فصل: مسألة أوصى في ثلاثة أفراس أو أعبد ولم يسم له شيئا بعينه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة أوصى في ثلاثة أفراس أو أعبد ولم يسم له شيئا بعينه:

ومن كتاب أوله سلف دينارا في ثوب إلى أجل:
وقال في رجل أوصى في ثلاثة أفراس، أو ثلاثة أعبد، فقال: أعطوا فلانا عبدا أو فرسا، ولم يسم له شيئا بعينه، وخيروا فلانا في الاثنين الباقيين، فما اختار فهو له، والآخر ادفعوه إلى فلان. قال: أحب إلي أن يكون للأول ثلثها، فيعطى وسطا منها، يكون له ثلثها. قال أصبغ: يعني بالقيمة ثلث قيم الثلاثة، وهو من كل واحد ثلثه، فأرى أن يجمع ذلك في فرس منها بالسهم، فإن نقص من صاحب السهم، فلا شيء له غيره، وإن زادت القيمة عليه أتم من غيره، ثم يخير صاحب الخيار في خيرة ما بقي، حتى يستكمل فيما إن كان فيها كسر من فرس، ثم يكون للآخر ما بقي خيرا كان أو كسرا.
قال محمد بن رشد: العمل في هذه المسألة على ما ذكره فيها، من أن من أوصى له بعبد غير معين من جملة عبيد، يكون له ثلثهم بالسهم إن كانوا ثلاثة، أو ربعهم به إذا كانوا أربعة، وكذلك إن زاد عددهم على هذا أو نقص؛ أن ينظر كم قيمة الثلاثة؟ فيؤخذ ثلث القيمة، ثم يضرب بالسهم في الثلاثة، فما خرج فهو الذي أوصى له أولا.
فإن كانت قيمته ثلث قيمة الثلاثة، أخذه وخير الثاني في الاثنين الباقيين، وكان للثالث الباقي منهما، وإن كانت قيمة الذي خرج أكثر من الثلث كان له منه قدر الثلث، وخير الباقي في الاثنين الباقيين، أو في أخذ الجزء الذي بقي مما أخذه الأول، ويستتم بقية فرس من الاثنين الباقيين من أيهما شاء، ويأخذ الثالث ما بقي من الثلاثة الأفراس، وإن وقع للأول في الفرس أقل من ثلث القيمة ضرب له بالسهم ثانية، فما خرج من له من الفرسين الباقين، أخذ منه بقدر ما بقي له من الثلث، ثم يخير الثاني بين أخذ الفرس الباقي، وأخذ الجزء الذي بقي من الفرس الثاني، ويستتم عليه من الثالث تمام فرس، ويأخذ الموصى له الثالث ما بقي.
وقد قيل: إن من أوصي له بعبد غير معين من جملة عبيد، يكون له ثلث كل واحد منهم إن كانوا ثلاثة، أو ربع كل عبد إن كانوا أربعة، وكذلك إن زاد عددهم على هذا أو نقص، فيأتي في هذه المسألة على قياس هذا القول.
وهو قوله في المسألة التي بعدها: إذا عمي على الشهود الفرس الذي سمي للأول أن يعطى الأول ثلث كل فرس، ويعطى الثاني ثلثي المرتفع، أو ثلثي الوسط؛ لأنه هو الذي يختار لا شك، إلا أن يكون له غرض في غيره، ويعطى الثالث ما بقي.
وقد قيل: إن من أوصي له بعبد بغير عينه من جملة عبيد، يكون عبد من جملتهم بالقرعة، كان أقلهم قيمة أو أكثر قيمة، فيأتي في هذه المسألة على قياس هذا القول، أن يكون للأول عبد من الثلاثة الأعبد بالقرعة، ويخير الثاني الذي جعل إليه التخيير في الفرسين الباقيين، ويكون للثالث العبد الباقي، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى في ثلاثة أفراس فقال ادفعوا إلى فلان فرسا سماه بعينه:

وسئل عن رجل أوصى في ثلاثة أفراس له فقال: ادفعوا إلى فلان فرسا سماه بعينه، وخيروا فلانا في الفرسين الباقيين، وادفعوا الآخر إلى فلان، فعمي على الشهود الفرس الذي سمي للرجل، ولم يعرف، فقال: أرى أن يعطى الذي أوصي له بالفرس المسمى فنسي الثلثَ من كل فرس، ثم يعطى الذي أوصى له بالتخيير ثلثي المرتفع، وثلث الوسط، ويعطى الذي أوصى له بأحدهما ثلثي الفرس الدنيء، وثلث الوسط، وقد أخذ ذلك الأول الثلث من كل واحد؛ فقد صار لكل واحد فرس تام، وقد ثبت مالك على هذا القول الآخر ورد عليه غيره مرة، فثبت عليه بعد ذلك اليوم أيضا.
قال محمد بن رشد: أجاز ابن القاسم في هذه الرواية شهادة الشهود، وإن عمي عليهم الفرس الذي سمى الموصي للرجل، وشكوا فيه، فقيل: إن ذلك يأتي على ما في أصل الأسدية، من كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة في الذي طلق إحدى امرأتيه، ولم يدر أيهما المطلقة، من أن الشهود شكوا، فلم يعرفوا أيتهما المطلقة، إن كانت التي قد دخل بها، أو التي لم يدخل بها، وعلى قول ابن وهب في رسم الوصايا والأقضية، من سماع أصبغ، من كتاب الصدقات والهبات، خلاف المشهور من قول ابن القاسم.
وقيل: إن إجازة ابن القاسم للشهادة في هذه المسألة ليس بخلاف المشهور، من قوله؛ لأنه إنما أجازها في الوصية بعد الموت على ما قيل من أنها تجوز في الوصية بعد الموت، ولا تجوز على الحي، وفي المسألة قول ثالث: إن الشهادة لا تجوز في الوصية بعد الموت، ولا على الحي، وهو قول أشهب في أول سماع سحنون بعد هذا؛ لأنه إذا لم يجز الشهادة في الوصية بعد الموت، فأحرى أن لا يجيزها على الحي. وجوابه في هذه المسألة على إجازة الشهادة خلاف جوابه في المسألة التي قبلها. وقد ذكرنا أن المسألة تتخرج على ثلاثة أقوال، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة الوصي أيبيع المتاع بغير إذن الورثة:

وسئل عن الوصي: أيبيع المتاع بغير إذن الورثة؟ قال: إن كانوا كبارا قد رضي حالهم، أو نساء ثيبا أو متزوجات، قد برزن ورضي حالهن، فلا يبيع إلا بإذنهم، فإن باع رد المتاع؛ لأنه إنما أوصي إليه بالآخرين الذين تولى عليهم، ولم يوص إليه بهؤلاء، وإنما هؤلاء شركاء في هذا المتاع. قيل له: فإن فات؟ قال: إن كان فات وقد أصاب وجه البيع، كأنه يقول: مضى.
قال أصبغ: لا أرى ذلك، وأرى للورثة رده، إلا أن يكون له ثلث موصى به مع ذلك، يحتاج إلى تحصيل المال وبيعه وجمعه، فيكون ذلك له إلا في العقار والرباع، فلا أرى ذلك له دونهم؛ لأنه ملعون، وأنه مما يقسم، وقسمه غير ضرر، وإن لم يكن ثلث على ما وصفت، فهو مردود على الورثة البالغين المالكين حصصهم، أو يأخذون بما بلغ، كالشركاء في السلع المفترقة التي لا تجتمع في القسم، فهم كالشركاء الأجنبيين للميت إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم فيما باع الوصي على الصغار من المال، والمتاع المشترك بينهم وبين الكبار: إن البيع يرد ما لم يفت، فإن فات، يريد من يد المشتري ببيع أو هبة أو بتحويله عن حاله، مثل أن يكون ثوبا فيصبغه، أو غزلا ينسجه، أو طعاما فيأكله، وما أشبه ذلك، وقد أصاب وجه البيع مضى استحسان، والقياس أن لا ينفذ البيع على الكبار بحال، فات أو لم يفت، وكذلك قال أبو إسحاق: لا يجوز بيع الوصي على الكبار بقليل ولا كثير، أصاب البيع أو لم يصب؛ لأنه مالهم، وهم أحق وأولى بالنظر لأنفسهم.
قال: وهو أولى أيضا بكل ما باع من مال الميت، إذا كان لهم رأي في شراء شيء مما يباع من التركة في ثلثه، فكيف يجوز أن يباع عليهم مالهم أنفسهم بلا مؤامرتهم؟ هذا خطأ. وكذلك قول أصبغ أيضا: إن البيع يمضي إذا فات إذا كان له ثلث موصى به إليه، يحتاج إلى تحصيل المال أو جمعه أو بيعه، إلا في العقار استحسان أيضا، والقياس ألا ينفذ على الكبار البيع في حظوظهم من ذلك كله إلا بإذنهم، كالشركاء الأجنبيين للميت، ولأشهب في كتاب ابن المواز: إن للموصي أن يبيع الحيوان والرقيق والعقار وغيره لتأدية الدين، ولتنفيذ الوصية أيضا، وإن كان في الورثة كبار لا يولى عليهم، أو كانوا كبارا كلهم. وقد قيل: إنه ليس له بيع شيء من العقار إلا الثلث، وهو أحب إليّ. وقد مضى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، طرف من هذا المعنى، وبالله التوفيق.

.مسألة ضمان ما شق من الثياب على الميت:

قال عيسى: قيل له: فما شق الورثة من الثياب على الميت؟ قال: يضمنون، قيل: فإن خلى بينهم وبين ذلك الوصي، قال: يضمن إن كانوا صغارا، وإن كانوا كبارا فهو عليهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنهم يضمنون ما شق من الثياب على الميت، وخرقوه فأفسدوه. وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليس منا من حلق ولا سلق ولا خرق»، فإن خلى الوصي بينهم وبين ذلك ليشقوه ويفسدوه، ضمن إن كانوا صغارا لتسليطهم على ذلك، ولم يلزمه في الكبار شيء؛ لأنهم هم الضامنون لما أفسدوه، وبالله التوفيق.

.مسألة قال في مرضه ثلثي لموالي:

قال ابن القاسم: قال مالك: إذا قال الرجل في مرضه: ثلثي لموالي، وفيهم المدبر والمكاتب والمعتق إلى سنة، قال مالك: أما المدبرون فليس لواحد من هؤلاء وصية حتى يعتقوا في ثلث الميت، فما فضل من الثلث عن عتقهم، كان المدبرون، ومواليه الذين كانوا في حياته، والمعتقون إلى أجل، والمكاتبون فيما بقي من الثلث بالسواء، يقسم بينهم على السواء، غير أن ما يصير للمكاتبين والمعتقين إلى أجل يوقف لهم، فإن أدى المكاتبون، وعتق المعتقون إلى أجل، أعطوا ما وقف لهم من ذلك، فإن عجز المكاتبون، ومات المعتقون إلى أجل، رجع حقهما إلى من بقي من الموالي؛ قال مالك: ولو كان له ولاء أنصاف عبيد، وأنصاف مدبرين، دخلوا مع الموالي بأنصاف ذلك الولاء، فأعطوا بقدر ذلك.
قال محمد بن رشد: مذهبه فيمن أوصى لمواليه، أنه يدخل في ذلك المعتقون بعده بالوصية والتدبير، إن خرجوا من الثلث، وفضلت منه فضلة لا اختلاف أحفظه في هذا، وهو بين إن لم يكن له موالٍ سواهم، وأما إن كان له موالٍ سواهم يوم أوصى، فقد كان يشبه ألا يكون لهم دخول معهم؛ لأنهم لم يكونوا له بعد موالي يوم أوصى، إلا أنهم قد قالوا في الذي يوصي لولد فلان: إنه يدخل في الوصية من يولد لفلان بعد الوصية قبل موت الموصي، ولا فرق بين المسألتين والمسألة في رسم الوصايا والأقضية من سماع أصبغ.
أما المكاتب والمعتق إلى أجل، فقال في هذه الرواية: إنهم يدخلون مع مواليه الذين كانوا في حياته بالسواء، ويوقف لهم ما صار لهم، فإن أدى المكاتبون، وعتق المعتقون إلى أجل أعطوا ما وقف لهم من ذلك، وإن عجز المكاتبون، ومات المعتقون إلى أجل، رجع حقهما إلى من بقي من الموالي. وحكى ابن المواز عنه أنه نفذ عتقهما. بأداء المكاتب، وبلوغ أجل المؤجل قبل القسم دخل في الوصية، وإن سبقهم القسم فلا شيء لهم. وهذا عندي جار على اختلاف قوله في المدونة في الذي يوصي لإخوانه، وبنيهم مرة حملهم محمل المعينين، فرأى أن يقسم المال بينهم على السوية، وهو قوله في هذه الرواية، فعلى قياس ذلك، يوقف لهم حقوقهم، ومرة لم يحملهم محمل المعينين، فرأى أن تقسم الوصية بالمال بينهم على الاجتهاد، فعلى قياس هذا لا يوقف لهم شيء، فإن عتقوا قبل القسم قسم لهم، وإلا فلا، وهو القول الذي حكى محمد عنه.
وقال في ولاء أشقاص العبيد: إنهم يدخلون مع الموالي بأشقاص ولائهم، فيعطون بقدر ذلك إن أعطي التام الولاء دينارا أعطي الذي نصف ولائه نصف دينار، والذي له ثلث ولائه ثلث دينار، والذي له ربع ولائه ربع دينار. قال ابن حبيب: وإن لم يكن له مع الذين له بعض ولائهم مولى تام الولاء، استووا في الوصية، ولم يفضل بعضهم على بعض في العطية، وإن تفاضلوا في قدر ماله من ولائهم، وبالله التوفيق.

.مسألة قال في وصيته تسكن امرأتي داري حياتها:

وقال ابن القاسم في رجل قال في وصيته: تسكن امرأتي داري حياتها، ولفلان مائة دينار، وما بقي من ثلثي فلفلان. قال: إن خرجت الدار والمائة من الثلث، نظر إلى ما بقي بعد ذلك، فأعطي الذي أوصى له ببقية الثلث، فإن أجاز الورثة للمرأة ما أوصى لها به من السكنى، فذلك لها، وإن لم يجيزوا سكن الورثة معها، أو أكروه حياة المرأة، فاقتسموه على فرائض الله، فإذا هلكت أسلم إلى الذي أوصى له ببقية الثلث.
وأصل هذا وما يستدل به، لو أن رجلا أوصى إلى امرأته بسكنى دار حياتها، ولرجل أجنبي بما بقي من الثلث، فنظروا، فإذا الدار ثلث المال سواء، فإن الورثة يجيزون، فإن أجازوا ذلك للمرأة سكنته حياتها، فإذا ماتت، أسلمت الدار كلها إلى الذي أوصي له ببقية الثلث، وإن لم يجيزوا دخلوا معها فيها على الفرائض حياتها، فإذا ماتت أسلمت إلى الموصى له كلها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن خرجت الدار والمائة من الثلث، يريد رقبة الدار على ما في المدونة من أن من أوصي له بخدمة عبد أو سكنى دار، تقوم رقبة الدار والعبد لا قيمة الخدمة والسكنى، فالعمل في هذا أن تقوم الدار وتجمع إلى الوصايا، فإن خرج ذلك كله من الثلث، تمت الوصايا، وكان ما بقي للموصى له ببقية الثلث إن بقي شيء، ومتى تم أجل السكنى أخذ الدار الموصى ببقية الثلث، وإن لم يحمل الثلث قيمة الدار والوصايا، فأبت الورثة أن يجيزوا ذلك، قطعوا لهم بالثلث، فتحاص فيه أهل الوصايا والموصى لها بالسكنى حياتها، بقيمة ما تعمر إليه على ما مضى من الاختلاف في حده، في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، وأهل الوصايا بوصاياهم، ولم يكن للموصى له ببقية الثلث شيء، وإن كان في الثلث فضل عن الوصايا وقيمة السكنى كان ذلك لمن له السكنى، وهي الزوجة؛ إذ قد تعيش أكثر مما عمرت إليه، فإذا ماتت رجع ما فضل من ذلك إلى الموصى له ببقية الثلث، ولا شيء للزوجة في ذلك كله، إلا أن يجيزه، فإن لم يجيزوه دخلوا معها في سكنى الدار حياتها إن حملها الثلث، فإن ماتت كانت الدار للموصى له ببقية الثلث، ولا شيء للزوجة في ذلك كله، إلا أن يجيزه لها الورثة، فإن لم يجيزوه لها دخلوا معها في سكنى الدار حياتها إن حملها الثلث، فإن ماتت كانت الدار للموصى له ببقية الثلث، وكذلك ما صار لها بالمحاصة إن لم يحمل الثلث الدار، إن لم يجيزوه لها اقتسموا معها على فرائض الله، ولا اختلاف في أن الدار إذا حملها الثلث، ترجع بعد موت الزوجة إلى الموصى له ببقية الثلث، إذا لم يقل: فإذا ماتت فهي رد على جميع الورثة، ولو قال ذلك لم ترجع إليه على قول عيسى بن دينار الذي يأتي في رسم أسلم، وقد مضى ذلك في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى بأن يقوم بلهو عرس رجل أو مناحة ميت:

ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار:
وسئل عن رجل أوصى بأن يقوم بلهو عرس رجل، أو مناحة ميت، هل تنفذ وصيته وتؤجر النائحة وصاحب اللهو؟ قال: لا أرى أن تنفذ وصيته، وقوله باطل، قيل: أرأيت إن كان ذلك اللهو مما يجوز من شأن العرس مثل الكبر والدف، فأوصى بذلك؟ قال: فلا أرى أن تنفذ.
قال محمد بن رشد: أما الوصية بإقامة مناحة على ميت، فلا اختلاف في أن الوصية بذلك لا يجوز تنفيذها؛ لأن النياحة على الموتى محرم بالسنة، فالأجرة على ذلك حرام، لا تحل ولا تجوز، وكذلك ما لم يرخص فيه من اللهو في العرس باتفاق، أو باختلاف على مذهب من لا يجيزه، مثل الكبر والمزهر؛ لأن ابن حبيب أجازهما جميعا في هذه الرواية، وهو قول أصبغ في سماعه، من كتاب النكاح، وعليه يأتي قول ابن القاسم في سماع سحنون في الكبر إذا بيع: إنه يفسخ بيعه ويؤدب أهله؛ لأنه إذا قال ذلك في الكبر، فأحرى أن يقوله في المزهر. وقيل: إنه يجوز الكبر، ولا يجوز المزهر. وهو قول ابن القاسم في رسم سلف، من سماع عيسى، من كتاب النكاح، وأما على مذهب من يجوزه ويستحب تركه، فلا ينبغي أن تنفذ الوصية.
وأما على مذهب من يجيزه ويراه من الأمور الجائزات التي لا ثواب في تركه، ولا حرج في فعله، ففي جواز تنفيذ الوصية قولان، وكذلك الغربال التي اتفق على إجازته في العرس، في جواز تنفيذ الوصية به قولان، على مذهب من يراه من الأمور الجائزات التي لا ثواب في تركه، ولا حرج في فعله، وأما على مذهب من يجيز فعله، ويستحب تركه، فلا ينبغي تنفيذ الوصية به، هذا تحصيل القول في هذه المسألة.
قال محمد بن المواز: ويرجع ما أوصى به لذلك ميراثا لأهل الميراث، ولا يدخل فيه الوصايا، يريد أنهم يحاصون به أهل الوصايا عند ضيق الثلث، لا أنه يبدأ على الوصايا، ويكون الورثة أحق به. وفي كتاب محمد بن المواز: من أوصى لرجل بمال على أن يصوم عنه، لم يجز ذلك، وهو نحو قول ابن كنانة في أن الوصية بالحج لا يلزم تنفيذها، وبالله التوفيق.

.مسألة إجازة الابن وصية أبيه بأكثر من ثلث ماله بعد موته:

وقال ابن القاسم: إذا أوصى لرجل بجميع ماله، وليس له وارث إلا ولد واحد، ومات عن ثلاثمائة دينار، فبلغ ذلك الولد وهو مريض فقال: قد أمضيت ما صنع والدي، وثلث مالي صدقة على رجل سماه، وليس له مال إلا الذي ورث من أبيه، قال: يكون للذي أوصى له أبوه ثلث الثلاثمائة دينار، وذلك مائة دينار، ثم يرجع في المائتين، فيتحاص في ثلثها هو والذي ذلك أوصى له الابن بثلث ماله، يضرب فيه هذا بمائتي دينار، وهذا ثلث المائتين.
قال عيسى: إنما ذلك إذا كان الابن إنما أجاز وهو مريض ثم مات؛ لأنها وصية، فأما إن كانت إجازته في الصحة ثم مرض، فأوصى بثلث ماله، فليس ذلك المال له بمال، إذا كان قبضه المتصدق به عليه أولا قبل موت هذا أو مرضه، فإن لم يقبضه حتى مات أو مرض هذا الابن، فلا شيء له؛ لأنها صدقة لم تحز.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة؛ لأن إجازة الابن وصية أبيه بأكثر من ثلث ماله بعد موته، هبة منه للموصى له مما زاد على الثلث، فإن كان صحيحا لزمه ذلك، ولم يكن له فيه رجوع.
قال في المدونة: وإن كان عليه دين، كان للغرماء رد ذلك، وإن كان مريضا فمات من مرضه: كان ذلك في ثلثه، على حكم هبة البتل في المرض، فإذا أجاز وصية أبيه بجميع ماله بعد موته وهو مريض، وأوصى بثلثه لرجل، فمات من مرضه، ولا مال له غير ما ورث عن أبيه، ولم يترك أبوه إلا ثلاثمائة دينار، وجب أن يتحاص في ثلث المائتين التي ورثها عن أبيه الذي أوصى له هو، والذي أوصى له أبوه، يضرب الذي أوصى له هو بثلث المائتين؛ لأنه أوصى بثلث ماله، ويضرب فيها الذي أوصى له الأب بجميع ماله بمائتين؛ لأنه وهبها له في مرضه، إذا جاز وصية أبيه له بها، فوجب أن تكون في ثلثه، وفي هذا اختلاف، قد قيل: إن هبة البتل تبدأ على الوصية، اختلف في ذلك قول مالك حسبما بيناه في رسم طلق بن حبيب، من سماع ابن القاسم، وقول عيسى بن دينار: إن إجازته إن كانت في الصحة، ثم مرض، فأوصى بثلث ماله، فليس ذلك المال له بمال، إذا كان قد قبضه المتصدق به عليه أولا قبل موت هذا أو مرضه، فإن لم يقبضه حتى مات أو مرض، فلا شيء له؛ لأنها صدقة لم تحز صحيح، يبين أن الورثة إذا أجازوا أكثر من الثلث؛ أن الزائد على الثلث لا يجري مجرى الوصية التي لا حيازة فيها، وإنما يجري مجرى الصدقة إن لم تحز بطل، وأشهب لا يراها كالهبة، ويراها له قبضها قبل موت المجيز، أو لم يقبضها، وهو ضعيف، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى لرجل بأربعين دينارا ينفق عليه منها ما يكفيه كل سنة:

وسئل عن رجل أوصى لرجل بأربعين دينارا ينفق عليه منها ما يكفيه كل سنة، فمات الموصي ووقف ماله لينظر في ثلثه، وليجمع ما كان منه مفترقا، فمضت سنة أو نحوها، ولم يجمع ما كان منه متفرقا، ومات الذي أوصى له بالنفقة قبل أن يصل إليه شيء، قال: يعطى ورثته نفقة ما عاش، وترد البقية على الورثة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد استوجب من النفقة ما عاش بعد الموصى، والله الموفق.

.مسألة أوصى بعتق نصف عبد له وبالحج بالنصف الآخر:

ولو أن رجلا أوصى بعتق نصف عبد له، وبالحج بالنصف الآخر، قال: إن كان أبت عتق النصف، استتم عتقه كله، وبطل الحج، وإن كان لم يبت كان نصفه حرا، ونصفه في الحج.
قال محمد بن رشد: هذا ما قال: إنه إن كان أبت عتق نصفه في مرضه، يقوم عليه، ويبطل الحج؛ إذ لا اختلاف في أن من أعتق نصف عبده في مرضه، يقوم عليه، وإنما الاختلاف متى يقوم عليه؟ فقيل: إنه يقوم عليه جميعه في مرضه من الثلث، وقيل: يوقف، ولا يقوم إلا بعد الموت من الثلث، كانت له أموال مأمونة أو لم تكن، وقيل: إنما يقوم إذا لم تكن له أموال مأمونة، فإن كانت له أموال مأمونة، عجل عتقه من رأس ماله، وهذا الاختلاف كله في المدونة. وأما إن كان أوصى بعتق نصفه، ولم يبتله، فيكون النصف الآخر في الحج كما قال؛ لأن من أوصى بعتق بعض عبده، لا يعتق منه إلا ما أوصى به منه، وبالله التوفيق.

.مسألة قال في مرضه لفلان ثمر حائطي ولا يدرى أي ثمر جعل له:

وسئل عن رجل قال في مرضه: لفلان ثمر حائطي، ولا يدرى أي ثمر جعل له؟ أو كم من سنة؟ فقال: إن كان في النخل ثمر، فله ثمر تلك السنة، ولا شيء له غيرها، وإن كان حين أوصى بذلك، ليس في النخل ثمرة، فله ثمرة، فله ذلك الحائط حياته. قال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا كان في الحائط ثمرة يوم أوصى ومات، والثمرة لم تجد، احتمل أن يريد تلك الثمرة خاصة، ولم يرد ما سواها، فوجب ألا يكون له ما سواها إلا بيقين، وقد قال ذلك سحنون في نوازله من كتاب الحبس في الذي يقول: ثمر حائطي حبس على فلان، ولا يقول: حياته، فكيف بالوصية؟ وأما إن جد الثمرة قبل موته، وأدخلها منزله، فيتخرج ذلك على قولين، هل يكون ذلك رجوعا في الوصية أم لا؟ وقد مضى ما يبين هذا المعنى في رسم نقدها قبل هذا، وإذا لم يكن في الحائط ثمرة ذلك اليوم، وجب أن تكون له ثمرته فيما يستقبل حياته، لتناول لفظه لذلك تناولا واحدا، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى بعتق وبوصايا:

ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار:
وسئل عن رجل أوصى بعتق، وبوصايا، ثم قال: إن فضل شيء من الثلث فهو لفلان، فاستحق عبد من أولئك العبيد بحرية، فأخذ ثمنه، هل يدخل في ثمنه الذي أوصى له ببقية الثلث؟ أو أهل الوصايا؟ فقال: لا يدخل واحد منهم في ثمن ذلك العبد، وثمنه للورثة، وهم يقاصون به أهل الوصايا.
قال محمد بن رشد: قد قال ابن القاسم بعد هذا في آخر رسم باع شاة: إنه يدخل في ثمن العبد المستحق أهل الوصايا، وإياه اختار ابن زرب، ولكلا القولين وجه فوجه القول: إن الوصايا لا تدخل فيه، هو أنه مال طرأ للموصي لم يعلم به، فوجب ألا تدخل فيه، وأن يكون في ثلث ما بعد العبد المستحق؛ إذ لا تدخل الوصايا فيما لم يعلم به الموصي، وإنما تدخل فيما لم يعلم به المدبر في الصحة، واختلف في دخول المدبر في المرض فيه.
ووجه القول أن الوصايا تدخل فيه لاحتمال أن يكون الموصي قد علم بسبب استحقاقه، وأن الحق يوجب الرجوع بثمنه إن استحق بذلك السبب، فوجب ألا تبطل الوصايا التي أوصى بها إلا بيقين، وأما الموصى له ببقية الثلث، فلا شيء له إلا ما فضل من الثلث بعد العبد المستحق، والوصايا، مثال ذلك: أن يوصي الميت بعتق عبد، قيمته ثلاثون، ويوصي لرجل بخمسة وعشرين، ويترك تسعين دينارا بقيمة العبد، فيعتق العبد بثلاثين دينارا، وتسقط الوصايا لوجوب تبدئة العتق عليها، فإن المستحق العبد بحرية، وجب لأهل الوصايا ثلث ما بقي للميت من مال، بعد العبد المستحق، وذلك عشرون دينارا، واختلف إن أخذ العبد المستحق ثمنا فقيل: يكون للورثة ولا يكون للموصى لهم فيه حق؛ لأنه مال لم يعلم به الميت، وقيل: إنه يكون لأهل الوصايا ما بقي من وصاياهم، وذلك خمسة دنانير في ثلثه، ويكون الباقي للورثة، ولا يكون للموصى له ببقية الثلث فيه حق؛ لأنه إنما أوصى له بما بقي من ثلثه بعد العبد والوصايا.
وقد مضت هذه المسألة في رسم نقدها من هذا السماع، وستأتي في هذا الرسم، وفي آخر رسم باع شاة، وبالله التوفيق.

.مسألة قال داري حبس على فلان وعبدي حبس على فلان:

قال مالك: لو أن رجلا قال: داري حبس على فلان، وعبدي حبس على فلان، فإذا انقرضوا، فالعبد والدار رد على ورثتي، وما بقي من ثلثي فهو لفلان، فينظر في ثلثه، فإذا الدار والعبد قد أحاطا بجميع الثلث، فقيل: للموصى له ببقية الثلث، لا شيء لك؛ لأن الدار والعبد قد أحاطا بجميع الثلث، فقال: قال مالك: إذا انقرض اللذان جعل لهما الدار والعبد، فهو للذي أوصى له ببقية الثلث، وليس للورثة من ذلك شيء، وإن كان حبس ذلك على وارث، فلم يجز ذلك الورثة، حبست تلك الدار والغلام على الورثة، فإذا انقرض الذي جعل ذلك له رجع إلى الذي أوصى له ببقية الثلث قال عيسى: إذا قال: فإذا انقرضا فهو رد على ورثتي، فليس للموصى له ببقية الثلث فيه شيء.
قال محمد بن رشد: استدل عيسى بقول الموصي: فإذا انقرضا فهو رد على ورثتي، على أنه لم يرد أن يجعل للموصى له ببقية الثلث إلا ما بقي بعد قيمة الدار والغلام، ولم ير مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في ذلك من قوله دليلا على هذا، وقوله في هذه المسألة أبين من قول عيسى بن دينار؛ لأنه إنما أراد أن يبين بذلك أن الدار والعبد يرجعان إلى ملكه بموت المحبس عليهما، لا بمرجع الأحباس، وإذا رجعا على ملكه دخلت فيه وصاياه.
وقد مضى في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم لمالك، مثل قوله هاهنا فيما يشبه هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى لأقاربه بثلث ماله هل تدخل القرابة من قبل الأم والأب:

وسئل عن رجل أوصى لأقاربه بثلث ماله، هل يدخل في ذلك قرابته من قبل الأم والأب؟ قال مالك: أراها لقرابته من قبل الرجال، ولا أرى لقرابته من قبل الأم شيئا إلا أن يكون له قرابة من قبل الرجال، فتكون لقرابته من قبل النساء، وهذا الآخر قول ابن القاسم: والنساء والرجال من قبل الأب فيه شرعا سواء. قال عيسى: وقال أشهب: إني لأستحب أن يدخل فيه قرابته من قبل الرجال والنساء لأبيه وأمه.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أنه إذا لم يكن له يوم أوصى قرابة من قبل أبيه، أن الوصية تكون لقرابته من قبل أمه، وإنما اختلف إذا كان له يوم أوصى قرابة من قبل أبيه، هل يدخل معهم قرابته من قبل أمه أم لا؟ فمذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، أنه لا يدخل في ذلك قرابته من قبل الأم، قال في سماع أبي زيد: وإن لم يبق من أهل أمه إلا خال أو خالة، فلا شيء لهم. وقال أشهب: إنه يدخل في ذلك قرابته من الرجال والنساء من قبل أبيه وأمه. قال في كتاب ابن المواز: يبدأ بالفقراء ويعطى بعض الأغنياء، فرأى قسمة ذلك عليهم على وجه الاجتهاد، لا على السواء. وقد اختلف قول ابن القاسم في ذلك في المدونة في الذي يوصي لأخواله وأولادهم، ولا اختلاف في أنه لا دخول للموالي في ذلك، وإنما اختلف فيمن أوصى لقبيلة، هل يدخل في ذلك مواليهم على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنهم لا يدخلون في ذلك، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك. والثاني: أنهم يدخلون في ذلك، وهو قول ابن الماجشون. والثالث: أنه إن قال لبني تميم، لم يدخل في ذلك الموالى، وإن قال ليتمم، دخلوا فيه. وهو قول أشهب وهي تفرقة ضعيفة؛ إذ من القبائل ما لا يحسن أن يقال فيه من بني فلان مثل جهينة، ومزينة، وربيعة، وقيس، وأما إذا أوصى لمساكينه، فإن مواليه يدخلون في ذلك، قاله ابن القاسم، وابن وهب في رسم الوصايا والأقضية من سماع أصبغ بعد هذا من هذا الكتاب. قال ابن وهب: الذين هم موالي عتاقة، فتحصيل هذا أنه إذا أوصى لقرابته، لم يدخل في ذلك الموالي، وإذا أوصى لمساكينه، دخلوا في ذلك، وإذا أوصى لقبيلة، فعلى الاختلاف الذي قد ذكرته. وقد مضى في أول رسم، سماع ابن القاسم، من كتاب الحبس التكلم على الآل والأهل، وبالله التوفيق.