فصل: الحديث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين:

رَوَى أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم «نهَى عَن الصَّلَاة نصف النَّهَار حَتَّى تَزُول الشَّمْس، إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، عَن إِسْحَاق بن عبد الله، عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا بِهِ، وَهُوَ مخرج فِي مُسْنده.
وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد عرفت حَاله فِي الطَّهَارَة. قَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده: إِبْرَاهِيم هَذَا هُوَ ابْن أبي يَحْيَى الْمدنِي، مَتْرُوك الحَدِيث. وَإِسْحَاق بعده فِي الْإِسْنَاد: هُوَ ابْن أبي فَرْوَة، ضَعِيف أَيْضا.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي خَالِد الْأَحْمَر، عَن شيخ من أهل الْمَدِينَة يُقَال لَهُ: عبد الله، عَن سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «تحرم- يَعْنِي الصَّلَاة- إِذا انتصف النَّهَار كل يَوْم، إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة».
وَهَذَا الشَّيْخ يحْتَاج إِلَى معرفَة عينه وحاله. وَذكره الْأَثْرَم فِي ناسخه ومنسوخه من حَدِيث الْوَاقِدِيّ، عَن سعيد بن سَلمَة، عَن المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا كَمَا سلف، والواقدي حَالَته مَعْلُومَة.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث بشر بن عون، عَن بكار بن تَمِيم، عَن مَكْحُول، عَن وَاثِلَة قَالَ: «سَأَلَ سَائل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بَال يَوْم الْجُمُعَة يُؤذن فِيهَا بِالصَّلَاةِ فِي نصف النَّهَار، وَقد نهيت عَن سَائِر الْأَيَّام؟ فَقَالَ: إِن الله يسعر جَهَنَّم كل يَوْم فِي نصف النَّهَار ويحبسها فِي يَوْم الْجُمُعَة».
وَبشر هَذَا قَالَ الْأَزْدِيّ: مَجْهُول. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن بكار بن تَمِيم، عَن مَكْحُول، عَن وَاثِلَة نُسْخَة فِيهَا مائَة حَدِيث كلهَا مَوْضُوعَة، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الْمعرفَة من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة قَالَا: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى عَن الصَّلَاة وسط النَّهَار إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة» ثمَّ قَالَ: فِي إسنادهما من لَا يحْتَج بِهِ، قَالَ: ولكنهما إِذا ضما إِلَى حَدِيث أبي قَتَادَة- يَعْنِي: الْآتِي بعد هَذَا- اكْتسب بعض الْقُوَّة، وَقَالَ فِي سنَنه: رُوِيَ فِي ذَلِك عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعَمْرو بن عبسة وَابْن عمر مَرْفُوعا.
قلت: وواثلة كَمَا سلف. قَالَ: والاعتماد عَلَى أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اسْتحبَّ التبكير إِلَى الْجُمُعَة، ثمَّ رغب فِي الصَّلَاة إِلَى خُرُوج الإِمَام من غير تَخْصِيص وَلَا اسْتثِْنَاء.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: وَاحْتج الشَّافِعِي لذَلِك بِمَا رَوَاهُ عَن ثَعْلَبَة عَن عَامَّة أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي دَار الْهِجْرَة «أَنهم كَانُوا يصلونَ نصف النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة».

.الحديث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

«رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كره الصَّلَاة نصف النَّهَار، إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة وَقَالَ: إِن جَهَنَّم تسجر إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث حسان بن إِبْرَاهِيم، عَن لَيْث- وَهُوَ ابْن أبي سليم- عَن مُجَاهِد، عَن أبي الْخَلِيل عبد الله بن الْخَلِيل، عَن أبي قَتَادَة، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم «أَنه كره الصَّلَاة نصف النَّهَار إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ: إِن جَهَنَّم تسجر إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة».
وَذكره الْأَثْرَم فِي ناسخه ومنسوخه وَقَالَ: «فَإِن جَهَنَّم تسجر كل يَوْم نصف النَّهَار، إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة».
وَهَذَا حَدِيث مَعْلُول من أوجه:
أَحدهَا: انْقِطَاعه فِيمَا بَين أبي الْخَلِيل وَأبي قَتَادَة، نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد. قَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ مُرْسل أَبُو الْخَلِيل لم يسمع من أبي قَتَادَة، وَمُجاهد أكبر من أبي الْخَلِيل. وَقَالَ الْأَثْرَم فِي ناسخه ومنسوخه: إِنَّه مَعْلُول بأوجه؛ مِنْهَا أَن أَبَا الْخَلِيل لم يلق أَبَا قَتَادَة ورده أَيْضا بِالْإِرْسَال عبد الْحق فِي أَحْكَامه والرافعي فِي شرح الْمسند.
ثَانِيهَا: الطعْن فِي رَاوِيه وَهُوَ لَيْث بن أبي سليم، وَقد أسلفنا كَلَام الْحفاظ فِيهِ فِي بَاب الْوضُوء فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْفَصْل بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، وَأعله بِهِ الْأَثْرَم فِي ناسخه ومنسوخه وَقَالَ: أخْبرت عَن أبي عبد الله- يَعْنِي: أَحْمد بن حَنْبَل- أَنه قدم جَابر الْجعْفِيّ عَلَيْهِ فِي صِحَة الحَدِيث.
ثَالِثهَا: أَن مِنْهُم من يوقفه ذكره ابْن عبد الْبر فِي تمهيده حاكيًا لَهُ عَن بَعضهم.
