فصل: كتاب الصّيام:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث التَّاسِع:

عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صَاعا من طَعَام، أَو صَاعا من تمر، أَو صَاعا من شعير، أَو صَاعا من زبيب، أَو صَاعا من أقط، فَلَا أَزَال أخرجه كَمَا كنت أخرجه مَا عِشْت».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ عَنهُ بِأَلْفَاظ، فَفِي لفظٍ: «كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر صَاعا من طعامٍ، أَو صَاعا من شعير، أَو صَاعا من تمر، أَو صَاعا من أقط، أَو صَاعا من زبيب». وَفِي رِوَايَة: «فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَة وَجَاءَت السمراء قَالَ: أرَى مدًّا من هَذَا يعدل مَدين».
وَفِي أُخْرَى: «كُنَّا نخرج فِي عهد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْفطر صَاعا من طَعَام».
وللبخاري: «قَالَ أَبُو سعيد: وَكَانَ طعامنا الشّعير وَالزَّبِيب والأقط وَالتَّمْر» وَفِي أُخْرَى: «كُنَّا نطعم الصَّدَقَة صَاعا من شعير» وَفِي أُخْرَى: «كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر وَرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِينَا، عَن كل صَغِير وكبير، حر ومملوك، من ثَلَاثَة أَصْنَاف، صَاعا من تمر، صَاعا من أقط، صَاعا من شعير، فَلم نزل نخرجهُ حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَة، فَرَأَى أَن مَدين من بر تعدل صَاعا من تمر. قَالَ أَبُو سعيد: أما أَنا فَلَا أَزَال أخرجه كَذَلِك». وَفِي أُخْرَى: «فَلَا أَزَال أخرجه كَمَا كنت أخرجه مَا عِشْت». وَلم يذكر البُخَارِيّ الأقط فِيمَا كَانُوا يخرجونه فِي عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا ذكر قَول أبي سعيد: «لَا أَزَال أخرجه».

.الحديث العَاشِر:

حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي الأقط.
هُوَ حَدِيث صَحِيح، وَقد فَرغْنَا مِنْهُ آنِفا.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَذكر عَن أبي إِسْحَاق أَن الشَّافِعِي علق القَوْل فِي جَوَاز إِخْرَاجه بِصِحَّة الحَدِيث، فَلَمَّا صَحَّ قَالَ بِهِ، وَقَالَ فِي تذنيبه عقيب هَذِه القولة بعد أَن أخرجه من رِوَايَة الشَّافِعِي عَن مَالك، والشيخين: لَيْسَ فِي صِحَة الحَدِيث تردد.
قلت: وَأما ابْن حزم فضعفه فِي محلاه، وَقد بيّنت وهمه فِيهِ فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط فَرَاجعه مِنْهُ.
تَنْبِيهَانِ:
أَحدهمَا: قَالَ الرَّافِعِيّ: فَإِن جَوَّزنَا- يَعْنِي إِخْرَاج الأقط- فقد ذكر فِي الْكتاب أَن اللَّبن والْجُبْن فِي مَعْنَاهُ. وَهَذَا أظهر الْوَجْهَيْنِ، وَفِيه وَجه أَن الْإِخْرَاج مِنْهُمَا لَا يُجزئ؛ لِأَن الْخَبَر لم يرد بهما.
قلت: أما الْجُبْن فَهُوَ كَمَا ذكر، وَأما اللَّبن فقد ورد الْخَبَر بِهِ، لكنه ضَعِيف، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أَحْمد بن رشدين، عَن سعيد بن عفير، عَن الْفضل بن الْمُخْتَار، حَدثنِي عبيد الله بن موهب، عَن عصمَة بن مَالك، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم «فِي صَدَقَة الْفطر: مدان من قَمح، أَو صَاع من شعير أَو تمر أَو زبيب، فَمن لم يكن عِنْده أقط وَعِنْده لبن فصاعين من لبن».
وَالْفضل هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم فِي حَقه: مَجْهُول يحدث بالأباطيل.
الثَّانِي: قَالَ الرَّافِعِيّ: لَا يُجزئ الدَّقِيق وَلَا السويق وَلَا الْخبز؛ لِأَن النَّص ورد بالحب، فَإِنَّهُ يصلح لما لَا تصلح لَهُ هَذِه الْأَشْيَاء، فَوَجَبَ اتِّبَاع مورد النَّص.
قلت: قد ورد النَّص فِي الدَّقِيق والسويق، أما الدَّقِيق فمرويٌّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة، من حَدِيث نصر بن عَلّي، عَن عبد الْأَعْلَى، عَن هِشَام، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَنهُ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نُؤَدِّي زَكَاة رَمَضَان، صَاعا من طَعَام، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير، وَالْحر والمملوك، من أَدَّى سلتًا- وَأَحْسبهُ قَالَ: من أَدَّى دَقِيقًا- قبل مِنْهُ، وَمن أَدَّى سويقًا قبل مِنْهُ».
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، من حَدِيث الثَّقَفِيّ، عَن هِشَام، وَلَفظه: «أمرنَا أَن نعطي صَدَقَة رَمَضَان، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير، وَالْحر والمملوك، صَاعا من طَعَام، من أَدَّى برًّا قبل مِنْهُ، وَمن أَدَّى شَعِيرًا قبل مِنْهُ، وَمن أَدَّى زبيبًا قبل مِنْهُ، وَمن أَدَّى سلتًا قَالَ: قبل مِنْهُ، وَأَحْسبهُ قَالَ: وَمن أَدَّى دَقِيقًا قبل مِنْهُ، وَمن أَدَّى سويقًا قبل مِنْهُ».
قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ نصر بن عَلّي فَذكره كَمَا سَاقه ابْن خُزَيْمَة، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر.
ولعلَّ ابْن خُزَيْمَة اعْتبر عَدَالَة الروَاة، وهم كَذَلِك، وَلم يلْتَفت إِلَى غرابته، نعم هُوَ مُنْقَطع فِيمَا بَين مُحَمَّد بن سِيرِين وَابْن عَبَّاس.
قَالَ أَحْمد: لم يسمع مِنْهُ، كلهَا يَقُول: نبئت عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ خَالِد الْحذاء: كل شَيْء يَقُول: نبئت عَن ابْن عَبَّاس إِنَّمَا سَمعه من عِكْرِمَة أَيَّام الْمُخْتَار. قيل: وَذَلِكَ فِي حَيَاة ابْن عَبَّاس.
قلت: وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس أَيْضا، رَوَاهُ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب، نَا أَيُّوب، عَن مُحَمَّد، عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول: «صَدَقَة رَمَضَان صَاعا من طَعَام من جَاءَ ببرٍّ قُبِل مِنْهُ، وَمن جَاءَ بشعير قبل مِنْهُ، وَمن جَاءَ بِتَمْر قبل مِنْهُ، وَمن جَاءَ بسلتٍ قبل مِنْهُ، وَمن جَاءَ بزبيب قبل مِنْهُ، وَأَحْسبهُ قَالَ: وَمن جَاءَ بسويق أَو دَقِيق قبل مِنْهُ».
وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، من حَدِيث ابْن عجلَان، عَن عِيَاض، عَنهُ: «لَا أخرج أبدا إِلَّا صَاعا، إنَّا كُنَّا نخرج عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صَاع تمر أَو شعير أَو أقط أَو زبيب»: زَاد سُفْيَان فِيهِ: «أَو صَاع من دَقِيق». قَالَ حَامِد بن يَحْيَى: فأنكروا عَلَيْهِ فَتَركه سُفْيَان.
قَالَ أَبُو دَاوُد: فَهَذِهِ الزِّيَادَة وهم من ابْن عُيَيْنَة. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا أعلم أحدا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث «دَقِيق» غير ابْن عُيَيْنَة، وَلَفظ النَّسَائِيّ فِيهِ: «أَو صَاعا من سلت». قَالَ: ثمَّ شكّ سُفْيَان فَقَالَ: دَقِيق أَو سلت.
وَأما السويق فمرويٌّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس كَمَا عَلمته.
تَنْبِيه ثَالِث: رَوَى أَبُو دَاوُد مُعَلّقا، وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلا، من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ: «أَو صَاعا من حِنْطَة». قَالَ أَبُو دَاوُد: وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ. وَخَالف الْحَاكِم فَقَالَ: صَحِيح. وأخرجها ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه، وَقَالَ: ذكر الْحِنْطَة غير مَحْفُوظ وَلَا أَدْرِي مِمَّن الْوَهم. وأخرجها ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِسَنَد ابْن خُزَيْمَة، ثمَّ قَالَ: فِيهِ بَيَان أَن قَول أبي سعيد فِي الحَدِيث الآخر: «صَاعا من طَعَام» أَرَادَ: صَاع حِنْطَة.
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «نصف صَاع من بر» ثمَّ قَالَ: وَهُوَ وهم. وللحاكم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: «كَانَ النَّاس يخرجُون صَدَقَة الْفطر عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم صَاعا من تمر، أَو صَاعا من شعير، أَو سلت، أَو زبيب». ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَعبد الْعَزِيز ثِقَة عَابِد. وَخَالفهُ ابْن عبد الْبر فِي تَصْحِيحه.
وَلابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم، عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «صَدَقَة الْفطر صَاعا من شعير، أَو صَاعا من تمر، أَو صَاعا من سلت».
خَاتِمَة: اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَن الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث فَقَط بِنَقْل أهل الْمَدِينَة خلفا عَن سلف، ثمَّ قَالَ: ولمالك مَعَ أبي يُوسُف- رحمهمَا الله- فِيهِ قصَّة مَشْهُورَة. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: سَأَلَ أَبُو يُوسُف مَالِكًا عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الصَّاع كم هُوَ رطلا؟ قَالَ: السّنة عندنَا أَن الصَّاع لَا يُرطَل. ففحمه.
قَالَ أَبُو أَحْمد: سَمِعت الْحُسَيْن بن الْوَلِيد يَقُول: قَالَ أَبُو يُوسُف: فَقدمت الْمَدِينَة فجمعنا أَبنَاء أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعوت بصاعاتهم، فَكل حَدثنِي عَن آبَائِهِم، عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن هَذَا صاعه فقدرتها فَوَجَدتهَا مستوية، فَتركت قَول أبي حنيفَة وَرجعت إِلَى هَذَا.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحُسَيْن بن الْوَلِيد قَالَ: قدم علينا أَبُو يُوسُف من الْحَج، فأتيناه، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أفتح عَلَيْكُم بَابا من الْعلم همني ففحصت عَنهُ، فَقدمت الْمَدِينَة، فَسَأَلت عَن الصَّاع فَقَالُوا: صاعنا هَذَا صَاع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت لَهُم: مَا حجتكم فِي ذَلِك؟ فَقَالُوا: نَأْتِيك بِالْحجَّةِ غَدا. فَلَمَّا أَصبَحت أَتَانِي نَحْو من خمسين شَيخا من أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، مَعَ كل رجل مِنْهُم الصَّاع تَحت رِدَائه، كل رجل مِنْهُم يخبر عَن أَبِيه أَو أهل بَيته أَن هَذَا صَاع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَنَظَرت فَإِذا هِيَ سَوَاء، قَالَ: فَعَيَّرْته فَإِذا هُوَ خَمْسَة أَرْطَال وَثلث، ينقصان مَعَه يَسِيرا، فَرَأَيْت أمرا قويًّا فقد تركت قَول أبي حنيفَة فِي الصَّاع، وَأخذت بقول أهل الْمَدِينَة.
قَالَ الْحُسَيْن: فحججت من عَامي ذَلِك فَلَقِيت مَالك بن أنس فَسَأَلته عَن الصَّاع، فَقَالَ: صاعنا هَذَا صَاع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقلت: كم رطلا هُوَ؟ قَالَ: إِن الْمِكْيَال لَا يرطل، هُوَ هَذَا.
قَالَ الْحُسَيْن: فَلَقِيت عبد الله بن زيد بن أسلم فَقَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، أَن هَذَا صَاع عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي مَعْنَاهُ أَيْضا من حَدِيث إِسْحَاق بن سُلَيْمَان، ورد مَالك عَلَى أبي حنيفَة فِي قَوْله.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل لَهُ: إِن صاعنا أَصْغَر الصيعان، فَدَعَا لَهُم بِالْبركَةِ».
بَيَان وَاضح أَن صَاع الْمَدِينَة أَصْغَر الصيعان، وَلم يخْتَلف أهل الْعلم من لدن الصَّحَابَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا فِي الصَّاع وَقدره، إِلَّا مَا قَالَه الحجازيون من أَنه خَمْسَة أَرْطَال وَثلث، والعراقيون من أَنه ثَمَانِيَة، فَكَمَا لم نجد بَين أهل الْعلم خلافًا فِي قدر الصَّاع إِلَّا مَا وَصفنَا، صَحَّ أَن صَاع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسَة أَرْطَال وَثلث، إِذْ هُوَ أَصْغَر الصيعان، وَبَطل قَول من زعم أَن الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال من غير دَلِيل يثبت لَهُ عَلَى صِحَّته.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم: وجدنَا أهل الْمَدِينَة لَا يخْتَلف مِنْهُم اثْنَان فِي أَن مُدَّ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي يُؤدى بِهِ الصَّدقَات لَيْسَ أَكثر من رَطْل وَنصف وَلَا أقل من رَطْل وَربع. وَقَالَ بَعضهم: رَطْل وَثلث، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافا وَلكنه عَلَى حسب رزانة الْمكيل من التَّمْر وَالْبر وَالشعِير.
وَصَاع ابْن أبي ذِئْب خَمْسَة أَرْطَال وَثلث، قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهُوَ صَاع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.

.كتاب الصّيام:

كتاب الصّيام:
ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثاراً:

.أما الْأَحَادِيث:

فأحد وَسِتُّونَ حَدِيثا:

.الحديث الأول:

أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «بني الْإِسْلَام عَلَى خمس...» الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «بني الْإِسْلَام عَلَى خمس: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وَحج الْبَيْت، وَصَوْم رَمَضَان». وَفِي رِوَايَات تَقْدِيم الْحَج عَلَى الصَّوْم، وَفِي رِوَايَة: «خَمْسَة» بدل «خمس».

.الحديث الثَّانِي:

أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: قَالَ للأعرابي الَّذِي سَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام.... فَذكر لَهُ شهر رَمَضَان، وَقَالَ: «هَل عليَّ غَيره؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَن تطوع».
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أَيْضا، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أهل نجد ثَائِر الرَّأْس، نسْمع دوِي صَوته وَلَا نفقه مَا يَقُول، حَتَّى دنا من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. قَالَ: هَل عَلّي غَيْرهنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَن تطوع. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: وَصِيَام شهر رَمَضَان. قَالَ: هَل عليَّ غَيره؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَن تطوع وَذكر لَهُ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الزَّكَاة، قَالَ: هَل عَلّي غَيرهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَن تطوع. فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول: وَالله لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أنقص. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أَفْلح إِن صدق». وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ذكرهَا فِي أول كتاب الصّيام: أَخْبرنِي مَاذَا فرض الله عليَّ من الصَّلَاة؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا أَن تطوع شَيْئا. فَقَالَ: أَخْبرنِي بِمَا فرض الله عليَّ من الصّيام؟ فَقَالَ: شهر رَمَضَان إِلَّا أَن تطوع شَيْئا. فَقَالَ: أَخْبرنِي مَا فرض الله عليَّ من الزَّكَاة؟ قَالَ: فَأخْبرهُ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بشرائع الْإِسْلَام، قَالَ: وَالَّذِي أكرمك بِالْحَقِّ لَا أتطوع شَيْئا وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله عليَّ شَيْئا. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أَفْلح إِن صدق. أَو دخل الْجنَّة إِن صدق» وَهَذِه الزِّيَادَة وَهِي «لَا أتطوع شَيْئا» نفيسة لِأَن الرِّوَايَة الأولَى لَيست ناصة عَلَى امْتِنَاعه من التَّطَوُّع، بل كَانَ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أنقص أَي: أبلغ كَمَا سمعته من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان.
فَائِدَة: قَوْله: «ثَائِر» هُوَ مَرْفُوع صفة للرجل، وَقيل: يجوز نَصبه عَلَى الْحَال. وَمَعْنى ثَائِر الرَّأْس: قَائِم شعره منتفشه. وَقَوله: «نسْمع»
و«نفقه» هَا هُنَا بنُون مَفْتُوحَة، وَرُوِيَ بياء مَضْمُومَة والدوي بِفَتْح الدَّال عَلَى الْمَشْهُور، وَحَكَى صَاحب الْمطَالع ضمهَا.
فَائِدَة ثَانِيَة: هَذَا السَّائِل اسْمه ضمام بن ثَعْلَبَة، كَذَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ فِي سباعياته، وَالْمُنْذِرِي فِي حَوَاشِيه، وَابْن باطيش فِي الْمُغنِي وَابْن معن فِي تنقيبه عَلَى الْمُهَذّب، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه: فِيهِ نظر، ووفادة ضمام، وَحَدِيثه مَعْرُوف فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ وَإِن كَانَ يُقَارِبه.
تَنْبِيه: هَذَا الحَدِيث مَعْنَاهُ ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما.

.الحديث الثَّالِث:

عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر رَمَضَان فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ».
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال فصوموا، وَإِذا رَأَيْتُمُوهُ فأفطروا، فَإِن غم عَلَيْكُم فصوموا ثَلَاثِينَ يَوْمًا». وَفِي لفظ آخر: «صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة». وَفِي لفظ آخر: «فَإِن غمي عَلَيْكُم الشَّهْر فعدوا ثَلَاثِينَ». وَفِي لفظ آخر كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ سَوَاء، إِلَّا أَنه قَالَ:
«فاقدروا لَهُ» بدل: «فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ» وَفِي لفظ آخر: «فَإِن غم عَلَيْكُم الشَّهْر فعدوا ثَلَاثِينَ» للْبُخَارِيّ: «فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ غير ذَلِك من الْأَلْفَاظ.
فَائِدَة: قَوْله: «فاقدروا لَهُ» هُوَ بالوصل وَكسر الدَّال وَضمّهَا. قَالَه صَاحب الْمطَالع، وَقَالَ المطرزي: الضَّم خطأ. وَمَعْنَاهُ: قدرُوا لَهُ تَمام الْعدَد ثَلَاثِينَ يَوْمًا. قَالَه مَالك وَأَبُو حنيفَة، وَالشَّافِعِيّ، وَقيل: مَعْنَاهُ ضيقوا لَهُ وقدروه تَحت السَّحَاب. قَالَه الإِمَام أَحْمد، وَأوجب صِيَام لَيْلَة الْغَيْم، وَأغْرب الْحَافِظ أَبُو نعيم فَقَالَ فِي مستخرجه عَلَى صَحِيح مُسلم:
قَوْله: «فاقدروا لَهُ» أَي اقصدوا بِالنّظرِ والطّلب الْموضع الَّذِي تقدرون أَنكُمْ تَرَوْنَهُ فِيهِ.

.الحديث الرَّابِع:

أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «صُومُوا لرُؤْيَته».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ كَمَا فَرغْنَا مِنْهُ آنِفا.

.الحديث الخَامِس:

رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَن يشْهد شَاهِدَانِ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ كُله النَّسَائِيّ، عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب، ثَنَا سعيد بن شبيب أَبُو عُثْمَان- وَكَانَ شَيخا صَالحا بِطَرْسُوسَ نَا ابْن أبي زَائِدَة، عَن حُسين بن الْحَارِث الجدليِّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب أَنه خطب النَّاس فِي الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ فَقَالَ: أَلا إِنِّي جالستُ أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وساءلتهم، وَإِنَّهُم حَدثُونِي أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «صُومُوا لرُؤْيَته، وأفطروا لرُؤْيَته، وانسكوا لَهَا، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا ثَلَاثِينَ فَإِن شهد شَاهِدَانِ فصوموا وأفطروا».
وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد، عَن يَحْيَى بن زَكَرِيَّا، عَن حجاج، عَن حُسَيْن بن الْحَارِث بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: «فَإِن شهد شَاهد، أَو شَاهِدَانِ مسلمان فصوموا وأفطروا». وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث حجاج بِهِ وَقَالَ: «فَإِن شهد ذَوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا». وحجاج هَذَا هُوَ ابْن أَرْطَاة، وَقد سلف حَاله فِي غير مَا مرّة، وَقد تَابعه ابْن أبي زَائِدَة كَمَا سلف. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ، عَن حُسَيْن بن الْحَارِث بن حَاطِب أَمِير مَكَّة خطب ثمَّ قَالَ: «عهد إِلَيْنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن ننسك للرؤية، فَإِن لم نره وَشهد شَاهدا عدل نسكنا بِشَهَادَتِهِمَا» فَسَأَلت الْحُسَيْن بن الْحَارِث: من أَمِير مَكَّة؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. ثمَّ لَقِيَنِي بعد فَقَالَ: هُوَ الْحَارِث بن حَاطِب أَخُو مُحَمَّد بن حَاطِب ثمَّ قَالَ الْأَمِير: إِن فِيكُم من هُوَ أعلم بِاللَّه وَرَسُوله مني، وَشهد هَذَا من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رجل، قَالَ الْحُسَيْن: فَقلت لشيخ إِلَى جَنْبي: من هَذَا الَّذِي أَوْمَأ إِلَيْهِ؟ قَالَ: هَذَا عبد الله بن عمر وَصدق، كَانَ أعلم بِاللَّه مِنْهُ فَقَالَ: بذلك أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، ثمَّ قَالَ:
إِسْنَاد مُتَّصِل صَحِيح. وَأما ابْن حزم فأعله فِي محلاه بِحُسَيْن بن الْحَارِث، وَقَالَ: إِنَّه مَجْهُول. وَهُوَ وهم مِنْهُ، فقد رَوَى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَرَوَى عَنهُ جمَاعَة أَيْضا وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: إِنَّه مَعْرُوف. وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته.

.الحديث السَّادِس:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ:
إِنِّي رَأَيْت الْهلَال. فَقَالَ: أَتَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَتَشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم. قَالَ فَأذن فِي النَّاس يَا بِلَال أَن يَصُومُوا غَدا»
.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث سماك، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ. قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ جمَاعَة عَن سماك عَن عِكْرِمَة مُرْسلا، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ أَنه رُوِيَ مُرْسلا عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من غير ذكر ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: إِنَّه أولَى بِالصَّوَابِ. قَالَ: وَسماك يَتَلَقَّن، فَإِذا أنفرد بِأَصْل لم يكن حجَّة. ورده ابْن حزم بسماك كعادته، وَقَالَ: رِوَايَته لَا يحْتَج بهَا. وَأما رده بِالْإِرْسَال فقد علم مَا فِي تعَارض الْوَصْل والإرسال، وَلَا شكّ أَن الْوَصْل زِيَادَة، وَهِي من الثِّقَة مَقْبُولَة، لَا جرم صححها ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ عَن عِكْرِمَة مُرْسلا «فَأمر بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاس أَن يقومُوا وَأَن يَصُومُوا» قَالَ أَبُو دَاوُد: لم يذكر الْقيام أحد إِلَّا حَمَّاد بن سَلمَة.
تَنْبِيه: أورد صَاحب الْهِدَايَة الْحَنَفِيّ هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ: «شهد أَعْرَابِي بِرُؤْيَة الْهلَال فَقَالَ لله: من أكل فَلَا يَأْكُل بَقِيَّة يَوْمه، وَمن لم يَأْكُل فليصم» وَأوردهُ صَاحب الْخُلَاصَة الْحَنَفِيّ أَيْضا بِلَفْظ: «شهد بعد ارْتِفَاع الشَّمْس فصَام لله وَأمر النَّاس بالصيام» وَلم أره بِهَذِهِ السِّيَاقَة فِي كتب الحَدِيث، وَالْمَوْجُود فِيهَا مَا قَدمته.

.الحديث السَّابِع:

عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: «ترَاءَى النَّاس الْهلَال فَأخْبرت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنِّي رَأَيْته، فصَام وَأمر النَّاس بالصيام».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده، وَأَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ مَرْوَان بن مُحَمَّد عَن ابْن وهب، وَهُوَ ثِقَة.
قلت: لَا؛ فقد رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي، عَن ابْن وهب وَصَححهُ كَمَا سلف. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث يعد فِي أَفْرَاد مَرْوَان ثمَّ ذكر رِوَايَة الْحَاكِم هَذِه، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم: هَذَا خبر صَحِيح. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: رجال إِسْنَاده احْتج بهم مُسلم فِي صَحِيحه، وَفِيه رجلَانِ احْتج بهما البُخَارِيّ أَيْضا، وهما: عبد الله بن وهب، وَنَافِع. وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه: هَذَا الْخَبَر مدحض لقَوْل من زعم أَن خبر ابْن عَبَّاس- يَعْنِي الَّذِي قبله- تفرد بِهِ سماك بن حَرْب وَأَن رَفعه غير مَحْفُوظ فِيمَا زعم.

.الحديث الثَّامِن:

عَن كريب قَالَ: «رَأينَا الْهلَال بِالشَّام لَيْلَة الْجُمُعَة ثمَّ قدمت الْمَدِينَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَتى رَأَيْتُمْ الْهلَال؟ قلت: لَيْلَة الْجُمُعَة. قَالَ: أَنْت رَأَيْت؟ قلت: نعم، وَرَآهُ النَّاس وصاموا وَصَامَ مُعَاوِيَة. فَقَالَ: لَكنا رَأَيْنَاهُ لَيْلَة السبت فَلَا نزال نَصُوم حَتَّى نكمل الْعدَد أَو نرَاهُ. قلت: أَولا تكتفي بِرُؤْيَة مُعَاوِيَة؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث كريب «أَن أم الْفضل بعثته إِلَى مُعَاوِيَة بِالشَّام قَالَ: فَقدمت الشَّام فَقضيت حَاجَتهَا واستهل عَلّي رَمَضَان وَأَنا بِالشَّام، فَرَأَيْت الْهلَال لَيْلَة الْجُمُعَة، ثمَّ قدمت الْمَدِينَة فِي آخر الشَّهْر، فَسَأَلَنِي عبد الله بن عَبَّاس، ثمَّ ذكر الْهلَال فَقَالَ: مَتى رَأَيْتُمْ الْهلَال؟ فَقلت: رَأَيْنَاهُ لَيْلَة الْجُمُعَة. فَقَالَ:
أَنْت رَأَيْت؟ قلت: نعم، وَرَآهُ النَّاس فصاموا وَصَامَ مُعَاوِيَة فَقَالَ: لَكنا رَأَيْنَاهُ لَيْلَة السبت، فَلَا نزال نَصُوم حَتَّى نكمل ثَلَاثِينَ أَو نرَاهُ فَقلت: أَولا تكتفي بِرُؤْيَة مُعَاوِيَة وصيامه؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ»
شكّ أحد رُوَاته فِي «نكتفي» أَو «تكتفي». وَرَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَكلهمْ قَالُوا: «رَأَيْنَاهُ لَيْلَة الْجُمُعَة» وَوَقع فِي كتاب الْحميدِي: «يَوْم الْجُمُعَة». وَقَالَ النَّسَائِيّ: أَولا نكتفي بِرُؤْيَة مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فَقلت: رَآهُ النَّاس وصاموا وَلم يقل عَن نَفسه أَنه رَآهُ.
فَائِدَة: كريب هَذَا بِضَم الْكَاف، قَالَ القَاضِي حُسَيْن:
وَاخْتلف فِي قَوْله: هَكَذَا أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَمنهمْ من قَالَ: أَرَادَ بِهِ قَوْله «صُومُوا لرُؤْيَته..» الْخَبَر. وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ يحفظ حَدِيثا أخص مِنْهُ فِي هَذِه الْحَادِثَة. وَذكر هَذَا فِي الْبَحْر عَلَى سَبِيل الْإِجْمَال. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «أَن ابْن عَبَّاس أَمر كريباً أَن يَقْتَدِي بِأَهْل الْمَدِينَة»
وَهَذَا غَرِيب.

.الحديث التَّاسِع:

عَن حَفْصَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «من لم يُجمع الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ» وَيروَى: «من لم ينْو الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة: نَا عبد الله بن أبي بكر، عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم، عَن حَفْصَة مَرْفُوعا بِهِ بِاللَّفْظِ الأول هَكَذَا هُوَ فِي الْمسند من حَدِيث سَالم، عَن حَفْصَة، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا، وَيَحْيَى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم بن عبد الله، عَن أَبِيه، عَن حَفْصَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الأول أَيْضا، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يَحْيَى ابْن أَيُّوب، عَن عبد الله بِهِ أَيْضا، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث يَحْيَى بِهِ بِلَفْظ «يُبَيِّتِ» بدل «يُجْمِع» وَمن حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب، وَذكر آخر أَن عبد الله بن أبي بكر.. فَذكره بِلَفْظ: «من لم يُجْمِع الصّيام قبل طُلُوع الْفجْر فَلَا يَصُوم». وَمن حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن جريج، عَن ابْن شهَاب بِهِ، بِلَفْظ: «من لم يبيت الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ». وَمن حَدِيث مُعْتَمر عَن عبيد الله، عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم، عَن أَبِيه، عَن حَفْصَة أَنَّهَا كَانَت تَقول: «من لم يجمع الصَّوْم من اللَّيْل فَلَا يَصُوم».
وَمن حَدِيث ابْن وهب، عَن يُونُس، عَن ابْن شهَاب، عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر، عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَت حَفْصَة: «لَا صِيَام لمن لم يُجْمِع قبل الْفجْر»، وَمن حَدِيث سُفْيَان وَمعمر، عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة، عَن أَبِيه عَنْهَا مَوْقُوفا سَوَاء. وَمن حَدِيث مَالك، عَن الزُّهْرِيّ عَن عَائِشَة وَحَفْصَة مَوْقُوفا: «لَا يَصُوم إِلَّا من أجْمَعَ الصّيام قبل الْفجْر» وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث إِسْحَاق بن حَازِم، عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم، عَن سَالم، عَن أَبِيه، عَن حَفْصَة مَرْفُوعا: «لَا صِيَام لمن لم يَفْرِضْهُ من اللَّيْل». وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِأَلْفَاظ مِنْهَا: «لَا صِيَام لمن لم يفرضه قبل الْفجْر». وَمِنْهَا: «لمن لم يفرضه من اللَّيْل» وَمِنْهَا:
كَلَفْظِ أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ. وَهَذَا الحَدِيث كَمَا علمت رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفاً، وَاخْتلف الْحفاظ فِي أَيهمَا أرجح، فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: قَالَ أبي: لَا أَدْرِي أَيهمَا أصح، لَكِن الثَّانِي أشبه. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: أوقفهُ معمر والزبيدي وَابْن عُيَيْنَة وَيُونُس الْأَيْلِي عَلَى حَفْصَة.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا يعرف مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر من قَوْله وَهُوَ أصح. وَقَالَ النَّسَائِيّ: الصَّوَاب فِي هَذَا أَنه مَوْقُوف وَلم يَصح رَفعه. وَقَالَ أَحْمد: مَا لَهُ عِنْدِي ذَلِك الْإِسْنَاد إِلَّا أَنه عَن ابْن عمر وَحَفْصَة إسنادان جيدان. وَقَالَ مَالك، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عَائِشَة، عَن حَفْصَة قَوْلهمَا: مُرْسل. وَقَالَ الْحَاكِم فِي أربعينه الَّتِي خرجها فِي شعار أهل الحَدِيث. وَقد أخرجه بِاللَّفْظِ الأول: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَالزِّيَادَة عِنْدهمَا جَمِيعًا من الثِّقَة مَقْبُولَة. قَالَ: وَقد أخرجه ابْن خُزَيْمَة محتجًّا بِهِ فِي صَحِيحه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: هَذَا حَدِيث قد اخْتلف عَلَى الزُّهْرِيّ فِي إِسْنَاده، وَفِي رَفعه إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قَالَ: وَعبد الله بن أبي بكر أَقَامَ إِسْنَاده وَرَفعه، وَهُوَ من الثِّقَات الْأَثْبَات. وَقَالَ فِي خلافياته: هَذَا الحَدِيث رُوَاته ثِقَات. قَالَ: وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْهَا مَرْفُوعا: «من لم يبيت الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ». قَالَ: وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَنه قد رُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى حَفْصَة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَفعه عبد الله بن أبي بكر، عَن الزُّهْرِيّ، وَهُوَ من الثِّقَات الرفعاء. وَقَالَ الْخطابِيّ: عبد الله ابْن أبي بكر قد أسْندهُ، وزيادات الثِّقَة مَقْبُولَة. وَقَالَ عبد الْحق: الَّذِي أسْندهُ ثِقَة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه: عبد الله من الثِّقَات الرفعاء وَالرَّفْع زِيَادَة وَهِي من الثِّقَة مَقْبُولَة. وَقَالَ ابْن حزم: لَا يضر إِسْنَاد ابْن جريج لَهُ- أَي الَّذِي رَفعه- أَن أوقفهُ معمر، وَمَالك، وَعبد الله، وَيُونُس، وَابْن عُيَيْنَة، وَابْن جريج لَا يتَأَخَّر عَن أحد من هَؤُلَاءِ فِي الثِّقَة وَالْحِفْظ، وَالزهْرِيّ وَاسع الرِّوَايَة، فَمرَّة يرويهِ عَن سَالم، عَن أَبِيه، وَمرَّة عَن حَمْزَة عَن أَبِيه وَكِلَاهُمَا ثِقَة، وَابْن عمر كَذَلِك، مرّة يرويهِ مُسْندًا وَمرَّة رَوَى أَن حَفْصَة أفتت بِهِ، وَمرَّة أفتَى هُوَ بِهِ، وكل هَذَا قُوَّة للْخَبَر.
قلت: وَرُوِيَ أَيْضا من وَجه آخر، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي الزِّنْبَاع روح بن الْفرج، عَن عبد الله بن عباد، عَن الْمفضل بن فضَالة قَالَ حَدثنِي يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «من لم يبيت الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ» ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ عبد الله بن عباد عَن الْمفضل بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَكلهمْ ثِقَات. وَنَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي خلافياته وسنَنه وَأقرهُ عَلَيْهِ.
وعبد الله بن عباد هَذَا قَالَ ابْن حبَان فِيهِ: رَوَى عَنهُ روح نُسْخَة مَوْضُوعَة، وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: هَذَا مقلوب، إِنَّمَا هُوَ عِنْد يَحْيَى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه، عَن حَفْصَة صَحِيح من غير هَذَا الْوَجْه فِيمَا يشبه هَذَا. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الضُّعَفَاء: عبد الله هَذَا واه. قلت: وَيَحْيَى بن أَيُّوب من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَفِيه لين.
فَائِدَة: «يُجَمِّع» بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه، وَكسر ثالثه، مشدداً. وَرُوِيَ بتَخْفِيف الثَّالِث مَعَ فتح أَوله، وَهُوَ بِمَعْنى يبيت، وَرُوِيَ «يثبت» أَي يجْزم، وَرُوِيَ «من لم يورضه من اللَّيْل» أَي: يهيئه.