فصل: النَّوْع الْحَادِي عشر: قتل الدَّوَابّ المؤذية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الذخيرة (نسخة منقحة)



.النَّوْعُ التَّاسِعُ: التَّصْوِير:

فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَجُوزُ عَمَلُ التَّمَاثِيلِ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَال لَهُم أحيوا مَا خلقْتُمْ» وَقَوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ» وَالْمحرم من ذَلِك بِإِجْمَاع مَاله ظلّ قَائِم على صفة مَا يحيى مِنَ الْحَيَوَانِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الرُّسُومِ فِي الْحِيطَانِ وَالرُّقُومِ فِي السُّتُورِ الَّتِي تُنْشَرُ أَوِ الْبُسُطِ الَّتِي تُفْرَشُ أَوِ الْوَسَائِدِ الَّتِي يرتفق بهَا مَكْرُوهَةٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ فِي صَحِيحِ الْأَقْوَالِ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ وَالتَّعَارُضُ شُبْهَةٌ وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ يَحْرُمُ الْجَمِيعُ مَرْسُومٌ فِي حَائِطٍ أَوْ سُتُرٍ أَوْ غَيره وَإِبَاحَةُ الْجَمِيعِ وَإِبَاحَةُ غَيْرِ الْمَرْسُومِ فِي الْحِيطَانِ وَالرُّقُومِ فِي السُّتُرِ الَّتِي تُعَلَّقُ وَلَا تُمْتَهَنُ بِالْبَسْطِ وَالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَالَّذِي يُبَاحُ لِلَعِبِ الْجَوَارِي بِهِ مَا كَانَ غير تَامّ الخلفة لَا يحيى مَا كَانَ صُورَتُهُ فِي الْعَادَةِ كَالْعِظَامِ الَّتِي يُعْمَلُ لَهَا وُجُوهٌ بِالرَّسْمِ كَالتَّصْوِيرِ فِي الْحَائِطِ وَقَالَ أَصْبَغُ الَّذِي يُبَاحُ مَا يُسْرِعُ لَهُ البلا قَالَ فِي الْبَيَانِ وَإِنَّمَا اسْتُخِفَّ الرُّقُومُ فِي الثِّيَابِ لِأَنَّهَا رسوم لَا أجاسد لَهَا وَلَا ظلّ شبه الْحَيَوَان وَلَا يحيى فِي الْعَادَةِ مَنْ هُوَ هَكَذَا وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى مَا يُمْكِنُ لَهُ رُوحٌ فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَجَازَ لَعِبُ الْجَوَارِي بِهَذِهِ الصُّوَرِ النَّاقِصَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْلَمُ بِلَعِبِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِهَا وَبِسَيْرِهَا إِلَيْهَا فَيَجُوزُ عَمَلُهَا وَبَيْعُهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَهْذِيبُ طِبَاعِ النِّسَاءِ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ كَمَا أُلْهِمَ كُلُّ نَبِيٍّ فِي صغره رِعَايَة الْغنم ليتعود سِيَاسَةِ النَّاسِ لِأَنَّهُ فِي الْغَنَمِ يَمْنَعُ قَوِيَّهَا عَنْ ضَعِيفِهَا وَيَسِيرُ بِسَيْرِ أَدْنَاهَا وَيَرْفُقُ بِصِغَارِهَا وَيُلِمُّ شَعَثَهَا فِي سَقْيِهَا وَمَرْعَاهَا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِأُمَّتِهِ عِنْدَ نُبُوَّتِهِ.

