فصل: تفسير الآيات (243- 244):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (239):

{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)}
أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبخاري وابن جرير والبيهقي من طريق نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإِمام وطائفة من الناس فيصلي بهم الإِمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإِمام وقد صلى ركعتين، فتقوم كل واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإِمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، وإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً أو قياماً على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي من طريق نافع عن ابن عمر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدوّ، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة. قال: وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكباً أو قائماً تومئ إيماء».
وأخرج ابن ماجة من طريق نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف «أن يكون الإِمام يصلي بطائفة معه فيسجدون سجدة واحدة وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو، ثم ينصرف الذين سجدوا السجدة مع أميرهم، ثم يكونوا مكان الذين لم يصلوا ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلوا مع أميرهم سجدة واحدة، ثم ينصرف أميرهم وقد صلى صلاته، ويصلي كل واحد من الطائفتين بصلاته سجدة لنفسه، فإن كان خوفاً أشد من ذلك فرجالاً أو ركباناً».
وأخرج البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة المسايفة ركعة، أي وجه كان الرجل يجزئ عنه، فإن فعل ذلك لم يعده».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} قال: يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه {فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} يعني كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: {فرجالاً أو ركباناً}.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فرجالاً} قال: مشاة {أو ركباناً} قال: لأصحاب محمد على الخيل في القتال، إذا وقع الخوف فليصلّ الرجل إلى كل جهة، قائماً أو راكباً أو ما قدر على أن يومئ إيماء برأسه أو يتكلم بلسانه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: أحل الله لك إذا كنت خائفاً أن تصلّي وأنت راكب، وأنت تسعى وتومئ إيماء حيث كان وجهك للقبلة، أو لغير ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} قال: هذا في العدو يصلي الراكب والماشي يومئون إيماء حيث كان وجوههم، والركعة الواحدة تجزئك.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد قال: يصلي ركعتين، فإن لم يستطع فركعة، فإن لم يستطع فتكبيرة حيث كان وجهه.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} قال: ركعة ركعة.
وأخرج أبو داود عن عبدالله بن أنيس قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: اذهب فاقتله. قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك. قال: إني لفي ذلك. فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد».
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم في قوله: {إن خفتم فرجالاً أو ركباناً} قال: إذا حضرت الصلاة في المطادرة فأومئ حيث كان وجهك، واجعل السجود أخفض من الركوع.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: {فرجالاً أو ركباناً} قال: ذلك عند الضراب بالسيف تصلي ركعة إيماء حيث كان وجهك، راكباً كنت أو ماشياً أو ساعياً.
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وأبو يعلى والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك، وذلك قوله: {وكفى الله المؤمنين القتال} [ الأحزاب: 25] فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأقام لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن ينزل عليه {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً}».
وأخرج وكيع وابن جرير عن مجاهد {فإذا أمنتم} قال: خرجتم من دار السفر إلى دار الإِقامه.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: {فإذا أمنتم} فصلوا الصلاة كما افترض عليكم، إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة.

.تفسير الآية رقم (240):

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)}
أخرج البخاري والبيهقي في سننه عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: {والذين يتوفون منكم...} الآية. قال: كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج.
وأخرج ابن جرير عن عطاء في الآية قال: كان ميراث المرأة من زوجها أن تسكن إن شاءت من يوم يموت زوجها إلى الحول، يقول {فإن خرجن فلا جناح عليكم} ثم نسخها ما فرض الله من الميراث.
وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} قال: نسخ الله ذلك بآية الميراث، بما فرض الله لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق ابن سيرين عن ابن عباس. أنه قام يخطب الناس، فقرأ لهم سورة البقرة، فبين لهم منها فأتى على هذه الآية {إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين} [ البقرة: 180] فقال: نسخت هذه، ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية {والذين يتوفون منكم} إلى قوله: {غير إخراج} فقال: وهذه.
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن جابر بن عبدالله قال: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حسبها الميراث.
وأخرج أبو داود في ناسخه والنسائي عن عكرمة في قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول} قال: نسخها {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} [ البقرة: 234].
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم في قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم} قال: كانت المرأة يوصى لها زوجها بنفقة سنة ما لم تخرج وتتزوج، فنسخ ذلك بقوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} [ البقرة: 234] فنسخت هذه الآية الأخرى، وفرض عليهن التربص أربعة أشهر وعشراً، وفرض لهن الربع والثمن.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم عن قتادة في الآية قال: كانت المرأة يوصي لها زوجها بالسكنى والنفقة ما لم تخرج وتتزوج، ثم نسخ ذلك وفرض لها الربع ان لم يكن لزوجها ولد، والثمن ان كان لزوجها ولد، ونسخ هذه الآية قوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} [ البقرة: 234] فنسخت هذه الآية الوصية إلى الحول.
وأخرج ابن راهويه في نفسيره عن مقاتل بن حيان «أن رجلاً من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد رجال ونساء ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة فرفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعطى الوالدين وأعطى أولاده بالمعروف، ولم يعط امرأته شيئاً غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول، وفيه نزلت {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً...} الآية».
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف} قال: النكاح الحلال الطيب.

.تفسير الآيات (241- 242):

{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)}
أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله: {متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي بعدها قوله: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [ البقرة: 237] نسخت {وللمطلقات متاع بالمعروف}.
وأخرج عن عتاب بن خصيف في قوله: {للمطلقات متاع} قال: كان ذلك قبل الفرائض.
وأخرج مالك وعبد الرزاق والشافعي وعبد بن حميد والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعاً.
وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: لكل مؤمنة طلقت حرة أو أمة متعة، وقرأ {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين}.
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبدالله قال: «لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لزوجها. متعها. قال: لا أجد ما أمتعها. قال: فإنه لا بد من المتاع، متعها ولو نصف صاع من تمر».
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} قال: لكل مطلقة متعة.
وأخرج عبد بن حميد عن يعلى بن حكيم قال: قال رجل لسعيد بن جبير: المتعة على كل أحد هي؟ قال: لا. قال: فعلى من هي؟ قال: على المتقين.
وأخرج البيهقي عن قتادة قال: طلق رجل امرأته عند شريح فقال له شريح: متعتها؟ فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة، إنما قال الله: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المحسنين، وليس من أولئك.
وأخرج البيهقي عن شريح أنه قال لرجل فارق امرأته: لا تأبَ أن تكون من المتقين، لا تأبَ أن تكون من المحسنين.
وأخرج الشافعي عن جابر بن عبدالله قال: نفقة المطلقة ما لم تحرم، فإذا حرمت فمتاع بالمعروف.

.تفسير الآيات (243- 244):

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)}
أخرج وكيع والفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا. فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعة آلاف من أهل قرية يقال لها داوردان، خرجوا فارين من الطاعون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي عن أبي مالك في الآية قال: كانت قرية يقال لها داوردان قريب من واسط، فوقع فيهم الطاعون، فأقامت طائفة وهربت طائفة، فوقع الموت فيمن أقام وسلم الذين أجلوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا إليهم، فقال الذين بقوا: اخواننا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا سلمنا، ولئن بقينا إلى أن يقع الطاعون لنصنعن كما صنعوا.
فوقع الطاعون من قابل فخرجوا جميعاً، الذين كانوا أجلوا والذين كانوا أقاموا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فساروا حتى أتوا وادياً فسيحا فنزلوا فيه وهو بين جبلين، فبعث الله إليهم ملكين، ملكاً بأعلى الوادي وملكاً بأسفله، فناداهم: أن موتوا فماتوا. فمكثوا ما شاء الله، ثم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فرأى تلك العظام فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض كل عظم من جسد التزق بجسده، فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء.
فرجعوا إلى بلادهم فأقاموا لا يلبسون ثوباً إلا كان عليهم كفناً دسماً، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك قال أسباط: وقال منصور عن مجاهد: كان كلامهم حين بعثوا أن قالوا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت... !
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله تعالى {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} قال: هم من أذرعات.
وأخرج عن أبي صالح في الآية قال: كانوا تسعة آلاف.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} قال: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم.
وأخرج ابن جرير عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينا عمر يصلي ويهوديان خلفه قال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فلما انتعل عمر قال: أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو؟ قالا: إنا نجده في كتابنا قرناً من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله. فقال عمر: ما نجد في كتاب الله حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى. قال: أما تجد في كتاب الله {ورسلا لم نقصصهم عليك} [ النساء: 164]؟ فقال عمر: بلى. قال: وأما احياء الموتى فسنحدثك أن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطاً حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل، فقام عليهم فقال ما شاء الله، فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف...} الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن هلال بن يساف في الآية قال: هؤلاء قوم من بني إسرائيل، كانوا إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم فاستحر القتل على المقيمين ولم يصب الآخرين شيء، فلما كان عام من تلك الأعوام قالوا: لو صنعنا كما صنعوا نجونا، فظعنوا جميعاً فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاماً تبرق، فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد، فمر بهم نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك. فقال: قل كذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تركب، ثم تكلم فإذا العظام تكسى لحماً، ثم تكلم فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون، ثم قيل لهم {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم}.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال: هم قوم فروا من الطاعون، فأماتهم الله قبل آجالهم عقوبة ومقتاً، ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم.
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه. أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل من بوزى وهو ابن العجوز، وإنما سمي ابن العجوز لأنها سألت الله الولد وقد كبرت فوهبه لها، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في كتابه في قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن وهب قال: أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة من زمان، فشكوا ما أصابهم وقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه، فأوحى الله إلى حزقيل أن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا واستراحوا، وأي راحة لهم في الموت، أيظنون أني لا أقدر على أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلاف قال وهب: وهم الذين قال الله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} فقم فناد فيهم، وكانت عظامهم قد تفرقت كما فرقتها الطير والسباع، فنادى حزقيل: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم معاً، ثم قال: أيتها العظم إن الله يأمرك أن ينبت العصب والعقب، فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب، ثم نادى جزقيل فقال: أيتها العظام ان الله يأمرك أن تكتسي اللحم.
فاكتست اللحم وبعد اللحم جلداً فكانت أجساداً، ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك. فقاموا بإذن الله فكبروا تكبيرة رجل واحد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} يقول: عدد كثير خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله تعالى {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} وهم الذين قالوا لنبيهم {ابعث ملكاً نقاتل في سبيل الله} [ البقرة: 246].
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريرج عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم ثم أحياهم فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله: {وقاتلوا في سبيل الله}.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: خرجوا فراراً من الطاعون وهم ألوف ليست الفرقة أخرجتهم كما يخرج للحرب والقتال قلوبهم مؤتلفة، فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة قال الله لهم: موتوا، ومر رجل بها وهي عظام تلوح، فوقف ينظر فقال: {أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام} [ البقرة: 259].
وأخرج البخاري والنسائي عن عائشة قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء وجعله رحمة للمؤمنين، فليس من رجل يقع الطاعون ويمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد».
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه».
وأخرج سيف في الفتوح عن شرحبيل بن حسنة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فإن الموت في أعناقكم، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها فإنه يحرق القلوب».
وأخرج عبد بن حميد عن أم أيمن «أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بعض أهله فقال: وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت».
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الطواعين وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون. قلت: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف».
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن خزيمة والطبراني عن جابر بن عبد الله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الإِسلام اقرضوا الله من أموالكم يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة. فقال له ابن الدحداحة: يا رسول الله لي مالان مال بالعالية ومال في بني ظفر، فابعث خارصك فليقبض خيرهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن عمر: انطلق فانظر خيرهما فدعه واقبض الآخر، فانطلق فأخبره فقال: ما كنت لاقرض ربي شر ما أملك ولكن أقرض ربي خير ما أملك، إني لا أخاف فقر الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رب عذق مدلل لابن الدحداح في الجنة».
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: «استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمراً فلم يقرضه قال: لو كان هذا نبياً لم يستقرض، فأرسل إلى أبي الدحداح فاستقرضه فقال: والله لأنت أحق بي وبمالي وولدي من نفسي، وإنما هو مالك فخذ منه ما شئت واترك لنا ما شئت، فلما توفي أبو الدحداح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة».
وأخرج ابن اسحق وابن المنذر عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...} الآية. في ثابت بن الدحداحة حين تصدق بماله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قال: النفقة في سبيل الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذه الآية قال: أنا أقرض الله، فعمد إلى خير مال له فتصدق به.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو.
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج إلا لألقاه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة فقلت له؟ فقال: ليس هذا قلت: ولم يحفظ الذي حدثك، إنما قلت أن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف».