فصل: الحديث الثَّانِي بعد الْخمسين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين:

«أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَمر النَّاس بِالْفطرِ عَام الْفَتْح وَقَالَ: تقووا لعدوكم».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث قزعة قَالَ:
أتيت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَهُوَ مكثور عَلَيْهِ، فَلَمَّا تفرق النَّاس عَنهُ قلت: إِنِّي لَا أَسأَلك عَمَّا يَسْأَلك هَؤُلَاءِ عَنهُ فَسَأَلته عَن الصَّوْم فِي السّفر، فَقَالَ: «سافرنا مَعَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِلَى مَكَّة وَنحن صِيَام، قَالَ: فنزلنا منزلا فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إِنَّكُم قد دنوتم من عَدوكُمْ وَالْفطر أَقْوَى لكم، فَكَانَت رخصَة، فمنا من صَامَ وَمنا من أفطر، ثمَّ نزلنَا منزلا آخر فَقَالَ: إِنَّكُم مصبحو عَدوكُمْ وَالْفطر أَقْوَى لكم فأفطروا. فَكَانَت عَزمَة فأفطرنا. ثمَّ قَالَ لقد رَأَيْتنَا نَصُوم بعد ذَلِك مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي السّفر».

.الحديث الخَمْسُونَ:

«أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سُئِلَ عَن قَضَاء رَمَضَان، فَقَالَ: إِن شَاءَ فرقه، وَإِن شَاءَ تَابعه».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث سُفْيَان بن بشر، ثَنَا عَلّي بن مسْهر، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ فِي قَضَاء رَمَضَان: «إِن شَاءَ فرق، وَإِن شَاءَ تَابع». ثمَّ قَالَ: لم يسْندهُ غير سُفْيَان بن بشر. قَالَ: وَرَوَى عَن عَطاء، عَن عبيد بن عُمَيْر، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مثله. وَعَن عَطاء عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مثله، قَالَ: وَفِي إِسْنَاد حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: عبد الله بن خرَاش، وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ: وَرَوَى عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ: فرق قَضَاء رَمَضَان، إِنَّمَا قَالَ الله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرٌ} وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ: وَرَوَى عَنهُ مَرْفُوعا، وَفِي إِسْنَاده الْوَاقِدِيّ وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ وَرَوَى عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ: «بَلغنِي أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سُئِلَ عَن تقطيع قَضَاء صِيَام شهر رَمَضَان، فَقَالَ: ذَلِك إِلَيْك، أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أحدكُم دين فَقَضَى الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ ألم يكن قَضَاء؟ فَالله أَحَق أَن يعْفُو- أَو يغْفر». ثمَّ قَالَ: إِسْنَاده حسن إِلَّا أَنه مُرْسل. قَالَ: وَقد وَصله غير أبي بكر، عَن يَحْيَى بن سليم، وَلَا يثبت مُتَّصِلا. وَرَوَاهُ عَن جَابر مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، وَنقل كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَمن وَجه آخر عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا فِي جَوَاز التَّفْرِيق وَلَا يَصح شَيْء من ذَلِك. وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فصحح فِي تَحْقِيقه حَدِيث ابْن عمر السالف أَولا فَإِنَّهُ ذكر عقب قَول الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ غير سُفْيَان بن بشر قُلْنَا: مَا عرفنَا أحدا طعن فِيهِ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة. وَأما ابْن الْقطَّان فَقَالَ: سُفْيَان هَذَا غير مَعْرُوف الْحَال.
وَأعله أَيْضا بِعَبْد الْبَاقِي بن قَانِع شيخ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقد قدم عبد الْحق تَضْعِيفه واختلاطه قبل مَوته بِسنة وَترك أَصْحَاب الحَدِيث لَهُ، وَابْن الْجَوْزِيّ نَفسه ذكر عبد الْبَاقِي هَذَا فِي كتاب الضُّعَفَاء وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ فِي حَقه إِنَّه كَانَ يُخطئ كثيرا ويصر عَلَى الْخَطَأ.

