فصل: الحديث الحَادِي بعد الْعشْرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث التَّاسِع عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تبدءوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذا لَقِيتُم أحدهم فِي طَرِيق فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أضيقها».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.

.الحديث العشْرُونَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَيّمَا امْرَأَة خلعت ثوبها فِي غير بَيت زَوجهَا فَهِيَ ملعونة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِنَحْوِهِ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم من رِوَايَة أبي الْمليح- بِفَتْح الْمِيم- قَالَ: «دخل نسْوَة من أهل الشَّام عَلَى عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقَالَت: مِمَّن أنتن؟ فَقُلْنَ: من أهل الشَّام. فَقَالَت: لعلكن من الكورة الَّتِي يدْخل نساؤها الحمامات؟ قُلْنَ: نعم. قَالَت: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: مَا من امْرَأَة تخلع ثِيَابهَا فِي غير بَيتهَا إِلَّا هتكت مَا بَينهَا وَبَين الله- تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لم يسمع أَبُو الْمليح من عَائِشَة. وَقَالَ الْبَزَّار: أَحْسبهُ عَن أبي الْمليح عَن مَسْرُوق عَنْهَا.
قلت: وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش، عَن عَمْرو بن مرّة، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَنْهَا.

.الحديث الحَادِي بعد الْعشْرين:

«أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قتل ابْن خطل والقينتين وَلم يؤمنهم».
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد سلف وَاضحا فِي أَوَائِل الْبَاب الَّذِي قبله.
فَائِدَة: الْقَيْنَة الْأمة سَوَاء كَانَت تغني أم لَا.

.الحديث الثَّانِي بعد الْعشْرين:

قَالَ الرَّافِعِيّ: إِذا كذب الْمُسلم عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عمدا فَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَنه يكفر ويراق دَمه. قَالَ الإِمَام: وَهَذِه زلَّة وَلم أر مَا قَالَه لأحدٍ من الْأَصْحَاب، وَالظَّاهِر أَنه يُعَزّر وَلَا يكفر وَلَا يقتل، وَمَا رُوِيَ «أَن رجلا انْطلق إِلَى طَائِفَة من الْعَرَب وَأخْبرهمْ أَنه رَسُول رَسُول الله إِلَيْهِم فأكرموه، ثمَّ ظهر الْحَال فَأَمرهمْ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بقتْله» فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَن الرجل كَانَ كَافِرًا. انْتَهَى كَلَامه.
وَهَذَا الحَدِيث ذكره الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي مُقَدّمَة كِتَابه الموضوعات من طرق فِي أول حَدِيث «من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار»، قَالَ: وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمانيةو تسعون نفسا. ثمَّ ذكرهَا بأسانيده. قَالَ: وَهَذِه الطّرق هِيَ سَبَب هَذَا الحَدِيث:
أَحدهَا: من طَرِيق ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى قوم فِي جَانب الْمَدِينَة فَقَالَ: إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرنِي أَن أحكم فِيكُم برأيي وَفِي أَمْوَالكُم، وَفِي كَذَا وَفِي كَذَا. وَكَانَ خطب امْرَأَة مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَبَوا أَن يزوجوه، ثمَّ ذهب حَتَّى نزل عَلَى الْمَرْأَة، فَبَعثه الْقَوْم إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كذب عَدو الله. ثمَّ أرسل رجلا فَقَالَ: إِن وجدته حيًّا فاقتله، وَإِن وجدته مَيتا فحرقه بالنَّار. فَانْطَلق فَوَجَدَهُ قد لدغ فَمَاتَ فحرقه بالنَّار، فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار» ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَيْضا قَالَ: «كَانَ حَيّ من بني لَيْث من الْمَدِينَة عَلَى ميلين، وَكَانَ رجل قد خطب مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يزوجوه، فَأَتَاهُم وَعَلِيهِ حلَّة فَقَالَ: إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كساني هَذِه الْحلَّة وَأَمرَنِي أَن أحكم فِي أَمْوَالكُم ودمائكم. ثمَّ انْطلق فَنزل عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ يُحِبهَا، فَأرْسل الْقَوْم إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كذب عَدو الله. ثمَّ أرسل رجلا فَقَالَ: إِن وجدته حَيا- وَمَا أَرَاك تَجدهُ حيًّا- فَاضْرب عُنُقه، وَإِن وجدته مَيتا فأحرقه بالنَّار. قَالَ: فَجَاءَهُ فَوَجَدَهُ قد لدغته أَفْعَى فَمَاتَ فحرقه بالنَّار. قَالَ: فَذَلِك قَول رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار».
قلت: وَأخرج هَذَا الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه عَن يَحْيَى الْحمانِي، عَن عَلّي بن مسْهر، عَن صَالح بن حَيَّان، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَى أَن قَالَ: «فَنزل عَلَى الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ يخطبها» بدل «يُحِبهَا». وَصَالح هَذَا ضعَّفه ابْن معِين وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِذَاكَ. وَقَالَ البُخَارِيّ: فِيهِ نظر. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد. وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ غير مَحْفُوظ.
الطَّرِيق الثَّانِي: من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الله بن الْحَارِث رَفعه قَالَ: تَدْرُونَ فِيمَن كَانَ الحَدِيث: «من كذب عَلَى مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار»؟ كَانَ فِي أبي خدعة رجلا أَعْجَبته امْرَأَة من أهل قبَاء، فطلبها فَلم يقدر عَلَيْهَا، فَأَتَى السُّوق فَاشْتَرَى حُلة مثل حُلة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ جَاءَ إِلَى الْقَوْم فَقَالَ: إِنِّي رَسُول رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْكُم، وَهَذِه حُلة كسانيها، وَقد أَمرنِي أَن أتخير أَي بُيُوتكُمْ شِئْت فأتضيفه. فَلَمَّا رَأَوْهُ ينظر بيتوتة اللَّيْل قَالَ بَعضهم لبَعض: وَالله لعهدنا برَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ نهَى عَن الْفَوَاحِش فَمَا هَذَا؟ يَا فلَان وَيَا فلَان، انْطَلقَا فاسألاه عَمَّا جَاءَ بِهِ هَذَا. فجَاء إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد قَالَ فاستنظراه حَتَّى اسْتَيْقَظَ. فَقَالَا: يَا رَسُول الله، أَتَانَا رَسُولك أَبُو خدعة. قَالَ: وَمن أَبُو خدعة؟ قَالَا: زعم أَنَّك أَرْسلتهُ وَعَلِيهِ حلتك زعم أَنَّك كسوتها إِيَّاه، فَجِئْنَا نَسْأَلك عَمَّا جَاءَ بِهِ. فَغَضب حَتَّى احمر وَجهه ثمَّ قَالَ: «من كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار. ثمَّ قَالَ: يَا فلَان ويَا فلَان انْطَلقَا فأسرعا فَإِن أدركتماه فاقتلاه، ثمَّ أحرقاه بالنَّار، وَلَا أراكما إِلَّا ستكفيانه فَإِن كفيتماه فَحَرقَاهُ بالنَّار. فجاءا وَقد ذهب يَبُول فَذهب يَأْخُذ مَاء فِي جدول فَخرجت مِنْهُ حَيَّة أَو أَفْعَى فَقتلته».
الطَّرِيق الثَّالِث: من طَرِيق عَطاء أَيْضا عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابه: أَتَدْرُونَ مَا تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث «من كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار»؟ قَالَ: عشق رجل امْرَأَة فَأَتَى أَهلهَا مسَاء فَقَالَ: إِنِّي رَسُول رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعَثَنِي إِلَيْكُم أَن أتضيف فِي أَي بُيُوتكُمْ شِئْت. قَالَ: وَكَانَ ينْتَظر بيتوتة الْمسَاء. قَالَ: فَأَتَى رجل مِنْهُم النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِن فلَانا يزْعم أَنَّك أَمرته أَن يبيت فِي أَي بُيُوتنَا مَا شَاءَ. فَقَالَ: «كذب، يَا فلَان انْطلق مَعَه، فَإِن أمكنك الله مِنْهُ فَاضْرب عُنُقه وَأحرقهُ بالنَّار، وَلَا أَرَاك إِلَّا قد كفيته. فَلَمَّا خرج الرَّسُول قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: ادعوهُ. فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: إِنِّي كنت أَمرتك أَن تضرب عُنُقه وَأَن تحرقه بالنَّار، فَإِن أمكنك الله فَاضْرب عُنُقه وَلَا تحرقه بالنَّار؛ فَإِنَّهُ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا رب النَّار، وَلَا أَرَاك إِلَّا قد كفيته. فَجَاءَت السَّمَاء فصبت فَخرج ليتوضأ فلسعته أَفْعَى، فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: هُوَ فِي النَّار».
قلت: وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن عَلّي بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا أَبُو نعيم، ثَنَا أَبُو حَمْزَة، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ: انْطَلَقت مَعَ أبي إِلَى صهر لنا من أسلم فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول أَرحْنَا بهَا يَا بِلَال. قَالَ: قلت لَهُ: أَنْت سمعته من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَغَضب وَأَقْبل عَلَى الْقَوْم يُحَدِّثهُمْ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث رجلا إِلَى حَيّ من الْعَرَب، فَلَمَّا أَتَاهُم قَالَ: إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرنِي أَن أحكم فِي نِسَائِكُم. فَقَالُوا: إِن كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرك أَن تحكم فِي نسائنا فَسمع وَطَاعَة لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. ثمَّ صدقوه وبيتوه، وبعثوا إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا: إِن فلَانا أَتَانَا فَقَالَ: إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرنِي أَن أحكم فِي نِسَائِكُم، فَإِن كنت أَمرته فَسمع وَطَاعَة. فَبعث رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ: اقتله وَأحرقهُ بالنَّار. فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار» أَترَانِي أكذب عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان: تفرد بِهِ الْحجَّاج بن الشَّاعِر، عَن زَكَرِيَّا بن عدي، عَن عَلّي بن مسْهر، وَرَوَى سُوَيْد عَن عَلّي قِطْعَة من آخر الحَدِيث.
قلت: لَا؛ فقد رَوَاهُ الْبَغَوِيّ عَن يَحْيَى الْحمانِي، عَن عَلّي بن مسْهر. قَالَ الذَّهَبِيّ: وَرَوَاهُ صَاحب الصارم المسلول من طَرِيق الْبَغَوِيّ عَن يَحْيَى الْحمانِي، عَن عَلّي بن مسْهر وَصَححهُ، وَلم يَصح بِوَجْه. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.

