فصل: سنة اثنتين وستمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك (نسخة منقحة)



.سنة ثمان وتسعين وخمسمائة:

في أول المحرم: رحل الأفضل والظاهر عن دمشق، فصار الظاهر إلى حلب ومعه جماعة من الأمراء الصلاحية، منهم فارس الدين ميمون القصرى، وسرا سنقر، والفارس البكى، فاقطعهم الاقطاعات وأكرمهم، وتوجه الأفضل إلى حمص، وبها أمه وأهله عند الملك المجاهد، وقدم العادل إلى دمشق، ونزل بالقلعة ثم سار منها إلى حماة، ونزل عليها بعساكره، فقام له الملك المنصور بجميع كلفه ونفقاته، وأظهر أنه يريد حلب، فخافه الظاهر واستعد للقائه، وراسل العادل وبعث إليه بهدايا جليلة ولاطفه، فانتظم الصلح بينهما على أن يكون للعادل مصر ودمشق والسواحل وبيت المقدس وجميع ما هو فى يده ويد أولاده من بلاد الشرق، وأن يكون للظاهر حلب وما معها، وللمنصور حماة وأعمالها، وللمجاهد حمص والرحبة وتسمر، وللأمجد بعلبك وأعمالها، وللأفضل سميساط وبلادها لا غير، وأن يكون الملك العادل سلطان البلاد جميعها، وحلفوا على ذلك. فخطب للعادل بحلب فى يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة، وأقطع الأفضل قلعة النجم مع سروج وسميساط، وجهز العادل ابنه الأشرف مظفر الدين موسى إلى الجزيرة، ليتسلم حران والرها وما معهما، ويستقر بالجزيرة ويستقر الأوحد أيوب أخوه فى ميفارقين وترتب بقلعة جعبر ابنه الحافظ نور الدين أرسلان. وأقر العادل ابنه الملك المعظم شرف الدين عيسى بدمشق، وعاد العادل من حماة إلى دمشق، وقد اتفقت كلمة بنى أيوب.
وفيها قتل المعز إسماعيل بن سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن نجم الدين أيوب، وذلك لما ملك اليمن- بعد أبيه- خرج عليه الشريف عبد الله الحسنى، ثم خرج عليه نحو ثمانمائة من ممالكيه، وحاربوه وامتنعوا منه بصنعاء، فكسرهم وجلاهم عنها، فادعى الربوبية، وأمر أن يكتب عنه ويكاتب بذلك، وكتب صدرت هذه المكاتبة من مقر الالهية. ثم خاف المعز إسماعيل من الناس، فادعى الخلافة وانتسب إلى بنى أمية، وجعل شعاره الخضرة، ولبس ثياب الخلافة، وعمل طول كل كم خمسة وعشرين شبراً في سعة ستة أشبار، وقطع من الخطبة الدعاء لبنى العباس، وخطب لنفسه على منابر اليمن، وخطب هو بنفسه يوم الجمعة، فلما بلغ ذلك عمه العادل سير بالإنكار عليه، فلم يلتفت إلى قوله، وأضاف إلى ذلك سوء السيرة وقبح العقيدة، فثار عليه مماليك أبيه لهوجه وسفكه الدماء وحاربوه وقتلوه، ونصبوا رأسه على رمح، وداروا به بلاد اليمن، ونهبوا زبيد تسعة أيام، وكان قتله في رابع عشر رجب، من سنة ثمان وتسعن، وقام من بعده أخوه الناصر أيوب- وقيل: محمد-، وترتب سيف الدين سنقر أتابك العساكر، ثم استقل سنقر بالسلطة.
وفيها كان الغلاء بمصر، فلما طلع النيل رويت البلاد، وانحل السعر.