.الحديث الحَادِي وَالْخَمْسُونَ:

رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «من كَانَ عَلَيْهِ صَوْم من رَمَضَان فليسرده وَلَا يقطعهُ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من ثَلَاث طرق عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء، ومدارها عَلَى عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم القَاضِي الْكرْمَانِي وَفِيه مقَال، قَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ.
وَقَالَ يَحْيَى بن معِين مرّة: ثِقَة. وَمرَّة: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو زرْعَة:
لَا بَأْس بِهِ، أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ النَّسَائِيّ:
لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَحَكَى البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي نَفْس هَذَا الحَدِيث عَن حبَان بن هِلَال رَاوِيه عَنهُ أَنه ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي فِي كَامِله وَذكر حَدِيثا لعبد الرَّحْمَن هَذَا عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن: هَذَا قد رَوَى عَن الْعَلَاء غير هَذَا الحَدِيث، وَلم يتَبَيَّن فِي حَدِيثه ورواياته حَدِيث مُنكر فأذكره بِهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، وَعبد الرَّحْمَن ضعفه يَحْيَى بن معِين وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَقد علمت عَن يَحْيَى أَنه اخْتلف قَوْله فِيهِ، وَقَالَ عبد الْحق: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْقَاص، وَقد أنكرهُ عَلَيْهِ أَبُو حَاتِم ووثق وَضعف. قَالَ ابْن الْقطَّان: كَذَا قَالَ، وَهُوَ يروي عَنهُ أَحَادِيث، وَلم يبين أَبُو حَاتِم أَن الَّذِي أَنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه، وَلَعَلَّه حَدِيث آخر. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سُئِلَ أبي عَنهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، رَوَى حَدِيثا مُنْكرا عَن الْعَلَاء. قَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَرِجَاله لَا بَأْس بهم، وَلَيْسَ فيهم من يوضع النّظر فِيهِ إِلَّا هَذَا الْقَاص، وَهُوَ لَا بَأْس بِهِ، وَمَا جَاءَ من ضعفه بِحجَّة. قَالَ: وَإِذا وجدت عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء. فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ قَلِيل الرِّوَايَات، وَقد يُفَسر ذَلِك عَنهُ فِي رجال هَكَذَا، وَإِلَّا فَهَذَا توثيقه إِيَّاه، نَقله عَنهُ الدوري. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَالْمَقْصُود أَن يعلم أَنه مُخْتَلف فِيهِ، والْحَدِيث من رِوَايَته حسن.

.الحديث الثَّانِي بعد الْخمسين:

عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ: هَلَكت. قَالَ: مَا شَأْنك؟ قَالَ: واقعت امْرَأَتي فِي رَمَضَان. قَالَ: تَسْتَطِيع تعْتق رَقَبَة؟ قَالَ:
لَا. قَالَ: فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَل تَسْتَطِيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فاجلس. فَأتي النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعرق فِيهِ تمر- والعرق: المكتل الضخم- فَقَالَ: خُذ هَذَا فَتصدق بِهِ. قَالَ: عَلَى أفقر منا؟ فَضَحِك النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، وَقَالَ: أطْعمهُ عِيَالك»
.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه وَزَادا فِيهِ: «فوَاللَّه مَا بَين لابتيها- يُرِيد الحرتين- أهل بَيت أفقر من أهل بَيْتِي» وَفِي رِوَايَة لَهما «أنيابه» بدل «نَوَاجِذه» وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وَقد ذكرته بِطُولِهِ فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط بِزِيَادَة فَوَائِد فَرَاجعه مِنْهُ.
فَائِدَة: «العَرَق» بِفَتْح الْعين وَالرَّاء، وَيُقَال: بإسكانها، وَالصَّحِيح الأول، وَيُقَال لَهُ: المكتل والزنبيل، والقفة، والسفيفة- بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة، وبفاء مكررة- وَكله اسْم لهَذَا الْوِعَاء الْمَعْرُوف، لَيْسَ لسعته قدر مضبوط بل يصغر وَيكبر، وَلِهَذَا اخْتلفت الرِّوَايَات فِي قدر مَا يسع.
وَقَوله: «مَا بَين لابتيها» يُرِيد حرتيها والحرة: أَرض يركبهَا حِجَارَة سود. و«النواجذ»- بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة-: هِيَ الأنياب، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي اللُّغَة، وَهُوَ مُتَعَيّن جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ.

