فصل: الحديث الثَّانِي بعد الْعشْرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث العشْرُونَ:

«أَن أَعْرَابِيًا قعد عِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاسْتحْسن كَلَامه فاستأذنه فِي أَن يقبّل وَجهه فَأذن لَهُ، ثمَّ اسْتَأْذن أَن يقبّل يَده فَأذن لَهُ، ثمَّ اسْتَأْذن فِي أَن يسْجد لَهُ فَلم يَأْذَن لَهُ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله قد أسلمت فأرني شَيْئا أزدد بِهِ يَقِينا، فَقَالَ: فَمَا الَّذِي تريده؟ قَالَ: أُدع تِلْكَ الشَّجَرَة فلتأتك...» فَذكر حَدِيثا فِي إتْيَان الشَّجَرَة إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وتسليمها عَلَيْهِ ورجوعها، وَفِي آخِره «فَقَالَ الْأَعرَابِي: ائْذَنْ لي يَا رَسُول الله أَن أقبل رَأسك ورجليك فَفعل، ثمَّ قَالَ: ائْذَنْ لي أَن أَسجد لَك، فَقَالَ: لَا يسْجد أحد لأحد، وَلَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأحدٍ لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا لعظم حَقه عَلَيْهَا». وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا «أَن رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله عَلمنِي شَيْئا أزداد بِهِ يَقِينا. قَالَ فَقَالَ: ادْع تِلْكَ الشَّجَرَة، فَدَعَا بهَا فَجَاءَت حَتَّى سلمت عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالَ لَهَا: ارجعي فَرَجَعت. قَالَ: ثمَّ أذن لَهُ فَقبل رَأسه وَرجلَيْهِ، وَقَالَ: لَو كنت آمرًا أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا» ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ذكره فِي كتاب الْبر والصلة وَفِي إِسْنَاده وَإسْنَاد أبي نعيم: حبَان بن عَلّي الْغَزِّي الْكُوفِي أَخُو منْدَل وَقد ضَعَّفُوهُ وَرَوَاهُ صَالح بن حبَان أَيْضا وَقد ضَعَّفُوهُ فَكيف يكون صَحِيح الْإِسْنَاد إِذا قَالَ أَبُو نعيم: وَرَوَاهُ تَمِيم الدَّارِيّ بن عبد الْمُؤمن عَن صَالح بن حبَان وَلَفظه «أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ يسْأَل عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْن هُوَ؟ حَتَّى وَقع إِلَى قوم جُلُوس من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسلم ثمَّ قَالَ: أَي نَبِي الله آتِيك فَأقبل رَأسك؟ فَقَالَ: نعم. قَالَ: أقبل رجليك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَتَيْتُك مُسلما أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك عَبده وَرَسُوله. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: ذَلِك خير لَك...» فَذكر الحَدِيث فِي طلب إتْيَان الشَّجَرَة وإتيانها ورجوعها وَفِي آخِره «وَقَالَ: يَا نَبِي الله، أَسجد لَك؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا السُّجُود لله...» الحَدِيث.
قلت: وَتَمِيم هَذَا لَا أعرف حَاله، ثمَّ اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه لَا يكره التَّعْظِيم بالتقبيل لزهد أَو علم وَكبر سنّ، ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث زارع رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «كَانَ فِي وَفد عبد الْقَيْس قَالَ: فَجعلنَا نتبادر من رواحنا فنقبل يَد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبلنَا يَده» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما فِي قصَّة قَالَ: «فَدَنَوْنَا- يَعْنِي من النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبلنَا يَده وَرجله» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا، وَمِنْهَا حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «قَالَ يَهُودِيّ لصَاحبه: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِي، فَأتيَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَاهُ عَن تسع آيَات بَيِّنَات» فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله: «فقبلوا يَده وَرجله، وَقَالا: نشْهد أَنَّك نَبِي». رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بأسانيد صَحِيحَة.

.الحديث الحَادِي بعد الْعشْرين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «حق الْمُؤمن عَلَى الْمُؤمن سِتَّة: أَن يسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، وَأَن يجِيبه إِذا دَعَاهُ، وَأَن يشمته إِذا عطس، وَأَن يعودهُ إِذا مرض، وَأَن يشيع جنَازَته إِذا مَاتَ، وَأَن لَا يظنّ فِيهِ إِلَّا خيرا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَّا أَنه قَالَ: «وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ» بدل «وَأَن لَا تظن فِيهِ إِلَّا خيرا» وَهَذَا لَفظه «حق الْمُسلم عَلَى الْمُسلم سِتَّة إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ، وَإِذا دعَاك فأجبه، وَإِذا استنصحك فانصح، وَإِذا عطس فحمِدَ الله فشمّته، وَإِذا مرض فعده، وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ» وَفِي رِوَايَة لَهُ وللبخاري «حق الْمُسلم خمس: رد السَّلَام، وعيادة الْمَرِيض، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز، وَإجَابَة الدعْوَة، وتشميت الْعَاطِس» وَفِي سنَن ابْن مَاجَه وجَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق، عَن الْحَارِث، عَن عَلّي مَرْفُوعا «للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم سِتَّة بِالْمَعْرُوفِ: يسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، ويجيبه إِذا دَعَاهُ، ويشمته إِذا عطس، ويعوده إِذا مرض، وَيتبع جنَازَته إِذا مَاتَ، وَيُحب لَهُ مَا يحب لنَفسِهِ» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن، وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن خَالِد بن أبي عمرَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَفعه «للمرء الْمُسلم عَلَى أَخِيه من الْمَعْرُوف سِتَّة: تشميته إِذا عطس، ويعوده إِذا مرض، وينصحه إِذا غَابَ أَو شهده، وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، ويجيبه إِذا دَعَاهُ، ويتبعه إِذا مَاتَ، وَنَهَى عَن هِجْرَة الْمُسلم أَخَاهُ فَوق ثَلَاث».
وَفِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه من حَدِيث الأفريقي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، عَن أَبِيه، عَن أبي أَيُّوب رَفعه «للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم سِتّ خِصَال وَاجِبَة، فَمن ترك مِنْهَا خصْلَة ترك حَقًا وواجبًا لِأَخِيهِ: أَن يجِيبه إِذا دَعَاهُ، وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، ويشمته إِذا عطس، ويعوده إِذا مرض، ويشيع جنَازَته إِذا مَاتَ، وينصحه إِذا استنصحه».
وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول: مَا أطيبك وَأطيب رِيحك مَا أعظمك مَا أعظم حرمتك، وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن أعظم عِنْد الله حُرْمَة منَكِ مَاله وَدَمه، وَأَن لَا يظنّ بِهِ إِلَّا خيرا».
وَقد رُوِيَ حَدِيث غَرِيب جدا من طَرِيق عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَفعه «للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم ثَلَاثُونَ حَقًا لَا بَرَاءَة لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَو الْعَفو: يغْفر لَهُ زلته وَيرْحَم عبرته، وَيسْتر عَوْرَته، ويقيل عثرته، وَيقبل معذرته، وَيرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمَّته، وَيعود مريضه، وَيشْهد ميته، ويجيب دَعوته، وَيقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشمت عطسته، وَيرد ضالته، ويشكر نعمه، وَيحسن نصرته، وَيَقْضِي حَاجته، ويتتبع سئلته، وَيرد سَلَامه، ويطيب كَلَامه، ويبر إنعامه، وَيصدق أقسامه، وينصره ظَالِما أَو مَظْلُوما، ويواليه لَا يعاديه، فَأَما نصرته ظَالِما فَيردهُ عَن ظلمه، وَأما نصرته مَظْلُوما فيعينه عَلَى أَخذ حَقه وَلَا يُسلمهُ وَلَا يَخْذُلهُ، وَيُحب لَهُ من الْخَيْر مَا يحب لنَفسِهِ، وَيكرهُ لَهُ من الشَّرّ مَا يكره لنَفسِهِ» وَهُوَ حَدِيث مُنكر بِهَذِهِ السِّيَاقَة كلهَا أَنبأَنَا بِهِ شَيخنَا صَلَاح الدَّين العلائي، أَنا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الصَّالِحِي، أَنبأَنَا أَحْمد بن عبد الدايم، أَنا يَحْيَى الثَّقَفِيّ، أبنا إِسْمَاعِيل بن الْفضل، أنبانا أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الذكواني، أبنا جدي أَبُو بكر بن أبي عَلّي، أَنبأَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر الْبَغْدَادِيّ، نَا أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه جَعْفَر، عَن أَبِيه مُحَمَّد بن عبد الله، عَن أَبِيه عَلّي بن أبي طَالب فَذكره.

.الحديث الثَّانِي بعد الْعشْرين:

«أَن جَعْفَر بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما قدم من الْحَبَشَة عانقه رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق أحْسنهَا: مَا سَاقه الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، نَا عبد الله بن طَاوس، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس «أَن جَعْفَر بن أبي طَالب لما قدم من الْحَبَشَة تَلقاهُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم واعتنقه وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ: مرْحَبًا بأشبههم لي خَلقًا وخُلقًا».
ثَانِيهَا: من حَدِيث عمْرَة، عَن عَائِشَة. قَالَت: «لما قدم جَعْفَر من أَرض الْحَبَشَة خرج إِلَيْهِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فعانقه» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، فِي إِسْنَاده أَبُو قَتَادَة الْحَرَّانِي قَالَ: وَقد رُوِيَ عَنْهَا من طَرِيق آخر فِيهِ مُحَمَّد بن عبيد بن عُمَيْر، وَكِلَاهُمَا غير مَحْفُوظ. قَالَ: وهما ضعيفان.
قلت: وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد هَذَا وَلَفظه عَنْهَا «أَنه لما قدم هُوَ وَأَصْحَابه استقبله النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقبل بَين عَيْنَيْهِ».
ثَالِثهَا: من حَدِيث الشّعبِيّ «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تلقى جَعْفَر بن أبي طَالب فَالْتَزمهُ وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه مَعَ الْإِرْسَال الأحلج الْكِنْدِيّ وَهُوَ صَدُوق شيعي جلد ضَعِيف، ووثق. رَوَاهُ أَبُو نعيم مُتَّصِلا بِدُونِ الأحلج وَهَذَا لَفظه عَن عَامر الشّعبِيّ، عَن عبد الله بن جَعْفَر، عَن أَبِيه جَعْفَر قَالَ: «لما قدمت الْمَدِينَة من عِنْد النَّجَاشِيّ تَلقانِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فاعتنقني ثمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي أَنا بِفَتْح خَيْبَر أفرحْ أم بقدوم جَعْفَر. وَوَافَقَ ذَلِك فتح خَيْبَر» وَرَوَاهُ أَيْضا كَذَلِك الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث مجَالد، عَن الشّعبِيّ بِهِ سَوَاء، وَرَوَاهُ العُقيلي من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر قَالَ «لما قدم جَعْفَر من الْحَبَشَة أَتَاهُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ: مَا أَنا بِفَتْح خَيْبَر أَشد فَرحا مني بقدوم جَعْفَر» وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن جَعْفَر. قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه أَحْكَام النّظر: حَاله لَا يعرف.
رَابِعهَا: من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «وَجه رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جَعْفَر بن أبي طَالب إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة فَلَمَّا قدم اعتنقه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ ثمَّ علمه صَلَاة التَّسْبِيح».
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي آخر بَاب صَلَاة التَّطَوُّع، ثمَّ قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ.
قلت: بلَى؛ لِأَن فِيهِ أَحْمد بن دَاوُد بن عبد الْغفار الْحَرَّانِي. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك كَذَّاب. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ بالفسطاط يضع الحَدِيث لَا يحل ذكره فِي الْكتب إِلَّا عَلَى سَبِيل الْإِبَانَة لأَمره ليتنكب حَدِيثه.
خَامِسهَا: من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «لما قدم جَعْفَر تَلقاهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبل جَبهته» رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْفَضَائِل فِي تَرْجَمته من مُسْتَدْركه وإرساله هُوَ الصَّوَاب. وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ من حَدِيث مكي بن عبد الله الرعيني، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر: قَالَ: «لما أَن قدم جَعْفَر إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حجل- قَالَ سُفْيَان: يَعْنِي مَشَى عَلَى رجل وَاحِدَة- إعظامًا لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ لَهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أخي أَنْت أشبه النَّاس بخلقي وَخلقِي» قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله: هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَلَا يعرف إِلَّا بمكي.

.الْبَاب الثَّانِي: فِي كَيْفيَّة الْجِهَاد:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وأثارًا:

.أما الْأَحَادِيث:

فسبعة وَسَبْعُونَ حَدِيثا:

.الحديث الأول:

قَالَ الرَّافِعِيّ: «يسْتَحبّ إِذا بعث الإِمَام سَرِيَّة أَن يُؤمر عَلَيْهِم أَمِيرا، وَيَأْمُرهُمْ بِطَاعَتِهِ ويوصيه بهم»، و«أَن يَأْخُذ الْبيعَة عَلَى الْجند حَتَّى لَا يَفروا»، و«أَن يبْعَث الطَّلَائِع» و«يتجسس أَخْبَار الْكفَّار»، و«يسْتَحبّ الْخُرُوج يَوْم الْخَمِيس» «فِي أول النَّهَار»، و«أَن يعْقد الرَّايَات»، و«يَجْعَل كل فريق تَحت راية»، و«يَجْعَل لكل طَائِفَة شعارًا حَتَّى لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا بياتًا»، و«يسْتَحبّ أَن يدْخل دَار الْحَرْب بتعبئة الْحَرْب، لِأَنَّهُ أحوط وأهيب»، «وَأَن يستنصر بالضعفاء»، «وَأَن يَدْعُو عِنْد التقاء الصفين»، «وَأَن يكبر من غير إِسْرَاف فِي رفع الصَّوْت»، «وَأَن يحرض النَّاس عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْر والثبات»، وكل ذَلِك مَشْهُور فِي سير النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ومغازيه. هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى عدَّة أَحَادِيث فلينفرد كل وَاحِد بِعقد.
أما الأول: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «بعث رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سَرِيَّة وَاسْتعْمل عَلَيْهِم رجلا من الْأَنْصَار وَأمرهمْ أَن يسمعوا لَهُ ويطيعوا، فأغضبوه فِي شَيْء فَقَالَ: اجْمَعُوا لي حطبًا فَجمعُوا لَهُ، ثمَّ قَالَ: أوقدوا نَارا فأوقدوا، ثمَّ قَالَ: ألم يَأْمُركُمْ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قَالُوا: بلَى. قَالَ: فادخلوها. فَنظر بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من النَّار، فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى سكن غَضَبه فطفئت النَّار، فَلَمَّا رجعُوا إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكرُوا ذَلِك لَهُ. فَقَالَ: لَو دخلُوا فِيهَا مَا خَرجُوا مِنْهَا أبدا، وَقَالَ: لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة الله إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف».

.الحديث الثَّانِي:

قَالَ الرَّافِعِيّ: «وَأَن يَأْخُذ الْبيعَة عَلَى الْجند حَتَّى لَا يَفروا».
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي صَحِيح مُسلم مُنْفَردا بِهِ، ثمَّ ابْن حبَان فِي صَحِيحه والسياق لَهُ من حَدِيث معقل بن يسَار رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «بَايع النَّاس رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم زمن الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ تَحت الشَّجَرَة، وَأَنا رَافع غصنًا من أَغْصَانهَا عَن وَجهه لم نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت وَلَكِن بَايَعْنَاهُ عَلَى أَن لَا نفر، وهم يَوْمئِذٍ ألف وَأَرْبَعمِائَة» وَلَفظ ابْن حبَان «لقد رَأَيْتنِي يَوْم الشَّجَرَة وَالنَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايع النَّاس، وَأَنا رَافع غصنًا من أَغْصَانهَا عَن رَأسه وَنحن أَربع عشرَة مائَة، وَقَالَ: لم نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت وَلَكِن بَايَعْنَاهُ عَلَى أَن لَا نفر».
فَائِدَة: قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه: الصَّحِيح أَنهم ألف وَخَمْسمِائة عَلَى مَا قَالَه ابْن الْمسيب.
وَفِي هَذَا الْخَبَر دحض لقَوْل من زعم أَن هَذِه السّنة تفرد بهَا جَابر بن عبد الله. قلت: وَحَدِيث جَابر هَذَا أخرجه مُسلم وَأَصله فِي حَدِيث البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عبد الله بن بُرَيْدَة وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع.

.الحديث الثَّالِث:

قَالَ الرَّافِعِيّ: «وَأَن يبْعَث الطَّلَائِع».
هُوَ كَمَا قَالَ. فَفِي صَحِيح مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. قَالَ: «بعث رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بُسيسة عينا ينظر مَا صنعت عير أبي سُفْيَان فجَاء وَمَا فِي الْبَيْت أحد غَيْرِي وَغير رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا اسْتثْنى بعض نِسَائِهِ- قَالَ: فَحَدَّثته الحَدِيث فَخرج رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتكلم فَقَالَ: إِن لنا طلبة فَمن كَانَ ظَهره حَاضرا فليركب مَعنا، فَجعل رجال يستأذنونه فِي ظُهُورهمْ فِي علو الْمَدِينَة فَقَالَ: لَا، إِلَّا من كَانَ ظَهره حَاضرا. فَانْطَلق رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر، وَجَاء الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يقدمن أحد مِنْكُم إِلَى شَيْء حَتَّى أكون أَنا دونه، فَدَنَا الْمُشْركُونَ، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: قومُوا إِلَى جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَقَالَ: يَقُول عُمَيْر بن الْحمام الْأنْصَارِيّ: يَا رَسُول الله، جنَّة عرضهَا السماوت وَالْأَرْض قَالَ: نعم، قَالَ: بخ بخ يَا رَسُول الله، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا يحملك عَلَى قَوْلك بخ بخ؟! قَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله إِلَّا رَجَاء أَن أكون من أَهلهَا. قَالَ: فَإنَّك من أَهلهَا، قَالَ: فَأخْرج تمرات من قرنه فَجعل يَأْكُل مِنْهُنَّ، ثمَّ قَالَ: لَئِن أَنا حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إِنَّهَا لحياة طَوِيلَة. قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَه من التَّمْر ثمَّ قَاتلهم حَتَّى قتل» وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه من هَذِه الْوَجْه من عِنْد قَوْله «قومُوا إِلَى الْجنَّة» إِلَى آخِره فِي تَرْجَمَة عُمَيْر ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ: أَن عُمَيْر بن الْحمام أنْشد عِنْد مقدمه إِلَى الْقِتَال.
«ركضنا إِلَى الله بِغَيْر زَاد وَالصَّبْر فِي الله عَلَى الْجِهَاد وَخير مَا قاد إِلَى الرشاد إِلَى التقَى صَالح الْمعَاد إِن التقَى من أعظم السداد وكل حَيّ فَإلَى معاد ثمَّ قَالَ: فَلم يزل يُقَاتل حَتَّى قتل».
قَالَ ابْن نَاصِر فِي قصَّة عُمَيْر بن الْحمام الْأنْصَارِيّ: أَنه اسْتشْهد فِي وقْعَة أحد. وَهَذَا غَرِيب فَفِي الصَّحِيح كَمَا تقدم أَن ذَلِك فِي بدر وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ إِن قصَّته كَانَت يَوْم بدر لَا يَوْم أحد وَهُوَ الصَّوَاب.
وَنقل الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة عَن عبد الْغَنِيّ أَنه قَالَ فِي حَدِيث جَابر يَوْم أحد، وَفِي حَدِيث أنس: يَوْم بدر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
فَائِدَة: قَالَ أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة ذكره أَعنِي عُمَيْر بن الْحمام بعض الواهمين وصحف فِيهِ. فَقَالَ: تَمِيم بن الْحمام قتل ببدر.

.الحديث الرَّابِع:

قَالَ: «ويتجسس الْكفَّار».
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْأَحْزَاب «من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم إِن لكل نَبِي حوارِي، وحواري الزبير».
وَفِي مُسلم من حَدِيث أنس قَالَ: «بعث النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بسيسة عينا ينظر مَا صنعت عير أبي سُفْيَان فجَاء فحدثه الحَدِيث فَخرج رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتكلم، فَقَالَ: إِن لنا طلبة فَمن كَانَ ظَهره حَاضرا فليركب مَعنا، فَجعل رجال يستأذنون فِي ظُهُورهمْ فِي علو الْمَدِينَة، فَقَالَ: لَا، إِلَّا من كَانَ ظَهره حَاضرا، فَانْطَلق رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر». وَفِيه أَيْضا من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَيْلَة الْأَحْزَاب: «أَلا رجل يأتينا بِخَبَر الْقَوْم» الحَدِيث بِطُولِهِ.

.الحديث الخَامِس:

قَالَ: «وَيسْتَحب الْخُرُوج يَوْم الْخَمِيس».
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن كَعْب بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج من الْخَمِيس فِي غَزْوَة تَبُوك، وَكَانَ يحب أَن يخرج يَوْم الْخَمِيس».

.الحديث السَّادِس:

قَالَ: «فِي أول النَّهَار».
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَفِي مُسْند أَحْمد والسّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث صَخْر بن ودَاعَة الغامدي- بالغين الْمُعْجَمَة والدَّال- الْأَزْدِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها، قَالَ: كَانَ إِذا بعث سَرِيَّة أَو جَيْشًا بَعثهمْ من أول النَّهَار، وَكَانَ صَخْر رجلا تَاجِرًا، وَكَانَ يبْعَث تِجَارَته من أول النَّهَار فَأُسْرِيَ وَكثر مَاله».
ونفاه الْمجد فِي أَحْكَامه عَن النَّسَائِيّ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ فَهُوَ فِيهِ كَمَا عزيناه إِلَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، وَخَالَفنَا ابْن الْقطَّان فَقَالَ فِي علله: تَحْسِين عبد الْحق لَهُ خطأ وَابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي علله: هَذَا حَدِيث لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ يرويهِ عمَارَة بن حَدِيد، عَن صَخْر. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: عمَارَة مَجْهُول. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا يعرف.
قلت: لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته فِي التَّابِعين وَقَالَ: رَوَى عَن صَخْر الغامدي، وَرَوَى عَنهُ يعْلى بن عَطاء، وَأخرجه فِي صَحِيحه من طَرِيقين من جِهَته، وَله شَوَاهِد من غير هَذَا الحَدِيث كَمَا ستعلمه بعد. قَالَ ابْن طَاهِر الْحَافِظ فِي تَخْرِيجه لأحاديث الشهَاب: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات من الصَّحَابَة، وَلم يخرج مِنْهَا- يَعْنِي فِي الصَّحِيح- عَلَى كثرتها شَيْء، وأقربها إِلَى الصِّحَّة والشهرة هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي رُءُوس الْمسَائِل: قد حسن التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَكَذَا قَالَ غَيره من الْحفاظ؛ أَنه حَدِيث حسن صَحِيح. قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طرق كَثِيرَة من حَدِيث عَلّي والعبادلة، وَجَابِر بن عبد الله، وَعبد الله بن مَسْعُود، وَعمْرَان بن حُصَيْن، وَعبد الله بن سَلام، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَبُرَيْدَة بن الْحصين، وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ، وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعمارَة بن وثيمة، وَأبي بكرَة ذكر هَذِه الطّرق كلهَا الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي أربعينه، وَطَرِيق بُرَيْدَة ذكرهَا ابْن السكن فِي صحاحه، وَذكره ابْن مَنْدَه فِي مُسْنده من حَدِيث نبيط بن شريط، وواثلة بن الْأَسْقَع أَيْضا. وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من حَدِيث عَلّي وَابْن مَسْعُود وَأبي ذَر وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَكَعب بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَبُرَيْدَة وَأنس والعُرس بن عميرَة، وَأبي رَافع وَعَائِشَة وَقَالَ: كلهَا لَا تثبت، ثمَّ ذكر سَبَب ذَلِك وَاضحا، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم قَالَ: إِنِّي لَا أعلم فِي «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها» حَدِيثا صَحِيحا.
فَائِدَة: رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس بِزِيَادَة وَهَذَا لَفظه «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها يَوْم خميسها». لَكِنَّهَا ذَاهِبَة بِسَبَب عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن الوضاع الْمَذْكُور فِي إسنادها. وَرَوَاهَا الْبَزَّار أَيْضا من حَدِيث أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس رَفعه «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها يَوْم خميسها» وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تسألن رجلا حَاجَة بلَيْل وَلَا يسألن رجل أَعْمَى حَاجَة فَإِن الْحيَاء فِي الْعَينَيْنِ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ رَوَاهُ عَن أبي جَمْرَة إِلَّا عَمْرو بن مساور، وَعَمْرو رَوَى عَنهُ عَفَّان وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وَلم يكن بِالْقَوِيّ وَلَا نعلم لَهُ غير هذَيْن الْحَدِيثين.
قلت: وَعَمْرو هَذَا نسبه مَجْهُول. قلت: وَرَوَى زِيَادَة نَسَبهَا أَيْضا وَهِي مفتعلة كَمَا شهد بذلك أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ الْحَافِظ.
فَائِدَة ثَانِيَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ لَا نَعْرِف لصخر غير هَذَا الحَدِيث- يَعْنِي السالف- وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْبَغوِيّ وَابْن عبد الْبر.
قلت: وَله حَدِيث آخر لم يخرجَاهُ وَهُوَ حَدِيث «لَا تسبو الْأَمْوَات فتؤذوا الْأَحْيَاء» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه، عَن عبد الله بن مُحَمَّد، نَا الْفرْيَابِيّ، نَا سُفْيَان، عَن شُعْبَة، عَن يعْلى بن عَطاء، عَن عمَارَة، عَن صَخْر بِهِ.

.الحديث السَّابِع:

