فصل: كتاب اللّعان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الأول:

«أَن أَوْس بن الصَّامِت ظَاهَرَ من زَوجته خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة- عَلَى اختلافٍ فِي اسْمهَا ونسبها- فأتتْ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مشتكيةً مِنْهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهمَا: {قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله} إِلَى آخر الْآيَات».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: «الْحَمد لله الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَات، لقد جاءتِ المجادِلة تَشْكُو إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا فِي نَاحيَة الْبَيْت مَا أسمع مَا تَقول، فَأنْزل الله عَزَّ وجَلَّ: قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله».
وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت: «تبَارك الَّذِي وَسِعَ سَمعه كلَّ شيءٍ؛ إِنِّي لأسْمع كَلَام خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة ويَخْفى عليَّ بعضه، وَهِي تَشْتَكِي إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم زَوْجَهَا، وَهِي تَقول: يَا رَسُول الله، أكل شَبَابِي ونثرتُ لَهُ بَطْني، حَتَّى إِذا كَبُرَ سني وانقطعت لَهُ وَلَدي ظَاهَرَ منِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك. قَالَت عَائِشَة: فَمَا برحتْ حَتَّى نزل جبريلُ بهؤلاء الْآيَات: {قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا} الْآيَات. قَالَ: وزوجُهَا أَوْس بن أَوْس بْنُ الصَّامِت».
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه أَيْضا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة: «أَن جميلَة كَانَت امْرَأَة أَوْس بن الصَّامِت، وَكَانَ أَوْس امْرأ بِهِ لَمَمٌ، فَإِذا اشْتَدَّ بِهِ لمَمُهُ: ظَاهر من امْرَأَته، فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ كَفَّارَة الظِّهَار».
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حديثٌ صحيحٌ عَلَى شَرط مُسلم، ذَكَرَ ذَلِكَ كلَّه فِي كتاب: التَّفْسِير من مُسْتَدْركه. وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي سنَنه هَذِه الرِّوَايَة.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث خُوَيْلَةَ بنت مَالك بن ثَعْلَبَة قَالَت:
«ظاهَرَ منِّي زَوجي أوسْ بْنُ الصَّامِت، فجئتُ إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشْكُو إِلَيْهِ، وَرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يجادلني فِيهِ وَيَقُول: اتَّقِي اللهَ، فَإِنَّهُ ابْن عمك، فَمَا برحتُ حَتَّى نزل الْقُرْآن: {قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا} إِلَى الْفَرْض، قَالَ: يعتقُ رَقَبَة. قلتُ: لَا يَجِدُ. قَالَ: يَصُومُ شَهْرَيْن مُتَتَابعين. قَالَت: يَا رَسُول الله، إِنَّه شيخٌ كَبِير، مَا بِهِ من صيامٍ. قَالَ: قلت: يطعم سِتِّينَ مِسْكينا. قلتُ: مَا عِنْده شَيْء يتصدَّق بِهِ قَالَت: فَأَتَى ساعتئذ بعرق من تمرٍ، قلت: يَا رَسُول الله، وَإِنِّي أُعينه بعرق آخَرٍ، قَالَ: قد أَحْسَنت اذهبي فأطعمي بهَا عَنهُ سِتِّينَ مِسْكينا، وارجعي إِلَى ابْن عمك».
قَالَ: والعرق سُتُّون صَاعا. وَفِي رِوَايَة لَهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحوه، إِلَّا أَنه قَالَ: والْعرق: مكتل يسع ثَلَاثِينَ صَاعا. قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا أَصَحُّ الْحَدِيثين. وَخَالف ابْنُ الْقطَّان، فأعله من طريقيه بِأَن قَالَ: يَرْويه مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن معمر بن عبد الله بن حَنْظَلَة، وَمعمر لم يذكر بِأَكْثَرَ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَنهُ، فَهُوَ مَجْهُول الْحَال.
قلت: لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته، وَرَوَاهُ فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه الرِّوَايَة، وَلم يذكر قَدْرَ الْعرق، وَقَالَ فِيهِ: «فليطعمْ سِتِّينَ مِسْكينا وَسْقًا من تمر».
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: «الْعرق: زبيل يَأْخُذ خَمْسَة عشر صَاعا».
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «فأُتي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بتمرٍ، فَأعْطَاهُ إِيَّاه، وَهُوَ قريبٌ من خَمْسَة عشر صَاعا، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بهَا. فَقَالَ: يَا رَسُول الله، عَلَى أفْقر منِّي وَمن أَهلِي؟! فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: كُلْهُ أَنْت وأهْلُك».
وَفِي رِوَايَة لَهُ، عَن عَطاء، عَن أَوْس أخي عبَادَة بن الصَّامِت: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أعطَاهُ خَمْسَة عشر صَاعا من شعير إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا».
قَالَ أَبُو دَاوُد: عَطاء لم يدْرك أوسَ بْنَ الصَّامِت، هَذَا مُرْسل، أَوْس من أهل بدر قديم الْمَوْت، وَإِنَّمَا رَوَوْهُ عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عَطاء، أَن أَوْس. قَالَ: وَعَطَاء لم يسمع من أَوْس.
وَفِي رِوَايَة للدارقطني عَن أنس: «أَن أَوْسًا قَالَ: مَا أجدُ إِلَّا أَن تعينني بعونٍ وصلةٍ، فأعانه عَلَيْهِ السَّلَام بِخَمْسَة عشر صَاعا. قَالَ: وَكَانُوا يرَوْنَ أَن عِنْده مثلهَا، وَذَلِكَ لستين مِسْكينا».
وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ عَن خَوْلَة: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أعَان زَوْجَهَا حِين ظَاهر مِنْهَا بعرق، وأعانَتْه هِيَ بعرق آخر، وَذَلِكَ سِتُّونَ صَاعا».
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن الْمَرْأَة اسْمهَا خُوَيْلَة بنت خويلد، وَأَنَّهَا امرأةٌ جَلِدَةٌ، وَأَنه ضعيفٌ. وَفِيه عِنْد ذكْر الرَّقَبَة: «واللهِ مَا لَهُ خَادِم غَيْرِي». وَفِيه عِنْد الصَّوْم: «إِنَّه إِذا لم يَأْكُل فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ بلي بَصَره». وَفِيه عِنْد الْإِطْعَام: «واللهِ مَا لنا فِي الْيَوْم إِلَّا وقية». وَفِيه: «فَلْيَنْطَلِقْ إِلَى فلانٍ، فيأخُذْ مِنْهُ شَطْرَ وَسْقٍ من تمر، فليتصدقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكينا، وليراجِعْكِ». وَفِيه: «فانْطَلَقَ يسْعَى حَتَّى جَاءَ بِهِ، قَالَت: وعَهْدِي بِهِ قَبلَ ذَلِكَ مَا يستطيعُ أَن يحمل عَلَى ظَهْره خَمْسَة آَصْعِ تَمْرٍ من الضَّعْفِ».
وَفِي إِسْنَاد هَذِه أَبُو حَمْزَة الثمالِي: وَقد ضَعَّفُوهُ.
واعلمْ: أَنه قد أسلفنا عَن الرَّافِعِيّ: أَنه قَالَ وَقع الِاخْتِلَاف فِي اسْم زَوْجَة أَوْس بن الصَّامِت وَفِي نَسَبهَا. فَأَما اسْمهَا فقد أسلفنا ذَلِكَ فِيهِ هَل هِيَ خَوْلَة أَو خُوَيْلَة بِالتَّصْغِيرِ، أَو: جميلَة، ورجَّح الأَوَّلَ غَيْرُ واحدٍ، كَمَا قَالَه الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه وَقيل: اسْمهَا حَبِيبَة حَكَاهُ صَاحب الْمطلب، وَذكر أَن خَوْلَة هِيَ بنت جميل، وَلَا أعرف لَهُ سلفا فِي ذَلِكَ.
وَأما الِاخْتِلَاف فِي نَسَبهَا: فَقيل: خَوْلَة بنت مَالك بن ثَعْلَبَة، وَقيل: خُوَيْلَة بنت خويلد- بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا-، وَقيل: بنت ثَعْلَبَة بن مَالك بن الأجشم، وَقيل: بنت الصَّامِت، وَذكر هَذَا الِاخْتِلَاف أَبُو نعيم بعد أَن قَالَ: وخَوْلَة الْأَنْصَارِيَّة، المظاهَرُ مِنْهَا مختلفٌ فِي اسْمهَا ونسبها. وَذكر الِاخْتِلَاف الَّذِي ذكرته أَولا فِي اسْمهَا، خلا جميلَة.
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: زَوجهَا أوسٌ أَنْصَارِي خزرجي، وَهُوَ أَخُو عبَادَة بن الصَّامِت.
الثَّانِي: قَالَ ابْن عَبَّاس: وَكَانَ ذَلِكَ أول ظِهَار جَرَى فِي الْإِسْلَام، كَمَا سَاقه الطَّبَرَانِيّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ السالف عَنهُ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه من حَدِيث: الْأَصَم نَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد، ثَنَا عبيد الله بن مُوسَى، ثَنَا أَبُو حَمْزَة الثمالِي، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «وَكَانَ أوَّل مَنْ ظاهَرَ فِي الْإِسْلَام: أَوْس» فَذكره.
الثَّالِث: اللمم: طرق من الْجُنُون، قَالَه ابْن الْأَثِير فِي جامعه، وَنقل النَّوَوِيّ فِي تهذيبه عَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الْمروزِي: أَن المُرَاد باللمم: الْإِلْمَام بِالنسَاء وَشدَّة الشوق إلَيْهِنَّ.

.الحديث الثَّانِي:

قَالَ الرَّافِعِيّ: تَعْلِيق الظِّهَار صَحِيح، وَاحْتج لَهُ بِمَا رُوي: «أَن سَلمَة بن صَخْر رَضي اللهُ عَنهُ جعل امْرَأَته عَلَى نَفسه كظهْر أُمِّه إِن غشيها حَتَّى ينْصَرف رمضانُ، فَذكر ذَلِكَ لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أعْتِقْ رَقَبَة».
هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ هُنَا، وَرَوَاهُ بعد ذَلِكَ بِلَفْظ: «أَن سَلمَة بن صَخْر ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ حَتَّى يَنْسَلِخ رمضانُ، ثمَّ وَطئهَا فِي المدَّةِ، فَأمره النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بتحرير رقبةٍ» وَهُوَ حَدِيث جيدٌ مذكورٌ باللفظين المذكورَيْن:
أما الأوَّل: فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان، وَأبي سَلمَة: «أَن سَلمَة بن صَخْر البياضي جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كظهْر أُمِّه إِن غشيها حَتَّى يمْضِي رمضانُ، فلمَّا مَضَى النِّصْفُ من رَمَضَان سمنت المرأةُ وتربعت، فأعْجَبَتْهُ، فغشيها لَيْلًا، ثمَّ أَتَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أعْتِقْ رَقَبَة. فَقَالَ: لَا أجد. فَقَالَ: صُمْ شَهْرَيْن مُتَتَابعين. قَالَ: لَا أَسْتَطِيع. قَالَ: أطعِمْ سِتِّينَ مِسْكينا قَالَ: لَا أجد. قَالَ: فأُتي النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بعرق فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا أَو سِتَّة عشر صَاعا، فَقَالَ: تصدَّقْ بِهَذَا عَلَى سِتِّينَ مِسْكينا».
وَأما اللَّفْظ الثَّانِي: فَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار، عَن سَلمَة بن صَخْر البياضي قَالَ: «كنتُ امْرَءًا أُصيبُ من النِّسَاء مَا لَا يُصيب غَيْرِي، فلمَّا دخل شهرُ رَمَضَان خِفْتُ أَن أُصيبَ مِنِ امْرَأَتي شَيْئا تتايع بِي حَتَّى أصبح، فظاهرتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخ شَهْرُ رَمَضَان، فَبينا هِيَ تخدمني ذَات لَيْلَة إِذا تكشف لي مِنْهَا شَيْء، فَمَا لَبِثت أَن نزوتُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أصبحتُ خرجتُ إِلَى قومِي فأخبرتُهُم الخَبَرَ، قَالَ: فقلتُ: امْشُوا معي إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالُوا: لَا واللهِ. فانطلقتُ إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخبرتُه. فَقَالَ: أَنْت بِذَاكَ يَا سَلمَة؟ قلت: أَنا بِذَاكَ يَا رَسُول الله- مرَّتَيْنِ- وَأَنا صابرٌ لأمْر الله، فاحْكُمْ فيَّ بِمَا أَرَاك الله. قَالَ: حَرِّرْ رَقَبَة. قلت: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ؛ مَا أَمْلُكُ رَقَبَة غَيرهَا، وضربتُ صفحةَ رقبتي. قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْن مُتَتَابعين. قَالَ: وَهل أصبتُ الَّذِي أصبتُ إِلَّا من الصّيام. قَالَ: فأطعمْ وَسْقاً من تمرٍ بَين سِتِّينَ مِسْكينا. قلت: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ؛ لقد بتنا وحشين، مَا أمْلِكُ لنا طَعَاما. قَالَ: فانْطَِقْ إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق، فليدفَعْهَا إِلَيْك. قَالَ: فأطعمْ سِتِّينَ مِسْكينا وَسْقًا من تمرٍ، وكُلْ أَنْت وعيالُك بَقِيَّتَهَا. فرجعتُ إِلَى قومِي فقلتُ: وجدتُ عنْدكُمْ الضيقَ وسوءَ الرَّأْي، ووجدتُ عِنْد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم السعَة وحُسْنَ الرَّأْي، وقد أَمرنِي- أَو- أَمر لي بصدقتكم».
قَالَ ابْن إِدْرِيس: وَبَنُو بياضة بطن من بني زُرَيْق. هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَهُوَ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن مُحَمَّد بن عَمرو بن عَطاء، عَن سُلَيْمَان بن يسَار، عَن سَلمَة بن صَخْر بِهِ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن، عَن سلمَان بن صَخْر «أَنه جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كَظهر أمه حَتَّى يمْضِي رَمَضَان، فَلَمَّا مَضَى نصف من رَمَضَان وَقع عَلَيْهَا لَيْلًا، فَأَتَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر ذَلِكَ لَهُ...». ثمَّ ذكر الْبَاقِي نَحوه، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن. وَلَفظ ابْن مَاجَه كطريق أبي دَاوُد: «لما دخل رَمَضَان ظَاهَرت من امْرَأَتي حَتَّى يَنْسَلِخ رَمَضَان...». وَالْبَاقِي نَحوه.
وَرِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه مُنْقَطِعَة، قَالَ البُخَارِيّ فِيمَا نَقله التِّرْمِذِيّ: سُلَيْمَان بن يسَار لم يسمع عِنْدِي من سَلمَة بن صَخْر. وَكَذَا نقل غَيره عَنهُ أَن سُلَيْمَان لم يدْرك سلمةَ، لَا جرم قَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه: إِنَّه مُنْقَطع. وَأما الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي مُسْتَدْركه من طَرِيق أبي دَاوُد وابْنِ مَاجَه، وَفِيه عنعنة ابْن إِسْحَاق أَيْضا، وَلم يذكر تأقِيْتَ الظِّهَار، بل قَالَ: «فلمَّا دخل رَمَضَان ظاهَرَ من امْرَأَته؛ مَخَافَة أَن يُصِيب مِنْهَا شَيْئا من اللَّيْل...» الحَدِيث إِلَى آخِره.
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. أَي: فِي الشواهد لَا فِي الْأُصُول؛ لِأَن مُسلما لم يحْتَج بابْنِ إِسْحَاق، وَإِنَّمَا ذكره مُتَابعَة، كَمَا نَبَّهنا عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قَالَ الْحَاكِم: وَله شَاهد من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بِهِ.
ثمَّ رَوَاهُ عَن ابْن خُزَيْمَة، أبنا هِشَام بن عليّ، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء، ثَنَا حَرْب بن شَدَّاد، عَن ابْن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن: «أَن سَلْمان بن صَخْر الْأنْصَارِيّ جعل امْرَأَته كظهْر أُمِّه..». فَذكر الحديثَ بِنَحْوِهِ مِنْهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: «سلمَان بن صَخْر» هُوَ «سَلمَة بن صَخْر»، يُقَال فِيهِ هَذَا وَهَذَا، كَمَا سلف، وَقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيّ وغيرُه، وسَلمَة أصح وَأشهر، كَمَا قَالَه ابْن الْأَثِير وَالنَّوَوِيّ فِي تهذيبه وغَيْرُهما، وَهُوَ أَيْضا أنصاريّ خزرجيّ، وَيُقَال لَهُ: بياضي لِأَنَّهُ حَلِيف بني بياضة.
ثَانِيهَا: فِي أَلْفَاظه: قَوْله: «تتايع» هُوَ بمثناة تَحت قبل الْعين، فَقَالَ: تتايع فِي الْخَيْر وتتايع فِي الشَّرّ، قَالَ صَاحب التنقيب فِي كَلَامه عَلَى المهذَّب بعد أَن ضبط تتايع بِمَا ضبطته التتايع عبارَة عَن المسارعة إِلَى الشَّيْء والتهافت عَلَيْهِ. قَالَ: وَلم تسْتَعْمل هَذِه اللَّفْظَة فِي المسارعة إِلَى الْخَيْر إِلَّا عَلَى وجْه شَاذ.
وَأما التَّتَابُع بباء مُوَحدَة قبل الْعين، فَلَا يُسْتعمل عِنْد الْجُمْهُور إِلَّا فِي الْمُتَابَعَة إِلَى الْخَيْر.
وَقَوله: «نزوتُ»: هُوَ بِفَتْح النُّون، ثمَّ زَاي مُعْجمَة، ثمَّ وَاو سَاكِنة، أَي: وَثَبْتُ عَلَيْهَا أَرَادَ الْجِمَاع.
وَقَوله: «أَنْت بِذَاكَ» مَعْنَاهُ: أَنْت الملم بِذَاكَ، والمرتكب لَهُ.
وَقَوله: «وَحْشين»: هُوَ بِفَتْح الْوَاو، ثمَّ حاء مُهْملَة سَاكِنة، ثمَّ شين مُعْجمَة، ثمَّ يَاء مثناة تَحت، ثمَّ نون، أَي: مقفرين لَا طَعَام لنا، يُقَال: رجل وَحْش- بِسُكُون الْحَاء- وَقوم أوحاش.
وَبَنُو زُريق: بِضَم الزَّاي، ثمَّ رَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة، ثمَّ مثناة تَحت ثمَّ قَاف، وَكَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ فِي تهذيبه، وهُمْ بطن من الْأَنْصَار.
ثَالِثهَا: اعْترض ابْن الرّفْعَة عَلَى الرَّافِعِيّ فِي استدلاله بِهَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ عَلَى صِحَة تَعْلِيق الظِّهَار بِمَا ذكره من حَدِيث سَلمَة، وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: «أَنه ظاهَرَ حَتَّى يَنْسَلِخ رمضانُ»: فَهُوَ ظِهَار مُؤَقّت لَا معلَّق، قَالَ: فَلَعَلَّ تِلْكَ رِوَايَة أُخْرَى.
وَقَالَ فِي مطلبه: الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِيهِ غير هَذِه، وَلَا حُجَّة فِيهَا عَلَى جَوَاز التَّعْلِيق. هَذَا مَا ذكره فِي كِتَابيه، وَرِوَايَة الْبَيْهَقِيّ السالفة طبْقَ مَا ذكره الرَّافِعِيّ، فَلَا اعْتِرَاض إِذن.

.الحديث الثَّالِث:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لرجلٍ ظاهَرَ من امْرَأَته وواقعها: لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ». ويُرْوى: «اعْتَزِلْهَا حَتَّى تكفِّر».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أصحابُ السّنَن الْأَرْبَعَة د، وت، وق، وس، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ: «أَن رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قد ظَاهر من امرأتِهِ فَوَقع عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي ظاهرتُ من امْرَأَتي فوقعتُ عَلَيْهَا قبل أَن أكفِّر، قَالَ: وَمَا حملك عَلَى ذَلِكَ- يَرْحَمك الله-؟ قَالَ: رأيتُ خُلخْالَهَا فِي ضوء الْقَمَر. فَقَالَ: لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تفعل مَا أَمر الله- عَزَّ وجَلَّ-». هَذَا لفظ ت، وس.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عِكْرِمَة مُرْسلا، وَقَالَ فِيهِ: «رأيتُ خُلْخَالَهَا- أَو ساقَهَا- فِي ضوء الْقَمَر». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «اعْتَزِلْهَا حَتَّى تقضي مَا عليكَ». وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عِكْرِمَة: «أَن رجلا ظَاهر من امْرَأَته، ثمَّ وَاقعهَا قبل أَن يكفِّرَ، فَأَتَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ، فَقَالَ: مَا حملك عَلَى مَا صنعتَ؟ قَالَ: رَأَيْت بَيَاض ساقِهَا فِي الْقَمَر. قَالَ: فاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْك».
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ عَن ابْن عَبَّاس بِمَعْنَاهُ. وَقد رَوَاهُ ابْن مَاجَه، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس «أَن رجلا ظاهَرَ من امْرَأَته، فغشيها قبل أَن يكفِّر، فَأَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: مَا حملك عَلَى ذَلِكَ؟، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، رأيتُ بَيَاض حَجْلَيهَا فِي الْقَمَر، فَلم أملك نَفسِي- يَعْنِي: أَن وقعتُ عَلَيْهَا- فَضَحِك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمره أَن لَا يَقْرَبْهَا حَتَّى يكفِّر». قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: الْمُرْسل أوْلى بِالصَّوَابِ من الْمسند. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ، فَقَالَ: رَفْعُه خطأ، وَالصَّوَاب أَنه مُرْسل، بِإِسْقَاط ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ الْحَاكِم: شاهدُ هَذَا الحديثِ حديثُ إِسْمَاعِيل بن مُسلم، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس: «أَن رجلا ظاهَرَ مِنِ امرأتِهِ..» الحديثَ، وَفِي آخِرِه: «أمسكْ عَنْهَا حَتَّى تكفر». وَلم يحْتَج الشَّيْخَانِ بِإِسْمَاعِيل وَلَا بالحكم بن أبان- يَعْنِي: الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث الأول- قَالَ: إِلَّا أَن الحكم بن أبان صَدُوق.
قلت: إِسْمَاعِيل واهٍ، وَفِي إِسْنَاد رِوَايَة الْحَاكِم الأُولى حَفْص بن عمر الْعَدنِي: وَهُوَ ثِقَة، قَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ يُرْوى بإسنادٍ أحسن من هَذَا، عَلَى أَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم قد تُكُلِّمَ فِيهِ، ويَرْوي عَنهُ جماعةٌ كثيرةٌ من أهل الْعلم.
وَأما الْحَافِظ أَبُو بكر الْمعَافِرِي فَقَالَ: لَيْسَ فِي الظِّهَار حَدِيث صَحِيح يُعوَّل عَلَيْهِ. ونقضه الْمُنْذِرِيّ فِي اختصاره للسنن فَقَالَ: قد صَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَسَمَاع بَعضهم من بعض مشهورٌ. وترجمة عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس احْتج بهَا البخاريُّ فِي غير موضعٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. هَذَا آخر أَحَادِيث الْبَاب.

.وَأما أَثَره:

فَهُوَ مَا رُوِيَ عَن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ: «إِذا ظَاهر الرجل من أَربع نسْوَة بِكَلِمَة وَاحِدَة ثمَّ أمسكهن فَعَلَيهِ كَفَّارَة وَاحِدَة».
وَهُوَ أثر صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح إِلَى مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس، عَن عمر «أَنه قَالَ فِي رجل ظَاهر من أَربع نسْوَة قَالَ: كَفَّارَة وَاحِدَة».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن سعيد بن الْمسيب، عَن عمر «أَنه قَالَ فِي رجل ظَاهر من ثَلَاث نسْوَة قَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة». قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته: وَهُوَ صَحِيح عَنهُ. قلت: وَهَذَا مِنْهُ يدل عَلَى صِحَة سَماع سعيد مِنْهُ. قَالَ: وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ مَالك: وَذَلِكَ الْأَمر عندنَا. وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَقَالَ فِي الْجَدِيد: عَلَيْهِ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَفَّارَة. وَهُوَ رِوَايَة قَتَادَة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. وَبِه قَالَ الحكم بن عتيبة.

.كتاب الْكَفَّارَات:

كتاب الْكَفَّارَات:
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث:

.أَحدهَا:

قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ».
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْوضُوء وَاضحا.

.الحديث الثَّانِي:

رُوِيَ «أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ أَعْجَمِيَّة- أَو خرساء- فَقَالَ: يَا رَسُول الله، عَلّي عتق رَقَبَة فَهَل يُجزئ عني هَذِه فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَيْن الله فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء، ثمَّ قَالَ لَهَا: من أَنا؟ فَأَشَارَتْ إِلَى أَنه رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله، عَن رجل من الْأَنْصَار «أَنه جَاءَ بأَمَةٍ لَهُ سَوْدَاء فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن عَلّي عتق رَقَبَة مُؤمنَة، فَإِن كنت ترَى هَذِه مُؤمنَة أعتقتها. فَقَالَ لَهَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أتشهدين أَن لَا إِلَه إِلَّا الله؟ قَالَت: نعم. قَالَ: أتشهدين أَنِّي رَسُول الله؟ قَالَت: نعم. قَالَ: أتؤمنين بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت؟ قَالَت: نعم. قَالَ: أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة». وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَيْضا من رِوَايَة عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود «أَن رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجَارِيَة لَهُ سَوْدَاء فَقَالَ: يَا رَسُول الله، عَلّي رَقَبَة مُؤمنَة أفأعتق هَذِه؟ فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أتشهدين أَن لَا إِلَه إِلَّا الله؟ قَالَت: نعم. قَالَ: أتشهدين أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله؟ قَالَت: نعم. قَالَ: أتؤمنين بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت؟ قَالَت: نعم. فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: فاعتقها».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مُرْسل. قَالَ: وَقد رُوِيَ مَوْصُولا بِبَعْض مَعْنَاهُ. فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى عون بن عبد الله بن عتبَة قَالَ: حَدَّثَني أبي، عَن جدي قَالَ: «جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأمة سَوْدَاء فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إنَّ عليَّ رَقَبَة مُؤمنَة أفتجزئ عني هَذِه؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: من رَبك؟ قَالَت: رَبِّي الله. قَالَ: فَمَا دينك؟ قَالَت: الْإِسْلَام ديني. قَالَ: فَمن أَنا؟ قَالَت: أَنْت رَسُول الله. قَالَ: أفتصلين الْخمس وتُقرِّينَ بِمَا جئتُ بِهِ من عِنْد الله؟ قَالَت: نعم. فَضرب عَلَى ظهرهَا وَقَالَ: اعتقيها».
وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بِهَذَا الْإِسْنَاد وَاللَّفْظ لَهُ، ثمَّ قَالَ: عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أدْرك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسمع مِنْهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة عون بن عبد الله عَن عبد الله بن عتبَة، عَن أبي هُرَيْرَة «أَن رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِجَارِيَة سَوْدَاء فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن عليّ رَقَبَة مُؤمنَة. فَقَالَ لَهَا: أَيْن الله؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء بإصبعها. فَقَالَ لَهَا: فَمن أَنا؟ فَأَشَارَتْ إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَى السَّمَاء- يَعْنِي أَنْت رَسُول الله- فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة».
إِذا عرفت هَذِه الرِّوَايَات وتأملتها ظهر لَك أَن الشَّك الْوَاقِع فِي رِوَايَة المُصَنّف: وَهُوَ «أَعْجَمِيَّة أَو خرساء» غَرِيب، بل رِوَايَة الشَّافِعِي صَرِيحَة فِي كَونهَا كَانَت ناطقة وَهِي مَا رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ قَالَ: أبنا مَالك، عَن هِلَال بن أُسَامَة، عَن عَطاء بن يسَار، عَن عمر بن الحكم، قَالَ: «أتيت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت: يَا رَسُول الله، إِن جَارِيَة لي كَانَت ترعى غنما لي فجئتها وَقد فقدت شَاة من الْغنم فسألتها فَقَالَت: أكلهَا الذِّئْب فأسفت عَلَيْهَا وَكنت من بني آدم فلطمت وَجههَا، وَعلي رَقَبَة أفأعتقها؟ فَقَالَ لَهَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَيْن الله؟ فَقَالَت: فِي السَّمَاء. فَقَالَ: من أَنا؟ قَالَت: أَنْت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: فاعتقها».
قَالَ الشَّافِعِي: اسْم الرجل مُعَاوِيَة بن الحكم كَذَا رَوَى الزُّهْرِيّ وَيَحْيَى بن أبي كثير.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن مَالك بن أنس، وَرَوَاهُ يَحْيَى بن يَحْيَى عَن مَالك مجودًا فَقَالَ: عَن مُعَاوِيَة بن الحكم. ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ، عَن يَحْيَى، عَن مَالك، عَن هِلَال، عَن عَطاء، عَن مُعَاوِيَة. قلت: الَّذِي فِي موطأ يَحْيَى بن يَحْيَى بِهَذَا السَّنَد عمر بن الحكم لَا مُعَاوِيَة، وَهَكَذَا أوردهُ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده ثمَّ قَالَ: هَكَذَا قَالَ مَالك فِي هَذَا الحَدِيث: عَن هِلَال، عَن عَطاء، عَن عمر بن الحكم. لم تخْتَلف الرِّوَايَة عَنهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ وهم عِنْد جَمِيع أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ. قلت: وَحَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم أخرجه م فِي صَحِيحه.
وَثمّ حَدِيث آخر مثل مَا ذكره المُصَنّف، أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان من حَدِيث الشَّرِيد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ «قلت: يَا رَسُول الله، إِن أُمِّي أوصت أَن نعتق عَنْهَا رَقَبَة وَعِنْدِي جَارِيَة سَوْدَاء. قَالَ: ادْع بهَا. فَجَاءَت، فَقَالَ: من رَبك؟ قَالَت: الله. قَالَ: من أَنا؟ قَالَت: رَسُول الله. قَالَ: اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة». وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: خَالِد بن عبد الله أرْسلهُ لم يذكر الشريد.

.الحديث الثَّالِث:

رُوِيَ فِي حَدِيث الْأَعرَابِي الَّذِي جَامع فِي نَهَار رَمَضَان «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بعرق من تمر فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا فَقَالَ: خُذ هَذَا وَأطْعم عَنْك سِتِّينَ مِسْكينا».
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي كتاب الصّيام وَلَفظه «خُذ هَذَا فَتصدق بِهِ» وَذكر الْعدَد سلف فِيهِ أَولا.

.كتاب اللّعان:

كتاب اللّعان:
ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا:

.أما الْأَحَادِيث:

فخمسة وَعِشْرُونَ حَدِيثا:

.الحديث الأول:

عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما «أَن هِلَال بن أُميَّة قذف امْرَأَته عِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشريك ابْن سَحْمَاء، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْبَيِّنَة أَو حدٌ فِي ظهرك. فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِذا رَأَى أَحَدنَا عَلَى امْرَأَته رجلا ينْطَلق يلْتَمس الْبَيِّنَة؟! فَجعل النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: البينةُّ أَو حَدٌّ فِي ظهرك. فَقَالَ هِلَال: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا إِنِّي لصَادِق ولينزلن الله مَا يُبرئ ظَهْري من الْحَد، فَنزل جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَأنزل قَوْله: {والذَّين يَرُمون أَزوَاجهم} الْآيَات».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَّا أَنه قَالَ بدل: «فَنزل جِبْرِيل...» إِلَى آخِره: «فَنزلت {وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم} فَقَرَأَ حَتَّى بلغ {من الصَّادِقين} فَانْصَرف النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأرْسل إِلَيْهِمَا فجاءا، فَقَامَ هِلَال بن أُميَّة فَشهد وَالنَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن الله يعلم أَن أَحَدكُمَا كَاذِب فَهَل مِنْكُمَا من تائب؟ ثمَّ قَامَت فَشَهِدت، فَلَمَّا كَانَت عِنْد الْخَامِسَة {أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين} وقفوها وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجبَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: فتلكأت وَنَكَصت حَتَّى ظننا أَنَّهَا سترجع فَقَالَت: لَا أفضح قومِي سَائِر الْيَوْم. فمضت، قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أبصروها فَإِن جَاءَت بِهِ أكحل الْعَينَيْنِ سابغ الأليتَيَن خَدلج السَّاقَيْنِ فَهُو لِشَريك ابْن سَحماء فَجَاءت بِهِ كَذَلِك، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَوْلَا مَا مَضَى من كتاب الله لَكَانَ لي وَلها شَأْن».
وَأخرج مُسلم فِي صَحِيحه طرفا من رِوَايَة أنس رَضي اللهُ عَنهُ.
فَائِدَة: شريك هَذَا- بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة- أَنْصَارِي بلوي حَلِيف الْأَنْصَار، يُقال: إِنَّهُ شَهد مَعَ أَبِيه أحدا، وَأَخْطَأ من زعم أَنه كَانَ يَهُودِيّا. سَحْمَاء: أُمُّه عَلَى الْأَصَح، وَأَبوهُ عبد بن معتب، وسحماء- بسين مَفْتُوحَة، ثمَّ حاء سَاكِنة مهملتين، وبالمد- مَأْخُوذ من السُّحمَةُ- بِضَم السِّين- وَهِي السوَاد، والمذكر أسحم، والمؤنثة: سَحْمَاء، وَيُقَال هَذَا اللَّفْظ، وَمَا يصرف مِنْهُ للسواد أَيْضا، وَلَكِن بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، والسخام سَواد الْقدر خَاصَّة.
تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ: وَشريك هَذَا هُوَ المرمي بِالزِّنَا، سُئِلَ فَأنْكر، وَلم يحلفهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَهَذَا سبقه إِلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه حَيْثُ قَالَ: وَسَأَلَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم شَرِيكا فَأنْكر، فَلم يحلفهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يحْتَمل أَن يكون إنماأخذه عَن هَذَا التَّفْسِير فَإِنَّهُ كَانَ مسموعًا لَهُ. ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى مقَاتل بن حَيَّان فِي قَوْله {وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات} إِلَى أَن قَالَ: «فَأَرْسَلَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الزَّوْج والخليل، وَالْمَرْأَة» إِلَى أَن قَالَ: «فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيحك مَا يَقُول ابْن عمّك؟! فَقَالَ: اقْسمْ بِأَنَّهُ مَا رَأَى مَا يَقُول وَأَنه لمن الْكَاذِبين...» ثمَّ لم يذكر أَنه أَحْلف شَرِيكا.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلم أَجِدهُ فِي الرِّوَايَات المنقطعة. ثمَّ اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِمَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ لأحد الْقَوْلَيْنِ فِي أَن الْقَاذِف إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَى زنا الْمَقْذُوف أَن لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفه أَنه مَا زنَى. وَتعقبه ابْن الرّفْعَة فَقَالَ فِي مطلبه: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن ابْن الصّباغ قيل قَالَ: بَاب مَا جَاءَ فِي اللّعان بِمَسْأَلَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يبْعَث إِلَى شريك.
ثَانِيهَا: أَنه لم ينْقل أَن شَرِيكا طلب الْحَد مِمَّن رَمَاه، وَالْيَمِين إِن تَوَجَّهت فَإِنَّمَا تكون بعد طلب الْمَقْذُوف الْحَد.