.وَأما آثاره:

فَأَرْبَعَة عشر:

.أَحدهَا:

«أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أخذُوا الْجِزْيَة من نَصَارَى الْعَرَب».
وَهَذَا صَحِيح وَقد نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ.

.الْأَثر الثَّانِي:

«عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه أجلى الْيَهُود من الْحجاز، ثمَّ أذن لمن قدم مِنْهُم تَاجِرًا أَن يُقيم ثَلَاثًا».
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن نَافِع عَن أسلم مولَى عمر عَنهُ. وَقد ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر وتكلمنا عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مَالك أَيْضا بِهِ «أَنه ضرب للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس بِالْمَدِينَةِ إِقَامَة ثَلَاث لَيَال يتسوقون بهَا ويقضون حوائجهم، وَلَا يُقيم أحد مِنْهُم فَوق ثَلَاث لَيَال».

.الْأَثر الثَّالِث:

أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «دِينَار الْجِزْيَة اثْنَا عشر درهما».
وَهَذَا الْأَثر يرْوَى عَنهُ بِإِسْنَاد ثَابت أَنه قَالَ: هُوَ عشرَة دَرَاهِم. قَالَ: وَوجه ذَلِك التَّقْوِيم باخْتلَاف السّعر.

.الْأَثر الرَّابِع:

«عَن عمر أَيْضا أَنه ضرب فِي الْجِزْيَة عَلَى الْغَنِيّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما، وَعَلَى الْمُتَوَسّط أَرْبَعَة وَعشْرين، وَعَلَى الْفَقِير المكتسب اثْنَا عشر».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: إِنَّه مُرْسل. رَوَاهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الثَّقَفِيّ. قَالَ: «وضع عمر بن الْخطاب- يَعْنِي فِي الْجِزْيَة- عَلَى رُءُوس الرِّجَال عَلَى الْغَنِيّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما، وَعَلَى الْمُتَوَسّط أَرْبَعَة وَعشْرين درهما، وَعَلَى الْفَقِير اثْنَي عشر درهما».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ قَتَادَة عَن أبي مخلد عَن عمر، وَهُوَ مُرْسل أَيْضا. وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَنهُ «أَنه كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن لَا يضع الْجِزْيَة إِلَّا عَلَى من مرت عَلَيْهِ المواسي، وجزيتهم أَرْبَعُونَ درهما عَلَى أهل الْوَرق مِنْهُم، وَأَرْبَعَة دَنَانِير عَلَى أهل الذَّهَب».

.الْأَثر الْخَامِس:

عَن عمر أَيْضا: «أَنه وضع عَلَى أهل الذَّهَب أَرْبَعَة دَنَانِير، وَعَلَى أهل الْوَرق ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما، وضيافة ثَلَاثَة أَيَّام لكل من يمر بهم من الْمُسلمين».
وَهَذَا الْأَثر تقدم بَيَانه قَرِيبا فِي أثْنَاء الحَدِيث السَّادِس عشر لَكِن فِيهِ «أَنه وضع عَلَى أهل الْوَرق أَرْبَعِينَ درهما»، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأ.

