فصل: تفسير الآيات (1- 3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير سورة البقرة بحول الله ومعونته:

هذه السورة مدنية نزلت في مدد شتى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}.
ويقال لسورة البقرة فسطاط القرآن؛ وذلك لعظمها وبهائها، وما تضمنت من الأحكام والمواعظ.
وفيها خمسمائة حكم وخمسة عشرة مثلا.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش».
ت: وها أنا إن شاء الله أذكر أصل الحدث بكماله؛ لما اشتمل عليه من الفوائد العظيمة خرج الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا بالقرآن، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي؛ كي ما يخبرونكم، وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان؛ فإنه شافع مشفع وماحل مصدق، وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش».
«ماحل» بالمهملة أي: ساع، وقيل: خصم. انتهى من السلاح.
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غيايتان بينهما شرق، أو غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلة من طير صواف تجادلان عن صاحبهما».
ت: أصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان كأنهما غمامان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة».
قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة، فقوله صلى الله عليه وسلم: «غمامتان» يعني سحابتين بيضاوين، والغيايتان بالغين المعجمة.
أبو عبيد: الغياية كل شيء أطل الإنسان فوق رأسه، وهو مثل السحابة.
وفرقان بكسر الفاء، أي: جماعتان. انتهى من السلاح.
وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، فيها آية هي سيدة آي القرآن، هي آية الكرسي».
وفي البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».
وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان».
ت: وعن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه، فقال له: «هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته». رواه مسلم والنسائي.
والنقيض بالنون والقاف هو الصوت. انتهى من السلاح.
وعدد آي سورة البقرة مائتان وخمس وثمانون آية، وقيل: وست وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون.

.تفسير الآيات (1- 3):

{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)}
قوله تعالى: {الم}: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولَيْنِ؛ فقال الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً.
فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها.
وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَا اللَّهُ أرى، وقال قومٌ:........ هي حسابُ أَبِي جَاد؛ لتدلَّ على مدَّة ملَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب، وهو قول أبي العالية وغيره.
* ت *: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، فانظره.
قوله تعالى: {ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}: الاسمُ من {ذَلِكَ}: الذال، والألف، واللام؛ لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب.
واختلف في {ذَلِكَ} هنا؛ فقيل: هو بمعنى هَذَا، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب.
واختلفوا في ذلك الغائب؛ فقيل: ما قد كان نزل في القرآن، وقيل غير ذلك؛ انظره.
و{لاَ رَيْبَ فِيهِ}: معناه: لا شَكَّ فيه، و{هُدًى}: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله: {لِّلْمُتَّقِينَ}: اللفظ مأخوذ من وقى، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه.
قوله تعالى: {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ}. {يُؤْمِنُونَ}: معناه يُصَدِّقون، وقوله: {بالغيب} قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه: يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: {يُقِيمُونَ الصلاة} معناه: يظهرونها ويثبتونها؛ كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ.
* ت *: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها. انتهى.
قال: * ص *: يقيمون الصلاةَ من التقويمِ؛ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ؛ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ؛ ومنه: قام بالأمر. انتهى.
وقوله تعالى: {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ}: الرزْقُ عند أهل السنة ما صَحَّ الانتفاع به، حلالاً كان أو حرامًا، و{يُنفِقُونَ}: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.

.تفسير الآيات (4- 7):

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}
قوله تعالى: {والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ أولئك على هُدًى مِّنْ رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون}: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب؛ كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ؛ وفيه نزلت.
وقوله: {بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ}: يعني القرآن، {وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}، يعني: الكتب السالفة، و{يُوقِنُونَ} معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.
وقوله تعالى: {أولئك على هُدًى مِّنْ رَّبِّهِمْ} إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا: الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.
قوله تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ} إلى {عَظِيمٌ}: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ، ونظرائهم.
والقولُ الأول هو المعتمد عليه.
وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: {خَتَمَ}: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ؛ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة...... لا أنه مجاز؛ فقد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ؛ حتى تَغَلَّقَ قَلْبُهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]» انتهى.
والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: معناه: لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرِهِمْ باللَّهِ، و{عَظِيمٌ}: معناه بالإضافة إِلى عذابٍ دونه.

.تفسير الآيات (8- 12):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}
قوله تعالى: {وَمِنَ الناس مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بالله...} إِلَى {وَمَا يَشْعُرُونَ}. هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ؛ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: {يخادعون الله}، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً؛ لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم.
* ع *: تقول: خادَعْتُ الرجُلَ؛ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى: تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين؛ بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم؛ لحصولهم في العذاب، {وَمَا يَشْعُرُونَ} بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من الشِّعَار؛ كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ.
واختلف، ما الذي نَفَى اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟ فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم؛ لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سِرَّهم ومخادعتهم في قولهم: {ءَامَنَّا}.
قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}، أي: في عقائدهم فسادٌ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمُّهم بظهوره صلى الله عليه وسلم، {فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا}، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل: هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين.
* ت *: لما تكلَّم. * ع *: على تفسير قوله تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء} [الفتح: 6]. قال: كل ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فإِنما هو بمعنى إيجاب الشيء؛ لأنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ} [الهمزة: 1]، {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1]، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي: مؤلم، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ في الأرض} أي: بالكفر وموالاةِ الكفرةِ؛ ولقول المنافقين: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ثلاثُ تأويلاتٍ:
أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق.
والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ؛ من حيث هم قرابةٌ توصل.
والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.
و{أَلاَ}: استفتاحُ كلامٍ، ولكن: حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن اللَّه يفْضَحُهم.

.تفسير الآيات (13- 16):

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)}
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَا ءَامَنَ الناس...} الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.
وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ...} الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه؛ مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما: هم رؤساء الكفر، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: {إلى شياطينهم}، أي: أصحابهم من المنافقين والمشركين.
قال: * ص *: شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرِّد من الجنِّ والإِنْسِ والدوابِّ. قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة. انتهى.
* ت *: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» رواه أبو داود، وفيه عنه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ» انتهى. من سنن أبي داود.
{الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ}: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء: هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ؛ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن.
* ت *: وقوله تعالى: {قِيلَ ارجعوا وَرَاءَكُمْ فالتمسوا نُوراً} [الحديد: 13] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ. انتهى.
وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجُهُمْ بُدرُور النعم الدنيوية، و{يمدُّهم}، أي: يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم، والطغيان الغُلُوُّ وتعدِّي الحدِّ؛ كما يقال: طَغَى المَاءُ، وَطَغَتِ النَّارُ و{يَعْمَهُونَ}: معناه: يتردَّدون حيرةً، والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النَّظَر، والعَامِهُ الذي كأنه لا يُبْصِرُ.