رَابِعهَا: ذكره الْأَثْرَم أَيْضا حَيْثُ قَالَ: إِنَّه لم يروه غير حسان بن إِبْرَاهِيم.
قلت: هُوَ الْكرْمَانِي قَاضِي كرمان من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَابْن معِين. وَقَالَ ابْن عدي: قد حدث بإفرادات كَثِيرَة، وَهُوَ عِنْدِي من أهل الصدْق، إِلَّا أَنه يغلط فِي الشَّيْء، وَلَيْسَ مِمَّن يظنّ بِهِ أَنه يتَعَمَّد فِي بَاب الرِّوَايَة إِسْنَادًا ومتنًا؛ وَإِنَّمَا هُوَ وهم مِنْهُ، وَهُوَ عِنْدِي لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ ابْن حبَان: رُبمَا أَخطَأ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
فَائِدَة: تسجر- بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم- توقد، قَالَ الْجَوْهَرِي: سجرت التَّنور أسجره سجرًا إِذا أحميته، وَمِنْه: {وَإِذا الْبحار سجرت}.

.الحديث الخَامِس بعد الْأَرْبَعين:

عَن مُجَاهِد، عَن أبي ذَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس، وَلَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس، إِلَّا بِمَكَّة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن عبد الله بن المؤمل، عَن حميد مولَى عفراء، عَن قيس بن سعد، عَن مُجَاهِد، عَن أبي ذَر أنَّه قَامَ فَأخذ بِحَلقَة بَاب الْكَعْبَة، ثمَّ قَالَ: من عرفني فقد عرفني وَمن لم يعرفنِي فَأَنا جُنْدُب صَاحب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «لَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس، وَلَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس، إِلَّا بِمَكَّة، إِلَّا بِمَكَّة، إِلَّا بِمَكَّة».
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن يزِيد، ثَنَا عبد الله بن المؤمل، عَن قيس بن سعد، عَن مُجَاهِد، عَن أبي ذَر أَنه أَخذ بِحَلقَة بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «لَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس، وَلَا بعد الْفجْر حَتَّى تطلع الشَّمْس، إِلَّا بِمَكَّة إِلَّا بِمَكَّة».
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه بِاللَّفْظِ السَّابِق إِلَّا أَنه قَالَ: «قدم أَبُو ذَر مَكَّة، فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب وَقَالَ: إِلَّا بِمَكَّة- مرَّتَيْنِ» كَرِوَايَة أَحْمد.
وأعل هَذَا الحَدِيث بِوُجُوه:
أَحدهَا: الطعْن فِي عبد الله بن المؤمل المَخْزُومِي قَاضِي مَكَّة، وَقد ضَعَّفُوهُ. قَالَ أَحْمد: أَحَادِيثه مَنَاكِير. وَقَالَ يَحْيَى: ضَعِيف الحَدِيث.
وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس يُنكر عَلَيْهِ حَدِيثه. قَالَ ابْن الْقطَّان: إِن كَانَ قد وَثَّقَهُ ابْن معِين فَفِي بعض الرِّوَايَات عَنهُ ضعفه وعلته شَيْئَانِ أَحدهمَا: سوء الْحِفْظ، وَالْآخر: نَكَارَة الحَدِيث. ونكارة الحَدِيث كَافِيَة فِي إِسْقَاط الثِّقَة بِمن جربت عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد: شبه الْمَتْرُوك. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ قَلِيل الحَدِيث مُنكر الرِّوَايَة لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد، ثمَّ ذكر لَهُ مَا يُنكر عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة حَدِيثه الضعْف عَلَيْهِ بَين. وَذكر من جملَة مَا يُنكر عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَبِه يعرف. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده: هُوَ سيئ الْحِفْظ فَلذَلِك اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنهُ، وَمَا علمنَا لَهُ جرحة تسْقط عَدَالَته، وَقد رَوَى عَنهُ جمَاعَة من جلة الْعلمَاء، وَفِي ذَلِك مَا يرفع من حَاله، وَالِاضْطِرَاب عَنهُ لَا يسْقط حَدِيثه، وَلم يقْدَح ذَلِك فِي روايتهم، وَقد اتّفق شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَيْهِ وهما الشَّافِعِي وَأَبُو نعيم وَلَيْسَ من لم يحفظ وَلم يقم، حجَّة عَلَى من أَقَامَ وَحفظ. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهَذَا كَلَام أَوله يُنَاقض آخِره. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث يعد فِي أَفْرَاد عبد الله بن المؤمل، وَعبد الله بن المؤمل ضَعِيف. قَالَ: إِلَّا أَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان قد تَابعه فِي ذَلِك عَن حميد وَأقَام إِسْنَاده ثمَّ ذكر ذَلِك بِإِسْنَادِهِ، وَاقْتصر عَلَى هَذَا الْوَجْه ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، ثمَّ نقل قَول أَحْمد وَيَحْيَى فِي عبد الله.
ثَانِيهَا: الطعْن فِي حميد مولَى عفراء، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: حميد الْأَعْرَج لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
قلت: حميد هَذَا هُوَ ابْن قيس الْمَكِّيّ الْمُقْرِئ الْأَعْرَج أَبُو صَفْوَان، أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة، رَوَى عَنهُ الْأَئِمَّة: مَالك، والسفيانان، وَغَيرهمَا. قَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث قَارِئ أهل مَكَّة. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بحَديثه؛ إِنَّمَا يَقع الْإِنْكَار عَلَيْهِ فِي حَدِيثه من قبل من يروي عَنهُ. وَاخْتلف قَول أَحْمد فِيهِ فَمرَّة قَالَ: ثِقَة وَعَلَيْهَا اقْتصر الْمزي فِي تهذيبه وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث نقلهَا الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه.
وَاعْلَم أَن بعض شُيُوخنَا الْتبس عَلَيْهِ حميد بن قيس الْأَعْرَج هَذَا، بحميد بن عمار أَو عَلّي أَو عبيد أَو عَطاء أَقْوَال. الْأَعْرَج الْمَتْرُوك انْفَرد بِإِخْرَاج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ؛ فَاعْترضَ عَلَى الْبَيْهَقِيّ فِي قَوْله: حميد الْأَعْرَج لَيْسَ بِالْقَوِيّ، فَقَالَ: تساهل فِي أمره، وَالَّذِي فِي الْكتب أَنه واهي الحَدِيث، وَقيل: ضَعِيف، وَقيل: مُنكر الحَدِيث، وَقيل: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ ابْن حبَان: رَوَى عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن ابْن مَسْعُود نُسْخَة كَأَنَّهَا مَوْضُوعَة. وَهَذَا عَجِيب من هَذَا الْمُعْتَرض فطبقتهما مُخْتَلفَة؛ فَإِن هَذَا الْمَتْرُوك لم يرو إِلَّا عَن عبد الله بن الْحَارِث الْمُؤَذّن، وَحميد الآخر رَوَى عَن قيس بن سعد وَجَمَاعَة.
ثَالِثهَا: الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده؛ فَرَوَاهُ سعيد بن سَالم، عَن عبد الله بن المؤمل، عَن حميد مولَى عفراء، عَن مُجَاهِد، عَن أبي ذَر وَلم يذكر قيس بن سعد.
أخرجه ابْن عدي فِي كَامِله من هَذَا الْوَجْه.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد الشَّافِعِي عَن عبد الله بن المؤمل، عَن حميد الْأَعْرَج، عَن مُجَاهِد.
قلت: وَقد أسلفنا رِوَايَة أَحْمد لَهُ، عَن يزِيد، عَن ابْن المؤمل، عَن قيس، عَن مُجَاهِد وَلم أر فِيهِ حميد عَن قيس.
رَابِعهَا: الِانْقِطَاع فِيمَا بَين مُجَاهِد وَأبي ذَر، نَص عَلَى ذَلِك الْحفاظ. قَالَ أَبُو حَاتِم: مُجَاهِد عَن أبي ذَر مُرْسل. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: مُجَاهِد لم يسمع مِنْهُ، وَكَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: هَذَا الْخَبَر مُنْقَطع وَفِي ثُبُوته نظر، وَمُجاهد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر قَالَ صَاحب الإِمام: مِمَّا يُؤَيّد هَذَا أَن ابْن عدي رَوَى هَذَا الحَدِيث فِي كَامِله من حَدِيث اليسع بن طَلْحَة الْقرشِي قَالَ: سَمِعت مُجَاهدًا يَقُول: بلغنَا أَن أَبَا ذَر قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ بحلقتي الْكَعْبَة يَقُول ثَلَاثًا: لَا صَلَاة بعد الْعَصْر إِلَّا بِمَكَّة». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: اليسع بن طَلْحَة قد ضَعَّفُوهُ، والْحَدِيث مُنْقَطع، مُجَاهِد لم يدْرك أَبَا ذَر بِحَال. قَالَ ابْن عبد الْبر عقب ذكر حَدِيث حميد السالف: هَذَا حَدِيث وَإِن لم يكن بِالْقَوِيّ؛ لضعف حميد مولَى عفراء، وَلِأَن مُجَاهدًا لم يسمع من أبي ذَر فَفِي حَدِيث جُبَير بن مطعم مِمَّا يقويه وَهُوَ كَمَا قَالَ، وستعلم طرقه عَلَى الإثر.
تَنْبِيه:
وَقع فِي الْمعرفَة للبيهقي إِطْلَاق دَعْوَى الْإِرْسَال عَلَى حَدِيث أبي ذَر هَذَا، وَهُوَ مُوَافق لقَوْل الْفُقَهَاء، والأصوليين، وَجَمَاعَة من الْمُحدثين، أَن الْمُرْسل مَا انْقَطع إِسْنَاده عَلَى أَي وَجه كَانَ انْقِطَاعه، فَهُوَ عِنْدهم بِمَعْنى الْمُنْقَطع، وَجُمْهُور الْمُحدثين قَالُوا: لَا يُسمى الحَدِيث مُرْسلا إِلَّا إِذا أخبر بِهِ التَّابِعِيّ عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.

.الحديث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «يَا بني عبد منَاف، من ولي مِنْكُم من أُمُور النَّاس شَيْئا فَلَا يمنعن أحدا طَاف بِالْبَيْتِ، وَصَلى أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي وَأحمد فِي مسنديهما وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث جُبَير بن مطعم رضى الله عَنهُ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة.
أما الشَّافِعِي فَأخْرجهُ عَن سُفْيَان، عَن أبي الزبير الْمَكِّيّ، عَن عبد الله بن باباه، عَن جُبَير مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء.
وَأما أَحْمد فَأخْرجهُ عَن مُحَمَّد بن بكر، نَا ابْن جريج، أَنا أَبُو الزبير، أَنه سمع عبد الله بن بابيه عَن جُبَير بن مطعم بِلَفْظ: «يَا بني عبد منَاف، وَيَا بني عبد الْمطلب، إِن كَانَ لكم من الْأَمر شَيْء فَلَا اعرفن مَا منعتم أحدا أَن يطوف بِهَذَا الْبَيْت أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
وَأما أَبُو دَاوُد فَأخْرجهُ فِي الْحَج، عَن ابْن السَّرْح، عَن سُفْيَان إِلَى جُبَير يبلغ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم «لَا تمنعوا أحدا يطوف بِهَذَا الْبَيْت، وَيُصلي أَي سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار». وَترْجم عَلَيْهِ بَاب الطّواف بعد الْعَصْر.
وَأما التِّرْمِذِيّ فَأخْرجهُ فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي عمار وَعلي بن خشرم، عَن سُفْيَان بِهِ بِلَفْظ: «يَا بني عبد منَاف، لَا تمنعوا أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت وَصَلى...» الحَدِيث.
وَأما النَّسَائِيّ فَأخْرجهُ فِي الْحَج أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، عَن سُفْيَان قَالَ: «لَا يمنعن...» وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ سَوَاء.
وَأما ابْن مَاجَه فَأخْرجهُ فِي الصَّلَاة عَن يَحْيَى بن حَكِيم عَن سُفْيَان بِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد رَوَاهُ عبد الله بن أبي نجيح، عَن عبد الله بن باباه أَيْضا.
وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن شَيْخه ابْن خُزَيْمَة وَعمر بن مُحَمَّد بن بجير قَالَا: ثَنَا عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء، ثَنَا سُفْيَان بِهِ بِلَفْظ: «يَا بني عبد الْمطلب، إِن كَانَ إِلَيْكُم من الْأَمر شَيْء فَلَا أَعرفن أحدا مِنْكُم أَن يمْنَع من يُصَلِّي عِنْد الْبَيْت أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
قَالَ: وَأَنا عبد الله بن مُحَمَّد بن سلم، ثَنَا حَرْمَلَة بن يَحْيَى، نَا ابْن وهب، أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث، أَن أَبَا الزبير حَدثهُ، عَن ابْن باباه أَنه سمع جُبَير بن مطعم يَقُول: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «يَا بني عبد منَاف، لَا تمنعوا أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت وَصَلى أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
قَالَ: وَأَنا أَبُو يعْلى، نَا هَارُون بن مَعْرُوف وَأَبُو خَيْثَمَة، نَا سُفْيَان، عَن أبي الزبير بِهِ. قَالَ ابْن حبَان: وَهَذَا الحَدِيث بِطرقِهِ دَال عَلَى أَن الزّجر الْمُطلق فِي حَدِيث عقبَة- يَعْنِي: السالف- عَام، وَيُرَاد بِهِ خَاص.
وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي الْحَج عَن أبي بكر بن إِسْحَاق وهُوَ ابْن خُزَيْمَة، نَا بشر بن مُوسَى، نَا الْحميدِي نَا سُفْيَان بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: «أَيَّة سَاعَة أحب» بدل «أَيَّة سَاعَة شَاءَ» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمْرو بن عَلّي، عَن سُفْيَان بِهِ بِلَفْظ: «يَا بني عبد منَاف، إِن وليتم من هَذَا الْأَمر شَيْئا فَلَا تمنعن طَائِفًا طَاف بِهَذَا الْبَيْت وَصَلى أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
وَمن حَدِيث الْجراح بن الْمنْهَال، عَن أبي الزبير، عَن نَافِع بن جُبَير، سمع أَبَاهُ جُبَير بن مطعم يَقُول: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «يَا بني عبد منَاف- أَو يَا بني قصي- لَا تمنعوا أحدا أَن يطوف بِالْبَيْتِ وَيُصلي أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
وَمن حَدِيث عمر بن قيس، عَن عِكْرِمَة بن خَالِد، عَن نَافِع، عَن أَبِيه رَفعه: «يَا بني عبد منَاف، لَا تمنعن أحدا يُصَلِّي عِنْد هَذَا الْبَيْت أَيَّة سَاعَة من ليل أَو نَهَار».
وَمن حَدِيث عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد، عَن عَطاء، عَن نَافِع، عَن أَبِيه رَفعه: «يَا بني عبد الْمطلب، لَا تمنعن مُصَليا عِنْد هَذَا الْبَيْت فِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار».
وَمن حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، عَن نَافِع، عَن أَبِيه رَفعه: «يَا بني عبد منَاف، يَا بني هَاشم، إِن وليتم هَذَا الْأَمر يَوْمًا فَلَا يمنعن طَائِفًا بِهَذَا الْبَيْت أَو مُصَليا أَي سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
وقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعد إِيرَاد حَدِيث سُفْيَان أَقَامَ ابْن عُيَيْنَة إِسْنَاده وَمن خَالفه فِي الْإِسْنَاد لَا يقاومه؛ فرواية ابْن عُيَيْنَة أولَى أَن تكون مَحْفُوظَة، وَكَذَا قَالَ فِي الْمعرفَة أَن سُفْيَان رَوَاهُ، وَهُوَ حَافظ ثِقَة، وَالَّذين خالفوه دونه فِي الْحِفْظ والمعرفة.
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: رُوِيَ من حَدِيث جَابر بن عبد الله وَابْن عَبَّاس مثل حَدِيث جُبَير بن مطعم، أما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث معقل بن عبيد الله، عَن أبي الزبير، عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «يَا بني عبد منَاف، أَلا لَا تمنعوا أحدا صَلَّى عِنْد هَذَا الْبَيْت أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، نَا أَيُّوب، عَن أبي الزبير- أَظُنهُ عَن جَابر- أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «يَا بني عبد منَاف، لَا تمنعوا أحدا يطوف بِهَذَا الْبَيْت أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث. شُرَيْح بن النُّعْمَان، نَا أَبُو الْوَلِيد الْعَدنِي، نَا رَجَاء أَبُو سعيد، أَنا مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «يَا بني عبد الْمطلب- أَو يَا بني عبد منَاف- لَا تمنعوا أحدا يطوف بِالْبَيْتِ وَيُصلي؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَلَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس إِلَّا بِمَكَّة عِنْد هَذَا الْبَيْت يطوفون وَيصلونَ».
قَالَ الضياء الْمَقْدِسِي: أَبُو الْوَلِيد الْعَدنِي لم أر لَهُ ذكرا فِي الكنى لأبي أَحْمد الْحَاكِم، ورجاء هُوَ ابْن الْحَارِث ضعفه ابْن معِين.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي أَصْغَر معاجمه عَن أَحْمد بن زَكَرِيَّا العابدي، نَا عبد الْوَهَّاب بن فليح الْمَكِّيّ، نَا سليم بن مُسلم الخشاب، نَا ابْن جريج، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «يَا بني عبد منَاف، يَا بني عبد الْمطلب، إِن وليتم هَذَا الْأَمر فَلَا تمنعوا أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت أَن يُصَلِّي أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ بعد طواف السَّبع ويُصَلِّي بعد الصُّبْح قبل طُلُوع الشَّمْس، وَبعد الْعَصْر قبل غرُوب الشَّمْس، وَفِي كل النَّهَار، قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لم يروه عَن ابْن جريج إِلَّا سليم بن مُسلم. وَرَوَاهُ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث إِبْرَاهِيم الصَّائِغ، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «يَا بني عبد منَاف، إِن وليتم من هَذَا الْأَمر بعدِي فَلَا تمنعوا أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت أَو صَلَّى أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
وَفِي كَامِل ابْن عدي من حَدِيث سعيد بن أبي رَاشد، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا صَلَاة بعد الْفجْر حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَلَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس، من طَاف فَليصل أَي حينٍ طَاف».
وَقَالَ ابْن عدي: وَهَذَا يرويهِ عَن عَطاء سعيد، وَزَاد فِي مَتنه: «من طَاف فَليصل أَي حِين طَاف» قَالَ: وَهُوَ يحدث عَن عَطاء وغَيره بِمَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ذكره البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَقَالَ: لَا يُتَابع عَلَيْهِ.
التَّنْبِيه الثَّانِي: وهم صَاحب المُنْتَقَى فعزى هَذَا الحَدِيث إِلَى صَحِيح مُسلم فَقَالَ: رَوَاهُ الْجَمَاعَة إِلَّا البُخَارِيّ، وَهُوَ غلط فَاحش، وَتَبعهُ عَلَى هَذَا الْوَهم الْمُحب فِي أَحْكَامه فَقَالَ: رَوَاهُ السَّبْعَة إِلَّا البُخَارِيّ فاحذر التَّقْلِيد، وَقد عثر فِي ذَلِك الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي مطلبه فَقَالَ: رَوَاهُ مُسلم وَلَفظه: «لَا تمنعوا أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت وَصَلى أَي سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار» وليت شعري من أَيْن أَخذ هَذَا اللَّفْظ، وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم لما رَأَى صَاحب المُنْتَقَى وَهُوَ الْمجد ابْن تَيْمِية عزاهُ إِلَى الْجَمَاعَة دون البُخَارِيّ اقتطع مُسلما من بَينهم، وَاكْتَفَى بِهِ عَنْهُم ثمَّ ذكره بِلَفْظِهِ وَفِي جَوَاز فعل مثل ذَلِك نظر.
التَّنْبِيه الثَّالِث: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالصَّلَاةِ الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الحَدِيث صَلَاة الطّواف خَاصَّة، قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَه بالآثار، وَيحْتَمل جَمِيع الصَّلَوَات.
قَالَ ابْن الصّلاح فِي مُشكل الْوَسِيط: وَالْأول قوي، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أبي دَاوُد: «لَا تمنعوا أحدا يطوف بِهَذَا الْبَيْت، وَيُصلي أَي سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار».
قلت: وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ، وَالطَّبَرَانِيّ لحَدِيث ابْن عَبَّاس وَغير ذَلِك مِمَّا سلف من رِوَايَات حَدِيث جُبَير بن مطعم، وَرِوَايَة ابْن حبَان السالفة تقَوِّي الثَّانِي، وَأَنَّهَا تشرع وَإِن لم يطف.
التَّنْبِيه الرَّابِع: عبد الله بن باباه يُقَال هَكَذَا، وَيُقَال: ابْن بابيه- وَقد سلفا- وَيُقَال: ابْن بَابي، وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: هَؤُلَاءِ ثَلَاثَة مُخْتَلفُونَ، قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْبَراء: وَالْقَوْل عِنْدِي مَا قَالَ البُخَارِيّ وَابْن الْمَدِينِيّ أَن الْكل وَاحِد لَا مَا قَالَ يَحْيَى.

.الحديث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكعَتَا الْفجْر».
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق أشهرها من طَرِيق عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ.
أما أَحْمد فَأخْرجهُ عَن عَفَّان، نَا وهيب، نَا قدامَة بن مُوسَى، نَا أَيُّوب بن حُصَيْن التَّمِيمِي، عَن أبي عَلْقَمَة مولَى عبد الله بن عَبَّاس، عَن يسَار مولَى عبد الله بن عمر قَالَ: «رَآنِي ابْن عمر وَأَنا أُصَلِّي بعد مَا طلع الْفجْر، فَقَالَ: يَا يسَار كم صليت؟ قلت: لَا أَدْرِي. قَالَ: لَا دَريت! إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج علينا وَنحن نصلي هَذِه الصَّلَاة فَقَالَ: أَلا ليبلغ شاهدكم غائبكم أَن لَا صَلَاة بعد الصُّبْح إِلَّا سَجْدَتَانِ».
وَأما أَبُو دَاوُد فَأخْرجهُ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، ثَنَا وهيب، ثَنَا قدامَة بِهِ إِلَى قَوْله: «بعد طُلُوع الْفجْر» وَلَفظه فِي الْبَاقِي: فَقَالَ: «يَا يسَار، إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج علينا وَنحن نصلي هَذِه الصَّلَاة، فَقَالَ: ليبلغ شاهدكم غائبكم، لَا تصلوا بعد الْفجْر إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
وَأما التِّرْمِذِيّ فَأخْرجهُ عَن أَحْمد بن بن عَبدة الضَّبِّيّ، نَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن قدامَة بن مُوسَى، عَن مُحَمَّد بن الْحصين، عَن أبي عَلْقَمَة عَن يسَار، عَن ابْن عمر رَفعه: «لَا صَلَاة بعد الْفجْر إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
وَأما الدَّارَقُطْنِيّ فَأخْرجهُ عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن مرداس، عَن أبي دَاوُد كَمَا سلف.
وَعَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْمَالِكِي عَن أَحْمد بن عَبدة كَمَا سلف لَكِن بِلَفْظ: عَن يسَار مولَى ابْن عمر قَالَ: رَآنِي ابْن عمر أُصَلِّي بعد الْفجْر فحصبني وَقَالَ: يَا يسَار كم صليت؟ قلت: لَا أَدْرِي، قَالَ: لَا دَريت! «إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج علينا وَنحن نصلى هَذِه الصَّلَاة فتغيظ علينا تغيظًا شَدِيدا ثمَّ قَالَ: ليبلغ شاهدكم غائبكم أَن لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث قدامَة بن مُوسَى، وَرَوَى عَنهُ غير وَاحِد وَهُوَ مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْعلم، كَرهُوا أَن يُصَلِّي الرجل بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر، وَمَعْنى هَذَا الحَدِيث: لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر هَذَا آخر كَلَامه.
وَقد عرفنَا هَذَا الحَدِيث من غير حَدِيث قدامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر.
وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن مُحَمَّد بن النّيل، عَن أبي بكر بن يزِيد بن سرجس، عَن ابْن عمر رَأَى مولَى لَهُ يُقَال لَهُ: يسَار يُصَلِّي بعد طُلُوع الْفجْر فَقَالَ: مَا هَذِه الصَّلَاة؟! فَقَالَ: شَيْء بَقِي عَلّي من حزبي. فَقَالَ ابْن عمر: خرج علينا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: «إِذا طلع الْفجْر فَلَا صَلَاة إِلَّا رَكْعَتَيْنِ؛ فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب».
وَرَوَاهُ أَبُو يعْلى فِي مُسْنده عَن هَارُون بن مَعْرُوف، نَا ابْن وهب نَا يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن عبيد الله بن زحر، عَن مُحَمَّد بن أبي أَيُّوب عَن أبي عَلْقَمَة مولَى بني هَاشم، عَن عبد الله بن عمر أَنه رَأَى مولَى لَهُ يُقَال لَهُ: يسَار يُصَلِّي بعد الْفجْر فَنَهَاهُ، فَقَالَ إِنَّه بَقِي من حزبي. فَقَالَ لَهُ عبد الله: أَفلا أخَّرْتَهُ حَتَّى يكون ذَلِك من النَّهَار؟ ثمَّ قَالَ عبد الله: خرج علينا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالنَّاس يصلونَ بعد طُلُوع الْفجْر، فَقَالَ: «إِنَّه لَا صَلَاة بعد الْفجْر إِلَّا رَكْعَتَانِ».
وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن الْحَارِث الْحَارِثِيّ، عَن عمر ان بن مُوسَى بن فضَالة، نَا بنْدَار، نَا مُحَمَّد بن الْحَارِث، حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، عَن أَبِيه، عَن ابْن عمر رَفعه: «إِذا طلع الْفجْر فَلَا صَلَاة إِلَّا الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمَكْتُوبَة».
وَمُحَمّد بن الْحَارِث وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي ضعيفان.
وَأما دَعْوَاهُ الْإِجْمَاع عَلَى كَرَاهِيَة الصَّلَاة بعد طُلُوع الْفجْر غير رَكْعَتي الْفجْر فَغَرِيب؛ فَالْخِلَاف فِيهِ مَشْهُور حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر وَغَيره حتي فِي مَذْهَبنَا؛ بل الرَّاجِح عندنَا أَن الْكَرَاهَة لَا تدخل وَقتهَا إِلَّا بِفعل الْفَرْض فَلهُ أَن يُصَلِّي قبله مَا شَاءَ.
قَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِي التَّطَوُّع بعد طُلُوع الْفجْر سُوَى رَكْعَتي الْفجْر فَكرِهت طَائِفَة ذَلِك، وَمِمَّنْ رَوَى عَنهُ أَنه كره ذَلِك عبد الله بن عمر، وَعبد الله بن عَمْرو، وَفِي إسنادهما مقَال. وَكره ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَالَ: مَا سَمِعت فِيهَا بِشَيْء. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يكْرهُونَ ذَلِك وَكره ذَلِك سعيد بن الْمسيب، والْعَلَاء بن زِيَاد، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن.
وَمِمَّنْ قَالَ: لَا بَأْس أَن يتَطَوَّع الرجل بعد الْفجْر: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَكَانَ مَالك يرَى أَن يفعل ذَلِك من فَاتَتْهُ صَلَاة بِاللَّيْلِ: وَفِي أَحْكَام الْمُحب الطَّبَرِيّ مَا نَصه: ذكر التَّوسعَة فِي التَّنَفُّل بعد رَكْعَتي الْفجْر، ثمَّ سَاق حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَضَى صلَاته من آخر اللَّيْل نظر؛ فَإِن كنت مستيقظة حَدثنِي، وَإِن كنت نَائِمَة أيقظني وَصَلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ اضْطجع حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن، فيؤذنه بِالصَّلَاةِ فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين، ثمَّ يخرج إِلَى الصَّلَاة».
أَخْرجَاهُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ قَالَ: ووَجه الدّلَالَة أَن الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اضْطجع عقبهما هما رَكعَتَا الْفجْر كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيث المصرحة بذلك. انْتَهَى مَا ذكره.
وَأعله ابْن الْقطَّان بِوَجْه آخر؛ فَقَالَ بعد أَن سَاقه من طَرِيق التِّرْمِذِيّ كل من فِي إِسْنَاده مَعْرُوف مَشْهُور إِلَّا مُحَمَّد بن الْحصين؛ فَإِنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ ومجهول الْحَال، وَمَعَ ذَلِك كَانَ عمر بن عَلّي الْمقدمِي وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي يَقُولَانِ: عَن قدامَة بن مُوسَى، عَن مُحَمَّد بن الْحصين وَكَانَ وهيب وَحميد بن الْأسود يَقُولَانِ: عَن أَيُّوب بن حُصَيْن.
وَقَالَ عُثْمَان بن عمر: ثَنَا قدامَة بن مُوسَى قَالَ: أَخْبرنِي رجل من بني حَنْظَلَة ذكر هَذَا الْخلاف فِيهِ البُخَارِيّ، وَلم يعرف هُوَ وَلَا ابْن أبي حَاتِم من حَاله بِشَيْء فَهُوَ عِنْدهمَا مَجْهُول.
وَذكر أَبُو دَاوُد رِوَايَة وهيب عَن قدامَة عَن أَيُّوب بن حُصَيْن كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ.
قلت: أما هَذَا الِاخْتِلَاف فقد رجح أَبُو حَاتِم مِنْهُ قَول من قَالَ مُحَمَّد بن الْحصين وَكَذَا وَابْن عَسَاكِر، لَكِن خَالف الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي علله وَقد سُئِلَ عَنهُ: هَذَا الحَدِيث يرويهِ الدَّرَاورْدِي، عَن قدامَة بن مُوسَى، عَن مُحَمَّد بن الْحصين، عَن أبي عَلْقَمَة مولَى ابْن عَبَّاس، عَن يسَار، مولَى ابْن عمر، عَن ابْن عمر، وَتَابعه عَلَيْهِ عمر بن عَلّي الْمقدمِي، وَخَالَفَهُمَا سُلَيْمَان بن بِلَال ووهيب فروياه عَن قدامَة بن مُوسَى، عَن أَيُّوب بن الْحصين، عَن أبي عَلْقَمَة، عَن يسَار عَن ابْن عمر. قَالَ: وَيُشبه أَن يكون القَوْل قَول سُلَيْمَان ووهيب؛ لِأَنَّهُمَا ثقتان.
وَأما قَوْله مَجْهُول الْحَال فَكَذَا نقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا أَنه مَجْهُول لَكِن ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي ثقاته فِي أَتبَاع التَّابِعين فَقَالَ: مُحَمَّد بن حُصَيْن يروي عَن أبي عَلْقَمَة مولَى ابْن عَبَّاس، وَكَانَ أَبُو عَلْقَمَة قَاضِيا بإفريقية رَوَى عَنهُ قدامَة بن مُوسَى.
قلت: وَسليمَان بن بِلَال والدراوردي أَيْضا، وَأعله ابْن حزم بِوَجْه آخر؛ فَقَالَ: يسَار مولَى ابْن عمر مَجْهُول. وَلَيْسَ كَمَا ذكر؛ فقد قَالَ فِي حَقه أَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ: النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده حسن، إِلَّا أَن فِي إِسْنَاده رجلا مَسْتُورا وَالظَّاهِر أَنه عَنى بالمستور مُحَمَّد بن الْحصين، وَقد عرفت عينه وحاله، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه بعد احتجاجه لمذهبه: أَن النَّوَافِل تحرم بِطُلُوع الْفجْر إِلَّا سنة الصُّبْح؛ إِن قَالُوا قد قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا يعرف إِلَّا من حَدِيث قدامَة. قُلْنَا: قدامَة مَعْرُوف، ذكره البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَأخرج عَنهُ مُسلم فِي صَحِيحه.
قلت: وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَأَبُو زرْعَة الرَّازِيّ.
الطَّرِيق الثَّانِي: من طرق الحَدِيث: عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث وَكِيع، نَا سُفْيَان، نَا عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، عَن عبد الله بن يزِيد، عَن عبد الله بن عَمْرو بِهِ، وَعبد الرَّحْمَن هَذَا مُخْتَلف فِيهِ ضعفه ابْن معِين فِي أحد قوليه، وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ أَحْمد: نَحن لَا نروي عَنهُ شَيْئا. وَقَالَ ابْن خراس: هَالك مُخْتَلف فِيهِ وَقَالَ يَحْيَى الْقطَّان: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قلت لِأَحْمَد بن صَالح: يحْتَج بِهِ؟ قَالَ: نعم. قلت: صَحِيح الْكتاب؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ أَحْمد بن صَالح: ثِقَة وينكر عَلَى من تكلم فِيهِ، وَقَالَ: من يتَكَلَّم فِيهِ فَلَيْسَ بمقبول ابْن أنعم من الثِّقَات. وَكَانَ ابْن وهب يطريه. وَكَانَ الثَّوْريّ يعظمه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَأَيْت البُخَارِيّ يُقَوي أمره وَيَقُول هُوَ مقارب الحَدِيث. وسنستوفي تَرْجَمته فى أَوَاخِر بَاب الْأَذَان- إِن شَاءَ الله- تَعَالَى وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ وَنقل كَلَام الْأَئِمَّة فِي تَضْعِيفه، وَقَالَ فِي تَحْقِيقه بعد استدلاله بِهِ: إِن قيل الأفريقي هَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ: لَيْسَ بِقَوي. قُلْنَا: قد قَالَ يَحْيَى بن معِين: لَا يسْقط حَدِيثه. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فِي إِسْنَاده مقَال.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ جَعْفَر بن عون، عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد، عَن عبد الله بن يزِيد، عَن عبد الله بن عَمْرو مَوْقُوفا عَلَيْهِ. قَالَ: وَالثَّوْري أحفظ من غَيره إِلَّا أَن عبد الرَّحْمَن الأفريقي غير مُحْتَج بقوله. قَالَ: وَله شَاهد من حَدِيث ابْن الْمسيب مُرْسلا وَسَيَأْتِي بعد هَذَا.
قلت: وَلِحَدِيث عبد الله بن عَمْرو هَذَا طَرِيق آخر بِدُونِ عبد الرَّحْمَن هَذَا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن قُتَيْبَة الْعَسْقَلَانِي، عَن مُحَمَّد بن خلف الْعَسْقَلَانِي، عَن رواد بن الْجراح، عَن سعيد بن بشير، عَن مطر الْوراق، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا صَلَاة إِذا طلع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا صَلَاة بعد الْفجْر إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَنهُ بِهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا، ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ مَوْصُولا بِذكر أبي هُرَيْرَة فِيهِ، وَلَا يَصح وَصله.
وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه بعد ذكر طَرِيق التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طرق فِيهَا جمَاعَة ضعفاء، وَلَا يَصح مِنْهَا كلهَا شَيْء وأحسنها حَدِيث التِّرْمِذِيّ، وَكَأَنَّهُ تبع ابْن حزم فِي التَّضْعِيف؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي محلاه: الرِّوَايَة فِي أَن «لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر» سَاقِطَة مطروحة مكذوبة كلهَا لم يروها أحد إِلَّا من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، وَهُوَ هَالك.
قلت: قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى، قَالَ ابْن حزم: أَو من طَرِيق أبي بكر بن مُحَمَّد، وَهُوَ مَجْهُول لَا يُدْرَى من هُوَ، وَلَيْسَ هُوَ ابْن حزم.
قلت: الظَّاهِر أَنه ابْن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب أَخُو زيد بن مُحَمَّد رَوَى عَن جمَاعَة، وَعنهُ جمَاعَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة لَا بَأْس بِهِ. قَالَ: أَو من طَرِيق أبي هَارُون الْعَبْدي، وَهُوَ سَاقِط، أَو من طَرِيق يسَار مولَى ابْن عمر، وَهُوَ مَجْهُول ومدلس عَن كَعْب بن مَرْوَان، لَا نَدْرِي من هُوَ، وَقد أسلفنا الْجَواب عَن قَوْله فِي يسَار.
تَنْبِيه: وَقع فِي كَلَام الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ عزو حَدِيث ابْن عمر السالف إِلَى ابْن مَاجَه، وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ كَذَلِك؛ إِنَّمَا لَفظه: «ليبلغ شاهدكم غائبكم» فَحسب، وَقد قَالَ هُوَ فِي كَلَامه عَلَى مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد أخرجه ابْن مَاجَه مُخْتَصرا؛ فَأصَاب، وَوَقع فِي ذَلِك أَيْضا شَيخنَا قطب الدَّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي كَلَامه عَلَى بعض أَحَادِيث الْمُحَلَّى وَكَأَنَّهُ قَلّدهُ فِيهِ، وَيُجَاب بِأَنَّهُمَا أَرَادَا أصل الحَدِيث.