.الْأَثر السَّادِس:

يرْوَى «أَن جمَاعَة من أهل الذِّمَّة أَتَوا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالُوا: إِن الْمُسلمين إِذا مروا بِنَا كلفونا ذَبَائِح الْغنم والدجاج. فَقَالَ: أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَلَا تزيدوهم عَلَيْهِ».
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، وَفِي علل بن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث يزِيد بن صعصعة قلت لِابْنِ عَبَّاس: إِنَّا ننزل بِأَهْل الذِّمَّة فمنا من تذبح لَهُ الشَّاة وَمنا من تذبح لَهُ الدَّجَاج، وَإِن استفتحنا فَلم يفتح لنا كسرنا الْبَاب. قَالَ: فَكيف تَقولُونَ فِي ذَلِك؟ قَالَ: منا من لَا يرَى بذلك بَأْسا. قَالَ: أَنْتُم تَقولُونَ كَمَا قَالَ أهل الْكتاب لَيْسَ علينا فِي الْأُمِّيين سَبِيل وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يحل لكم أَن تَأْكُلُوا من أَمْوَال أهل الذِّمَّة إِلَّا بِطيب نَفْس مِنْهُم، وكلوا مَا أكلْتُم بِثمن، فَقَالَ: الصَّحِيح صعصعة بن يزِيد. وَرَوَاهُ شُعْبَة معكوسًا فَأَخْطَأَ، قَالَ: وَخطأ شُعْبَة أَكْثَره فِي أَسمَاء الرِّجَال- يَعْنِي الروَاة.

.الْأَثر السَّابِع:

أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد: أَن لَا يَأْخُذُوا الْجِزْيَة من النِّسَاء وَالصبيان.
هَذَا الْأَثر سلف وَاضحا فِي الحَدِيث السَّادِس.

.الْأَثر الثَّامِن:

«أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه طلب الْجِزْيَة من نَصَارَى الْعَرَب وهم تنوخ وبهراء وَبَنُو تغلب. فَقَالُوا: نَحن عرب لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجم، فَخذ منا مَا يَأْخُذ بَعْضكُم من بعض- يعنون الزَّكَاة- فَقَالَ عمر: هَذَا فرض الله عَلَى الْمُسلمين. فَقَالُوا: زِدْنَا مَا شِئْت بِهَذَا الِاسْم، لَا باسم الْجِزْيَة. فرضاهم عَلَى أَن يضعف عَلَيْهِم الصَّدَقَة، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ حمقى رَضوا بِالِاسْمِ وأبوا بِالْمَعْنَى».
وَهَذَا الْأَثر ذكره الشَّافِعِي فَقَالَ: قد ذكره حفظَة الْمَغَازِي وَسَاقُوا أحسن سِيَاقَة أَن عمر... فَذكره بِمثلِهِ إِلَى قَوْله: «الصَّدَقَة».
فَائِدَة: قَالَ المطرزي فِي المعرب بَنو تغلب قوم من مُشْركي الْعَرَب طالبهم عمر بالجزية فَأَبَوا، فصولحوا عَلَى أَن يُعْطوا الصَّدَقَة مضاعفة فرضوا، وَقيل: الْمصَالح كرْدُوس التغلبي، وَقيل: ابْنه دَاوُد.
هَكَذَا فِي كتاب الْأَمْوَال لأبي عبيد. قَالَ المطرزي: وَهُوَ أقرب. قَالَ: وَقيل: زرْعَة بن النُّعْمَان أَو النُّعْمَان بن زرْعَة.

.الْأَثر التَّاسِع:

عَن عمر أَيْضا «أَنه أذن للحربي فِي دُخُول دَار الْإِسْلَام بِشَرْط أَخذ عشر مَا مَعَه من أَمْوَال التِّجَارَة».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: «جعل عمر بن الْخطاب أنس بن مَالك عَلَى صَدَقَة الْبَصْرَة فَقَالَ لي أنس بن مَالك: أَبْعَثك عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب؟ فَقلت: لَا أعمل لَك حَتَّى تكْتب لي عهد عمر الَّذِي عهد إِلَيْك. فَكتب إِلَيّ أَن نَأْخُذ من أَمْوَال الْمُسلمين ربع الْعشْر، وَمن أَمْوَال أهل الذِّمَّة إِذا اخْتلفُوا فِيهَا للتِّجَارَة نصف الْعشْر، وَمن أَمْوَال أهل الْحَرْب الْعشْر» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «من كل أَرْبَعِينَ درهما دِرْهَم، وَمن أهل الذِّمَّة من كل عشْرين دِرْهَم، وَمِمَّنْ لَا زمة لَهُ من كل عشرَة دَرَاهِم دِرْهَم. قَالَ: قلت: من لَا ذمَّة لَهُ؟ قَالَ: الرّوم كَانُوا يقدمُونَ الشَّام» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «خُذ من الْمُسلمين ربع الْعشْر، وَمن أهل الذِّمَّة نصف الْعشْر، وَمن لَا ذمَّة لَهُ الْعشْر».
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي رِوَايَة عَنهُ «أَنه شَرط فِي الْمُسلمين نصف الْعشْر، وَمن لَا ذمَّة لَهُ الْعشْر». قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي رِوَايَة عَنهُ «أَنه شَرط مَعَ شَرط الْعشْر فِي سَائِر التِّجَارَات».
قلت: رَوَى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم، عَن أَبِيه «أَن عمر كَانَ يَأْخُذ من القبط من الْحِنْطَة وَالزَّبِيب نصف الْعشْر يُرِيد، بذلك أَن يكثر الْحمل إِلَى الْمَدِينَة، وَيَأْخُذ من القطنية الْعشْر من تجاراتهم». قلت: هُوَ ظَاهر الرِّوَايَات السالفة وَغَيرهَا عَنهُ.

.الْأَثر الْعَاشِر وَالْحَادِي عشر:

عَن عمر وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا: «لَا يُمكن أهل الذِّمَّة من إِحْدَاث بيعَة فِي بِلَاد الْمُسلمين».
أما أثر عمر؛ فقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حرَام بن مُعَاوِيَة قَالَ: «كتب إِلَيْنَا عمر: أَن أدبوا الْخَيل، وَلَا ترفعن بَين ظهرانيكم الصَّلِيب، وَلَا تجاورنكم الْخَنَازِير» وَرَوَى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة بن أبي الْعيزَار- وَهُوَ ضَعِيف وَإِن سكت عبد الْحق عَلَى إِسْنَاده- عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره، عَن طَلْحَة بن مصرف، عَن مَسْرُوق، عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم. أَنبأَنَا بِهِ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي، أبنا زَيْنَب بنت مكي وَغَيرهَا، أبنا ابْن طبرزد، أبنا ابْن عبد الْبَاقِي، أبنا ابْن غَالب الْحَرْبِيّ، أبنا ابْن بَشرَان، أبنا ابْن السماك، ثَنَا أَبُو مُحَمَّد عبيد بن مُحَمَّد بن خلف الْبَزَّار أبنا صَالح بن أبي ثَوْر، ثَنَا الرّبيع بن ثَعْلَب أَبُو الْفضل، ثَنَا يَحْيَى بن عقبَة إِلَى عبد الرَّحْمَن بن غنم قَالَ: «كتبت لعمر بن الْخطاب حِين صَالح نَصَارَى من أهل الشَّام: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، هَذَا كتاب لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ من نَصَارَى مَدِينَة كَذَا وَكَذَا، إِنَّكُم لما قدمتم علينا سألناكم الْأمان لأنفسنا وذرارينا وَأَمْوَالنَا وَأهل ملتنا، وشرطنا لكم عَلَى أَنْفُسنَا أَن لَا نُحدث فِي مدينتنا وَلَا فِي حولهَا ديرًا وَلَا كَنِيسَة وَلَا قلاية وَلَا صومعة رَاهِب، وَلَا نجدد مَا خرب مِنْهَا، وَلَا نحيي مَا كَانَ مِنْهَا فِي حطط الْمُسلمين، وَلَا نمْنَع كنائسنا أَن ينزلها أحد من الْمُسلمين فِي ليل وَلَا نَهَار، ونوسع أَبْوَابهَا للمارة وَابْن السَّبِيل، وَأَن ننزل من مر بِنَا من الْمُسلمين ثَلَاثَة أَيَّام ونطعمهم، وَأَن لَا نؤمن فِي كنائسنا ومنازلنا جاسوسًا، وَلَا نكتم غشًّا للْمُسلمين، وَلَا نعلم أَوْلَادنَا الْقُرْآن، وَلَا نظهر شركا، وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أحدا، وَلَا نمْنَع أحدا من قرابتنا الدُّخُول فِي الْإِسْلَام إِن أرادوه، وَأَن نوقر الْمُسلمين، وَأَن نقوم لَهُم من مجالسنا إِن أَرَادوا جُلُوسًا، وَلَا نتشبه بهم فِي شَيْء من لباسهم من قلنسوة وَلَا عِمَامَة وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فرق شعر، وَلَا نتكلم بكلامهم وَلَا نكتني بكناهم وَلَا نركب السُّرُوج وَلَا نتقلد السيوف، وَلَا نتَّخذ شَيْئا من السِّلَاح وَلَا نحمله مَعنا، وَلَا ننقش خواتمنا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نبيع الْخُمُور، وَأَن نجز مقاديم رءوسنا وَأَن نلزم زينا حَيْثُمَا كُنَّا، وَأَن نَشد الزنانير عَلَى أوساطنا، وَأَن لَا نظهر صلبنًا وكتبنا فِي شَيْء من طرق الْمُسلمين وَلَا أسواقهم، وَأَن لَا نظهر الصَّلِيب عَلَى كنائسنا، وَلَا نضرب بناقوس فِي كنائسنا بَين حَضْرَة الْمُسلمين، وَأَن لَا نخرج سعانينًا وَلَا باعونًا، وَلَا نرفع أصواتنا مَعَ أمواتنا، وَلَا نظهر النيرَان مَعَهم فِي شَيْء من طَرِيق الْمُسلمين، وَلَا نجاوزهم مَوتَانا، وَلَا نتَّخذ من الرَّقِيق مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَام الْمُسلمين وَأَن نرشد الْمُسلمين وَلَا نطلع عَلَيْهِم فِي مَنَازِلهمْ. فَلَمَّا أتيت عمر بِالْكتاب زَاد فِيهِ: وَأَن لَا نضرب أحدا من الْمُسلمين، شرطنا لكم ذَلِك عَلَى أَنْفُسنَا وَأهل ملتنا، وَقَبلنَا عَنْهُم الْأمان، فَإِن نَحن خَالَفنَا شَيْئا فَمَا شرطناه لكم وضمناه عَلَى أَنْفُسنَا فَلَا ذمَّة لنا، وَقد حل لكم مَا يحل لكم من أهل المعاندة والشقاق» وَرَوَى ابْن عدي عَن عمر رَفعه: «لَا تبنى كَنِيسَة فِي الْإِسْلَام، وَلَا يجدد مَا خرب مِنْهَا» وَفِي إِسْنَاده سعيد بن سِنَان وَهُوَ ضَعِيف.
وَأما أثر ابْن عَبَّاس؛ فقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حَنش، عَن عِكْرِمَة، عَنهُ أَنه قَالَ: «كل مصر مصَّره الْمُسلمُونَ لَا يُبْنَى فِيهِ بيعَة وَلَا كَنِيسَة، وَلَا يضْرب فِيهِ ناقوس، وَلَا يُبَاع فِيهِ لحم خِنْزِير» وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق بِزِيَادَة فِيهِ.