.النَّوْعُ الْعَاشِرُ وَشْمُ الدَّوَابِّ وَخِصَاؤُهَا:

وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ يَجُوزُ خِصَاءُ الْغَنَمِ دُونَ الْخَيْلِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَجْبُوبَيْنِ لِأَنَّ الْغَنَمَ تُرَادُ لِلْأَكْلِ وَخِصَاؤُهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَرُبَّمَا حَسَّنَهُ وَالْخَيْلُ تُرَادُ لِلرُّكُوبِ وَالْجِهَادِ وَهُوَ يُنْقِصُ قُوَّتَهَا وَيَقْطَعُ نَسْلَهَا وَيكرهُ وسم الْحَيَوَانِ فِي الْوَجْهِ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَتَشْوِيهٌ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ لِمَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ مِنْ عَلَامَاتِ مَوَاشِيهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَتُوسَمُ الْغَنَمُ فِي أَذْنَابِهَا لِتَعَذُّرِهِ فِي أَجْسَادِهَا لِأَنَّهُ يَغِيبُ بِالصُّوفِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مَنْ لَهُ سِمَةٌ قَدِيمَةٌ فَأَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يُحْدِثَ مِثْلَهَا مُنِعَ خَوْفَ اللَّبْسِ وَيُكْرَهُ خِصَاءُ الْخَيْلِ دُونَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا كَلَبَ الْفَرَسُ وَخَبُثَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْصَى وَيَجُوزُ إِنْزَاءُ حِمَارٍ عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيَّةٍ وَإِذَا خَبُثَ الْفَحْلُ أُنْزِيَ عَلَيْهِ فَحْلٌ مِثْلُهُ فَرَسٌ لِيَكْسَرَهُ قَالَ مَالِكٌ مَا أُحَرِّمُهُ وَمَا هُوَ بالْحسنِ.

.النَّوْع الْحَادِي عشر: قتل الدَّوَابّ المؤذية:

وَفِي الْمُوَطَّأِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ وَفِي الصِّحَاحِ إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئا فأذنوه ثَلَاثَة أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ وَفِي الْمُنْتَقَى ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِحَيَّاتِ الْبُيُوتِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُؤْخَذَ بِذَلِكَ فِي بُيُوتِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ لَفْظَ الْبُيُوتِ عَامٌّ وَقِيلَ لِلْعَهْدِ فِي بُيُوتِ الْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا تُنْذَرُ الْحَيَّاتُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ خَاصَّةً وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ مَا عَلَى ظَهْرِهِ خطان والأبتر الأفعى وَقَالَ النَّضر ابْن شُمَيْلٍ هُوَ صِنْفٌ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ لَا تَنْظُرُ لَهُ حَامِلٌ إِلَّا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَيَتَحَمَّلُ أَنْ يُقْتَلْنَ بِغَيْرِ إِنْذَارٍ وَيُخَصُّ الْعُمُومُ بِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُؤْمِنَ الْجَانِّ لَا يَتَصَوَّرُ بِصُورَتِهِمَا وَسَرَى النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ جِنَانِ الْبُيُوتِ قَالَ نِفْطَوَيْهِ الْجِنَانُ الْحَيَّاتُ لِأَنَّهَا تُسْجَنُ فِي الْبُيُوتِ فِي الشُّقُوقِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ هِيَ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قِرَدَةً قَالَ مَالِكٌ لَا يُعْجِبُنِي قَتْلُ النَّمْلِ وَالدُّودِ فَإِنَّ آذَى النَّمْلُ فِي السَّقْفِ وَقَدَرْتُمْ أَنْ تُمْسِكُوا عَنْهَا فَافْعَلُوا وَإِنْ أضربت وَلَمْ تَقْدِرُوا