فصل: تفسير الآية رقم (3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (3):

{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)}
{الأول}: لاستحقاقه صفة القِدَم، و{الآخرِ} لاستحالة نعت العدَم.
و{الظاهر}: بالعلو والرفعة، و{الباطن}: بالعلم والحكمة.
ويقال: {الأول} فلا افتتاحَ لوجوده و{الآخر} فلا انقطاعَ لثبوته.
{الظاهر} فلا خفاءَ في جلال عِزِّه، {الباطن} فلا سبيل إلى إدراك حقِّه.
ويقال: {الأول} بلا ابتداء، و{الآخِر} بلا انتهاء، و{الظاهر} بلا خفاء، و{الباطن} بنعت العلاء وعِزِّ الكبرياء.
ويقال: {الأول} بالعناية، {والآخر} بالهداية، و{الظاهر} بالرعاية، و{الباطن} بالولاية. ويقال: {الأول} بالخَلْق، و{الآخِر} بالرزق، و{الظاهر} بالإحياء، و{الباطن} بالإماتة والإفناء. قال تعالى: {اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40]. ويقال: {الأول} لا بزمان، و{الآخر} لا بأوان، و{الظاهر} بلا اقتراب، و{الباطن} بلا احتجاب.
ويقال: {الأول} بالوصلة، و{الآخر} بالخلّة، و{الظاهر} بالأدلة، و{الباطن} بالبعد عن مشابهة الجملة.
ويقال: {الأول} بالتعريف، و{والآخر} بالتكليف، و{والظاهر} بالتشريف و{والباطن} بالتخفيف.
ويقال: {الأول} بالإعلام، {والآخر} بالإلزام، {والظاهر} بالإنعام {والباطن} بالإكرام.
ويقال: {الأول} بأن اصطفاك {والآخر} بأن هداك، {والظاهر} بأن رعاك، {والباطن} بأن كفاك.
ويقال: مَنْ كان الغالبُ عليه اسمه: {الأول} كانت فكرته في حديثِ سابقته: بماذا سمَّاه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حُكْمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟
ومَنْ كان الغالبُ على قلبه اسمه: {الآخِر} كانت فكرته فيه: بماذا يختم له حالَه؟ وإلام يصير مآلُه؟ أَعَلى التوحيد يَخْرُجُ من دنياه أو- والعياذُ بالله- في النارِ غداً- مثواه؟
ومَن كان الغالبُ عل قلبه اسمُه: {الظاهر} فاشتغاله بشكر ما يجرى في الحال من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحُسْنِ الرعاية.
ومَنْ كان الغلبُ على قلبه اسمه: {الباطن} كانت فكرتُه في استبهام أمره عليه فيتعثَّر ولا يدري.... أَفَضْلٌ ما يعامله به ربُّ أم مَكْرٌ ما يستدرجه به ربُّه؟
ويقال: {الأول} علم ما يفعله عبادُه ولم يمنعه عِلْمُه من تعريفهم، {والآخِر} رأى ما عَمِلوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم {والظاهر} ليس يَخْفَى عليه شيءٌ من شأنهم، وليس يَدَعُ شيئاً من إحسانهم {والباطن} يعلم ما ليس لهم به عِلْمٌ من خسرانهم ونقصانهم فيدفع عنهم فنونَ مَحَنهم وأحزانهم.

.تفسير الآية رقم (4):

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)}
قوله جلّ ذكره: {هُوَ الذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}.
مضى الكلام في ذلك.
{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}.
أي ما يدخل فيها من القَطْرِ، والكنوزِ، والبذورِ، والأموات الذين يُدْفَنون فيها، {وما يخرج منها} من النبات وانفجار العيون وما يُسْتَخْرَجُ من المعادن.
{وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ}.
من المطر والأرزاق. أو ما يأتي به الملائكةُ من القضاء والوحي.
{وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}.
أي وما يصعد إليها من الملائكة، وطاعاتِ العِباد، ودعوات الخَلْقِ، وصحف المُكَلَّفين، وأرواح المؤمنين.
{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
{وهو معكم} بالعلم والقدرة.
ويقال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ} إِذا دُفِنَ العَبْدُ فاللَّه سبحانه يعلم ما الذي كان في قلبه من إخلاصٍ في توحيدهِ، ووجوهِ أحزانه خسرانه، وشَكِّه وجحوده، واوصافه المحمودة والمذمومة.... ونحو ذلك مما يخفى عليكم.
{وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ} على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون الأحوال العزيزة.
{وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من أنفاس الاولياء إذا تصاعدت، وحسراتهم إذا عَلَت.