.الحديث الثَّالِث بعد الْخمسين:

أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته..» الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث تقدم أول الْبَاب.

.الحديث الرَّابِع بعد الْخمسين:

أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لم يَأْمر الْأَعرَابِي بِالْقضَاءِ مَعَ الْكَفَّارَة، وَرُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه قَالَ للرجل: «واقض يَوْمًا مَكَانَهُ».
هُوَ كَمَا قَالَه؛ فقد رُوِيَ الْأَمر بِالْقضَاءِ من أوجه:
أَحدهَا: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَرُوِيَ عَنهُ من أوجه: أَحدهَا: من حَدِيث هِشَام بن سعد، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة عَنهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأعله ابْن حزم ثمَّ ابْن الْقطَّان بِهِشَام هَذَا، لكنه من رجال الصَّحِيح فَجَاز القنطرة، وَتَابعه إِبْرَاهِيم بن سعد، كَمَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه.
ثَانِيهَا: من حَدِيث أبي أويس، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: تَابعه عبد الْجَبَّار بن عمر، عَن الزُّهْرِيّ، وَأعله ابْن حزم بِأبي أويس لكنه من رجال مُسلم ووثق.
ثَالِثهَا: من حَدِيث عبد الْجَبَّار بن عمر، عَن يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب عَنهُ، وَعبد الْجَبَّار هَذَا ضَعَّفُوهُ وَإِن وَثَّقَهُ ابْن سعد.
الْوَجْه الثَّانِي: من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا بِهِ. رَوَاهُ الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن عَطاء، عَن عَمْرو بِهِ. وَالْحجاج حَالَته مَعْلُومَة.
الثَّالِث: من حَدِيث مَالك، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا.
الرَّابِع: من حَدِيث ابْن جريج، عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم مُرْسلا.
الْخَامِس: من حَدِيث أبي معشر الْمدنِي، عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ مُرْسلا.
إِذا عرف ذَلِك فَقَوْل الرَّافِعِيّ أَولا «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لم يَأْمر الْأَعرَابِي بِالْقضَاءِ» مُرَاده بِهِ أَنه لم يَأْمُرهُ بِهِ فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة، وورد فِي بعض الرِّوَايَات الْأَمر بِهِ، وَقد علمت مَا فِيهِ.

.الحديث الخَامِس بعد الْخمسين:

«رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ للأعرابي الَّذِي جَاءَهُ وَقد وَاقع: صم شَهْرَيْن.
فَقَالَ: هَل أتيت إِلَّا من قبل الصَّوْم..»
ثمَّ ذكر الْبَاقِي.
هَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة لَا أعرفهَا فِي هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط: إِنَّهَا لَا تعرف. قَالَ: وَالْمَذْكُور بدلهَا فِي الرِّوَايَات الْمَعْرُوفَة أَنه لَا يَسْتَطِيع ذَلِك.
قلت: لَكِن فِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار، عَن سَلمَة بن صَخْر البياضي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ للمظاهر من زَوجته حَتَّى يَنْسَلِخ رَمَضَان، ثمَّ وطئ فِي أَثْنَائِهِ: «صم شَهْرَيْن مُتَتَابعين. قَالَ: وَهل أصبت الَّذِي أصبت إِلَّا من الصّيام» وَهَذَا المجامع فِي رَمَضَان، هُوَ سَلمَة ابْن صَخْر، أَو سلمَان بن صَخْر الَّذِي ظَاهر من امْرَأَته أَنه لَا يَطَؤُهَا فِي رَمَضَان. كَمَا حَكَاهُ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ بن سعيد، فَقَالَ: إِنَّه سَلمَة بن صَخْر البياضي. ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ أَنه قَالَ: «لما دخل شهر رَمَضَان ظَاهَرت من امْرَأَتي..» وَذكر الْقِصَّة، وَفِي النَّفس من كَونهَا وَاقعَة وَاحِدَة موقف عِنْدِي. وَفِي الْجمع بَين مبهمات ابْن طَاهِر وَابْن بشكوال للشَّيْخ قطب الدَّين ابْن الْقُسْطَلَانِيّ حِكَايَة قَوْلَيْنِ فِي اسْم هَذَا المجامع:
أَحدهمَا: أَنه سَلمَة بن صَخْر البياضي، وَالثَّانِي: سلمَان بن صَخْر وَحَقِيقَة الْقَوْلَيْنِ قولا وَاحِدًا؛ فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ: سَلمَة وسلمان كَمَا أسلفناه، وَسَلَمَة أصح وَأشهر.
تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ: وَإِذا جرينا عَلَى الْقيَاس حملنَا قصَّة الْأَعرَابِي عَلَى خاصيته وخاصية أَهله. قَالَ الإِمَام: وَكَثِيرًا مَا كَانَ يفعل ذَلِك رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَمَا فِي الْأُضْحِية، وإرضاع الْكَبِير وَنَحْوهمَا.
وَأَشَارَ الإِمَام بالأضحية إِلَى حَدِيث أبي بردة بن نيار فِي الْجذع وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: «وَلنْ تُجزئ عَن أحد بعْدك» وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله فِي بَابه.
وَأَشَارَ بإرضاع الْكَبِير إِلَى قصَّة سَالم الثَّابِتَة فِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «جَاءَت سهلة بنت سُهَيْل إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي أرَى فِي وَجه أبي حُذَيْفَة من دُخُول سَالم- وَهُوَ حليفه- فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرضعيه. قَالَت: وَكَيف أرضعه وَهُوَ رجل كَبِير؟! فَتَبَسَّمَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَقَالَ: قد علمت أَنه رجل كَبِير». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: أرضعيه تحرمي عَلَيْهِ، وَيذْهب الَّذِي فِي نَفْس أبي حُذَيْفَة. فَرَجَعت فَقَالَت: إِنِّي قد أَرْضَعَتْه فَذهب الَّذِي فِي نَفْس أبي حُذَيْفَة» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أرضعيه حَتَّى يدْخل عَلَيْك». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «فَقَالَت: إِنَّه ذُو لحية! فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرضعيه يذهب مَا فِي وَجه أبي حُذَيْفَة». وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أم سَلمَة أَنَّهَا كَانَت تَقول: «أَبَى سَائِر أَزوَاج النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن يدخلن عَلَيْهِنَّ أحدا بِتِلْكَ الرضَاعَة، وقلن لعَائِشَة: مَا نرَى هَذِه إِلَّا رخصَة أرخصها رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خَاصَّة، فَمَا هُوَ بداخل علينا أحد بِهَذِهِ الرضَاعَة وَلَا رائينا» وَفِي رِوَايَة لمَالِك وَأحمد «أَنَّهَا أَرْضَعَتْه خمس رَضعَات فَكَانَ وَلَده».