.الْأَثر الثَّانِي عشر:

عَن عمر أَيْضا «أَنه شَرط عَلَى أهل الذِّمَّة من أهل الشَّام أَن يركبُوا عرضا عَلَى الأكف».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال عَن عبد الرَّحْمَن- يَعْنِي ابْن مهْدي- عَن عبد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن أسلم «أَن عمر بن الْخطاب أَمر فِي أهل الذِّمَّة أَن تجز نواصيهم، وَأَن يركبُوا عَلَى الأكف، وَأَن يركبُوا عرضا، وَلَا يركبون كَمَا يركبَ الْمُسلمُونَ، وَأَن يُوثقُوا المناطق». قَالَ أَبُو عبيد: يَعْنِي الزنانير. ثمَّ رَوَى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز مثله. وَالْمرَاد بالركوب عرضا أَن يَجْعَل الرَّاكِب رجلَيْهِ من جَانب وَاحِد، كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ.

.الْأَثر الثَّالِث عشر:

عَن عمر أَيْضا «أَنه كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن يختموا رِقَاب أهل الذِّمَّة بِخَاتم الرصاص، وَأَن يجزوا نواصيهم، وَأَن يشدوا المناطق».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أسلم قَالَ: «كتب عمر إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن اختموا رِقَاب أهل الْجِزْيَة فِي أَعْنَاقهم» وَبَاقِي الْأَثر سلف بَيَانه قَرِيبا وَفِي السالف الطَّوِيل أَيْضا قَالَ الرَّافِعِيّ: قَالَ أَبُو عبيد: المناطق هِيَ الزنانير. وَهَذَا أسلفته عَنهُ.

.الْأَثر الرَّابِع عشر:

«أَن نَصْرَانِيّا استكره مسلمة عَلَى الزِّنَا فَرفع إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح فَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا صالحناكم. وَضرب عُنُقه».
وَهَذَا الْأَثر الْمَعْرُوف أَنه من رِوَايَة مجَالد، عَن الشّعبِيّ، عَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ: «كُنَّا مَعَ عمر بن الْخطاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالشَّام فَأَتَاهُ نبطي مَضْرُوب مشجج مستعدى، فَغَضب غَضبا شَدِيدا فَقَالَ لِصُهَيْب: انْظُر من صَاحب هَذَا. فَانْطَلق فَإِذا هُوَ عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد غضب غَضبا شَدِيدا فَلَو أتيت معَاذ بن جبل يمشي مَعَك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك بادرته.
فجَاء مَعَه معَاذ، فَلَمَّا انْصَرف عمر من الصَّلَاة قَالَ: أَيْن صُهَيْب؟ فَقَالَ: هَا أَنا ذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: أجئت بِالرجلِ الَّذِي ضربه؟ قَالَ: نعم. فَقَامَ إِلَيْهِ معَاذ بن جبل فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه عَوْف بن مَالك فاسمع مِنْهُ وَلَا تعجل عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ عمر: مَا لَك وَلِهَذَا؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، رَأَيْته يَسُوق بِامْرَأَة مسلمة فَنَخَسَ الْحمار ليصرعها فَلم تصرع، ثمَّ دَفعهَا فخرت عَن الْحمار فغشيها فَفعلت مَا ترَى. قَالَ: ائْتِنِي بِالْمَرْأَةِ لتصدقك. فَأَتَى عَوْف الْمَرْأَة فَقَالَ مَا قَالَه عمر، قَالَ أَبوهَا وَزوجهَا: مَا أردْت بصاحبتنا فضحتها؟ فَقَالَت الْمَرْأَة: وَالله لأذهبن مَعَه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَلَمَّا أَجمعت عَلَى ذَلِك قَالَ أَبوهَا وَزوجهَا: نَحن نبلغ عَنْك أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَأتيَا فصدقا عَوْف بن مَالك بِمَا قَالَ. قَالَ: فَقَالَ عمر لِلْيَهُودِيِّ: وَالله مَا عاهدناكم عَلَى هَذَا. فَأمر بِهِ فصلب ثمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، فوا بِذِمَّة مُحَمَّد فَمن فعل مِنْهُم هَذَا فَلَا ذمَّة لَهُ»
.
قَالَ سُوَيْد: إِنَّه لأوّل مصلوب رَأَيْته قَالَ الْبَيْهَقِيّ: تَابعه ابْن أَشوع، عَن الشّعبِيّ، عَن عَوْف.
وَمِمَّا حذفته من هَذَا الْبَاب مَا ذكره الرَّافِعِيّ من فتوح بعض الْبِلَاد وَهُوَ شهير فِي كتب السّير فَلذَلِك حذفته، هَذَا آخِره بِحَمْد الله وَمِنْه.

.كتاب المهادنة:

كتاب المهادنة:
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ عشرَة أَحَادِيث:

.أَحدهَا:

«أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَالح سُهَيْل بن عَمْرو بِالْحُدَيْبِية عَلَى وضع الْقِتَال عشر سِنِين».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد كَذَلِك- وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من غير ذكر الْمدَّة- كِلَاهُمَا من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير، عَن الْمسور ومروان، وَهُوَ حَدِيث طَوِيل مُشْتَمل عَلَى أَحْكَام فِي عدَّة وَرَقَات ذكره فِي الشُّرُوط. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَالْمَحْفُوظ أَن الْمدَّة كَانَت عشر سِنِين، وَأما مَا رَوَاهُ عَاصِم بن عمر الْعمريّ، عَن ابْن دِينَار، عَن ابْن عُمَيْر «وَأَنَّهَا كَانَت أَربع سِنِين» فعاصم مِمَّا لَا يُتَابع عَلَيْهِ، ضعفه يَحْيَى والبُخَارِيّ وَغَيرهمَا.
قلت: وينكر إِذن عَلَى الْحَاكِم كَيفَ أخرجه فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح. وَكَذَا ابْن السكن كَيفَ أخرجه فِي صحاحه.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَحكي عَن الشّعبِيّ وَغَيره أَنه قَالَ: لم يكن فِي الْإِسْلَام فتح كصلح الْحُدَيْبِيَة.

.الحديث الثَّانِي:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بلغه تَأَلُّبُ الْعَرَب واجتماع الْأَحْزَاب، قَالَ للْأَنْصَار: إِن الْعَرَب قد كالبتكم ورمتكم عَن قَوس وَاحِدَة فَهَل ترَوْنَ أَن ندفع شَيْئا من ثمار الْمَدِينَة إِلَيْهِم؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله، إِن قلت عَن وَحي فَسمع وَطَاعَة، وَإِن قلت عَن رأيٍ فرأيك مُتبع، كُنَّا لَا ندفع إِلَيْهِم ثَمَرَة إِلَّا بشرى أَو قِرى وَنحن كفار، فَكيف وَقد أعزنا الله بِالْإِسْلَامِ؟! فسر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بقَوْلهمْ».
هَذَا الحَدِيث ذكره ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة قَالَ: حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَمن لَا أتهم، عَن مُحَمَّد بن مُسلم ابْن عبيد الله الزُّهْرِيّ قَالَ: «لما اشْتَدَّ عَلَى النَّاس الْبلَاء بعث رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر وَإِلَى الْحَارِث ابْن عَوْف بن أبي حَارِثَة المري- وهما قائدا غطفان- فَأَعْطَاهُمَا ثلث ثمار الْمَدِينَة عَلَى أَن يرجعا بِمن مَعَهُمَا عَنهُ وَعَن أَصْحَابه، فَجَرَى بَينه وَبَينهمَا الصُّلْح حَتَّى كتبُوا الْكتاب وَلم تقع الشَّهَادَة وَلَا عَزِيمَة الصُّلْح إِلَّا المراوضة فِي ذَلِك، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يفعل ذَلِك بعث إِلَى سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة فَذكر ذَلِك لَهما واستشارهما فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُول الله، أمرا تحبه فنصنعه أم شَيْئا أنزل الله لابد لنا من الْعَمَل، أم شَيْئا تَصنعهُ لنا؟ قَالَ: بل شَيْء أصنعه لكم، وَالله مَا أصنع ذَلِك إِلَّا أَنِّي رَأَيْت الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة وكالبوكم من كل جَانب، فَأَرَدْت أَن أكسر عَنْكُم من شوكتهم إِلَى أَمر مَا. فَقَالَ لَهُ سعد ابْن معَاذ: يَا رَسُول الله، قد كُنَّا نَحن وَهَؤُلَاء الْقَوْم عَلَى الشّرك بِاللَّه وَعبادَة الْأَوْثَان لَا نعْبد الله وَلَا نعرفه وهم لَا يطمعون أَن يَأْكُلُوا منا ثَمَرَة إِلَّا قرَى أَو بيعا، أفحين أكرمنا الله بِالْإِسْلَامِ وهدانا لَهُ وأعزنا بك وَبِه؛ نعطيهم أَمْوَالنَا، مَا لنا بِهَذَا من حَاجَة، وَالله لَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف حَتَّى يحكم الله بَيْننَا. قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَأَنت وَذَاكَ. فَتَنَاول سعد الصَّحِيفَة فمحا مَا فِيهَا من الْكتاب ثمَّ قَالَ: ليجهدوا علينا. فَأَقَامَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم والمسلمون وعدوهم يحاصروهم».
ثمَّ سَاق ابْن إِسْحَاق أحسن سِيَاقَة عَلَى عَادَته، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بِلَفْظ آخر فَقَالَ: ثَنَا زَكَرِيَّا السَّاجِي، ثَنَا عقبَة بن سِنَان الدارع، ثَنَا عُثْمَان بن عُثْمَان الْغَطَفَانِي، ثَنَا مُحَمَّد بن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «جَاءَ الْحَارِث الْغَطَفَانِي إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، شاطرنا ثَمَر الْمَدِينَة. قَالَ: حَتَّى أَستَأْمر السُّعُود. فَبعث إِلَى سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة وَسعد ابْن الرّبيع، وَسعد بن خَيْثَمَة وَسعد بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَقَالَ لَهُم: قد علمْتُم أَن الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة، وَأَن الْحَارِث يسألكم أَن تشاطروه ثَمَر الْمَدِينَة، فَإِن أردتم أَن تدفعوه عامكم هَذَا حَتَّى ينْظرُوا فِي أَمركُم بعد. فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، أُوحِي هَذَا من السَّمَاء فالتسليم لأمر الله، أَو عَن رَأْيك أَو هَوَاك فَرَأَيْنَا تبع لهواك ورأيك، فَإِن كنت إِنَّمَا تُرِيدُ الْإِبْقَاء علينا فوَاللَّه لقد رَأَيْتنَا وإياهم عَلَى سَوَاء، مَا ينالون مِنْهَا ثَمَرَة إِلَّا بشرَاء أَو قرَى. فَقَالَ رَسُول الله: هَؤُلَاءِ يسمعُونَ مَا تَقولُونَ. قَالَ: غدرت يَا مُحَمَّد» فَقَالَ حسان بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه:
يَا جَار من يغدر بِذِمَّة جَاره ** أبدا فَإِن مُحَمَّدًا لَا يغدر

وأمانه المرى حِين لقيتها ** كسر الزجاجة صَدعهَا لَا يجْبر

إِن تغدروا فالغدر من عاداتكم ** واللؤم ينْبت فِي أصُول السخبر

فَائِدَة:
التألب بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوق ثمَّ همزَة ثمَّ لَام ثمَّ بَاء مُوَحدَة: الِاجْتِمَاع. يُقَال: ألب الْإِبِل- بِالتَّخْفِيفِ عَلَى وزن ضرب- إِذا جمعهَا فَهُوَ يألبها- بِضَم الْبَاء وَكسرهَا- وتألبوا إِذا اجْتَمعُوا، وهم ألب- بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا- إِذا كَانُوا مُجْتَمعين. قَالَه الْجَوْهَرِي.
قَالَ: وَأما «كالبتكم» فمقتضاه ساررتكم، فالمكالبة: المساررة. وَكَذَلِكَ التكالب، تَقول: هم يتكالبون عَلَى كَذَا. أَي: يتواثبون عَلَيْهِ.