخصْلَة أَو الفعلة أَو نَحْو ذَلِك قَالَه الْخطابِيّ، قَالَ: وَإِنَّمَا ظَهرت تَاء التَّأْنِيث لإضمار السُّنة أَو الْخصْلَة أَو الفعلة.
ثَالِثهَا: فبالرخصة آخذ، حَكَاهُ الْهَرَوِيّ فِي غَرِيبه عَن الْفَقِيه أبي حَامِد الشاركي قَالَ: لِأَن السّنة يَوْم الْجُمُعَة الْغسْل.
رَابِعهَا: فبالفريضة آخذ، قَالَه صَاحب الشَّامِل.
خَامِسهَا: ادَّعَى قوم فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الْإِعْلَام بناسخ الحَدِيث ومنسوخه ومُخْتَصره: إِن هَذَا الحَدِيث نَاسخ لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «غسل الْجُمُعَة وَاجِب عَلَى كل محتلم». قَالَ: وَفِي هَذَا ضعف؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى من هَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا تَأَول قوم- مِنْهُم الْخطابِيّ- الْوُجُوب باللزوم فِي بَاب الِاسْتِحْبَاب، كَمَا تَقول: حَقك عَلّي وَاجِب. وَقَالَ فِي تَحْقِيقه: فِي هَذِه الدَّعْوَى بُعد؛ لِأَنَّهُ لَا تَارِيخ مَعنا، وَأَحَادِيث الْوُجُوب أصح.

.الحديث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من غسل مَيتا فليغتسل، وَمن مسّه فَليَتَوَضَّأ».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه مَبْسُوطا فِي بَاب الْغسْل فَرَاجعه مِنْهُ، وَذكر الرَّافِعِيّ هُنَا أَن الْأَخْبَار فِي غسل الْجُمُعَة أصح وَأثبت، أَي من الْأَخْبَار فِي الْغسْل من غسل الْمَيِّت وَهُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ: وَهَذَا الْخَبَر إِن صَحَّ؛ مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب.

.الحديث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «لَا غسل عَلَيْكُم من غسل ميتكم».
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طَرِيقين: مَرْفُوعَة وموقوفة، أما المرفوعة، فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه، عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد، عَن أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن أبي شيبَة، عَن خَالِد بن مخلد، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَيْسَ عَلَيْكُم فِي غسل ميتكم غسل إِذا غسلتموه؛ فَإِن ميتكم لَيْسَ بِنَجس، فحسبكم أَن تغسلوا أَيْدِيكُم».
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ فِي آخر كتاب الْجَنَائِز مِنْهُ، عَن أبي عَلّي الْحُسَيْن بن عَلّي الْحَافِظ، نَا أَحْمد بن مُحَمَّد، كَمَا سَاقه الدَّارَقُطْنِيّ متْنا وإسنادًا، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ، قَالَ: وَفِيه رفض لحَدِيث مُخْتَلف فِيهِ عَلَى مُحَمَّد بن عَمْرو بأسانيد: «من غسل مَيتا فليغتسل».
قلت: بل يعْمل بهما فَيُسْتَحَب الْغسْل.
وَقَوله: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ هُوَ كَمَا قَالَ، فَإِن عَمْرو بن أبي عَمْرو وخَالِد بن مخلد من فرسانه، أخرج لَهما فِي صَحِيحه وَأخرج لَهما مُسلم أَيْضا، كِلَاهُمَا احتجاجًا، وَاحْتج بِالْأولِ مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَيْضا وناهيك بِهِ، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته أَيْضا، وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ؛ لِأَن مَالِكًا رَوَى عَنهُ، وَلَا يروي إِلَّا عَن صَدُوق ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي خَالِد بن مخلد: يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ ابْن معِين: مَا بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: صَدُوق لكنه يتشيع. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ عِنْدِي إِن شَاءَ الله.
وَأما بَاقِي رِجَاله فَثِقَاتٌ، سُلَيْمَان بن بِلَال ثِقَة من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو شيبَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن أبي شيبَة، قَالَ أَبُو حَاتِم فِي حَقه: صَدُوق. وَلم يذكر الْمزي فِي تهذيبه فِي تَرْجَمته غير ذَلِك.
وَأما الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ بعد أَن رَوَاهُ مَوْقُوفا من حَدِيث سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن عَمْرو، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس «لَيْسَ عَلَيْكُم فِي ميتكم غسل إِذا غسلتموه، إِن ميتكم لمُؤْمِن طَاهِر وَلَيْسَ بِنَجس، فحسبكم أَن تغسلوا أَيْدِيكُم»: رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعا. وَلَا يَصح رَفعه. ثمَّ سَاقه من طَرِيق أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله، عَن خَالِد بِهِ، بِلَفْظ: «لَيْسَ عَلَيْكُم فِي غسل ميتكم غسل إِذا غسلتموه، وَإِن الْمُسلم لَيْسَ بِنَجس، فحسبكم أَن تغسلوا أَيْدِيكُم».
ثمَّ قَالَ: هَذَا ضَعِيف وَالْحمل فِيهِ عَلَى أبي شيبَة كَمَا أَظن.
قلت: أَبُو شيبَة هَذَا هُوَ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن أبي شيبَة وَهُوَ ثِقَة كَمَا سلف، والمطعون فِيهِ الواهي هُوَ أَبُو شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الْكُوفِي قَاضِي وَاسِط، فَتنبه لذَلِك. وَأعله عبد الْحق فِي أَحْكَامه بِعَمْرو وَأَنه لَا يحْتَج بِهِ. وَاعْتَرضهُ ابْن الْقطَّان وَرَأَى أَن الْحمل عَلَى أبي شيبَة فِيهِ أولَى من عَمْرو، وَقَالَ: فَإِنَّهُ ضَعِيف، وَعَمْرو مُخْتَلف فِيهِ. وَفِيه النّظر الَّذِي أبديناه فِي كَلَام الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَأعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه بِعَمْرو وَأَن يَحْيَى قَالَ: لَا يحْتَج بِهِ. وَأَن أَحْمد قَالَ: لَا بَأْس بِهِ. وَفِيه خَالِد بن مخلد أَيْضا. وَنقل عَن أَحْمد أَنه قَالَ فِي خَالِد: إِن لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير. وَأَن يَحْيَى قَالَ: لَا بَأْس بِهِ. وَقد أسلفنا أَنَّهُمَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ فجازا القنطرة، وَقد كَانَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَلّي بن الْمفضل الْمَقْدِسِي يَقُول عَمَّن أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا هَذِه الْعبارَة فِي حَقه.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ بعضه من وَجه آخر، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا فَذكره بِلَفْظ: «لَا تنجسوا مَوْتَاكُم؛ فَإِن الْمُسلم لَيْسَ بِنَجس حيًّا وَلَا مَيتا». ثمَّ قَالَ: وَهَكَذَا رُوِيَ من وَجه آخر غَرِيب، وَالْمَعْرُوف مَوْقُوف. وَأما الطَّرِيقَة الْمَوْقُوفَة فقد أسلفناها من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ.

.الحديث الثَّامِن وَالتَّاسِع بعد الْأَرْبَعين:

«أَنه أسلم خلق كثير وَلم يَأْمُرهُم النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بالاغتسال، وَأمر بِهِ قيس بن عَاصِم وثمامة بن أَثَال لما أسلما».
هُوَ كَمَا قَالَ، أما حَدِيث قيس بن عَاصِم فَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث سُفْيَان، عَن الْأَغَر، عَن خَليفَة بن حُصَيْن، عَن جده قيس بن عَاصِم قَالَ: «أتيت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيد الْإِسْلَام، فَأمرنِي أَن أَغْتَسِل بِمَاء وَسدر».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن.
قلت: وصحيح، فَإِن أَبَا حَاتِم بن حبَان أخرجه فِي صَحِيحه بالسند الْمَذْكُور بِلَفْظ: عَن قيس «أَنه أسلم فَأمره النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر». وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كَذَلِك سَوَاء، كَمَا أَفَادَهُ صَاحب الإِمام، وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَنه أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فاستخلاه فَأمره أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر».
وَرَوَاهُ أَبُو عَلّي بن السكن- فِيمَا حَكَى أَبُو الْحسن بن الْقطَّان- من حَدِيث وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن الْأَغَر، عَن خَليفَة بن حُصَيْن، عَن أَبِيه، عَن جده قيس بن عَاصِم أَنه قَالَ: «أسلمت فَأمرنِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَغْتَسِل بِمَاء وَسدر».
قَالَ ابْن الْقطَّان: فقد تبين لَك أَن رِوَايَة يَحْيَى وَمُحَمّد بن كثير الْمُتَقَدّمَة عَن سُفْيَان مُنْقَطِعَة، فَإِنَّهَا كَانَت معنعنة، فجَاء وَكِيع- وَهُوَ من الْحِفْظ من هُوَ- فَزَاد: «عَن أَبِيه» فارتفع الْإِشْكَال وَتبين الِانْقِطَاع. قَالَ: ثمَّ نقُول: فَإذْ لابد للإسناد من زِيَادَة «حُصَيْن» بَين خَليفَة وَقيس فَالْحَدِيث ضَعِيف؛ فَإِنَّهَا زِيَادَة عَادَتْ بِنَقص؛ فَإِنَّهُ ارْتَفع بهَا الِانْقِطَاع وَتحقّق ضعف الْخَبَر؛ فَإِن حَاله مَجْهُول بل هُوَ فِي نَفسه غير مَذْكُور، فَلم يجر ذكره فِي كتاب البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم إِلَّا غير مَقْصُود برسم يَخُصُّهُ. انْتَهَى كَلَامه.
وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم، عَن أَبِيه: أَن من قَالَ عَن خَليفَة بن حُصَيْن، عَن أَبِيه، عَن جده فقد أَخطَأ؛ وَصَوَابه عَن خَليفَة، عَن جده. أَي كَمَا أخرجه الْأَئِمَّة الماضون.
وَفِي «علل الْخلال» كَمَا نَقله عَنهُ صَاحب الإِمام: قَالَ عِيسَى بن جَعْفَر: قَالَ وَكِيع: عَن خَليفَة، عَن أَبِيه، عَن جده وَالنَّاس كلهم: عَن خَليفَة بن حُصَيْن عَن جده وَهَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقطَّان وَغَيره.
قَالَ صَاحب الإِمام: وَقد وَقع لنا من حَدِيث قبيصَة بن عقبَة، عَن سُفْيَان، عَن الْأَغَر، عَن خَليفَة بن حُصَيْن، عَن أَبِيه أَن جده أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأسلم فَأمره أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر. رَوَاهُ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْحَافِظ، عَن قبيصَة. وَرَوَاهُ أَبُو عبد الله الْحَافِظ من وَجه آخر، عَن قبيصَة. قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق قيس بن الرّبيع، عَن الْأَغَر، عَن خَليفَة بِزِيَادَة غَرِيبَة، فَأخْرجهُ البرقي فِي تَارِيخه كَذَلِك عَن قيس «أَنه أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأسلم فَأمره أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر، وَأَن يقوم بَين أبي بكر وَعمر فيعلمانه».
قلت: رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من الْوَجْه الْمَذْكُور، لَكِن فِي رِوَايَته أَنه قَامَ بَينهمَا من غير أَمر لَهُ بذلك.
وَأما حَدِيث ثُمَامَة بن أَثَال فَهُوَ حَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث عبيد الله بن عمر- بِالتَّصْغِيرِ- عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة «أَن ثُمَامَة بن أَثَال أسلم فَأمره النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر».
قَالَ الْبَزَّار: وَهَذَا الحَدِيث لَا نَعْرِف رَوَاهُ عَن عبيد الله إِلَّا عبد الرَّزَّاق. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث عبد الله بن عمر- المكبر- عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه: «اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِط بني فلَان فَمُرُوهُ أَن يغْتَسل».
وَرَوَاهُ الْخلال فِي علله، عَن عبد الله بن أَحْمد، عَن أَبِيه، عَن سُرَيج، عَن عبد الله بن عمر، عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة «أَن ثُمَامَة بن أَثَال الْحَنَفِيّ أسلم، فَأمر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُنطلق بِهِ إِلَى حَائِط أبي طَلْحَة فيغتسل، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: حسن إِسْلَام أخيكم».
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه فَجمع بَين الطَّرِيقَيْنِ، أخرجه عَن أبي عرُوبَة، نَا سَلمَة بن شبيب، نَا عبد الرَّزَّاق، أَنبأَنَا عبد الله بن عمر وَعبيد الله بن عمر، عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة: «أَن ثُمَامَة الْحَنَفِيّ أسر...» فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: «فَمر بِهِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا فَأسلم، فَبعث بِهِ إِلَى حَائِط أبي طَلْحَة، فَأمره أَن يغْتَسل، فاغتسل وَصَلى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: لقد حسن إِسْلَام صَاحبكُم».
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة، وَفِيه: «وَأمره أَن يغْتَسل».
وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن عبد الله وَعبيد الله، عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة... فَذكره كَمَا ذكر ابْن حبَان سَوَاء، وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ: هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان عَن عبد الله وَعبيد الله جَمِيعًا.
وَقَالَ الْخَطِيب: رَوَاهُ عبد الله الْأَشْجَعِيّ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن عبد الله بن عمر. وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق، عَن عبد الله وَعبيد الله جَمِيعًا عَن سعيد المَقْبُري.
قلت: وَأخرجه أَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي مُسْنده من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن رجل، عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «لما أسلم ثُمَامَة أمره رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يغْتَسل وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ».
قلت: وأصل حَدِيث ثُمَامَة هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سلف فِي أَوَاخِر شُرُوط الصَّلَاة، لَكِن الْمَذْكُور فِي روايتهما «أَنه اغْتسل» وَلَيْسَ فِيهَا أَمر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ بذلك، وَلَيْسَ تَركه فِيهَا الْأَمر بِالْغسْلِ مُعَارضا لِلْأَمْرِ بِهِ عَلَى مَا عرف من قبُول الزِّيَادَة.
فَائِدَة: ثُمَامَة بن أَثَال- بِالْمُثَلثَةِ فيهمَا والهمزة مَضْمُومَة- فِي بني حنيفَة، وَقيس بن عَاصِم من سَادَات الْعَرَب، قدم عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وَفد من بني تَمِيم سنة تسع من الْهِجْرَة فَأسلم، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: «هَذَا سيد أهل الْوَبر». كَمَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ وَابْن قَانِع وَغَيرهمَا، وَكَانَ رجلا حَلِيمًا عَاقِلا، قيل للأحنف بن قيس: مِمَّن تعلمت الْحلم؟ قَالَ: من قيس بن عَاصِم.
فَائِدَة ثَانِيَة: أَمر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بِالْغسْلِ عِنْد الْإِسْلَام غَيرهمَا، فَمنهمْ وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث مَعْرُوف أبي الْخطاب عَنهُ قَالَ: «لما أسلمت أتيت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لي: اذْهَبْ فاغتسل بِمَاء وَسدر وألق عَنْك شعر الْكفْر».
ومعروف هَذَا، قَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه مُنكرَة جدًّا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَتكلم بعض البغداديين فِي سليم بن مَنْصُور بن عمار الَّذِي وَالِده رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن مَعْرُوف، وَلم يَأْتِ هَذَا الْمُتَكَلّم بِحجَّة، وَمِنْهُم قَتَادَة كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن النَّضر الْأَزْدِيّ، ثَنَا أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد الْحَرَّانِي، ثَنَا قَتَادَة بن الْفضل بن قَتَادَة الرهاوي، عَن أَبِيه حَدَّثَني عَم أبي هَاشم بن قَتَادَة الرهاوي، عَن أَبِيه، قَالَ: أتيت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لي: «يَا قَتَادَة، اغْتسل بِمَاء وَسدر واحْلق عَنْك شعر الْكفْر. وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَأْمر من أسلم أَن يختتن وَإِن كَانَ ابْن ثَمَانِينَ سنة». وَمِنْهُم عقيل، كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي تَارِيخ نيسابور من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أمره لما أسلم بالاغتسال».

.الحديث الخَمْسُونَ:

«أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر قيسا وثمامة بِالْغسْلِ بعد الْإِسْلَام».
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد عَلمته وَاضحا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيث ثُمَامَة السالفة فِي «بَاب شُرُوط الصَّلَاة»-
والمشار إِلَيْهَا هُنَا الَّتِي ظَاهرهَا وُقُوع الْإِسْلَام بعده-: يحْتَمل أَن يكون أسلم عِنْد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ اغْتسل وَدخل الْمَسْجِد فأظهر الشَّهَادَة ثَانِيًا جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ.

.الحديث الحَادِي وَالْخَمْسُونَ:

عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسل الْجَنَابَة ثمَّ رَاح فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قرب بقرة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأَنَّمَا قرب كَبْشًا أقرن وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأَنَّمَا قرب بَيْضَة، فَإِذا خرج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر».
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك.
وَأَخْرَجَا أَيْضا عَنهُ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وقفت الْمَلَائِكَة عَلَى بَاب الْمَسْجِد يَكْتُبُونَ الأول فَالْأول، وَمثل المهجر كَالَّذي يهدي بَدَنَة، ثمَّ كَالَّذي يهدي بقرة، ثمَّ كَبْشًا، ثمَّ دجَاجَة، ثمَّ بَيْضَة، فَإِذا خرج الإِمَام طَوَوْا صُحُفهمْ ويستمعون الذّكر».
وَفِي رِوَايَة للنسائي بِإِسْنَاد صَحِيح: قَالَ فِي السَّاعَة الْخَامِسَة: «كَالَّذي يهدي عصفورًا» وَفِي السَّادِسَة «بَيْضَة».
وَفِي رِوَايَة لَهُ بِإِسْنَاد صَحِيح قَالَ فِي الرَّابِعَة: «كالمهدي بطة، ثمَّ كالمهدي دجَاجَة، ثمَّ كالمهدي بَيْضَة».
قَالَ النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه وخلاصته: وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ وَإِن صَحَّ إسنادهما فقد يُقَال: هما شاذتان لمخالفتهما سَائِر الرِّوَايَات.
قلت: قد أخرج رِوَايَة العصفور أَحْمد فِي مُسْنده بِإِسْنَاد جيد من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَلَا مُخَالفَة إِذا.

.الحديث الثَّانِي بعد الْخمسين:

أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة واستن وَمَسّ من طيب إِن كَانَ عِنْده، وَلبس أحسن ثِيَابه، ثمَّ جَاءَ إِلَى الْمَسْجِد وَلم يتخط رِقَاب النَّاس، ثمَّ ركع مَا شَاءَ الله أَن يرْكَع، ثمَّ أنصت إِذا خرج إِمَامه حَتَّى يُصَلِّي، كَانَت لَهُ كَفَّارَة لما بَينهَا وَبَين الْجُمُعَة الَّتِي كَانَت قبلهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده، وَأَبُو دَاوُد فِي آخر الطَّهَارَة من سنَنه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي هَذَا الْبَاب، من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما- بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور زادوا- خلا ابْن حبَان-: «يَقُول أَبُو هُرَيْرَة: وَثَلَاثَة أَيَّام زِيَادَة، إِن الله قد جعل الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا». وَفِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عنعنة ابْن إِسْحَاق، لَكِن رَوَاهُ ابْن حبَان بِدُونِهَا، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِدُونِهَا وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. أَي فِي ابْن إِسْحَاق مُتَابعَة لَا اسْتِقْلَالا.
فَائِدَة: قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه: قد يتَوَهَّم من لم يَسْبُرْ صناعَة الحَدِيث أَن الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ثَمَانِيَة أَيَّام وَلَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لم يقل «غفر لَهُ من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة» فوقت الْجُمُعَة زَوَال الشَّمْس، فَمن زَوَال الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة إِلَى مثله من الْأُخْرَى سَبْعَة أَيَّام، وَقَوله: «ثَلَاثَة أَيَّام زِيَادَة» تَمام الْعشْر، قَالَ الله تَعَالَى: {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} وَهَذَا مِمَّا نقُول فِي كتبنَا: إِن الْمَرْء قد يعْمل طَاعَة الله فَيغْفر لَهُ بهَا ذنوبًا لم يكسبها بعد.