.الحديث السَّادِس بعد الْخمسين:

عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وموقوفاً عَلَيْهِ: «من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم فليطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مِسْكين».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة، ثَنَا عَبْثَر بن الْقَاسِم، عَن أَشْعَث، عَن مُحَمَّد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام شهر فليطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مِسْكينا»
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث قُتَيْبَة أَيْضا وَقَالَ: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.
وَهُوَ وهم؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى. قَالَ التِّرْمِذِيّ:
هَذَا حَدِيث لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر. قَالَ: وَأَشْعَث هُوَ ابْن سوار، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي لَيْلَى.
قلت: وَكِلَاهُمَا ضَعِيف، أما أَشْعَث بن سوار فالأكثر عَلَى أَنه غير مرضِي وَلَا مُخْتَار كَمَا ستعلمه فِي بَاب حج الصَّبِي- إِن شَاءَ الله تَعَالَى-
وَأما ابْن أبي لَيْلَى فصدوق سيئ الْحِفْظ، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِذَاكَ.
وَقَالَ مرّة: ضَعِيف. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق، شغل بِالْقضَاءِ فسَاء حفظه، لَا يتهم بِشَيْء من الْكَذِب، إِنَّمَا يُنكر عَلَيْهِ كَثْرَة الْخَطَأ. وَقَالَ الْعجلِيّ: كَانَ فَقِيها صَاحب سنة جَائِز الحَدِيث.
وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من الْحفاظ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الْمَحْفُوظ وَقفه عَلَيْهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّه الصَّحِيح.
قَالَ: وَقد رَوَاهُ ابْن أبي لَيْلَى، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَفعه «فِي الَّذِي يَمُوت وَعَلِيهِ رَمَضَان لم يقضه قَالَ: يطعم عَنهُ لكل يَوْم نصف صَاع من برّ» قَالَ: وَهَذَا خطأ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: رَفعه فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف.
وَالثَّانِي: قَوْله: «نصف صَاع» وَإِنَّمَا قَالَ ابْن عمر: «مدًّا من حِنْطَة» قَالَ:
وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن ابْن أبي لَيْلَى لَيْسَ فِيهِ ذكر الصَّاع. ثمَّ ذكر الرِّوَايَة الَّتِي رويناها أَولا.

.الحديث السَّابِع بعد الْخمسين:

أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم صَامَ عَنهُ وليه».
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده حسن. قَالَ عبد الْحق: وَعلله بَعضهم بالاختلاف فِي إِسْنَاده وَلَا يضر؛ لِأَن الَّذين أسندوه ثِقَات. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: قد رُوِيَ فِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت شَيْء، فَإِن كَانَ ثَابتا صيم عَنهُ كَمَا يحجّ عَنهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد ثَبت ذَلِك. وَفِي رِوَايَة للبزار من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا: «من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام فليصم عَنهُ وليه إِن شَاءَ» وَفِي إسنادها ابْن لَهِيعَة وَهُوَ مَعْرُوف الْحَال، ودونه يَحْيَى بن كثير الزيَادي، وَهُوَ ضَعِيف عِنْدهم.

.الحديث الثَّامِن بعد الْخمسين:

«أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ فِي الْحَامِل والمرضع: إِذا خافتا عَلَى ولديهما أفطرتا وافتدتا».
هَذَا الحَدِيث تقدم فِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين إِلَّا قَوْله: «وافتدتا» وَسَيَأْتِي ذَلِك من قَول ابْن عَبَّاس فِي الْآثَار إِن شَاءَ الله.

.الحديث التَّاسِع بعد الْخمسين:

عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «من أدْرك رَمَضَان فَأفْطر لمَرض ثمَّ صَحَّ وَلم يقضه حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الَّذِي أدْركهُ ثمَّ يقْضِي مَا عَلَيْهِ، ثمَّ يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن نَافِع الْجلاب، ثَنَا عمر بن مُوسَى بن وجيه، حَدثنَا الحكم، عَن مُجَاهِد، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «فِي رجل أفطر فِي رَمَضَان من مرض، ثمَّ صَحَّ وَلم يصمه حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر، قَالَ: يَصُوم الَّذِي أدْرك، ثمَّ يَصُوم الشَّهْر الَّذِي أفطر فِيهِ، وَيطْعم مَكَان كل يَوْم مِسْكينا» ثمَّ قَالَ: إِبْرَاهِيم بن نَافِع وَابْن وجيه ضعيفان. زَاد عبد الْحق فِي أَحْكَامه: وَلَا يَصح فِي الْإِطْعَام شَيْء. وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِشَيْء، إِبْرَاهِيم وَعمر مَتْرُوكَانِ. وَقَالَ فِي خلافياته: لَا يَصح لضعفهما. ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَى أبي هُرَيْرَة من طرق، ثمَّ قَالَ فِي كل مِنْهَا: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته أَيْضا قَالَ: وَصَحَّ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا عَلَيْهِ مثله.

.الحديث السِّتُّونَ:

عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «دخل عليَّ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقلت: إِنَّا خبأنا لَك حَيْسًا. قَالَ: أما إِنِّي كنت أُرِيد الصَّوْم ولَكِن قربيه».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الْعَاشِر مِنْهُ وَمَعْنى قربيه: أدنيه مني لأشرب مِنْهُ.

.الحديث الحَادِي بعد السِّتين:

عَن أم هَانِئ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «دخل عليَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَأَنا صَائِمَة، فناولني فضل شرابه، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي كنت صَائِمَة، وَإِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك. فَقَالَ: إِن كَانَ قَضَاء من رَمَضَان فصومي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضيه، وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من حَدِيث سماك بن حَرْب، عَن هَارُون بن أم هَانِئ، عَن أم هَانِئ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: فِي إِسْنَاده مقَال. وَقَالَ النَّسَائِيّ: اخْتلف عَلَى سماك فِيهِ، وَسماك لَيْسَ يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ. وَقَالَ عبد الْحق بعد أَن رَوَاهُ من طَرِيق النَّسَائِيّ، عَن حَمَّاد ابْن سَلمَة، عَن سماك بِهِ: هَذَا أحسن أَسَانِيد هَذَا الحَدِيث، وَإِن كَانَ لَا يحْتَج بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ كَمَا ذكر إِلَّا أَن الْعلَّة لم يبينها وَهِي الْجَهْل بهَارُون بن أم هَانِئ أَو ابْن ابْنة أم هَانِئ فَكل ذَلِك قيل فِيهِ، وَهُوَ لَا يعرف أصلا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي مُخْتَصر السّنَن: فِي إِسْنَاده مقَال وَلَا يثبت. قَالَ: وَفِي إِسْنَاده اخْتِلَاف كثير أَشَارَ إِلَيْهِ النَّسَائِيّ.
قلت: وَحَاصِل الِاخْتِلَاف فِيهِ أَنه اخْتلف عَلَى سماك، فَتَارَة رَوَاهُ عَن أبي صَالح باذان، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا مر فِي الْجَنَائِز، وَتارَة عَن جعدة وَهُوَ مَجْهُول. قَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه: جعدة من ولد أم هَانِئ، عَن أبي صَالح، عَن أم هَانِئ رَوَى عَنهُ شُعْبَة، لَا يعرف إِلَّا بِحَدِيث فِيهِ نظر.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: لم يسمعهُ جعدة من أم هَانِئ وَتارَة عَن هَارُون، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طرق عَن سماك وفِيهِ قَوْله: «فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه». وَرَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق حَمَّاد عَنهُ فَقَط، وَحَمَّاد هَذَا هُوَ ابْن سَلمَة ثِقَة ثَبت من رجال مُسلم، لَكنا أسلفنا عَن الْبَيْهَقِيّ أَنه قَالَ فِي الحَدِيث الثَّالِث عشر من بَاب شُرُوط الصَّلَاة إِن حماداً اخْتلف فِي عَدَالَته، وَقَالَ فِي باب من أَدَّى الزَّكَاة: سَاءَ حفظه فِي آخر عمره، فالحفاظ لَا يحتجون بِمَا يُخَالف فِيهِ، ويتجنبون مَا ينْفَرد بِهِ عَن قيس بن ثَابت وَأَمْثَاله.
قلت: ووراء ذَلِك كُله أَمر آخر وَهُوَ أَن هَذَا من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يَوْم الْفَتْح- كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ، وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا من حَدِيث يَحْيَى بن جعدة السالف عَن أم هَانِئ «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ دخل عَلَيْهَا يَوْم الْفَتْح فَأتي بِإِنَاء فَشرب مِنْهُ، ثمَّ ناولني فَقلت: إِنِّي صَائِمَة؟ فَقَالَ: إِن المتطوع أَمِير عَلَى نَفسه، فَإِن شِئْت فصومي، وَإِن شِئْت فافطري» هَذَا لفظ النَّسَائِيّ، وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ: «فَشرب مِنْهُ وسقاها. قَالَت: إِنِّي كنت صَائِمَة وَلَكِن كرهت أَن أرد عَلَيْك شرابك. قَالَ: كنت تقضين؟ قلت: لَا. قَالَ: لَا يَضرك» انْتَهَى. فَلْيتَأَمَّل ذَلِك وَكَيف يَقع الْقَضَاء فِي رَمَضَان.
فَائِدَة: السؤر بِالْهَمْزَةِ.
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله وَمِنْه.

.وَأما الْآثَار:

فخمسة عشر أثرا.

.الأول:

عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ: «لِأَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إليَّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من جِهَته: أَنا عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان، عَن أمه فَاطِمَة بنت حُسَيْن «أَن رجلا شهد عِنْد عَلّي بِرُؤْيَة هِلَال رَمَضَان فصَام» وَأَحْسبهُ قَالَ: «وَأمر النَّاس أَن يَصُومُوا- وَقَالَ: أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إليَّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان».

.الثَّانِي:

عَن شَقِيق بن سَلمَة قَالَ: «أَتَانَا كتاب عمر بن الْخطاب وَنحن بخانقين: إِن الْأَهِلّة بَعْضهَا أكبر من بعض، فَإِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال نَهَارا فَلَا تفطروا حَتَّى تمسوا» وَفِي رِوَايَة: «فَإِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال من أول النَّهَار فَلَا تفطروا حَتَّى يشْهد شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رأياه بالْأَمْس».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح باللفظين الْمَذْكُورين، وَزَاد فِي آخر الأول: «إِلَّا أَن يشْهد شَاهِدَانِ رجلَانِ مسلمان أَنَّهُمَا أهلاه بالْأَمْس عَشِيَّة» ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَابَيْنِ من سنَنه:
أَحدهمَا: فِي بَاب الْهلَال يرَى بِالنَّهَارِ. وَالثَّانِي: فِي بَاب من لم يقبل عَلَى رُؤْيَة هِلَال الْفطر إِلَّا شَاهِدين عَدْلَيْنِ. وَقَالَ فِي هَذَا الْبَاب:
هَذَا أثر صَحِيح عَنهُ. وَرَوَى عَنهُ- أَعنِي الْبَيْهَقِيّ- التَّفْرِقَة بَين رُؤْيَته قبل الزَّوَال وَبعده، ثمَّ قَالَ: إِنَّه مُنْقَطع وَحَدِيث شَقِيق أصح مِنْهُ. وَرَوَى عَنهُ أَيْضا «إِنَّمَا يَكْفِي الْمُسلمين الرجل» وَهُوَ من رِوَايَة عبد الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن أبي لَيْلَى عَنهُ، وَنقل عَن يَحْيَى بن معِين أَنه لم يثبت سَماع ابْن أبي لَيْلَى من عمر، وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبد الْأَعْلَى غَيره أثبت مِنْهُ، وَحَدِيث شَقِيق أصح إِسْنَادًا مِنْهُ.
فَائِدَة:
قَوْله «بخانقين» هُوَ بخاء مُعْجمَة، ثمَّ نون ثمَّ قَاف مكسورتين: بَلْدَة بالعراق قريبَة من بَغْدَاد، وَفِي أَسمَاء الْأَمَاكِن للبكري خانقون عَلَى وزن فاعلون: مَوضِع من بِلَاد فَارس، وَهُوَ طَسُّوج من طساسيج حُلْوان. قَالَ كرَاع: سمي خانقين لِأَن عديًّا خُنق فِيهِ.
وَقيل: الخانق مضيق فِي الْوَادي. وَقيل: شعب ضيق فِي أَعلَى الْجَبَل، وَبِه سمي خانقون.
وَقَوله: «إِن الْأَهِلّة بَعْضهَا أكبر من بعض» أَرَادَ ارْتِفَاع الْمنَازل لَا عظم الدارة. وَوَقع فِي بعض نسخ الْكتاب سُفْيَان بدل شَقِيق وَهُوَ من تَحْرِيف النَّاسِخ.