فَوَاسِعٌ وَكَذَلِكَ الضِّفْدِعُ فَفِي مُسْلِمٍ نهي النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالصُّرَدِ وَكَرِهَ قَتْلَ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ فِي النَّارِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» قَالَ ابْنُ دِينَارٍ يُنْذِرُ الْحَيَّاتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ قَالَ مَالك يُجزئ من الْإِنْذَار أخرج بِاللَّهِ عَلَيْكَ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَبْدُوَ لَنَا أَو تؤذينا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَيَّاتِ مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَيْنَاهُنَّ وَمَنْ تَرَكَهُنَّ خَوْفَ شَرِّهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا قَالَ أَحْمَدُ ابْن صَالح الْعَدَاوَة من حِين خُرُوج آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضكُم لبَعض عَدو} وَقَوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ يَحْتَمِلُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُسَلَّطُ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ قَتْلِهِ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يجوز قتل الْحَيَّات بِالْمَدِينَةِ إِلَّا بعد الاستيذان ثَلَاثًا إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُقْتَلَ حَيَّاتُ الْبُيُوتِ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ إِلَّا بعد الاستيذان ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ لِاحْتِمَالِ اللَّامِ لِلْعَهْدِ بِخِلَافِ حَيَّاتِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا حَيَّاتُ الصَّحَارِي وَالْأَوْدِيَةِ فَتُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِبَقَائِهَا على الْأَمر بقتلها بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَتُقْتَلُ الْوَزَغُ حَيْثُ مَا وجدت لقَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُسْلِمٍ مَنْ قَتَلَهَا مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً وَهَذِهِ نَقْصٌ عَلَى قَاعِدَةِ كَثْرَةِ الْأُجُورِ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ لِأَنَّ تَأْخِيرَ قَتْلِهَا لِلضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ دَلِيلُ التَّهَاوُنِ فَحَضَّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِكَثْرَةِ الْأَجْرِ فِي الْأُولَى وَتُقْتَلُ الْفَوَاسِقُ الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَلَا تقتل الْأَرْبَع النَّحْلَةُ لِنَفْعِهَا وَقِلَّةِ لَحْمِهَا وَالنَّمْلَةُ إِلَّا أَنْ تُؤْذِيَ وَكَذَلِكَ قَتْلُ مَا يُؤْذِي مِنْ جَمِيعِ الدَّوَابِّ إِلَّا بِالنَّارِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ إِنَّمَا جَاءَ الِاسْتِئْذَانُ فِي الْمَدِينَةِ وَأُرَاهُ حَسَنًا فِي غَيْرِهَا وَفِي الْجَوَاهِرِ فِي إِلْحَاقِ بُيُوتِ غَيْرِ الْمَدِينَةِ بِبُيُوتِ الْمَدِينَةِ فِي تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذَانِ قَبْلَ الْقَتْلِ اخْتِلَافٌ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ التَّسْوِيَةَ وَحَيْثُ قُلْنَا بِالِاسْتِئْذَانِ فَفِي غَيْرِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرِ وَيُفْعَلُ الِاسْتِئْذَانُ الْمَشْرُوعُ فِي خَرْجَةٍ وَاحِدَةٍ وَقِيلَ فِي كُلِّ خَرْجَةٍ دَفْعَةٌ وَقِيلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْأَوَّلَ وَعَنْهُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَنْشُدُكُمُ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُم سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَن لَا تُؤْذِيَنَّا أَوْ تَظْهَرْنَ لَنَا وَعَنْ مَالِكٍ يَا عبدا لله إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكُنْتَ مُسْلِمًا فَلَا تؤذينا وَلَا تسعفنا وَلَا تروعنا وَلَا تبدوا لَنَا فَإِنَّكَ إِنْ تَبْدُ لَنَا بَعْدَ ثَلَاثٍ قتلناك وَعنهُ تَقول لَهُ أخرج عَلَيْك باسم الله أَن لَا تبدو لنا وَعنهُ يخرج ثَلَاث مَرَّات أَن لَا تَبْدُوَ لَنَا وَلَا تَخْرُجَ فَائِدَةٌ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَانِّ وَالْمَلَائِكَةِ التَّحَوُّلَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شاؤوا غَيْرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقْصِدُ الصُّوَرَ الْحَسَنَةَ وَالْجَانَّ لَا يَنْضَبِطُ حَالُهَا بَلْ بِحَسَبِ أَخْلَاقِهَا وَخَسَاسَتِهَا وَنَفَاسَتِهَا وَأَيُّ صُورَةٍ فِيهَا الْجِنُّ صَارَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ خَوَاصُّهَا فَفِي الْحَيَّةِ يَصِيرُ السُّمُّ وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ وَفِي الْغَنَمِ طِيبُ اللَّحْمِ وَعَدَمُ الْإِيذَاءِ وَفِي الْحِمَارِ الْحَمْلُ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الصُّوَرِ وَلَا تَزَالُ لَهُ تِلْكَ الصُّورَةُ وَخَوَاصُّهَا حَتَّى يَتَحَوَّلَ مِنْهَا فَإِنْ بُودِرَ لِقَتْلِهِ فِيهَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّحْوِيلُ وَمَعَ فَرْطِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ تَقْتُلُهُمْ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْجِزُونَ عَنْ فَتْحِ الْبَابِ الْمُغْلَقِ وَكَشْفِ الْإِنَاءِ الْمُغَطَّى إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لُطِّفَ بِبَنِي آدَمَ وَيَسْرِي فِي مَجَارِي جِسْمِهِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْعَرَقُ إِلَى قَلْبِهِ لِأَنَّهُ أَلْطَفُ مِنْ مَاءِ الْعَرَقِ بَلْ مِنْ مُطْلَقِ الْمَاءِ فَيَسَعُهُ مَجْرَى الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» سُؤَالٌ إِذَا صَارَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صُورَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ أَيْنَ يَذْهَبُ بَقِيَّةُ جَسَدِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَإِنْ قُلْتُمْ بَاقٍ لَزِمَ تَدَاخُلُ الْأَجْسَامِ الْكَثِيرَةِ فِي الْأَحْيَازِ الْقَلِيلَةِ وَإِنْ قُلْتُمْ غَيْرُ بَاقٍ فَمَا هَذَا جِبْرِيلُ بَلْ خَلْقٌ آخَرُ جَوَابُهُ جُعِلَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَوَاهِرُ أَصْلِيَّةٌ تَرِدُ عَلَيْهَا الْكَثْرَةُ وَتَذْهَبُ كَمَا جُعِلَ لِلْإِنْسَانِ جَوَاهِرُ أَصْلِيَّةٌ يَرِدُ عَلَيْهَا السِّمَنُ وَالْهُزَالُ وَالتَّحَلُّلُ وَاخْتِلَافُ الْغَدَاء فَيَتَبَدَّلُ جِسْمُ الْإِنْسَانِ فِي عُمْرِهِ مِرَارًا بِالتَّحَلُّلِ والاغتداء وَجَوَاهِرُهُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي يُشِيرُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ أَنَا بَاقِيَةٌ مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ فَكَذَلِكَ الْمَلَكُ وَالْجَانُّ.
فرع:
فِي الْبَيَانِ كَرِهَ مَالِكٌ وَضْعَ الثَّوْبِ عَلَى النَّارِ بِخِلَافِ الشَّمْسِ لِمَا يُخْشَى مِنْ حَرْقِ الْحَيَوَانِ.

.النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ السَّلَام:

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ «لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَتَحَابُّوا وَهَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا بِهِ تَتَحَابُّونَ أَفْشُوا السَّلَام بَيْنكُم» وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْم رجل وَاحِد أَجْزَأَ عَنْهُم» وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
«إِن الْيَهُود إِذْ سلم عَلَيْكُم أحدهم إِنَّمَا يَقُول السَّلَام عَلَيْكُمْ فَقُلْ عَلَيْكَ كلهَا» فِي الْمُوَطَّأ قَالَ صَاحب المنتفى قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي مَعْنَاهُ يَبْدَؤُهُ بِالسَّلَامِ وَيَرُدُّ الْآخَرُ عَلَيْهِ وَابْتِدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ وَرَدُّهُ وَاجِب قَالَ الْبَراء بن عَازِب أمرنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَصْرِ الضَّعِيفِ وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَوُجُوبُ الرَّدِّ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} وَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ حَقُّهُ بِالْبُدَاءَةِ وَصِفَةُ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيَقُولَ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ أَوِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كَمَا قِيلَ لَهُ وَوَقَعَ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِالْوَاوِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُجَاوِبًا بَلِ الْآخَرُ مُبْتَدِئٌ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَكَانَ الرَّاكِبُ يَبْدَأُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَاشِي فِي الدُّنْيَا وَالْأَفْضَلُ أَوْلَى بِالتَّكْلِيفِ وَلِأَنَّهُ أَقْدَرُ فَالْخَوْفُ مِنْهُ أَشَدُّ فَنَاسَبَ أَنْ يُؤمن بِالسَّلَامِ وَلِأَنَّهُ يَنْفِي الكبرعن الرَّاكِبِ وَيُسَلِّمُ الْمَارُّ عَلَى الْجَالِسِ لِأَنَّهُ لِقِيَامِهِ أَقْوَى عَلَى الْبَطْشِ أَوْ لِأَنَّ الْجَالِسَ لَوْ كُلِّفَ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الْمَارِّينَ لَشَقَّ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا الرَّدُّ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمُرُورِ وَالِالْتِقَاءِ ابْتَدَأَ مَنْ حَقُّهُ أَقَلُّ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَدْنَى مَأْمُورٌ بِبِرِّ الْأَعْلَى وَفِي الْحَدِيثِ «يُسَلِّمُ الْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ» لِأَنَّ الْكَثِيرَ طَاعَةُ اللَّهِ مِنْهُمْ أَكْثَرُ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ عِبَادَاتِهِمْ فَيَتَعَيَّنُ بِرُّهُمْ عَلَى الْقَلِيلِ وَبِرُّ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَسْقُطُ بِوَاحِدٍ وَأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُ الْجَمِيعَ الرَّدُّ لَنَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالْقِيَاسُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَيَنْتَهِي السَّلَامُ لِلْبَرَكَةِ وَلَا يُزَادُ عَلَى الثَّلَاثِ كَلِمَاتٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُصَافَحَةُ حَسَنَةٌ وَعَنْ مَالِكٍ النَّاسُ يَفْعَلُونَهَا وَأَمَّا أَنَا فَلَا.
أَفْعَلُهُ، لِأَنَّ السَّلَامَ يَنْتَهِي لِلْبَرَكَةِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ مَمْنُوعٌ كَالْمُعَانَقَةِ وَأَجَازَهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَكَانَتْ فِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ السَّلَامَ عَلَى الْمُتَجَالَّةِ بِخِلَافِ الشَّابَّةِ لِأَنَّ الْهَرِمَةَ لَا فِتْنَةَ فِي كَلَامِهَا وَالسَّلَامُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ لِقَاءِ كُلِّ مُسْلِمٍ عَرَفْتَهُ أَمْ لَا إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَي السَّلَام خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتُقْرِئُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» وَابْتِدَاءُ الذِّمِّيِّ بِالسَّلَامِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ فَإِنْ قَالُوا شَرًّا عَادَ عَلَيْهِمْ فَفِي الْحَدِيثِ «إِذْ سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ» فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ خَاصَّةً بِالْمُسْلِمِينَ فِي الرَّدِّ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ فَلَا يَسْتَقِيلُهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر أَنه استقاله لَيْلًا يَعْتَقِدَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَلَا أَهْلِ الْأَهْوَاءِ تَأْدِيبًا لَهُمْ وَفِي الْمُوَطَّأِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِالسُّوقِ وَلَا يَمُرُّ عَلَى سَقَاطٍ وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا عَبْدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعَلَيْكَ أَلْفًا كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ الطَّيْرُ الَّتِي تَغْدُو وَتَرُوحُ قَالَ الْبَاجِيُّ وَيُحْتَمَلُ الْمَلَائِكَةُ الْحَفَظَةُ الْغَادِيَةُ الرَّائِحَةُ قُلْتُ الَّذِي يُنَاسِبُ الْكَلَامَ أَنَّ الْغَادِيَاتِ وَالرَّائِحَاتِ الْخَيْرَاتُ وَالْبَرَكَاتُ وَالنِّعَمُ الَّتِي تَغْدُو أَوَّلَ النَّهَارِ عَلَيْهِ وَتَرُوحُ بَعْدَ الزَّوَالِ، لِأَنَّ الْحَرَكَاتِ قَبْلَ الزَّوَالِ تُسَمَّى غَدْوًا وَبَعْدَهُ رَوَاحًا وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَيْكَ أَلْفًا قَالَ ابْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَلْفٌ كَسَلَامِكَ عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ لِتَعَمُّقِهِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْبَرَكَةِ ثمَّ كره كَونه أَيْضا تجاوزوا فِي الْمُوَطَّأ مَالك بَلَغَهُ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ غَيْرَ الْمَسْكُونِ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ قَالَ الْبَاجِيُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ كَمَا يَفْعَلُهُ فِي التَّشَهُّدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلمُوا على أَنفسكُم} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَقُولُوا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَإِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ مَنْزِلَهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ يُقَالُ السَّلَامُ مُعَرَّفًا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَمُنَكَّرًا سَلَامًا عَلَيْكُمْ فَإِنْ نُكِّرَ فَهُوَ مَصْدَرٌ تَقْدِيرُهُ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مِنِّي سَلَامًا فَأَلْقِ عَلَيَّ سَلَامًا مِنْكَ وَإِنْ عُرِّفَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُعَرَّفًا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَاهُ اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْكَ وَالسُنَّةُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ عَلَى عَلَيْكَ وَيُكْرَهُ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَفِي أَبِي دَاوُدَ قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكَ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّت يُشِير صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ اللُّغَةُ فِي قَوْلِهِمْ:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ** وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَن يترحما

وكقولك الْآخَرِ:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ مِنِّي وَبَارَكَتْ ** يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ.

فرع:
فِي الْمُقَدِّمَاتِ يُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْيَدِ فِي السَّلَامِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنَ السَّفَرِ فَيُقَبِّلُ غُلَامُهُ يَدَهُ فَقَالَ تَرْكُهُ أَحْسَنُ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْهَى مَوْلَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالِاعْتِقَادِ صَارَ أَخَاهُ فِي اللَّهِ فَلَعَلَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَلَا يَنْهَاهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ الْيَهُودُ مُخْتَبِرِينَ لَهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهَا قَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.
فرع:
قَالَ يَنْبَغِي فِي الرَّدِّ عَلَى الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأ فَإِن تحققت أَنهم قَالُوا السَّلَام عَلَيْكَ وَهُوَ الْمَوْتُ أَوِ السِّلام بِكَسْرِ السِّينِ وَهُوَ الْحِجَارَةُ فَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ وَعَلَيْكَ بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا لِمَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّلَام عَلَيْكُم فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْكُم فَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا السَّلَام عَلَيْكُمْ وَلَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَيْكِ بِالْحِلْمِ وَإِيَّاكِ وَالْجَهْلَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا فَقَالَ سَمِعْتِ مَا رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَاسْتُجِيبَ لَنَا فِيهِمْ وَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ فِينَا وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ ذَلِكَ قُلْتَ وَعَلَيْكَ بِالْوَاوِ لِأَنَّكَ إِنْ قُلْتَ بِغَيْرِ وَاوٍ وَكَانَ هُوَ قَدْ قَالَ السِّلَامُ عَلَيْكُمْ كُنْتَ قَدْ نَفَيْتَ السِّلَامَ عَنْ نَفْسِكَ وَرَدَدْتَهُ عَلَيْهِ.