.سنة تسع وتسعين وخمسمائة:

فيها وصل الفرنج إلى عكا، وتحرك أهل صقلية لقصد ديار مصر، فقدم من حلب خمسمائة فارس ومائة راجل نجدة إلى العادل وهو بدمشق، فورد كتاب ناصر الدين منكورس بن خمارتكن، صاحب صهيون، يخبر بنزول صاحب الأرمن على جسر الحديد لحرب أنطاكية، وأن أكثر الفرنج عادوا من عكا إلى البحر، ولم يبق بها إلا من عجزعن السفر، وأن بها غلاءً عظيماً.
وفيها نازل الأشرف موسى بن العادل ماردين مدة، ومعه الأفضل، ثم تقرر الصلح على أن يحمل ناصر الدين أرسلان الأرتقي صاحب ماردين للعادل مائة ألف وخمسين ألف دينار صورية، ويخطب له بها، ويضرب السكة باسمه، فعاد الأشرف إلى حران.
وفيها جهز العادل الملك المنصور بن العزيز عثمان من صمر إلى الرها بأمه وإخوته، خوفاً من شيعته.
وفيها شرع العادل فى بناء فصيل دائر على سور دمشق بالحجر والجير، وفى تعميق، الخندق وإجراء الماء إليه، وقدم من عند العادل إلى القاهرة خلق لحفظ دمياط من الفرنج. وفيها قصد الفرنج من طرابلس، ومن حصن الأكراد وغيرها، مدينة حماة، فركب إليهم المنصور في ثالث رمضان، وقاتلهم فهزمهم، وأسر منهم وغنم، وعاد مظفراً، فورد الخبر بوصول الفرنج إلى عكا من البحر فى نحو سبعين ألفاً، وأنهم يريدون الصلح مع الأرمن على حرب المسلمين، وخرج جمع من الاسبتار من حصن الأكراد والمرقب، في شهر رمضان أيضاً، وخرج إليهم المنصور، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر جماعة، وانهزم من بقي.
وفيها بلغ العادل أن الملك الأفضل على ابن أخيه كاتب الأمراء، فأمر ابنه الأشرف موسى أن ينتزع منه رأس عين وسروج، وكتب إلى الظاهر أن يأخذ منه قلعة نجم، ففعلا ذلك، ولم يبق معه سوى سميساط لا غير، فسير الأفضل أمه إلى العادل لتشفع فيه، فقدمت عليه إلى دمشق، فلم يقبل شفاعتها وأعادها خائبة، وكان هذا عبرة، فإن صلاح الدين لما نازل الموصل خرجت إليه الأتابكيات، ومنهن ابنة نور الدين محمود بن زنكى، يستغثن إليه فى أن يبقى الموصل على عز الدين مسعود، فلم يجبهن وردهن خائبات، فعوقب صلاح الدين فى ولده الأفضل على بمثل ذلك، وعادت أمه خائبة من عند العادل، ولما بلغ الأفضل امتناع عمه عن إجابة سؤال أمه تطع خطبته، ودعا للسلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان السلجوقي، صاحب الروم.
وفيها زاد ماء النيل زيادة كثيرة، ورخصت الأسعار.
وفيها انقضت دولة الهواشم بمكة، وقدم إليها حنظلة بن قتادة بن إدريس بن مطاعن من ينبع، فخرج منها مكثر بن عيسى بن فليتة إلى نخلة، فأقام بها ومات سنة ستمائة، ثم وصل محمد بن مكثر إلى مكة، فحاربوه وهزموه، ثم قدم قتادة أبو عزيز بن إدريس، فاستمر بمكة هو وولده من بعده أمراء إلى أعوام كثيرة.