.الحديث الثَّالِث بعد الْخمسين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «البسوا الْبيَاض فَإِنَّهَا خير ثيابكم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَأحمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، وَابْن حبَان، وَالْحَاكِم، وَالْبَيْهَقِيّ، من حَدِيث ابْن عَبَّاس- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما- أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «البسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهَا من خير ثيابكم، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم».
وَلَفظ الشَّافِعِي: «من خير ثيابكم الْبيَاض فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم».
وَلَفظ أَحْمد كَمَا سقناه، وَفِي لفظ لَهُ كَلَفْظِ الشَّاهِد الَّذِي سَيذكرُهُ الْحَاكِم. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَلَفظ الْحَاكِم: «خير ثيابكم الْبيَاض فألبسوها أحياءكم، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم».
وَقَالَ ابْن الْقطَّان أَيْضا: إِنَّه حَدِيث صَحِيح.
قَالَ الْحَاكِم: وَلِهَذَا الحَدِيث شَاهد صَحِيح: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «البسوا الثِّيَاب الْبيض وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم، فَإِنَّهَا أطهر وَأطيب».
وَهَذَا الشَّاهِد صَحِيح كَمَا ذكر، وَقد أخرجه أَيْضا التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مَيْمُون بن أبي شبيب الْكُوفِي، عَن سَمُرَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح.
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي قلَابَة، عَن سَمُرَة رَفعه: «عَلَيْكُم بِهَذِهِ الْبيَاض فيلبسها أحياؤكم وكفنوا فِيهِ مَوْتَاكُم، فَإِنَّهَا من خير ثيابكم». وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه أَيْضا فِي كتاب اللبَاس بِلَفْظ: «عَلَيْكُم بِهَذَا الثِّيَاب الْبيض فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فِيهِ مَوْتَاكُم، فَإِنَّهُ من خير ثيابكم. أَو قَالَ: من خير لباسكم».
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ؛ لِأَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَإِسْمَاعِيل ابْن علية أَرْسلَاهُ عَن أَيُّوب. ثمَّ ذكر ذَلِك عَنْهُمَا بِإِسْنَادِهِ.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث، وَذكره بِلَفْظ الْحَاكِم فَقَالَ: لم يُتَابع معمر عَلَى وصل هَذَا الحَدِيث- حَيْثُ رَوَوْهُ عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة، عَن أبي الْمُهلب، عَن سَمُرَة وَإِنَّمَا يرويهِ عَن أبي قلَابَة، عَن سَمُرَة مَرْفُوعا.
قَالَ الْحَاكِم: وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَسمرَة بن جُنْدُب بِزِيَادَة فِيهِ، أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فلفظه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «خير ثيابكم الْبيَاض، فألبسوها أحياءكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم، وَإِن من خير أكحالكم الإثمد، فَإِنَّهُ يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر». ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ.
وَأما حَدِيث سَمُرَة فقد تقدم، قَالَ: وَله إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ فَذكر حَدِيث سَمُرَة بِلَفْظ: «البسوا من الثِّيَاب الْبيَاض فَإِنَّهَا أطهر وَأطيب، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم».
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
قلت: وَله شَاهد من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن، أخرجه الطَّبَرَانِيّ مَعَ حَدِيث سَمُرَة؛ وَشَاهد آخر من حَدِيث أنس، لكنه واهٍ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ حسن بن حكم بن طهْمَان، عَن هِشَام الدستوَائي، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عِصَام عَن أنس مَرْفُوعا: «خير ثيابكم الْبيَاض فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم». فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر جدًّا، بَاطِل بِهَذَا الْإِسْنَاد.
قلت: وَفِي سنَن ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات- حَتَّى عبد الْمجِيد بن أبي رواد، وَإِن لينه أَبُو حَاتِم- من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: رَفعه «إِن أحسن مَا زرتم الله بِهِ فِي قبوركم ومساجدكم الْبيَاض».
فَائِدَتَانِ:
الأولَى: قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «البسوا الْبيَاض» هُوَ بِفَتْح الْبَاء.
الثَّانِيَة: قَالَ الرَّافِعِيّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- نقلا عَن أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يلبس مَا صبغ غزله بعد النسج. وَهُوَ كَمَا نَقله عَنْهُم، وَقد ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فَقَالَ: بَاب مَا يسْتَحبّ من ثِيَاب الْحبرَة وَمَا يصْبغ غزله لَا يصْبغ بَعْدَمَا ينسج. ثمَّ رَوَى من حَدِيث قَتَادَة: سَأَلت أنسا: «أَي اللبَاس كَانَ أحب إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو أعجبه؟ قَالَ: الْحبرَة» رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، ثمَّ رَوَى من حَدِيث خَالِد بن معدان أَن جُبَير بن نفير حَدثهُ أَن عبد الله بن عَمْرو حَدثهُ قَالَ: «رَأَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عليّ ثَوْبَيْنِ معصفرين، فَقَالَ: يَا عبد الله بن عَمْرو، إِن هَذِه ثِيَاب الْكفَّار فَلَا تلبسها» رَوَاهُ مُسلم.