.الثَّالِث:

أثر ابْن عمر فِي الاستقاءة تقدم فِي آخر الحَدِيث الْحَادِي عشر.

.الرَّابِع:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه قَالَ: «الْفطر مِمَّا دخل، وَالْوُضُوء مِمَّا خرج».
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَنهُ تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم وَلَفظه: قَالَ ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة: «الصَّوْم مِمَّا دخل، وَلَيْسَ مِمَّا خرج». وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَلَفظه عَن ابْن عَبَّاس: «أَنه ذكر عِنْده الْوضُوء من الطَّعَام- قَالَ الْأَعْمَش مرّة: والحجامة للصَّائِم- فَقَالَ: إِن الْوضُوء مِمَّا يخرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل، وَإِنَّمَا الْفطر مِمَّا دخل وَلَيْسَ مِمَّا خرج». وَقد ذكره الرَّافِعِيّ مَرْفُوعا فِي الإحداث، وتكلمنا عَلَيْهِ هُنَاكَ.

.الْخَامِس:

«أَن النَّاس أفطروا فِي زمَان عمر ثمَّ انْكَشَفَ السَّحَاب وَظَهَرت الشَّمْس»..
وَهَذَا أثر صَحِيح، رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ، عَن زيد بن أسلم، عَن أَخِيه خَالِد بن أسلم «أَن عمر بن الْخطاب أفطر فِي رَمَضَان فِي يَوْم ذِي غيم، وَرَأَى أَنه قد أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْس، فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ: قد طلعت الشَّمْس. فَقَالَ: الخَطْب يسير وَقد اجتهدنا» قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك:
يَعْنِي قَضَاء يَوْم مَكَانَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ من وَجْهَيْن آخَرين عَن عمر مُفَسرًا فِي الْقَضَاء. فذكرهما بِإِسْنَادِهِ. إِحْدَاهمَا: عَن عَلّي بن حَنْظَلَة، عَن أَبِيه- وَكَانَ أَبوهُ صديقا لعمر- قَالَ: «كنت عِنْد عمر فِي رَمَضَان فَأفْطر وَأفْطر النَّاس، فَصَعدَ الْمُؤَذّن ليؤذن فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، هَذِه الشَّمْس مَا تغرب. فَقَالَ عمر: كفانا الله شرك، إِنَّا لم نبعثك رَاعيا. ثمَّ قَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: من كَانَ قد أفطر فليصم يَوْمًا مَكَانَهُ» وَفِي الْأُخْرَى «فَقَالَ عمر: مَا نبالي وَالله نقضي يَوْمًا مَكَانَهُ» ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي نَظَائِر هَذِه الرِّوَايَات عَن عمر فِي الْقَضَاء دَلِيل عَلَى خطأ رِوَايَة زيد بن وهب فِي ترك الْقَضَاء. ثمَّ سَاقهَا وَبَين ضعفها.