فرع:
قَالَ الِاسْتِقَالَةُ مِنَ الذِّمِّيِّ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ لَا تَفْعَلْ أَنْ تَقُولَ إِنَّمَا ابْتَدَأْتُكَ بِالسَّلَامِ لِأَنِّي ظَنَنْتُكَ مُسْلِمًا فَلَا تَظُنَّ أَنِّي قَصَدْتُكَ لِأَنَّهُ يُجَدِّدُ غِبْطَةَ الذِّمِّيِّ وَالسَّلَامُ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي تَتْبَعُ الْمَقَاصِدَ.
فرع:
قَالَ وَمَعْنَى عَدَمِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعْتَقَدُ أَنَّ اعْتِقَادَهُ كُفْرٌ اتِّفَاقًا فَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ فَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالك هَذَا وَيحْتَمل أَن لَا يسلم عَلَيْهِم أدبا لَهُم لِأَن قَوْلهم يؤول إِلَى الْكُفْرِ.
فرع:
قَال صَاحِب الْبَيَانِ قَال مَالِك إِذَا مَرَّ بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَمُرَّ بِهِ فَلَا وَسُئِلَ عَنِ الْغَرِيبِ يَأْتِي قبر النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ يَوْمٍ فَقَالَ مَا هَذَا مِنَ الْأَمْرِ لَكِنْ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يكثر الْمُرُور بِهِ ليسلم عَلَيْهِ لقَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» وَفِي حَدِيثٍ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَصِفَةُ السَّلَامِ قَالَ مَالِكٌ يَأْتِي الْقَبْرَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ حَتَّى إِذَا دَنَا سَلَّمَ وَصَلَّى وَدَعَا وَانْصَرَفَ وَيَذْكُرُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إِنْ شَاءَ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَبْرِهِ كَالسَّلَامِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْمُخَاطَبِ وَمَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ لَهُ إِلَّا أَنَّهُ يُخَصُّ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ دُونَ الدُّعَاءِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} فَتَقُولُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَا تَقُلِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا أَوِ اغْفِرْ لِمُحَمَّدٍ وَارْضَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَلَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلَانٍ وَتَقُولُ اللَّهُمَّ ارْحَمْ فُلَانًا وَلَا تُصَلِّ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا مَعَهُ.
فَائِدَةٌ:
مَوْضِعَانِ فِيهِمَا الْوَاوُ وَحَذْفُهَا السَّلَامُ وَرَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فِي الصَّلَاةِ فَإِثْبَاتُهَا يَقْتَضِي مَعْطُوفًا وَمَعْطُوفًا عَلَيْهِ فَيَصِيرُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَيَّ السَّلَامُ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَيَصِيرُ الرَّادُّ مُسَلِّمًا عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ وَفِي الصَّلَاةِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الثَّنَاءُ فَيَكُونُ مُثْنِيًا عَلَى اللَّهِ مَرَّتَيْنِ وَبِغَيْرِ وَاوٍ يَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ إِثْبَاتُهَا عَلَى حَذْفِهَا.
فَائِدَةٌ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو ردوهَا} قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ قِيلَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ وَقِيلَ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَرُدَّ أَحْسَنَ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى لَفْظِ الْمُبْتَدِئِ إِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ دُونَ الْبَرَكَاتِ وَإِلَّا بَطَلَ التَّخْيِيرُ لِتَعَيُّنِ الْمُسَاوَاةِ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الِانْتِهَاءِ إِلَى لَفْظِ الْبَرَكَاتِ مُطْلَقًا بَلِ الرَّدُّ وَإِنْ تَعَيَّنَ بِالِانْتِهَاءِ إِلَى لَفْظِ الْبَرَكَاتِ يَتَنَوَّعُ إِلَى الْمِثْلِ إِنْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ انْتَهَى لِلْبَرَكَاتِ وَإِلَى الْأَحْسَنِ إِنْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ اقْتَصَرَ دُونَ الْبَرَكَاتِ فَهَذَا مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَالتَّنْوِيعِ.