فصل: الحديث الخَامِس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّالِث:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا اجْتهد فِي الْيَمين قَالَ: لَا وَالَّذِي نَفْس أبي الْقَاسِم بِيَدِهِ، أَو نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اجْتهد فِي الْيَمين قَالَ: لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ» وَمن ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا». وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا الثَّابِت فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو أَن عِنْدِي ملْء أحد ذَهَبا لأحببت أَن لَا يَأْتِي عَلّي ثَلَاث لَيَال وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أجد من يقبله، إِلَّا شَيْء أرصده لدين عَلّي».
وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث المستفيضة الْمَعْرُوفَة.

.الحديث الرَّابِع:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الْكَبَائِر: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَقتل النَّفس، وَالْيَمِين الْغمُوس».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن أعرابيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: «مَا الْكَبَائِر يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الْإِشْرَاك بِاللَّه قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: عقوق الْوَالِدين. قَالَ ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْيَمين الْغمُوس. قلت: وَمَا الْيَمين الْغمُوس؟ قَالَ: الَّذِي يقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم- يَعْنِي: يَمِين هُوَ فِيهَا كَاذِب» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي أُمَامَة عَن عبد الله بن أنيس- الْجُهَنِيّ مَرْفُوعا: «من أكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس، مَا حلف حَالف بِاللَّه يَمِين صَبر فأحل مِنْهَا مثل جنَاح الْبَعُوضَة إِلَّا جعلهَا الله نُكْتَة فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة». قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي هَذَا: حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن الْقطَّان- تبعا لِلتِّرْمِذِي-: أَبُو أُمَامَة هَذَا قد رَوَى عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يعرف اسْمه.
قلت: بلَى اسْمه: إِيَاس بن ثَعْلَبَة، وَقيل: عبد الله، وَقيل غير ذَلِك، قَالَ: وَفِيه أَيْضا: هِشَام بن سعد.
قلت: قد أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِدُونِهِ أخرجه عَن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، عَن مُحَمَّد بن زيد، عَن عبد الله بن أبي أُمَامَة، عَن عبد الله بن أنيس- رَفعه-: «من أكبر الْكَبَائِر: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَالْيَمِين الْغمُوس، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يحلف رجل عَلَى مثل جنَاح بعوضة إِلَّا كَانَت لَهُ كيَّة فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة».

.الحديث الخَامِس:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الْيَمين عَلَى من أنكر».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «لَو أعطي النَّاس بدعواهم لادعى رجال دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ، وَلَكِن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى من أنكر» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس، «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» وَلمُسلم أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لادعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْيَمين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ».

.الحديث السَّادِس:

عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعا وموقوفًا «إِن لَغْو الْيَمين: لَا وَالله، وبلى وَالله».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أما رِوَايَة الرّفْع فرواها أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: اللَّغْو فِي الْيَمين قَالَ: قَالَت عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «هُوَ كَلَام الرجل فِي بَيته: كلا وَالله وبلى وَالله» وَأما رِوَايَة الْوَقْف فرواها البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن هِشَام قَالَ: حَدثنِي أبي عَن عَائِشَة فِي هَذِه الْآيَة: {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم}. قَالَ: «هُوَ قَول الرجل: لَا وَالله وبلى وَالله» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرّبيع قَالَ: قلت للشَّافِعِيّ: مَا لَغْو الْيَمين؟ قَالَ: الله أعلم، أما الَّذِي نَذْهَب إِلَيْهِ فَمَا قَالَت عَائِشَة، أخبرنَا مَالك، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: «لَغْو الْيَمين: قَول الْإِنْسَان: لَا وَالله وبلى وَالله».
وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَيْضا كَذَلِك، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان؛ أخبرنَا سُفْيَان، أَنا عَمْرو عَن ابْن جريج، عَن عَطاء قَالَ: ذهبت أَنا وَعبيد بن عُمَيْر إِلَى عَائِشَة وَهِي معتكفة، فسألناها عَن قَول الله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} قَالَت: «هُوَ لَا وَالله وبلى وَالله».
قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ غير وَاحِد عَن عَطاء، عَن عَائِشَة مَوْقُوفا عَلَيْهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طرق مَوْقُوفا عَلَيْهَا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: وَالصَّحِيح فِيهِ الْوَقْف.

.الحديث السَّابِع:

عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِسبع: بعيادة الْمَرِيض، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز، وتشميت الْعَاطِس، ورد السَّلَام، وَإجَابَة الدَّاعِي، وإبرار الْقسم، وَنصر الْمَظْلُوم».
وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا وَقد تقدم فِي كتاب السّير.

.الحديث الثَّامِن:

أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، لم يَحْنَث».
هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة التِّرْمِذِيّ فِي جامعه وَالنَّسَائِيّ، وَابْن ماجة فِي سُنَنهمَا وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن ابْن طَاوس، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لِلتِّرْمِذِي، وَلَفظ النَّسَائِيّ: «من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فقد اسْتثْنى» وَلَفظ ابْن مَاجَه: «من حلف فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فَلهُ ثنياه» وَلَفظ ابْن حبَان: «من حلف فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فقد اسْتثْنى» قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل- يَعْنِي: البُخَارِيّ- عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث خطأ أَخطَأ فِيهِ عبد الرَّزَّاق، اخْتَصَرَهُ من حَدِيث معمر عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد قَالَ: لأطوفن اللَّيْلَة عَلَى سبعين امْرَأَة، تَلد كل امْرَأَة غُلَاما فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلم تَلد امْرَأَة مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَة نصف غُلَام، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله. لَكَانَ كَمَا قَالَ». رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي السّنَن المأثورة عَنهُ للمزني، وَأحمد فِي مُسْنده وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله.
فَلَا حنث عَلَيْهِ»
هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ البَاقِينَ- خلا أَحْمد-: «من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. فقد اسْتثْنى» وَفِي رِوَايَة لَهُم «من حلف عَلَى يَمِين فاستثنى، فَإِن شَاءَ رَجَعَ وَإِن شَاءَ ترك غير حنث» وَلَفظ أَحْمد: «إِذا حلف الرجل فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ فليمض وَإِن شَاءَ فليترك» قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. قَالَ: وَقد رَوَاهُ عبيد الله بن عمر وَغَيره عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَوْقُوفا، وَهَكَذَا رُوِيَ، عَن سَالم، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا.
قلت: وَقد أخرجه مَالك فِي موطئِهِ مَوْقُوفا. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَلَا نعلم أحدا رَفعه غير أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم: كَانَ أَيُّوب أَحْيَانًا يرفعهُ وَأَحْيَانا لَا يرفعهُ.
قلت: وَأَيوب ثِقَة إِمَام مجمع عَلَى جلالته، فَلَا يضر تفرده بِالرَّفْع عَلَى أَنه لم ينْفَرد؛ فقد رَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة وَعبد الله بن عمر وحبان بن عَطِيَّة وَكثير بن فرقد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يَصح رَفعه إِلَّا من جِهَة أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَأَيوب يشك فِيهِ أَيْضا، وَرَوَاهُ الْجَمَاعَة من أوجه صَحِيحَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر من قَوْله غير مَرْفُوع.
قلت: وَلما رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث كثير بن فرقد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «من حلف عَلَى يَمِين ثمَّ قَالَ: إِن شَاءَ الله. فَإِن لَهُ ثنياه» قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَلم يُخرجهُ هَكَذَا، وَلما أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أَيُّوب، عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «من حلف فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. فقد اسْتثْنى» ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. ثمَّ أخرج عَن شَيْخه ابْن خُزَيْمَة بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن وهب، عَن سُفْيَان، عَن أَيُّوب بن مُوسَى، عَن نَافِع، وَلَفظه «فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. لم يَحْنَث» ثمَّ أخرج من حَدِيث عبد الْوَارِث بن سعيد، ثَنَا أَيُّوب، عَن نَافِع، وَلَفظه: «من حلف فاستثنى فَهُوَ بِالْخِيَارِ؛ إِن شَاءَ أَمضَى وَإِن شَاءَ ترك غير حنث».

.الحديث التَّاسِع:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا تحلفُوا إِلَّا بِاللَّه».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه النَّسَائِيّ فِي سنَنه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تحلفُوا إِلَّا بِاللَّه وَلَا تحلفُوا إِلَّا وَأَنْتُم صَادِقُونَ» وَعَزاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَابْن الْأَثِير فِي جامعه إِلَى أبي دَاوُد، وَلم أره فِيهِ، وَلم يذكرهُ ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه أَيْضا، نعم قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: هُوَ مَوْجُود فِي رِوَايَة أبي الْحسن بن العَبْد، وَأبي بكر بن داسة فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور.

.الحديث العَاشِر:

«أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أدْرك عمر بن الْخطاب وَهُوَ يسير فِي ركب، فَسَمعهُ وَهُوَ يحلف بِأَبِيهِ، فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت. قَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: فَمَا حَلَفت بهَا بعد ذَلِك ذَاكِرًا وَلَا آثرًا- أَي: حاكيًا عَن غَيْرِي».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ، فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت» وَفِي رِوَايَة لَهما «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سمع عمر يَقُول: وَأبي وَأمي. فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمن كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه أَو لِيَسْكُت». وَفِي أُخْرَى لَهما: «كل من كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه. وَكَانَت قُرَيْش تحلف بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ» وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «وَكَانَت الْعَرَب تحلف بِآبَائِهَا» وَفِي رِوَايَة لمُسلم «قَالَ عمر: وَالله مَا حَلَفت بهَا مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثرًا» وَرِوَايَة الإِمَام الرَّافِعِيّ هِيَ عَن رِوَايَة الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر إِلَى قَوْله «أَو ليصمت» وَقَالَ بعد قَوْله: «فِي ركب وَيحلف بِاللَّه» بدل قَوْله: «فَسَمعهُ وَهُوَ يحلف بِأَبِيهِ» وَقَالَ: «من» بدل «فَمن»، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه قَالَ: «سمع النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عمر يحلف بِأَبِيهِ فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، قَالَ عمر: فوَاللَّه مَا حَلَفت بهَا ذَاكِرًا وَلَا آثرًا».
فَائِدَة: تَفْسِير الإِمَام الرَّافِعِيّ: «آثرًا» أَي: حاكيًا عَن غَيره. هُوَ مَا جزم بِهِ الْأَزْهَرِي والجوهري، وَحَكَى القَاضِي حُسَيْن قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا هَذَا، وَقَالَ: هُوَ الْأَصَح. وَالثَّانِي: إِنَّه اتِّبَاع لذاكر، تَأْكِيدًا لقَولهم شَيْطَان بيطان، جَامع مَانع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا- يَعْنِي: عَامِدًا وَلَا نَاسِيا. وَالثَّانِي: مُعْتَقدًا لنَفْسي.

.الحديث الحَادِي عشر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ للأعرابي الَّذِي قَالَ: لَا أَزِيد عَلَيْهَا وَلَا أنقص: أَفْلح وَالله إِن صدق».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة طَلْحَة بن عبيد الله، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي كتاب الصّيام.

.الحديث الثَّانِي عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من حلف بِغَيْر الله فقد كفر».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور: الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي أَوَائِله من رِوَايَة سعد بن عُبَيْدَة، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، قَالَ: وَهَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، فقد احتجا بِمثل إِسْنَاده، وخرجاه فِي كِتَابَيْهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ عِلّة وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَله شَاهد عَلَى شَرط مُسلم... فَذكره بِإِسْنَادِهِ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ، عَن الْحسن بن عبيد الله، عَن سعد بن عُبَيْدَة، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «كل يَمِين يحلف بهَا دون الله شرك» وَذكره أَيْضا بعد هَذَا بأوراق بِاللَّفْظِ الأول، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وخلا الْمَوْضِعَيْنِ فِي كتاب الْأَيْمَان فِي أَوَائِل كِتَابه. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك».
قلت: هُوَ صَحِيح أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر، عَن عمر أَنه قَالَ: «لَا وَأبي. فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَه! إِنَّه من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي كتابي الْإِيمَان والأيمان من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة، عَن ابْن عمر وَحده قَالَ: قَالَ رَسُول: «لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك» وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة سعد بن عُبَيْدَة «أَن ابْن عمر سمع رجلا يَقُول: والكعبة. فَقَالَ ابْن عمر: لَا يُحلف بِغَيْر الله؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من حلف بِغَيْر الله فقد كفر أَو أشرك» كَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ ب أو الَّتِي هِيَ للشَّكّ، وَفِي الْحَاكِم وَابْن حبَان بحذفها، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قلت: ومدار طرق هَذَا الحَدِيث عَلَى سعد بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي وَهُوَ ثِقَة ثَبت أخرج لَهُ أَصْحَاب «الْكتب السِّتَّة» رَوَى عَن ابْن عمر والبراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث لم يسمعهُ سعد بن عُبَيْدَة من ابْن عمر.
قلت: وَفِي ذَلِك نظر؛ فقد صرح بِسَمَاعِهِ من ابْن عمر، وَقد بَين ذَلِك الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف فَقَالَ بعد أَن أخرجه من طريقي أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: رَوَى هَذَا الحَدِيث عبد الْوَاحِد بن زِيَاد وفضيل بن سُلَيْمَان، عَن الْحسن بن عبيد الله عَن سعد بن عُبَيْدَة، وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن سعد بن عُبَيْدَة: «كنت عِنْد ابْن عمر...» فَذكر فِيهِ قصَّة، وَقَالَ: روح وَسَعِيد عَن مَنْصُور، عَن سعد بن عُبَيْدَة: «كنت عِنْد ابْن عمر- فَذكر الْقِصَّة، وَقَالَ: وَمَعِي رجل من كِنْدَة- فَقُمْت من عِنْد ابْن عمر فَأتيت سعيد بن الْمسيب فَأَتَانِي الْكِنْدِيّ وَأَنا عِنْد سعيد، فَقَالَ: مَا سَمِعت مَا حدث ابْن عمر أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ فَنَهَاهُ وَقَالَ: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ» قَالَ أَبُو عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ: يُقَال: إِنَّه مُحَمَّد الْكِنْدِيّ. وَقَالَ الْأَعْمَش عَن سعد بن عُبَيْدَة، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن ابْن عمر، زَاد فِيهِ: عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي، وَمُلَخَّصه أَن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين:
أَحدهمَا: عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر. الثَّانِي: عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن ابْن عمر. وَمن طَرِيق ثَالِث عَن سعد الْمَذْكُور عَن ابْن عمر، وَله طَرِيق آخر شَاهد لَهُ، أدْركهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة مَكْحُول الْأَسدي بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ مَرْفُوعا: «من حلف بالشرك وآثم فقد أشرك، وَمن حلف بالْكفْر وآثم فقد أشرك».
فَائِدَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ: فسر بعض الْعلمَاء قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «كفر أَو أشرك» عَلَى التَّغْلِيظ، كَمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «الرِّيَاء شرك» قَالَ: وَقد فسر بعض أهل الْعلم قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا} قَالَ: لَا يرائي. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: قَوْله: «فقد أشرك» فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا: فقد أشرك بَين الله وَبَين غَيره فِي التَّعْظِيم، وَإِن لم يصر من الْمُشْركين الْكَافرين. وَثَانِيهمَا: صَار كَافِرًا بِهِ إِن اعْتقد لُزُوم يَمِينه بِغَيْر الله، كاعتقاد لُزُومهَا بِاللَّه.

.الحديث الثَّالِث عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي حَدِيث ركَانَة: «آللَّهُ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب الطَّلَاق، قَالَ الرَّافِعِيّ: رَوَاهُ صَاحب الْبَيَان بِالرَّفْع، وَالْقَاضِي الرَّوْيَانِيّ بِالْجَرِّ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِابْنِ مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «آللَّهُ قتلتَ أَبَا جهل» بِالنّصب.
قلت: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي إِسْحَاق، عَن الحكم، عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «انْتَهَى عبد الله بن مَسْعُود إِلَى أبي جهل يَوْم بدر وَهُوَ وقيذ، فاستل سَيْفه فَضرب عُنُقه، فقدَّ رَأسه ثمَّ أَخذ سلبه، فَأَتَى إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ أَنه قتل أَبَا جهل، فأحلفه بِاللَّه ثَلَاث مَرَّات، فَحلف فَجعل لَهُ سلبه» ثمَّ أخرجه من حَدِيث أبي إِسْحَاق، عَن أبي عُبَيْدَة، عَن أَبِيه، وَفِيه «فَقلت: قتلت أَبَا جهل. فَقَالَ: آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ؟ فاستحلفه ثَلَاث مَرَّات» وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ من هَذِه الطَّرِيق: «يَا رَسُول الله، لقد قتل الله أَبَا جهل. قَالَ: آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ؟ فَقلت: آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، لقد قتلته» ثمَّ أخرجه من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون عَنهُ، وَفِيه «فَقتلته ثمَّ قلت: يَا رَسُول الله ألم تَرَ أَن الله قتل أَبَا جهل. قَالَ: آللَّهُ؟ قلت: آللَّهُ. حَتَّى حلَّفَنى ثَلَاثًا». وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه، كَمَا سَاقه الطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه لم يقل: «فاستحلفه ثَلَاث مَرَّات».

.الحديث الرَّابِع عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «وَايْم الله إِنَّه لخليق بالإمارة».
هَذَا الحَدِيث كَذَا وَقع فِي نسخ الإِمَام الرَّافِعِيّ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا قَالَ: «بعث رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بعثًا وَأمر عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد فطعن النَّاس فِي إمارته، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن تطعنوا فِي إمارته فقد كُنْتُم تطعنون فِي إِمَارَة أَبِيه من قبل، وَايْم الله إِن كَانَ لخليقًا بالإمارة، إِن كَانَ لمن أحب النَّاس إليّ، وَإِن هَذَا من أحب النَّاس إِلَيّ بعده».

.الحديث الخَامِس عشر:

عَن عقبَة بن عَامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «كَفَّارَة النّذر كَفَّارَة الْيَمين».
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفْظهمَا: «كَفَّارَة النّذر إِذا لم يسم شَيْئا كَفَّارَة الْيَمين» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَمَا رَوَاهُ مُسلم، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّه مَحْمُول عندنَا عَلَى اللِّجاج الَّتِي تخرج مخرج الْأَيْمَان.
تَنْبِيه: ذكر الرَّافِعِيّ هُنَا الْمُبَايعَة كَانَت فِي زمن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمصافحة، وَهَذَا صَحِيح؛ فَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب عَن مرْثَد بن عبد الله، عَن أبي عبد الرَّحْمَن الْجُهَنِيّ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم طلع راكبان، فَلَمَّا رآهما قَالَ: كنديان مَذْحِجِيَّان. حَتَّى أَتَيَاهُ، فَإِذا رجلَانِ من مذْحج، قَالَ: فَدَنَا أَحدهمَا إِلَيْهِ ليبايعه قَالَ: فَلَمَّا أَخذ بِيَدِهِ قَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت من رآك فَآمن بك وصدقك ثمَّ اتبعك، مَاذَا لَهُ؟ فَقَالَ: طُوبَى لَهُ. فَمسح عَلَى يَده فَانْصَرف، ثمَّ أقبل الآخر حَتَّى أَخذ بِيَدِهِ ليبايعه، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت من آمن بك وصدقك واتبعك وَلم يَرك. قَالَ: طُوبَى لَهُ ثمَّ طُوبَى لَهُ ثمَّ طُوبَى لَهُ قَالَ: فَمسح عَلَى يَده وَانْصَرف». وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كَانَ الْمُؤْمِنَات إِذا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يمْتَحن بقول الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات} الْآيَة. قَالَت عَائِشَة: فَمن آمن بِهَذَا من الْمُؤْمِنَات، فقد أقرّ بالمحنة، وَكَانَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أقررن بذلك من قولهن قَالَ لَهُنَّ: انطلقن؛ فقد بايعتكن. وَلَا وَالله مَا مست يَد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَد امْرَأَة قطّ غير أَنه يُبَايِعهُنَّ بالْكلَام».
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث الشريد بن سُوَيْد قَالَ: «كَانَ فِي وَفد ثَقِيف رجل مجذوم، فَأرْسل إِلَيْهِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّا قد بايعناك فَارْجِع».
وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي نعيم فِي تَرْجَمَة قريبَة العتوارية، عَنْهَا ابْنَتهَا عقيلة بنت عبيد بن الْحَارِث- وَقيل: غقيلة بالغين- من حَدِيث بكار بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا مُوسَى بن عُبَيْدَة، ثَنَا زيد بن عبد الرَّحْمَن، عَن أمه حجَّة بنت قُرَيْظَة عَن أمهَا عقيلة بنت عبيد بن الْحَارِث قَالَت: «جِئْت أَنا وَأمي قريرة بنت الْحَارِث العتوارية فِي نسَاء من الْمُهَاجِرَات إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ضَارب عَلَيْهِ بقبة بِالْأَبْطح، فَأخذ علينا أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا. قَالَت: فأقررنا وبسطنا أَيْدِينَا لنبايعه، فَقَالَ: إنى لَا أمس يَد النِّسَاء. فَاسْتَغْفر لنا وَكَانَ ذَلِك بيعتنا» قَالَ أَبُو نعيم: كَذَا وَقع فِي كتابي: قريرة. وفيهَا أَيْضا من حَدِيث أُمَيْمَة بنت رقيقَة «أَنَّهَا لما بَايَعت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: قد ذهبت أصافحه، فَقَالَ: إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء؛ إِنَّمَا قولي لمِائَة مِنْكُن كَقَوْلي لامْرَأَة» وَهَذَا فِي صَحِيح ابْن حبَان بأطول مِنْهُ، وفيهَا أَيْضا من حَدِيث بهية بنت عبد الله البكرية قَالَت: «وفدت مَعَ أبي عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَايع الرِّجَال وصافحهم، وَبَايع النِّسَاء وَلم يُصَافِحهُنَّ، وَنظر إليّ فدعاني وَمسح عَلَى رَأْسِي ودعا لي ولوالدي. قَالَ: فولد لَهَا سِتُّونَ ولد: أَرْبَعُونَ رجلا وَعِشْرُونَ امْرَأَة، وَاسْتشْهدَ مِنْهُم عشرُون». وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه الْحَدِيثين الْأَوَّلين من هَذِه الْأَحَادِيث التي أخرجهَا أَبُو نعيم، وَفِيه أَيْضا من حَدِيث يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن معقل بن يسَار «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام فِي بيعَة الرضْوَان كَانَ يُصَافح النِّسَاء من تَحت الثَّوْب» وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ لَا يُصَافح النِّسَاء».

.الحديث السَّادِس عشر:

عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «يَا عبد الرَّحْمَن، لَا تسْأَل الْإِمَارَة؛ فَإنَّك إِن أتتك عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا، وَإِن أتتك عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا، وَإِذا حَلَفت عَلَى يَمِين فَرَأَيْت غَيرهَا خيرا مِنْهَا فَائت الَّذِي هُوَ خير وَكفر عَن يَمِينك».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «كفر عَن يَمِينك وائت الَّذِي هُوَ خير». وَفِي رِوَايَة للنسائي: «إِذا حلف أحدكُم عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه، ولينظر الَّذِي هُوَ خير فليأتيه» وَفِي رِوَايَة لَهما: «فَكفر عَن يَمِينك ثمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خير». وَهَذِه الرِّوَايَة ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب، وَذكر رِوَايَة أُخْرَى وَهِي: «من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا، فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه» وَهِي رِوَايَة صَحِيحَة أخرجهَا مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: «أعتم رجل عِنْد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَهله، فَوجدَ الصبية قد نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهله بطعامه فَحلف أَن لَا يَأْكُل من أجل صبيته، ثمَّ بدا لَهُ فَأكل، فَأَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر ذَلِك لَهُ، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأتها وليكفر عَن يَمِينه» وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه وليفعل»
وَفِي أُخْرَى «فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه».
قَالَ عبد الْحق: وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا شَيْئا. وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث عبد الله بن عمر مَرْفُوعا: «من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير، وليكفر عَن يَمِينه». وَهَذِه طبق رِوَايَة الرَّافِعِيّ سَوَاء، وأخرجها أَيْضا أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك.

.الحديث السَّابِع عشر:

عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا أَحْلف عَلَى يَمِين فَأرَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خير وتحللت عَن يَمِيني».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِيه قصَّة أَخْرَجَاهَا بِطُولِهَا عَن أبي مُوسَى قَالَ: «أتيت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَهْط من الْأَشْعَرِيين نستحمله، فَقَالَ: وَالله لَا أحملكم، وَمَا عِنْدِي مَا أحملكم. ثمَّ لبثنا مَا شَاءَ الله، فَأتي بِإِبِل فَأمر لنا بِثَلَاث ذود فَانْطَلَقْنَا، قَالَ بَعْضنَا لبَعض: لَا يُبَارك الله لنا، أَتَيْنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نستحمله فَحلف لَا يحملنا! قَالَ أَبُو مُوسَى: فأتينا النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذَكرنَا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: مَا أَنا حملتكم؛ بل الله حملكم، إِنِّي وَالله لَا أَحْلف...» الحَدِيث.