فصل: الحديث العَاشِر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.وَأما الْأَثر الأول:

فَهُوَ: عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة قَالَ: «أدْركْت أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان، وَمن بعدهمْ من الْخُلَفَاء، فَلم أرهم يضْربُونَ الْمَمْلُوك إِذا قذف إِلَّا أَرْبَعِينَ سَوْطًا».
وَهُوَ أثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور لكنه لم يذكر أَبَا بكر، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق آخر كَمَا ذكره المُصَنّف، وَرُوِيَ عَن عَلّي مثل ذَلِك بِإِسْنَادِهِ.

.وَأما الْأَثر الثَّانِي:

فَهُوَ: أَنه رُوِيَ «أَنه شهد عِنْد عمر عَلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالزِّنَا، أَبُو بكرَة وَنَافِع ونفيع وَلم يُصَرح بِهِ زِيَاد- وَكَانَ رابعهم- فجلد عمر الثَّلَاثَة، وَكَانَ بِمحضر من الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد».
هَذَا الْأَثر إِيرَاده هَكَذَا غَرِيب؛ فَإِن نفيعًا هُوَ اسْم أبي بكرَة، وَصَوَابه مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق قسَامَة بن زُهَيْر قَالَ: «لما كَانَ من شَأْن أبي بكرَة والمغيرة مَا كَانَ...» وَذكر الحَدِيث قَالَ: «فَدَعَا الشُّهُود فَشهد أَبُو بكرَة وشبل بن معبد وَأَبُو عبد الله نَافِع، فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه حِين شهد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، شقّ عَلَى عمر شَأْنه، فَلَمَّا قَامَ زِيَاد قَالَ: إِن تشهد إِن شَاءَ الله إِلَّا بِحَق. قَالَ زِيَاد: أما الزِّنَا فَلَا أشهد بِهِ، وَلَكِن رَأَيْت أمرا قبيحًا. فَقَالَ عمر: الله أكبر، حدوهم فجلدهم قَالَ: فَقَالَ أَبُو بكرَة بَعْدَمَا ضربه: أشهد أَنه زَان. فهم عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن يُعِيد عَلَيْهِ الْحَد، فَنَهَاهُ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقَالَ: إِن جلدت فارجم صَاحبك. فَتَركه وَمَا جلده». وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن سعيد عَن قَتَادَة «أَن أَبَا بكرَة وَنَافِع بن الْحَارِث بن كلدة وشبل بن معبد شهدُوا عَلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَنهم رَأَوْهُ يولجه ويخرجه، وَكَانَ زِيَاد رابعهم وَهُوَ الَّذِي أفسد عَلَيْهِم وَأما الثَّلَاثَة فَشَهِدُوا بذلك، فَقَالَ أَبُو بكرَة وَالله لكَأَنِّي ثَائِر فِي فَخذهَا. فَقَالَ عمر حِين رَأَى زيادًا: إِنِّي لأرَى غُلَاما كيسًا لَا يَقُول إِلَّا جدًّا وَلم يكن ليكتمني شَيْئا. فَقَالَ زِيَاد: لم أر مَا قَالَ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي رَأَيْت رِيبَة وَسمعت نفسا عَالِيا. قَالَ: فجلدهم عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وخلى عَن زِيَاد» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رَوَيْنَاهُ من وَجه آخر مَوْصُولا. قَالَ: وَفِي رِوَايَة ابْن زيد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة «أَن أَبَا بكرَة وزيادًا ونافعًا وشبل بن معبد كَانُوا فِي غرفَة والمغيرة فِي أَسْفَل الدَّار فَهبت ريح ففتحت الْبَاب وَرفعت السّتْر، فَإِذا الْمُغيرَة بَين رِجْلَيْهَا، فَقَالَ بَعضهم: قد ابتلينا...» فَذكر الْقِصَّة، قَالَ: «فَشهد أَبُو بكرَة وَنَافِع وشبل، وَقَالَ زِيَاد: لَا أَدْرِي نَكَحَهَا أم لَا. فجلدهم عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَّا زيدا، فَقَالَ أَبُو بكرَة: أَلَيْسَ قد جلدتموني قَالَ: بلَى. قَالَ: فَأَنا أشهد بِاللَّه لقد فعل. فَأَرَادَ عمر أَن يجلده أَيْضا. فَقَالَ عَلّي: إِن كَانَت شَهَادَة أبي بكرَة بِشَهَادَة رجلَيْنِ فارجم صَاحبك، وَإِلَّا فقد جلدتموه- يَعْنِي لَا يجلد ثَانِيًا بِإِعَادَة الْقَذْف». وَفِي رِوَايَة لِلْحَافِظِ أبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ: «شهد أَبُو بكرَة وَنَافِع- يَعْنِي ابْن عَلْقَمَة- وشبل بن معبد عَلَى الْمُغيرَة أَنهم نظرُوا كَمَا ينظرُونَ المرود فِي المكحلة، فجَاء زِيَاد، فَقَالَ عمر: رجل لَا يشْهد إِلَّا بِالْحَقِّ. فَقَالَ: رَأَيْت مَجْلِسا قبيحًا وابتهارًا فجلدهم عمر الْحَد». قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم: هم الْأَرْبَعَة الَّذين شهدُوا عَلَى الْمُغيرَة إخْوَة لأم اسْمهَا سميَّة وَرَأَيْت ذَلِك فِي مَعْرفَته فِي تَرْجَمَة شبْل بن معبد أَنهم أَرْبَعَة إخْوَة لأم، وَذكر الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه قصَّة الْمُغيرَة مستوفاة من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي بكرَة وَذكر فِيهِ أَن الشُّهُود شبْل بن معبد ونافعًا وَأَبا بكرَة وزيادًا، كَمَا سلف فِي رِوَايَات الْبَيْهَقِيّ، وَزَاد: «أَن الْمَرْأَة يُقَال لَهَا: أم جميل». وَفِي البُخَارِيّ طَرِيق من هَذِه الْقِصَّة فِي الشَّهَادَات فَقَالَ:
«وَجلد عمر أَبَا بكرَة وشبل بن معبد ونافعًا». كَمَا سلف فِي رِوَايَات الْبَيْهَقِيّ، وَزَاد: «أَن الْمَرْأَة يُقَال لَهَا: أم جميل. فقذف الْمُغيرَة ثمَّ استتابهم، وَقَالَ: من تَابَ قبلت شَهَادَته».
تَنْبِيه: الصَّحَابَة كلهم عدُول أَي مجردها كَافِيَة عَن عدالتهم إِنَّهَا من تحقق قيام الْمَانِع، والمغيرة كَانَ يرَى نِكَاح السِّرّ وَفعله فِي هَذِه الْقِصَّة بعد شَهَادَتهم قيل: وَمَا تفعل؟ قَالَ: أقيم الْبَيِّنَة أَنَّهَا زَوْجَتي.

.كتاب حد السّرقَة:

كتاب حد السّرقَة:
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا:

.أما الْأَحَادِيث:

فسبعة عشر حَدِيثا:

.الحديث الأول:

عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «تقطع الْيَد فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا». وَيروَى: «لاتقطع إِلَّا فِي ربع دِينَار».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا فَفِي لفظ: «لَا تقطع يَد السَّارِق إِلَّا فِي ربع دِينَار» وَفِي لفظ آخر «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تقطع يَد السَّارِق عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أدنَى من ثمن المجنّ- تُرس أَو حجفة- وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا ذُو ثمن» وَفِي لفظ لمُسلم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي ربع دِينَار فَمَا فَوْقه» وَفِي لفظ النَّسَائِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي ثمن الْمِجَن، ثلث دِينَار أَو نصف دِينَار فَصَاعِدا» وَأما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه رَفعه: «لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم» فضعيف جدًّا، وَمِمَّنْ بَين وهنه: ابْن الْجَوْزِيّ فِي إِعْلَامه.

.الحديث الثَّانِي:

«أَن صَفْوَان بن أُميَّة نَام فِي الْمَسْجِد فتوسد رِدَاءَهُ فجَاء سَارِق فَأَخذه من تَحت رَأسه، فَأخذ صَفْوَان السَّارِق وَجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمر بِقطع يَده، فَقَالَ صَفْوَان: إِنِّي لم أرد هَذَا يَا رَسُول الله، وَهُوَ عَلَيْهِ صَدَقَة. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: هلا كَانَ قبل أَن تَأتِينِي بِهِ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَالشَّافِعِيّ عَنهُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظ مُتَغَايِرَة، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة الشَّافِعِي سَوَاء وَنَحْوه رِوَايَة مَالك وَابْن مَاجَه، وَفِي رِوَايَة «أَن الرِّدَاء يُسَاوِي ثَلَاثِينَ درهما» رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو داو وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم، وَفِي روايتهم فَقَالَ: «أتقطعه من أجل ثَلَاثِينَ درهما إِنَّمَا أبيعه وأنسئه ثمنهَا. قَالَ: فَهَلا كَانَ هَذَا قبل أَن تَأتِينِي بِهِ». قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ عبد الْحق: لَا نعلم يتَّصل من وَجه يحْتَج بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: سَببه أَن فِي بعض أسانيده حميد ابْن أُخْت صَفْوَان وَلَا يعرف فِي غير هَذَا، وَفِي بعض طرقه عَن عبد الْملك بن أبي بشير، عَن عِكْرِمَة، عَن صَفْوَان، وَلَا نَعْرِف أَن عِكْرِمَة سَمعه من صَفْوَان، وَإِنَّمَا يرويهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي بَعْضهَا عَن طَاوس، عَن صَفْوَان، وَقد قَالَ الْبَزَّار: إِن طاوسًا رَوَاهُ مُرْسلا. لَكِن قَالَ ابْن عبد الْبر: إِن سَماع طَاوس من صَفْوَان مُمكن؛ لِأَنَّهُ أدْرك زمَان عُثْمَان وَقَالَ طَاوس: أدْركْت سبعين شَيخا من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مَالك ثمَّ من طَرِيق الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن عَمْرو، عَن طَاوس، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمثل حَدِيث مَالك، قَالَ: هَذَا الْمُرْسل يُقَوي الأول. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن سُفْيَان بِإِسْنَاد مَوْصُول فِيهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَلَيْسَ بِصَحِيح.
قلت: فِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بِقطع هَذَا السَّارِق من الْمفصل» لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف فِيهِ الْعَرْزَمِي الْمَتْرُوك، وَغَيره.

.الحديث الثَّالِث:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق فَقَالَ: من سرق مِنْهُ شَيْئا بعد أَن يئويه الجرين فَبلغ ثمن الْمِجَن فَعَلَيهِ الْقطع».
هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق فَقَالَ: مَا أصَاب بِفِيهِ من ذِي حَاجَة غير متخذ خبنة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَمن خرج مِنْهُ بِشَيْء فَعَلَيهِ غَرَامَة مثلَيْهِ والعقوبة، وَمن سرق مِنْهُ شَيْئا بعد أَن يئويه الجرين فَبلغ ثمن الْمِجَن فَعَلَيهِ الْقطع، وَمن سرق دون ذَلِك فَعَلَيهِ غَرَامَة مثلَيْهِ والعقوبة» وَأخرج التِّرْمِذِيّ الْقطعَة الأولَى ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ «فِي كم تقطع الْيَد؟ قَالَ: لَا تقطع فِي ثَمَر مُعَلّق، فَإِذا ضمه الجرين قطعت فِي ثمن الْمِجَن، وَلَا تقطع فِي حريسة الْجَبَل، فَإِذا ضمهَا المراح قطعت فِي ثمن الْمِجَن» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن رجلا من مزينة أَتَى الرَّسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله، كَيفَ ترَى فِي حريسة الْجَبَل؟ قَالَ: هِيَ وَمثلهَا والنكال، وَلَيْسَ فِي شَيْء من الْمَاشِيَة قطع إِلَّا فِيمَا آواه المراح فَبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ قطع الْيَد، وَمَا لم يبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ غَرَامَة مثلَيْهِ وجلدات النكال. قَالَ: يَا رَسُول الله، كَيفَ ترَى فِي الثَّمر الْمُعَلق؟ قَالَ: هُوَ وَمثله مَعَه والنكال، وَلَيْسَ فِي شَيْء من التَّمْر الْمُعَلق قطع إِلَّا فِيمَا آواه الجرين، فَمَا أَخذ من الجرين فَبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ الْقطع، وَمَا لم يبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ غَرَامَة مثلَيْهِ»، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِلَفْظ: «أَن رجلا من مزينة سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الثِّمَار، فَقَالَ: مَا أَخذ فِي أكمامه فَاحْتمل قِيمَته وَمثله مَعَه، وَمَا كَانَ فِي الجران فَفِيهِ الْقطع إِذا بلغ ذَلِك ثمن الْمِجَن، وَإِن أكل وَلم يَأْخُذ فَلَيْسَ عَلَيْهِ. قَالَ: الشَّاة الحريسة مِنْهُنَّ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: ثمنهَا وَمثله مَعَه والنَّكال، وَمَا كَانَ فِي المراح فَفِيهِ الْقطع إِذا كَانَ مَا يَأْخُذ من ذَلِك ثمن الْمِجَن». وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ النَّسَائِيّ السالف الطَّوِيل، ثمَّ قَالَ: هَذِه سنة تفرد بهَا عَمْرو بن شُعَيْب بن مُحَمَّد عَن جده عبد الله بن عَمْرو، وَقد رويت عَن إمامنا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي أَنه قَالَ: إِذا كَانَ الرَّاوِي عَن عَمْرو بن شُعَيْب ثِقَة، فَهُوَ كأيوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر.
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: قَالَ ابْن عبد الْبر فِي قَول «غَرَامَة مثلَيْهِ»: إِنَّه مَنْسُوخ لَا نعلم أحدا من الْفُقَهَاء قَالَ بِهِ، إِلَّا مَا جَاءَ عَن عمر فِي رَقِيق حَاطِب بن أبي بلتعة حِين انتحروا نَاقَة رجل من مزينة وَرِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد، وَيحمل هَذَا عَلَى الْعقُوبَة وَالتَّشْدِيد، وَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاس الْعقُوبَة فِي الْغرم بِالْمثلِ؛ لقَوْله تَعَالَى: {فَمن اعْتَدَى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم} وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا الحَدِيث لَا يحْتَج الْعلمَاء بِهِ، ويطعنون فِي إِسْنَاده، ولاسيما مَا فِيهِ مِمَّا يَدْفَعهُ الْإِجْمَاع من غرم المثلين.
ثَانِيهَا: قَالَ الرَّافِعِيّ: كَانَ ثمن الْمِجَن عِنْدهم ربع دِينَار ثَلَاثَة دَرَاهِم. وَهُوَ كَمَا قَالَ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قطع فِي مجن قِيمَته ربع دِينَار» وَفِي لفظ «ثمنه ثَلَاثَة دَرَاهِم» وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَن الْقدر كَانَ ربع دِينَار، وَمَا رُوِيَ «أَن ثمنه عشرَة أَو خَمْسَة» فواه.
ثَالِثهَا: الخبنة- بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة-: مَا تحمله فِي حضنك. وَقيل: هُوَ أَن تَأْخُذ فِي جيب ثَوْبك وَهُوَ ذيله وأسفله. و«الجرين» مَوضِع التَّمْر الَّذِي يجفف فِيهِ. و«حريسة الْجَبَل» مِنْهُم من جعلهَا السّرقَة نَفسهَا، قَالَ: حرس يحرس حرسًا إِذا سرق، وَمِنْهُم من جعلهَا المحروسة يَعْنِي فِيمَا يحرس بِالْجَبَلِ، إِذا سرق قطع؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِموضع حرز، وحريسة الْجَبَل أَيْضا السَّائِمَة الَّتِي يُدْرِكهَا اللَّيْل قبل أَن تصل إِلَى مأواها، وَبِهَذَا جزم الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب حَيْثُ قَالَ: حريسة الْجَبَل مَا يسرق من الْجَبَل من الْمَوَاشِي، وَيُقَال: إِن سارقها يُسمى حارسًا. وصحفه بعض شُيُوخنَا فَذكر لفظ الحَدِيث بِلَفْظ «وَلَا فِي خريسة جبل» ثمَّ قَالَ: والخريسة- بخاء مُعْجمَة-: المسروقة يَعْنِي المخروسة، ثمَّ ذكر مَادَّة خرس فاحذر ذَلِك. والمُراح بِضَم الْمِيم-: الْموضع الَّذِي تأوي إِلَيْهِ الْمَاشِيَة لَيْلًا.

.الحديث الرَّابِع:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَأحمد فِي الْمسند، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث رَافع بن خديج رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: إِنَّه مُرْسل، وَحدث بِهِ أَيْضا مَوْصُولا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَى هَذَا الحَدِيث بَعضهم عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان، عَن رَافع بن خديج مَرْفُوعا، وَلم يذكرُوا فِيهِ وَاسِعًا.
قلت: رَوَاهُ مَالك خَارج موطئِهِ فَذكر وَاسِعًا كَمَا أَفَادَهُ الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك. وَقَالَ عبد الْحق: رَوَى هَذَا الحَدِيث النَّسَائِيّ عَن سُفْيَان، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان، عَن عَمه وَاسع، عَن رَافع، يَعْنِي أَنه وَصله بِزِيَادَة وَاسع وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان، قَالَ: وَرَوَاهُ غَيره، وَلم يذكر وَاسِعًا، وَلم يُتَابع سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَلَى هَذِه الرِّوَايَة إِلَّا حَمَّاد بن دَلِيل، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن شُعْبَة، عَن يَحْيَى بن سعيد بِمثل رِوَايَة سُفْيَان، وَأما غير حَمَّاد فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن شُعْبَة، عَن يَحْيَى، وَلم يذكر وَاسِعًا، وَمُحَمّد بن يَحْيَى بن حبَان لم يسمع من رَافع. قَالَ ابْن الْقطَّان: هَذَا من عبد الْحق تَرْجِيح رِوَايَة من أرسل عَلَى رِوَايَة من وصل، وَإِن كَانَ ثِقَة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا الحَدِيث تلقت الْعلمَاء مَتنه بِالْقبُولِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ.
قلت: وَله شَاهد لَكِن يقوى من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ أَحْمد، وَابْن مَاجَه من حَدِيث سعد بن سعيد المَقْبُري، عَن أَخِيه عبد الله بن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ السالف، وَضعف هَذَا الطَّرِيق الضياء الْمَقْدِسِي لأجل سعد الْمَذْكُور، وَنقل كَلَام ابْن عدي وَابْن حبَان فِيهِ.
فَائِدَة: قَالَ الرَّافِعِيّ: الكثر جمار النّخل وَهُوَ لَحْمه. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَعِنْدَ النَّسَائِيّ: والكثر الْجمار. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَيُقَال: الكثر هُوَ الطّلع. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَمَعْنى الثَّمر فِي الحَدِيث مَا كَانَ مُعَلّقا فِي النّخل قبل أَن يجد ويحوز، وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَه الشَّافِعِي، وَقَالَ: حَوَائِط الْمَدِينَة لَيست بحرز، وأكثرها يدْخل من جوانبها، وَمن سرق من حوائطها من ثَمَر مُعَلّق لم يقطع، فَإِذا آواه الجرين قطع. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الخلافيات: قَالَ الشَّافِعِي: احْتج بِهَذَا الحَدِيث بعض النَّاس فَقَالَ: من هَاهُنَا قُلْنَا: لَا يقطع فِي التَّمْر الرطب. قَالَ الشَّافِعِي: وَالتَّمْر اسْم جَامع للرطب من التَّمْر واليابس من التَّمْر، وَالزَّبِيب. وَغَيره، أفنسقط الْقطع عَمَّن سرق تَمرا فِي بَيت، وَإِنَّمَا أجَاب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين قَالَ: «لَا قطع فِي تمر وَلَا كثر» عَلَى مثل مَا سُئِلَ عَنهُ، وَكَانَ حيطان الْمَدِينَة لَيْسَ عَلَيْهَا حيطان؛ لِأَنَّهُ يَقُول: «وَإِذا آواه الجرين والمراح فَفِيهِ الْقطع» وَاحْتج بِحَدِيث عُثْمَان فِي الأترجة وَسَيَأْتِي.

.الحديث الخَامِس:

عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا قطع فِي تمر مُعَلّق وَلَا فِي حريسة جبل، فَإِذا آواه المراح أَو الجرين فالقطع فِيمَا بلغ ثمن الْمِجَن».
هَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الثَّالِث من أَحَادِيث الْبَاب، وَقد سلف وَاضحا، وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن الْمَكِّيّ عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.

.الحديث السَّادِس:

عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من نبش قطعناه».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الْمعرفَة من حَدِيث بشر بن حَازِم، عَن عمرَان بن يزِيد بن الْبَراء، عَن أَبِيه، عَن جده فِي حَدِيث ذكره أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «وَمن نبش قطعناه» وَفِي رِوَايَة: «وَمن حرق حرقناه» وَفِي أُخْرَى لَهُ «وَمن غرق غرقناه» ثمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد بعض من يجهل حَاله. وَرَوَاهُ فِي خلافياته بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور كَمَا ذكره فِي الْمعرفَة أَولا، وَلم يتَكَلَّم عَلَى إِسْنَاده بِشَيْء بل ذكره فِي معرض الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَرَوَى الْأَثْرَم عَن الْحسن وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا قَالَا: «يقطع النباش». وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: «هُوَ سَارِق» وَفِي رِوَايَة عَنهُ: «نقطع فِي أمواتنا كَمَا نقطع فِي أحيائنا» وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: «سَارِق الْأَمْوَات يُعَاقب بِمَا يُعَاقب بِهِ سَارِق الْأَحْيَاء» وَقَالَ البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ: قَالَ هشيم: ثَنَا سُهَيْل قَالَ: «شهِدت ابْن الزبير قطع نباشًا». وعزى ابْن الْجَوْزِيّ إِلَى رِوَايَة أَصْحَابهم «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قطع نباشًا».

.الحديث السَّابِع:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المختلس والمنتَهب والخائن قطع».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «من انتهب نهبة مَشْهُورَة فَلَيْسَ منَّا» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان من حَدِيث ابْن جريج عَن أبي الزبير، وَعَمْرو بن دِينَار، عَن جَابر رَفعه: «لَيْسَ عَلَى منتهب قطع، وَمن انتهب نهبة فَلَيْسَ منا». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا الحَدِيث لم يسمعهُ ابْن جريج من أبي الزبير، بَلغنِي عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: إِنَّمَا سَمعه ابْن جريج من ياسين الزيات. قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الْمُغيرَة بن مُسلم، عَن أبي الزبير، عَن جَابر مَرْفُوعا، وَأخرجه النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج عِيسَى بن يُونُس وَالْفضل بن مُوسَى وَابْن وهب وَابْن ربيعَة ومخلد بن يزِيد وَسَلَمَة بن سعيد الْبَصْرِيّ، وَلم يقل أحد مِنْهُم حَدثنِي أَبُو الزبير وَلَا أَحْسبهُ سَمعه من أبي الزبير. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي، وَأَبا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَا: لم يسمع ابْن جريج هَذَا الحَدِيث من أبي الزبير، إِنَّمَا سَمعه من ياسين عَنهُ، قلت لَهما: مَا حَال ياسين؟ فَقَالَا: لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
قلت: وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء. وَقَالَ الْخَطِيب فِيمَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله: لَا أعلم رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج مجودًا هَكَذَا غير مكي بن إِبْرَاهِيم، إِن كَانَ أَحْمد بن الْحباب حفظه، وَأَن الثَّوْريّ وَعِيسَى بن يُونُس وَغَيرهمَا رَوَوْهُ عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير، وَلم يذكرُوا فِيهِ «الخائن» وَكَانَ أهل الْعلم يَقُولُونَ: لم يسمع ابْن جريج هَذَا الحَدِيث من أبي الزبير، وَإِنَّمَا سَمعه من ياسين الزيات عَنهُ فدلسه فِي رِوَايَته عَن أبي الزبير. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ أَيْضا من مُعَنْعَن أبي الزبير.
قلت: قد تبين فِي غير طَرِيق سَمَاعه لهَذَا الحَدِيث مِنْهُ رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه عَن ابْن جريج قَالَ: قَالَ أَبُو الزبير: قَالَ جَابر... الحَدِيث، وَهَذَا صَرِيح فِي سَمَاعه لَهُ فِيهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن حَاتِم، ثَنَا سُوَيْد- هُوَ ابْن نصر- ثَنَا عبد الله- هُوَ ابْن الْمُبَارك- عَن ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الزبير... فَذكره، وَهَذَا سَنَد صَحِيح وَبِهَذَا اللَّفْظ أخرجه الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: ثَنَا يَحْيَى بن عُثْمَان، ثَنَا نعيم- هُوَ ابْن حَمَّاد- ثَنَا ابْن الْمُبَارك فَذكره، وَهَذَا سَنَد صَحِيح أَيْضا. يَحْيَى أخرجه لَهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا، ونعيم من رجال البُخَارِيّ وَقد صرح فِيهِ أَيْضا بِالسَّمَاعِ، فَيحمل عَلَى أَنه مرّة بِوَاسِطَة ياسين وَمرَّة بغَيْرهَا، وَقد أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن جريج عَن أبي الزبير ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح. كَمَا تقدم فَدلَّ عَلَى سَمَاعه لَهُ مِنْهُ، وَمن نَفَاهُ فَهَذَا مقدم عَلَيْهِ، وَقد سلف قرن عَمْرو بن دِينَار بِابْن جريج من طَرِيق ابْن حبَان، والمغيرة عَن أبي الزبير كَمَا سلف عَن النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه من حَدِيث سُفْيَان، عَن أبي الزبير، عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَيْسَ عَلَى المختلس وَلَا عَلَى الخائن قطع» فَهَذَا متابع ثَان لِابْنِ جريج، وَأخرج النَّسَائِيّ هَذَا، قَالَ: لم يسمعهُ سُفْيَان من أبي الزبير. لَكِن قد أخرجه ابْن حبَان وَمن شَرطه الِاتِّصَال.
وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ:
سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «لَيْسَ عَلَى المختلس قطع». رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن أَبِيه بِهِ، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا شيخ ابْن مَاجَه مُحَمَّد بن عَاصِم الْمعَافِرِي الْمصْرِيّ؛ فَإِن ابْن مَاجَه انْفَرد بِإِخْرَاج حَدِيثه لكنه ثِقَة، وَثَّقَهُ يُونُس وَلَا نعلم فِيهِ جرحا، وَله شَاهد ثَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «لَيْسَ عَلَى الخائن قطع» لكنه ضَعِيف كَمَا بَينه ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله.

.الحديث الثَّامِن:

رُوِيَ «أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بِجَارِيَة سرقت فَوَجَدَهَا لم تَحض فَلم يقطعهَا».
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده صَاحب الْمُهَذّب، وَعَزاهُ إِلَى رِوَايَة ابْن مَسْعُود، وَهُوَ غَرِيب كَذَلِك، وَالَّذِي أعرفهُ «أَن ابْن مَسْعُود أُتِي بِجَارِيَة قد سرقت فَوَجَدَهَا لم تَحض فَلم يقطعهَا» كَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مسعر عَن الْقَاسِم قَالَ: «أُتِي عبد الله بِجَارِيَة قد سَرقت فَوَجَدَهَا لم...» فَذكره، وَترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ بَاب السن الَّذِي إِذا بلغه الرجل وَالْمَرْأَة أُقِيمَت عَلَيْهِمَا الْحُدُود وَذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عمر فِي عرضه عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد، الحَدِيث الْمَشْهُور، وَأَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ: «إِن هَذَا حد بَين الْكَبِير وَالصَّغِير».

.الحديث التَّاسِع:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من أبدى لنا صفحته أَقَمْنَا عَلَيْهِ حد الله».
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَقد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب قبله وَاضحا.

.الحديث العَاشِر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بسارق فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا إخالك سرقت. قَالَ: بلَى سرقت. فَأمر بِهِ فَقطع».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ من حَدِيث أبي أُميَّة المَخْزُومِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بلص قد اعْترف اعترافًا وَلم يُوجد مَعَه مَتَاع، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا إخَالُك سرقت. فَقَالَ: بلَى. فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا كل ذَلِك يعْتَرف، فَأمر بِهِ فَقطع، وَجِيء بِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أسْتَغْفر الله وَتب. فَقَالَ: اسْتغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ ثَلَاثًا» هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ النَّسَائِيّ مثله إِلَّا أَنه لم يقل «فَأَعَادَ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا» وَقَالَ فِي آخِره: «ثَلَاثًا»
وَلَفظ ابْن مَاجَه كَلَفْظِ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ: «مَا إخالك سرقت- مرَّتَيْنِ» وَقَالَ فِي آخِره «اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ- مرَّتَيْنِ» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَقَالَ فِي آخِره: «اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ» وَلم يذكر غير ذَلِك، وَذكر الْخطابِيّ أَن فِي إِسْنَاده مقَالا، والْحَدِيث إِذا رَوَاهُ رجل مَجْهُول لم يكن حجَّة وَلم يجب الحكم بِهِ، وَقَالَ عبد الْحق: أَبُو الْمُنْذر الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده لَا أعلم رَوَى عَنهُ إِلَّا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة.
وَله طَرِيق آخر من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يَأْتِي فِي الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث الثَّامِن عشر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بسارق قد سرق شملة، قَالَ: مَا إخالك سرقت. قَالَ: بلَى قد فعلت. قَالَ: فاذهبوا بِهِ فاقطعوه، ثمَّ احسموه، ثمَّ ائْتُونِي بِهِ. فَذَهَبُوا بِهِ فقطعوه ثمَّ حسموه ثمَّ أَتَوا بِهِ، قَالَ: تب إِلَى الله. قَالَ: تبت إِلَى الله. قَالَ: اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ».
فَائِدَة: مَعْنَى «مَا إخالك» مَا أُعْطِيك، وإخال بِكَسْر الْهمزَة أفْصح من فتحهَا وَأكْثر اسْتِعْمَالا، وَالْفَتْح هُوَ الْقيَاس قَالَ الْجَوْهَرِي: إخال بِكَسْر الْألف هُوَ الْأَفْصَح، وَبَنُو أَسد يَقُولُونَ: أخال، بِالْفَتْح وَهُوَ الْقيَاس.

.الحديث الحَادِي عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة أَحْمد بن حَنْبَل، ثَنَا مُحَمَّد بن بكر، أبنا ابْن جريج، عَن ابْن الْمُنْكَدر، عَن أبي أَيُّوب، عَن مسلمة بن مخلد مَرْفُوعا: «من ستر مُسلما فِي الدُّنْيَا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة». وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفظه: «من نَفْس عَن مُسلم كربَة من كرب الدُّنْيَا نَفْس الله عَنهُ كربَة من كرب الْآخِرَة، وَمن ستر عَلَى مُسلم ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه». قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ غير وَاحِد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْو رِوَايَة أبي عوَانَة، وَرَوَى أَسْبَاط بن مُحَمَّد عَن الْأَعْمَش قَالَ: حدثت عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة. وَكَأن هَذَا أصح من الحَدِيث الأول، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من رِوَايَة ابْن عمر مَرْفُوعا: «الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يُسلمهُ، وَمن كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته، وَمن فرج عَن مُسلم كربَة فرج الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن ستر مُسلما ستره الله يَوْم الْقِيَامَة».
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث مُحَمَّد بن وَاسع، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من ستر أَخَاهُ الْمُسلم فِي الدُّنْيَا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة» وَالْبَاقِي بِمثل لفظ التِّرْمِذِيّ، قَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وَرَوَى الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا: «لَا يستر عبدٌ عبدا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ستره الله يَوْم الْقِيَامَة» وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. قَالَ: وَهَذَا يصحح حَدِيث الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث مُحَمَّد بن وَاسع، عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَذَلِكَ أَن ابْن أَسْبَاط الْقرشِي رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش، عَن بعض أَصْحَابه، عَن أبي صَالح، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن وَاسع، عَن رجل، عَن أبي صَالح.