قَالَ: «وَأَن يعْقد الرَّايَات».
وَهُوَ كَمَا قَالَ وَسَيَأْتِي ذَلِك من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير بِطُولِهِ، وَتَنَاول أَيْضا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يحب الله وَرَسُوله، وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فَأَعْطَاهَا لعَلي» الحَدِيث بِطُولِهِ، وَقد جَاءَت أَحَادِيث عدَّة فِي لون راية النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفِي التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «كَانَت راية النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سَوْدَاء، ولِوَاؤُهُ أَبيض» وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن حَيَّان أَخُو مقَاتل بن حَيَّان قَالَ البُخَارِيّ: عِنْده غلط كَبِير.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه مستشهدًا بِهِ بِلَفْظ «كَانَ لِوَاء النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبيض، ورايته سَوْدَاء». وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث الْبَراء رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «كَانَت راية النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سَوْدَاء مربَّعة من نمرة» حسنه التِّرْمِذِيّ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِيُونُس بن عبيد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده، وَقَالَ: لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث، وَفِي أبي دَاوُد من حَدِيث سماك بن حَرْب، عَن رجل من قومه، عَن آخر مِنْهُم قَالَ: «رَأَيْت راية النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صفراء».
وَفِي إِسْنَاده جَهَالَة كَمَا ترَى. وَفِي ابْن السكن من حَدِيث مزيدة العصري. قَالَ: «عقد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رايات الْأَنْصَار جَعلهنَّ صفراء» ألزم ابْن الْقطَّان عبد الْحق بِتَصْحِيحِهِ. وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة أَيْضا وصحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل مَكَّة عَام الْفَتْح وَلِوَاؤُهُ أَبيض». قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ: غَرِيب، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أنس «أَن ابْن أم مَكْتُوم كَانَت مَعَه راية سَوْدَاء فِي بعض مشَاهد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم». قَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاده صَحِيح قَالَ: وَهِي بِلَا شكّ من رايات رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.

.الحديث الثَّامِن:

قَالَ: «وَيجْعَل كل أَمِير تَحت راية».
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. قَالَ: «لما سَار رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفَتْح فَبلغ ذَلِك قُريْشًا، خرج أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَحَكِيم بن حزَام وبُدَيل بن وَرْقَاء يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوا مَرّ الظهْرَان، فَإِذا هم بنيران كَأَنَّهَا نيران عَرَفَة، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: مَا هَذِه؟ لكأنها نيران عَرَفَة. فَقَالَ بديل بن وَرْقَاء: نيران بني عَمْرو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: عَمْرو أقل من ذَلِك. فَرَآهُمْ نَاس من حرس رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فأدركوهم فَأَخَذُوهُمْ فَأتوا بهم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأسلم أَبُو سُفْيَان، فَلَمَّا سَار قَالَ للْعَبَّاس: أحبس أَبَا سُفْيَان عِنْد خطم الْجَبَل حَتَّى ينظر إِلَى الْمُسلمين فحبسه الْعَبَّاس، فَجعلت الْقَبَائِل تمر مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، تمر كَتِيبَة كَتِيبَة عَلَى أبي سُفْيَان، فمرت كَتِيبَة فَقَالَ: يَا عَبَّاس من هَذِه؟ قَالَ: هَذِه غفار. قَالَ: مَالِي وَلِغفار، ثمَّ مرت جُهَيْنَة فَقَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ مرت سعد بن هذيم فَقَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ مرت سُليم فَقَالَ مثل ذَلِك، حَتَّى أَقبلت كَتِيبَة لم ير مثلهَا، قَالَ: من هَذِه؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَار عَلَيْهِم سعد بن عبَادَة وَمَعَهُ الرَّايَة، فَقَالَ سعد بن عبَادَة: يَا أَبَا سُفْيَان، الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْكَعْبَة. فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا عَبَّاس حبذا يَوْم الذمار. ثمَّ جَاءَت كَتِيبَة وَهِي أقل الْكَتَائِب فيهم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه، وَرَايَة النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ الزبير فَلَمَّا مر رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأبي سُفْيَان، قَالَ: ألم تعلم مَا قَالَ سعد بن عبَادَة؟ قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: كذب سعد وَلَكِن هَذَا يَوْم يعظم الله فِيهِ الْكَعْبَة وَيَوْم تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَة. قَالَ: وَأمر رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تركز رايته بالحجون، وَأمر رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ خَالِد بن الْوَلِيد أَن يدْخل من أَعلَى مَكَّة من كداء، وَدخل النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من كدا فَقتل من خيل خَالِد بن الْوَلِيد رجلَانِ حُبَيْش بن الْأَشْعر وكرز بن جَابر الفِهري».