.تفسير الآيات (6- 9):

{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)}
قوله جلّ ذكره: {يُولِجُ الَّيْلَ في النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ في الَّيْلِ}.
مضى معناه.
{ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}.
صَدَّقوا باللَّهِ ورسولِهِ، وتَصَدَّقوا {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} بتمليككم ذلك وتصييره إليكم. والذين آمنوا منكم وتصدَّقوا على الوجه الذي أُمروا به لهم ثوابٌ عظيمٌ؛ فإنَّ ما تحويه الأيدي مُعَرَّضٌ للزوال فالسَّعيدُ مَنْ قَدَّمَ في دنياه مَالَه في الآخرة عمارة حاله، والشقيُّ من سار فيما له في الآخرة وَبالُ مآله.
قوله جلّ ذكره: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
أي شيء لكم في تَرْكِكُم الإيمان بالله وبرسوله، وما أتاكم به من الحشر والنشر، وقد أزاح العِلَّةَ بأنْ ألاَحَ لكم الحُجَّة، وقد أخَذَ ميثاقَكم وقتَ الذَّرِّ، وأوجب عليكم ذلك بحُكم الشَّرْع.
قوله جلّ ذكره: {هُوَ الذي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
ليخرِجَكم من ظلماتِ الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشكِّ إلى نور اليقين.
وكذلك يُريهم في أنفسهم من الآياتِ بكشوفاتِ السِّرِّ وما يحصل به التعريف مما يجدون فيه النفع والخيرَ؛ فيخرجهم من ظلمات التدبير إلى سعة فضاء التفويض، وملاحظة فنون جريان المقادير.
وكذلك إذا أرادت النَّفْس الجنوحَ إلى الرُّخصِ والأخذِ بالتخفيف وما تكون عليه المطالبةُ بالأشَقِّ- فإن بادَرَ إلى ما تدعوه الحقيقةُ إليه وَجَدَ في قلبه من النور ما يَعْلَمُ به ظلمةَ هواجس النَّفْسِ.

.تفسير الآية رقم (10):

{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)}
قوله جلّ ذكره: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيَراثُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ}.
ما في أيديكم ميراثُه الله، وعن قريبٍ سيُنْقَلُ إلى غيركم ولا تبقون بتطاول أحمالكم. وهو بهذا يحثهم علىلصدقةِ والبدارِ إلى الطاعة وتَرْكِ الإخلاد إلى الأمل.. ثم قال:
قوله جلّ ذكره: {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك. بل أولئك اعظم ثواباً وأعلى درجةً من هؤلاء؛ لانَّ حاجةَ الناسِ كانت أكثر إلى ذلك وكان ذلك أشقَّ على أصحابه.
ثم قال: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} إلاَّ انَّ فضيلة السَّبْقِ لهم، ولهذا قالوا:
السابقَ السابقَ قولاً وفعلاً ** حذِّرْ النَّفْسَ حَسْرَةَ المسبوق

.تفسير الآيات (11- 12):