.سنة ستمائة:

فيها تقرر الصلح بين العادل وبين الفرنج، وانعقدت الهدنة بينهما، وتفرقت العساكر.
وفيها نازل ابن لاون أنطاكية حتى هجم عليها، وحصر الإبرنس بقلعتها، فخرج الظاهر من حلب نجدة له، ففر ابن لاون.
وفيها أوقع الأشرف موسى بن العادل بعسكر الموصل، وهزمهم ونازلها وبها السلطان نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن عماد الدين زنكي أتابك بن آقسنقر، ونهب الأشرف البلاد نهباً قبيحاً، وبعث إلى أبيه العادل بالبشارة، فاستعظم ذلك وما صدقه، وسر به سروراً كثيراً.
وفيها ملك الإفرنج مدينة القسطنينية من الروم.
وفيها تجمع الإفرنج بعكا من كل جهة يريدون أخذ بيت المقدس، فخرج العادل من دمشق، وكتب إلى سائر الممالك يطلب النجدات، فنزل قريباً من جبل الطور على مسافة يسيرة من عكا، وعسكر الفرنج بمرج عكا، وأغاروا على كفر كنا وأسروا من كان هناك، وسبوا ونهبوا، وانقضت هذه السنة والأمر على ذلك.
وفيها مات ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قطلوش بن بيغو أرسلان بن سلجوق صاحب الروم، فى سادس ذي القعدة، وقام من بعده ابنه عز الدين قلج أرسلان، وكان صغيراً، فلم يستتب أمره.
وفيها عاد الأشرف موسى بن العادل إلى حران بأمر أبيه، وهم العادل برحيله إلى مصر، فقدم عليه ابنه الأشرف، ثم عاد إلى حران.
وفيها خرج أسطول الفرنج إلى مصر، وعبر النيل من جهة رشيد، فوصل إلى فوة، وأقام خمسة أيام ينهب، والعسكر تجاهه ليس له إليه وصول لعدم وجود الأسطول العادلي.
وفيها أوقع الأمير شرف الدين قراقوس التقوى المظفري ببلاد المغرب، فقبض عليه وحمل إلى ابن عبد المؤمن.
وفيها كانت زلزلة عظيمة عمت أكثر أرض مصر والشام، والجزيرة وبلاد الروم، وصقلية وقبرص، والموصل والعراق وبلغت إلى سبتة ببلاد المغرب، وفيها ملك الفرنج قسطنطينية من أيدي الروم، فلم يزالوا بها حتى استعادها الروم منهم، فى سنة ستين وستمائة.

.سنة إحدى وستمائة:

فيها تم الصلح بين الملك العادل وبن الفرنج، وتقررت الهدنة مدة، وشرطوا أن تكون يافا لهم، مع مناصفات لد والرملة، فأجابهم العادل إلى ذلك، وتفرقت العساكر، وسار العادل إلى القاهرة، فنزل بدار الوزارة، واستمر ابنه الكامل بقلعة الجبل، وشرع فى ترتيب أمور مصر.
وفيها مات الأمير عز الدين إبراهيم بن الجويني والي القاهرة، في سلخ جمادى الأولى.
وفيها ورد الخبر بأن الفرنج أخذوا القسطنطينية من الروم.
وفيها غارت الفرنج الإسبتارية على حماة فى جمع كبير، لأن هدنتهم انقضت، فقتلوا ونهبوا، ثم عادوا.
وفيها قدم الملك المنصور صاحب حماة على عمه الملك العادل بالقاهرة، فسر به وأكرمه، ثم رجع بعد أيام.
وفيها أغار الفرنج على حمص، وقتلوا وأسروا، فخرج العادل من القاهرة إلى بركة الجب، ثم عاد.
وفيها أغار فرنج طرابلس على جبلة واللاذقية، وقتلوا عدة من المسلمين، وغنموا وسبوا شيئاً كثيراً.
وفيها أخذ الصاحب صفي الدين عبد الله بن شكر يغرى الملك العادل بأبي محمد مختار بن أبي محمد بن مختار، المعروف بابن قاضى دارا، وزير الملك الكامل، حتى نقم عليه وطلبه، فخاف عليه الكامل، وأخرجه من مصر- ومعه ابناه فخر الدين وشهاب الدين- إلى حلب، فأكرمهم الملك الظاهر، ثم ورد عليه من الكامل كتاب يستدعيه إلى مصر، فخرج ونزل بعين المباركة ظاهر حلب.
فلما كان فى ليلة الرابع والعشرين من ذي القعدة: أحاط به- نحو الخمسين فارساً في أثناء الليل، وأيقظهوه وقتلوه، ثم قالوا لغلمانه: احفظوا أموالكم، فما كان لنا غرض سواه. فبلغ ذلك الظاهر فارتاع له، وركب بنفسه حتى شاهده، وبعث الرجال فى سائر الطرقات، فلم يقف لقتله على خبر، فكانت هذه القضية من أعجب ما سمع.

.سنة اثنتين وستمائة:

فيها قبض على السعد أبي المكارم بن مهدي بن مماتى صاحب الديوان في جمادى الآخرة، وعلق برجليه.
وفيها قبض على الأمير عبد الكريم أخي القاضي الفاضل، وأخذ خطه بعشرين ألف دينار وأداها، وأخذ من شرف الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن قريش خمسة آلاف دينار.
وفيها باشر التاج بن الكعكي ديوان الجيش.
وفيها ضرب الصاحب صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر الفقيه نصراً في وجهه بالدواة، فأدماه.

.سنة ثلاث وستمائة:

فيها كثرت الغارات من الفرنج على البلاد، فخرج الملك العادل إلى العباسة، ثم أغذ السير إلى دمشق، ثم برز منها إلى حمص، فأتته العساكر من كل ناحية، فاجتمع عنده عشرات آلاف، وأشاع أنه يريد طرابلس، فلما انقض شهر رمضان توجه الى ناحية حصن الأكراد فنازله، وأسر خمسمائة رجل وغنم، وافتتح قلعة أخرى. ثم نازل طرابلس، وعاثت العساكر فى قراها، ولم يزل على ذلك إلى أيام من ذي الحجة، ثم عاد إلى حمص- وقد ضجرت العساكر- فبعث صاحب طرابلس يلتمس الصلح، وسير مالاً وثلاثمائة أسير وعدة هدايا، فانعقد الصلح فى آخر ذي الحجة.
وفيها حدثت وحشة بين العادل وبن ابن أخيه الملك الظاهر، صاحب حلب، فازدادت بينهما الرسل حتى زالت، وحلف كل منهما لصاحبه.
وكثر فى هذه السنة تخريب العادل لقلاع الفرنج وحصونهم.
وفيها عزل الصاحب ابن شكر البدر بن الأبيض قاضي العسكر، وقرر مكانه نجم الدين خليل بن المصمودي الحموي.
وفيها قدم مانع بن سلمان شيخ أل دعيج من غزية التي فيما بين بغداد ومكة.

.ومات في هذه السنة:

عبد الرحمن بن سلامة قاض الإسكندرية بها، يوم الأربعاء ثامن صفر.
وفيها نفى الأشرف بن عثمان الأعور، واعتقل أخوه علم الملك.
وفيها ماتت أم الملك المعظم بن العادل بدمشق، في يوم الجمعة عشرى ربيع الأول، ودفنت بسفح قاسيون.

.سنة أربع وستمائة:

فيها عاد الملك العادل إلى دمشق، بعد انعقاد الصلح بينه وبن ملك الفرنج بطرابلس. وفيها بعث العادل أستاداره الأمر ألذكر العادلي، وقاضي العسكر نجم الدين خليل المصمودي إلى الخليفة في طلب التشريف والتقليد بولاية مصر والشام والشرق وخلاط، فلما وصلا إلى بغداد أكرمهما الخليفة الناصر لدين الله، وأحسن إليهما وأجابهما، وسير الشيخ شهاب الدين أبا عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمويه السهروردي ومعه التشريف الخليفتي والتقليد، وخلعة للصاحب صفي الدين بن شكر، وخلع لأولاد العادل وهم الملك المعظم والملك الأشرف، والملك الكامل، فعندما قارب بالشيخ أبو حفص حلب خرج الملك الظاهر بعساكره إلى لقائه، وأكرم نزله.
وفى ثالث يوم من قدومه أمر بكرسي فنصب له، وجلس عليه للوعظ، وجلس الظاهر ومعه الأعيان، فصدع بالوعظ حتى وجلت القلوب ودمعت العيون، وأخبر الشيخ في وعظه بأن الخليفة أطلق- في بغداد وغيرها- من المؤن والضرائب، ما مبلغه ثلاثة آلاف ألف دينار، ثم سار من حلب، ومعه القاضي بهاء الدين بن شداد، وقد دفع إليه الظاهر ثلاثة آلاف دينار، برسم النثار إذا لبس عمه العادل خلعة الخليفة، وبعث الملك المنصور من حماة أيضاً مبلغاً للنثار، وخرج العسكر من دمشق إلى لقائه، ثم خرج العادل بابنيه الأشرف موسى والمعظم عيسى، وبرز سائر الناس لمشهادة ذلك، فكان يوماً مشهوداً، ولما دخل الشيخ أبو حفص دمشق جلس العادل فى دار رضوان، وأفيضت عليه الخلع، وهى جبة أطلس أسود واسعة الكم بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب بجوهر ثقيل، وقلد العادل أيضاً بسيف محلى، جميع قرابه من ذهب، وركب حصاناً أشهب بركب ذهب، ونشر على رأسه علم أسود مكتوب فيه بالبياض ألقاب الخليفة، مركب في قصبة ذهب، وتقدم القاضي ابن شداد فنثر الذهب، وقدم له خمسين خلعة ونثرت رسل الملوك بعده، ثم لبس الأشرف والمعظم خلعتيهما، وهما عمامة سوداء، وثوب أسود واسع الكم، ثم خلع على الصاحب صفي الدين بن شكر الوزير كذلك، وركب العادل- ومعه ابناه ووزيره- بالخلع الخليفتية، وقد زينت البلد، ثم عادوا إلى القلعة، واستمرت زينة البلد ثمانية أيام، وقرأ التقليد الصاحب صفي الدين على كرسي، وخوطب العادل فيه بشاهنشاه، ملك الملوك، خليل أمير المؤمنين، وكان الوزير في حال تركض قائماً على الكرسي، والعادل وسائر الناس أيضاً قياماً، إجلالاً للخليفة، ثم سار الشهاب السهروردي إلى مصر، فأفاض على الملك الكامل الخلعة الخليفتية، وجرى من الرسم كما وقع بدمشق، ثم عاد إلى بغداد.
وفيها أمر العادل بعمارة قلعة دمشق، وفرق أبراجها على الملوك، فعمروها من أموالهم وفيها اتسعت مملكه العادل، فلما تمهدت له الأمور قسم مملكته بين أولاده، فاعطى ابنه الملك الكامل ناصر الدين محمداً مملكة مصر، ورتب عنده القاضي الأعز فخر الدين مقدام بن شكر، وأعطى ابنه المعظم شرف الدين عيسى من العريش إلى حمص، وأدخل فى ولايته بلاد الساحل الإسلامية، وبلاد الغور وأرض فلسطين، والقدس والكرك، والشوفي وصرخد، وأعطى ابنه الملك الأشرف مظفر الدين موسى البلاد الشرقية، وهى الرها وما معها من حران وغيرها، وأعطى ابنه الملك الأوحد نجم الدين أيوب خلاط وميافارقن وتلك النواحي، وكان الأوحد قد بعث إليه أهل خلاط ليملكها، فسار من ميافارقن وملكها.
وفيها كمل الملك الكامل محمد بناء قلعة الجبل، وتحول إليها من دار الوزارة بالقاهرة، فكان أول من سكنها من ملوك مصر، ونقل إليها أولاد الخليفة العاضد الفاطمي وأقاربه فى بيت على صورة حبس، فأقاموا به إلى أن حولوا منه فى سنة إحدى وسبعن وستمائة.
وفيها توفى الأمير داود بن العاضد فى محبسه. وكانت الإسماعيلية تزعم أن العاضد عهد إليه، وأنه الإمام من بعده، فاستأذن أصحابه من الكامل أن ينوحوا عليه ويندبوه، فأذن لهم، فبرزت النساء حاسرات، والرجال فى ثياب الصوف والشعر، وأخذوا فى ندبه والنياحة عليه، واجتمع معهم من كان فى الاستتار من دعاتهم، فلما تكامل جمعهم أرسل الكامل إليهم طائفة من الأجناد نهبوا ما عليهم، وقبضوا على المعروفين منهم، فملأ بهم السجون، واستصفى أموال ذوى اليسار منهم، ففر من بقي، وزال من حينئذ أمر الإسماعيلية من ديار مصر، ولم يجسر أحد بعدها أن يتظاهر بمذهبهم.

.سنة خمس وستمائة:

فيها سار الكرج ونهبوا أعمال خلاط، وأسروا وغنموا فلم يجسر الأوحد أن يخرج إليهم من مدينة خلاط، فلما بلغ ذلك الملك العادل أخذ في التجهيز لحرب الكرج، وسار الأشرف من دمشق يريد بلاده بالشرق.
وفيها قتل الملك معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكي، صاحب الجزيزة، قتله ابنه محمود، وقام فى الملك من بعده.
وفيها بعث الأمير سيف الدين سنقر، أتابك اليمن عشرة آلاف دينار مصرية إلى الملك العادل، عليها اسمه.
وفيها مات القاضي مكين الدين مطهر بن حمدان، بقلعة بصرى في شهر رجب، ومات هلال الدولة وشاب بن رزين، والي القاهرة، وعزل الأمر سيف الدين على بن كهدان عن ولاية مصر، وعزل الأسعد بن حمدان عن الشرقية، وباشرها خشخاش الوراق.
وفيها توفى قاضي القضاة صدر الدين أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني، يوم الأربعاء خامس رجب، وكان قد قدم مصر في رابع رجب سنة خمس وستين خمسمائة، فتكون مدة مقامه بديار مصر أربعين سنة.

.سنة ست وستمائة:

فيها خرج العادل من دمشق يريد محاربة الكرج، ومعه الملوك من بني أيوب. وهم الملك المنصور صاحب حماة، والملك المجاهد صاحب حمص، والملك الأمجد صاحب بعلبك، وأرسل إليه الملك الظاهر غازي صاحب حلب جيشا، فنزل العادل حران، وأتته النجدات مع ولديه الملك الأوحد صاحب خلاط وميافارقين، والملك الأشرف موسى، وغيرهما، فاستولى على نصيبين، ونازل سنجار، وبها الملك قطب الدين محمد بن زنكي، فكانت بينهما عدة وقائع، بعث في أثنائها صاحب سنجار إلى الخليفة الناصر لدين الله، وإلى الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وإلى كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب الروم، وغيرهم يستنجد بهم على العادل، فمال إليه عدة من الملوك عونا على العادل، ففارقه عدة ممن كان معه على حصار سنجار، ودسوا إلى جماعة من أصحابه الدسائس، ففسدت أحواله، وقدم عليه رسول الخليفة، وهو هبة الله بن المبارك بن الضحاك يأمره بالرحيل، فقال له عم الإمام الخليفة الناصر: قال لك بحياتي ياخليلي ارحل. فعاد العادل إلى حران، وتفرقت العساكر عنه.
وفيها حصلت بين العادل وبن وزيره الصاحب ابن شكر منافرة أوجبت غضبه وسفره في البرية فركب المنصور صاحب حماة، وفخر الدين جهاركس صاحب بانياس حتى لحقاه في رأس عين، وقدما به على العادل فرضي عنه، ومن حينئذ انحطت منزلته. وفيها مات الملك المؤيد نجم الدين مسعود بن صلاح الدين يوسف بن أيوب برأس عين، وقيل إنه سم، فحمل إلى حلب ليدفن بها.
وفيها عاد الملك العادل إلى دمشق.
وفيها ولي الأمير المكرم بن اللمطي قوص، في ذي القعدة.

.سنة سبع وستمائة:

فيها ظفر الملك الأوحد بن العادل بملك الكرج، ففدى نفسه منه بمائة ألف دينار وخمسة آلاف أسير من المسلمين، وأن يلتزم الصلح ثلاثين سنة، وأن يزوجه ابنته بشرط ألا تفارق دينها، فأطلقه الأوحد، وردت على المسلمين عدة قلاع.
وفيها مات الأوحد، وملك خلاط بعده أخوه الأشرف.
وفيها تحرك الفرنج إلى الساحل، واجتمعوا في عكا، فخرج الملك العادل من دمشق، فوقع بينه وبينهم صلح، وأخذ العادل في عمارة قلعة الطور بالقرب من عكا، وسار إلى الكرك، فأقام بها أياما، ثم رحل إلى مصر، فدخل القاهرة، ونزل بدار الوزارة.
وفيها مات الأمير فخر الدين جهاركس.
وفيها تحرك الفرنج ثانيا، فتجهز العادل للسفر إلى الشام.
وفيها كفت يد الصاحب صفي الدين بن شكر عن العمل.
وفيها مات السلطان نور الدين أرسلان شاه بن السلطان مسعود الأتابكي صاحب الموصل، في شهر رجب، وكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا، وقام من بعده ابنه الملك القاهر عز الدين مسعود، وقام بتدبيره الأمير بدر الدين لؤلؤ الأتابك، مملوك ابيه.
وفيها شرب ملوك الأطراف كأس الفتوة للخليفة الناصر، ولبسوا سراويل الفتوة أيضا، فوردت عليهم الرسل بذلك، ليكون انتماؤهم له، وأمر كل ملك أن يسقي رعيته ويلبسهم، لتنتمي كل رعية إلى ملكها، ففعلوا ذلك، وأحضر كل ملك قضاة مملكته وفقهاءها وأمراءها وأكابرها، وألبس كلا منهم له، وسقاه كأس الفتوة، وكان الخليفة الناصر مغرما بهذا الأمر، وأمر الملوك أيضا أن تنتسب إليه في رمي البندق، وتجعله قدوتها فيه.
وفيها قدم إلى القاهرة كليام الفرنجى الجنوي تاجرا، فاتصل بالملك العادل، وأهدى إليه نفائس، فاعجب العادل به، وأمره بملازمته، وكان كليام في باطن الأمر عينا للفرنج، يطالعهم بالأحوال، فقيل هذا للعادل، فلم يلتفت إلى ما قيل عنه.
ومات فيها يوسف بن الأسعد بن مماتي، في الرابع من جمادى الأولى بالقاهرة.
ومات الأمر سياروخ في خامس عشر رجب.
وفيها قتل غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقي صاحب قونية، وقد حدث ذلك في أوائل السنة، وهو يواقع الأرمن حلفاء الروم، عند بلده خونا من أعمال أذربيجان، وكان قد غلبه أخوه ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان على قونية، وألجأه إلى الفرار منها سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ثم مات ركن الدين سليمان سنه ستمائة، وقام بعده في قونية ابنه قلج أرسلان بن ركن الدين، وعند ذلك عاد كيخسرو إلى بلاده بعد فراره إلى حلب وغيرها، وملك كيخسرو قونية ثانيا، بعد خطوب جرت له، وقد قبض أهلها على قلج أرسلان بن ركن الدين، ثم قتل كيخسرو بعدما استفحل أمره، وولى ابنه عز الدين كيكاوس بن غياث الدين.
وفيها كانت وقعة بين حاج العراق وبين أهل مكة بمنى، قتل فيها عبد للشريف قتادة اسمه بلال، فقيل لها سنة بلال.