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)}
قوله جلّ ذكره: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}.
المراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييباً لقلوبهم، فكأن المتصدِّق وهو يقرض شيئاً كالذي يقطع شيئاً من ماله ليدفَعه إلى المُسْتَقْرِض.
ويقال: {يُقْرِضُ} أي يفعل فعلاً حسناً، وأراد بالقرض الحسن هاهنا ما يكون من وجهٍ حلالٍ ثم عن طٍيبِ قلبٍ، وصاحبُه مخلِصٌ فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا مَنِّ على الفقير، ولا يُكَدِّره تطويلُ الوعد ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض.
ويقال: أن تقرضه وتقطع عن قلبك حُبَّ الدارين، ففي الخبر: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنًى» ومَنْ لم يتحرَّرْ من شيء فخروجُه عنه تكلُّفٌ.
قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
وهو نورٌ يُعْطَى للمؤمنين والمؤمنات بقَدْر أعمالهم الصاحة، ويكون لذلك النور مطارحُ شعاع يمشون فيها والنورُ يسعى بين أيديهم، ويحيط جيمع جهاتهم.
ويقال: {وَبِأَيْمَانِهِم} كتبهم.
{بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ} أي بشارتكم اليومَ- من الله جنات. وكما أن لهم في العرصة هذا النور فاليومَ لهم في قلوبهم وبواطنهم نورٌ يمشون فيه، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن ينظر بنور الله» وقال تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِّ} [الزمر: 22].
وربما ينبسط ذلك النورُ على مَنْ يَقْربُ منهم. وربما يقع من ذلك على القلوب قَهْراً- ولأوليائه- لا محالةَ- هذه الخصوصية.

.تفسير الآيات (13- 14):

{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)}
قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}.
انتظرونا فنلحق بكم لنقتبسَ من نوركم. وذلك لأن المؤمنين والمنافقين يُعْطَوْن كُتُبهم وهم في في النور، فإذا مَرُّوا , انطفأ النور أمام لمنافقين وسَبقَ المؤمنون، فيقول المنافقون للمؤمنين: انتظرونا حتى نقتبسَ من نوركم. فيقول المؤمنون: {قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَاَلْتَمِسُواْ نُوراً}.
أي إلى الدنيا وأَخلِصوا!- تعريفاً لهم أنهم كانوا منافقِين في الدنيا.
ويقال: ارجعوا إلى حُكْم الأزلِ فاطلبوا هذا من القِسْمة!- وهذا على جهة ضربِ المَثل والاستبعاد.
{فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذابُ}.
{بِسُورٍ}: وهو جَبَلُ أصحاب الاعراف، يستر بينهم وبين المنافقين، فالوجهُ الذي بلي المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذابُ.
{يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ}.
ألم نكن معكم في الدنيا في أحكام الإيمان في المناحكة والمعاشرة؟
قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم.
{وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغُرُورُ}.
تربصتم عن الإخلاص، وشككتم، وغرَّكم الشيطان، وركنتم إلى الدنيا.

.تفسير الآيات (15- 16):

{فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)}
قوله جلّ ذكره: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هي مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ المَصِيرُ}.
النارُ ماواكم ومصيرُكم ومُتَقَلبُكُم.
و{هي مولاكم} أي هي أوْلَى بكم، وبئس المصير!
ويقال: مخالفة الضمائر والسرائر لا تنكتم بموافقة الظاهر، والأسرار لا تنكتم عند الاختبار.
قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيِنَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذَِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهُم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}.
ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تتواضعَ قلوبُهم وتلين لذِكْر اللَّهِ وللقرآنِ وما فيه من العِبَر؟ وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل؟ وأراد بهم اليهودَ، وكثيرٌ من اليهود فاسقون كافرون.
وأراد بطول الأمَدِ الفترةَ التي كانت بين موسى ونبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وفي الخبر: «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَصابتهم ملالةٌ فقالوا: لو حَدّثْتنا».
فأنزل اللَّهُ تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: 23]. فبعد مُدَّةٍ قالوا:
لو قَصَصْتَ علينا!
فأنزل اللَّهُ تعالى: {نَّحْن ُنَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ} [الكهف: 13] فبعد مدةٍ قالوا: لو ذَكَّرتَنا ووَعَظْتَنا!
فأنزل الله تعالى هذه السورة.
وفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء.
وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفة لا تجتمعان؛ فإذا حَصَلت الشهوةُ رَحَلت الصفوة. وموجِبُ القسوة هو انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ. ويقال: موجب القسوة أوَّلُه خَطْرة- فإلمَّ تُتَداركْ صارت فكرة، وإلمّ تُتدَاركْ صارت عزيمة، فإن لم تُتَدَاركْ جَرَت المخالفة، فإن لم تُتداركْ بالتلافي صارت قسوةً وبعدئذ تصيرطَبعاً ورَيْناً.