فصل: ومات في هذه السنة ممن له ذكر من الأعيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك (نسخة منقحة)



.سنة ست وسبعين وسبعمائة:

في أول المحرم: اتفق أمر غريب، قد وقع مثله فيما تقدم، وهو أن الأمير شرف الدين عيسى بن باب جك- والي الأشمونين- كان له ابنة، فلما أن تم لها من العمر خمس عشرة سنة، استد فرجها، وتدلى لها ذكر وأنثيان، واحتملت كما تحتلم الرجال، واشتهر ذلك بالحسينية- حيث سكنه- وبالقاهرة، حتى بلغ منجك، فاستدعى بها، ووقف على حقيقة خبرها، فأمر بنزع ثياب النسوان عنها، وألبسها ثياب الرجال من الأجناد، وسماها محمداً، وجعله من حملة مشاة خدمته، وأنعم عليه بإقطاع، فشاهده كل أحد.
وفي ثامنه: أخذ قاع النيل، فجاء أربعة أذرع واثني عشر إصبعاً.
وفي أول شهر ربيع الأول: شرع السلطان في التجهيز إلى الحج، وتقدم إلى الأمراء بتجهيز أمورهم أيضاً.
وفي تاسعه: كان وفاء ماء النيل ستة عشر ذراعاً، ويوافقه رابع عشرين مسرى، ففتح الخليج على العادة، واستمرت الزيادة حتى بلغت سبعة عشر ذراعاً وخمسة أصابع، وثبت أوان ثباته، ثم انحط وقت الحاجة إلى هبوطه، فعم النفع والحمد للّه به، إلا أن الأسعار تزايدت، فبلغ القمح ماية درهم الأردب، والشعير ستين درهماً الأردب، والفول خمسين درهماً الأردب.
وفي أول شهر ربيع الآخر: ركب السلطان من قلعة الجبل إلى الميدان الكبير الناصري بشاطىء النيل، للعب بالكرة على العادة في كل سنة، وركب ولده أمير على قدامه بين يديه، وجعل على رأسه شطفة كما يجعل على رأس السلطان، وعين جماعة من الأمراء للمشي في ركابه، وخلع عليهم أقبية حرير بطرز زركش، وأركبهم الخيول المسومة بالسروج الذهب، وكنابيش زركش، وألبس أكابر مماليكه ومقدم مماليكه الطواشي شاذروان أيضاً الأقبية الحرير بالطرز.
وفيه أنعم على الأمير علاء الدين على بن كَلَفْت بإمرة طبلخاناه، وعلى الأمير ناصر الدين محمد بن محمد بن الأمير تنكز نايب الشام بإمرة عشرة، وخلع على الشريفّ بكتمر بن علي الحسيني، واستقر في ولاية منفلوط، وعلى الأمير محمد بن بهادر، واستقر في ولاية البهنسي، وأنعم على الأمير طشتمر الصالحي بإمرة طبلخاناه، وخلع على الأمير أحمد بن أرغون الأحمدي بإمرة عشرة.
وفي يوم الإثنين ثاني عشرين جمادى الأولى: خلع على شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الملك الدميري المالكي، واستقر في حسبة القاهرة، عوضاً عن بهاء الدين محمد ابن المفسر، فأمطرت ليلة الثلاثاء مطراً عظيماً.
وفي يوم الأربعاء: وضع المحتسب الخبز على رؤوس عدة من الحمالين، وشق به القاهرة إلى القلعة وصنوج الخليلية تزفه، والطبول تضرب، ونودي عليه كل ثلاثة أرطال إلا ربع رطل بدرهم، وكان كل رطلين وثلث بدرهم، فسر الناس بذلك، إلا أن الخبز عز وجوده، وفقد من الأسواق خمسة أيام، والناس تتزاحم على أخذه من الأفران، واشتد شره النفوس، وكان يخامرها اليأس، فنودي بتكثير الخبز، وأن يباع بغير تسعير، فتزايدت الأسعار في ساير الغلال بعد تناقصها، حتى بلغ في أوائل جمادى الآخرة الأردب القمح بماية وعشرة دراهم، والأردب الشعير ستين درهماً، والأردب الفول خمسة وخمسين درهماً، والقدح الأرز بدرهمين، والقدح من العدس والحمص بدرهم وربع، وارتفع الزيت والشيرج، وأبيع الرطل من حب الرمان بعشرة دراهم ونصف، والرطل من لحم الضأن بدرهمين، ومن لحم البقر بدرهم وثلث، وقلت البهايم من الخيل والبغال والجمال والحمير والأبقار والأغنام لفنائها جوعاً، وبيع الزوج الأوز بعشرين درهماً، وكل دجاجة بأربعة دراهم.
وفي يوم الخميس ثالث عشره: ركب السلطان من قلعة الجبل وعبر القاهرة من باب زويلة، وخرج من باب النصر للسرحة على العادة في كل سنة.
وفي نصف جمادى الآخر: هذا ابتدأ الوباء في الناس في القاهرة ومصر، وكثر موت الفقراء والمساكين بالجوع، فكنت أسمع الفقير يصرخ بأعلى صوته: للّه، لبابة قدر شحمة أذني، أشمها وخذوها فلا يزال كذلك حتى يموت هذا، وقد توقفت أحوال الناس من قلة المكاسب، لشدة الغلاء، وعدم وجود ما يقتات به، وشح الأغنياء وقلت رحمتهم، ومع ذلك فلم يزداد أجر العمال من البناة والفعلة والحمالين ونحوهم من أرباب الصنايع شيئاً، بل استقر على ما كانت عليه قبل الغلاء، فمن كان يكتسب في اليوم درهماً يقوم بحاله ويفضل له منه شيء، صار الدرهم لا يجدي شيئاً، فمات ومات أمثاله من الأجراء والعمال والصناع والفلاحين والسؤال من الفقراء.
وفي يوم الجمعة ثالث شهر رجب: عدى السلطان النيل من بر الجيزة، عائداً من السرحة، فزار الآثار النبوية، وصلى الجمعة بجامع عمرو بمدينة مصر، وركب إلى القلعة.
وفي يوم السبت خامس عشرينه: قبض على الوزير الصاحب تاج الدين النشو المالكي، وخلع على الصاحب كريم الدين شاكر بن الغنام، وأعيد إلى الوزارة، وتسلم المالكي، واستخلص منه، ثمانين ألف مثقال من الذهب، وهدم داره بمدينة مصر إلى الأرض، وأخرجه على حمار منفياً إلى الشام.
وفيه خلع على الأمير قرطاي الكركي، واستقر شاد العماير بإمرة عشرة، واستقر الأمير بَكتمر العلمي في كشف الوجه البحري، عوضاً عن قرطاي، واستقر محمد بن قرابغا الأناقي في نقابة الجيش، عوضاً عن بكتمر، واستقر الأمير فخر الدين عثمان الشرفي كاشفاً بالوجه القبلي من حدود الجيزة إلى أسوان.
وفي شهري رجب وشعبان: اشتد الغلاء، فبلغ الأردب القمح ماية وخمسة وعشرين درهماً، والإردب الشعير تسعين درهماً، والأردب الفول ثمانين درهماً، والبطة الدقيق زنة خمسين رطلا بأربعة وثلاثين درهماً وشفع الموت في الفقراء من شدة البرد والجوع والعري، وهم يستغيثون فلا يغاثون، وأكل أكثر الناس خبز الفول والنخال، عجزاً عن خبز القمح، وبلغ الخبز الأسود كل رطل ونصف بدرهم، وكثر خطف الفقراء له، ما قدروا عليه من أيدي الناس، ورمى طين بالسجن لعمارة حايط به، فأكله المسجونون من شدة جوعهم، وعز وجود الدواب لموتها جوعاً.
وفي رابع عشرين شعبان: انتدب الأمير منجك نايب السلطان لتفرقة الفقراء على الأمراء وغيرهم، فجمع أهل الحاجة والمسكنة، وبعث إلى كل أمير من أمراء الألوف ماية فقير، وإلى من عدا أمراء الأولوف على قدر حاله، وفرق على الدواوين والتجار وأرباب الأموال كل واحد عدداً من الفقراء ثم نودي في القاهرة ومصر بألا يتصدق أحد على حرفوش، وأي حرفوش شحذ صلب، فآوى كل أحد فقراءه في مكان، وقام لهم من الغذاء بما يمد رمقهم على قدر همته وسماح نفسه، ومنعهم من التطواف لسؤال الناس، فخفت تلك الشناعات التي كانت بين الناس، إلا أن الموات عظم، حتى كان يموت في كل يوم من الطرحاء على الطرقات ما يزيد على خمسمائة نفر، ويطلق من ديوان المواريث ما ينيف على مائتي نفس، وتزايد في شهر رمضان مرض الناس وموتهم، ونفدت الأقوات، واشتد الأمر، فبلغت عدة من يرد اسمه للديوان في كل يوم خمسمائة، وبلغت عدة الطرحاء زيادة على خمسمائة طريح، فقام بمواراة الطرحاء الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير أقبغا آص، والأمير سودن الشيخوني، وغيرهما، وكان من أتى بميت طريح أعطوه درهماً، فأتاهم الناس بالأموات، فقاموا بتغسيلهم وتكفينهم ودفنهم أحسن قيام، بعد ما شاهد الناس الكلاب تأكل الموتى من الطرحاء.
فلما فني معظم الفقراء، وخلت دور كثيرة خارج القاهرة ومصر لموت أهلها، فشمت الأمراض من أخريات شهر رمضان في الأغنياء، ووقع الموت فيهم، فازداد سعر الأدوية، وبلغ الفروج خمسة وأربعين درهماً، ثم فقدت الفراريج حتى خرج البريد في الأعمال بطلبها للسلطان، وبلغت الحبة الواحدة من السفرجل خمسين درهماً، والحبة من الرمان الحامض عشرة دراهم، والرمانة الواحدة من الحلو بستة عشر درهماً، والبطيخة الواحدة من البطيخ الصيفي تسعين درهماً، وكل رطل منه بثلاثة دراهم، واشتد الأمر في شوال إلى الغاية.
وفي خامس عشر شوال: قدمت أم سالم الدكري أمير التركمان بنواحي الأبلستين، ومعها أحمد بن همز التركماني أحد الأبطال، وكان قد أقام دهراً يقطع الطريق على قوافل العراق يأخذ أموالهم ويقتل رجالهم، وأعيا النواب بالممالمك أمره، وهدروا دمه، فتشتت شمله، وضاقت عليه تلك البلاد، حتى اضطره الحال إلى الدخول في الطاعة، وقدم بأم سالم لتشفع فيه، فقبل السلطان شفاعتها، وأنعم عليه بإقطاع، وجعله من جملة من مقدمي المماليك، وأنعم على أم سالم وردها إلى بلادها مكرمة.
وفيه استقر الأمير أحمد الطرخاني في ولاية الأشمونين، عوضاً عن الأمير شرف الدين يحيى بن قرمان.
وفي يوم الإثنين ثاني عشرينه: استقر في قضاء الحنابلة بدمشق شمس الدين محمد بن تقي الدين عبد الله بن محمد بن عبد الله المقدسي، المعروف بابن تقي المرداوي، عوضاً عن علاء الدين علي بن محمد بن علي العسقلاني.
وفي أول ذي القعدة: وصلت تراويج القمح الجديد، فانحل السعر، حتى أبيع الأردب بستين درهماً بعد مائة وثلاثين، وأبيع الأردب الشعير بعشرين درهماً، والأردب الفول بدون العشرين درهماً، وأبيع الخبز أربعة أرطال بدرهم، ثم تناقصت الأسعار، واتفق أنه أبيع في بعض الأيام الأردب القمح بماية وعشرين درهماً، ثم أبيع في أثناء النهار بتسعين، ثم أبيع بستين، ثم أبيع من آخر النهار بثلاثين درهماً.
وفي الخميس ثالثه: أنعم على الأمير بيبغا السابقي الخاصكي بتقدمة ألف.
وفي تاسع عشره: سقط الطائر بالبشارة بفتح سيس بعث به الأمير بيدمر نائب الشام، ثم قدم من الغد البريد من النواب بذلك، فدقت البشائر بقلعة الجبل ثلاثة أيام، وحمل إلى الأمير أشَقتمُر نائب حلب تشريف جليل، وذلك أنه توجه بعساكر حلب إليها فنازلها، وحصر التكفور متملكها مدة شهرين حتى طلب الأمان، من فناء أزودتهم، وعجزهم عن العسكر، فتسلم الأمير أشَقتمُر قلعتها، وأعلن في مدينة سيس بكلمة التوحيد، ورتب بها عسكراً، وأخذ التكفور وأمراءه، من أجناد وعاد إلى حلب، وجهزهم إلى القاهرة، فبعث السلطان الأمير يعقوب شاه لنيابة سيس، وأزال الله منها دولة الأرمن عباد الصليب، وقال الأدباء في ذلك شعراً كثيراً، ذكرنا بعضه في ترجمة الأمير أشقتمر من تاريخنا الكبير المقفا.
واستقر الأمير صرغتمش الخاصكي في نظر المارستان، بعد وفاة الأمير أيدمر الدوادار.
وفيه عين قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة، لقضاء الحنفية بديار مصر، بعد وفاة صدر الدين محمد بن التركماني شرف الدين أحمد بن علي بن محمد بن محمد أبي العز الدمشقي، فسار البريد لإحضاره.
وقدم البريد بغلاء الأسعار بحلب، حتى أبيع المكوك القمح بمائة وخمسين درهماً، وأن الشيخ أويس بن الشيخ حسن متملك بغداد مات، واستقر في السلطنة بعده ابنه حسين بن أويس بن الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا بن إيلكين.
واستقر في قضاء القضاة بحلب فخر الدين عثمان بن أحمد بن أحمد بن عثمان الزرعي الشافعي، عوضاً عن كمال الدين عمر بن عثمان بن هبة الله المعري، واستقر سرى الدين إسماعيل بن محمد بن محمد بن هاني الأندلسي في قضاء المالكية بحلب، عوضاً عن برهان الدين إبراهيم بن محمد بن على الصنهاجي الشاذلي، واستقر الطواشي ياقوت الشيخي زمام الدور في تقدمة المماليك، بعد وفاة الأمير سابق الدين مثقال الآنوكي، واستقر الطواشي سابق الدين مثقال الجمالي الساقي شاد الحوش زمام الدور، وخلع عليهما. واستقر الأمير منكلى بغا البلدي في نيابة طرابلس، عوضاً عن الأمير أَقتمُر عبد الغني، واستقر أقتمر عبد الغني في نيابة صفد، وخرج البريد بإحضار يعقوب شاه نايب سيس، واستقر عوضه الأمير أقبغا عبد الله.
وفي آخره: فشت الأمراض في الناس بالطاعون، وقل وجود الأموات الطرحاء، وأبيع الأردب الشعير من عشرين درهماً إلى ستة وعشرين درهماً.
وفي رابع ذي الحجة: قطع الدميري المحتسب سعر الخبز ثمانية أرطال بدرهم، وقد كان خمسة أرطال وثلث بدرهم، فامتنع الطحانون أن يشتروا القمح إلا بثمانية عشر درهماً، فأبي تجار الغلال الجلابة بيع القمح بهذا، وعادوا بمراكب الغلال من حيث أتوا، فعز وجود القمح وبلغ أربعة وثلاثين درهماً الأردب، وتعذر وجود الخبز في الأسواق عدة أيام، وأبيع أقل من ستة أرطال بدرهم.
وفي يوم الإثنين خامسه: قدم الأمير يعقوب شاه على البريد من سيس، فخلع عليه واستقر في نيابة الإسكندرية، عوضاً عن قطلوبغا الشعباني.
وفي يوم النحر: تناقص الوباء.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره: قدم الشيخ شرف الدين أحمد بن منصور الحنفي من دمشق، فنزل بمدرسة السلطان حسن. ثم استدعى في يوم الخميس خامس عشره إلى القلعة، فأجلس بباب القصر، ثم أمر أن يجلس على باب خزانة الخاص بجوار القصر، فجلس حتى خرج الأمراء من الخدمة بالقصر، وفيهم الأمير طشتمر الدوادار، فسلم عليه وسار به إلى منزله، وباسطه، وأطعمه معه من غذائه. وكان عنده الشيخ سراج الدين عمر البلقيني، والشيخ ضياء الدين القرم، فتجابذوا أطراف البحث في فنون العلم. ثم أمره الأمير طشتمر أن يستمر حيث نزل إلى أن يطلبه السلطان، فمضى وقد عاق القوم أمره.
وتحدث الأمير ناصر الدين محمد بن أقبغا آص في ولاية الجلال رسولاً بن أحمد بن يوسف التباني الرومي- مدرس الحنفية بمدرسة الأمير ألجاي- قضاء الحنفية. فاستدعاه السلطان وعرض عليه ولاية قضاء القضاة، فامتنع من قبوله، واعتذر بأن العجم ليس لها معرفة بإصطلاح أهل مصر، فقبل السلطان عذره، وصرفه مكرماً. فتحدث بعض الأمراء في ولاية مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم، وكاد أمره يتم، ثم بطل. فتحدث بعض أهل الدولة لنجم الدين أحمد بن عماد الدين إسماعيل بن محمد بن أبي العز، المعروف بابن الكشك، في ولايته، فأجيب إلى ذلك وخرج البريد يطلبه من دمشق.
وفي يوم الاثنين تاسع عشره: قبض على الصاحب كريم الدين شاكر بن الغنام، وعلى حواشيه، وعلى مقدم الدولة الحاج سيف وشريكه عبيد البازدار، وعلى الأمير شرف الدين حمزة شاد الدواوين، وأبطل الوزارة، وأمر فأغلق شباك الوزارة بقاعة الصاحب من قلعة الجبل، فخلع على الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشي أطلسين، واستقر مشير الدولة بإمرة طبلخاناه، ورسم له أن يحمل الدواة والمرملة كما هي عادة الوزراء، وخلع على سعد الدين بن الريشة، وعلى أمين الدين أمين، واستقرا في نظر الدولة، ورسم لهما أن يجلسا من وراء شباك الوزارة وهو مغلق. وخلع على كريم الدين صهر النشو وعلى فخر الدين بن علم الطويل، واستقرا في استيفاء الدولة.
وفي يوم الخميس ثاني عشرينه: أفرج عن المقدم سيف، ونوابه، وخلع عليه، فإنه التزم أن يستخرج للسلطان ستمائة ألف من مال السلطان، وأفرج أيضاً عن كريم الدين شاكر ابن غنام، على مال التزم به، فنزل على حمار، حتى باع أثاثه وخيوله.
وفي يوم الجمعة ثالث عشرينه: عزل قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة نفسه من القضاء، من أجل أنه منع بعض موقعي الحكم من التوقيع، فألح عليه بعض أهل الدولة في الإذن له، فغضب من الاعتراض عليه، وأغلق بابه، واعتزل عن الحكم هو ونوابه، فشق ذلك على السلطان، وبعث إليه بالأمير ناصر الدين محمد أقبغا آص يسأله في العودة إلى الحكم، فنزل إليه في يوم السبت، وسأله عن السلطان، وتضرع إليه وترفق، فأبي من العود إلى الولاية. ورجع الأمير إلى السلطان، فأرسل إليه بالأمير بهادر الجمالي، أمير آخور، آخر النهار، فألح في مسألته وأكثر من الترقق له، فلم يقبل منه، وصمم على الامتناع. فلما أيس منه قال له: مولانا السلطان يسلم عليك، وقد حلف إن لم تقبل عنه الولاية، ولم تركب إليه، ليركبن إليك، حتى يأتيك في هذه الليلة إلى منزلك، حتى تقبل عنه ولاية القضاء، وحلف له الأمير بهادر بالطلاق، أنه سمع السلطان، وهو يحلف بالطلاق على هذا. فلم يجد القاضي عند ذلك بداً من أن قال: أنا أجتمع بالسلطان، ثم ركب بثياب جلوسه، وصعد إلى القلعة، فعرض عليه السلطان العود إلى ولاية القضاء، ولاطفه. فأجاب بعد جهد: إني أستخير الله تعالى هذه الليلة، ثم يكون ما يقدره الله. فرضي منه السلطان بذلك، وقام عنه وأجل الأمراء من يسعد بتقبيل يده، حتى أتى منزله. وركب من الغد يوم الأحد خامس عشرينه إلى القلعة، واشترط على السلطان شروطاً كثيرة، التزم له بها حتى قبل الولاية. ولبس التشريف الصوف، ونزل عليه من المهابة ما يكان بشق الصدور، فكان يوماً مشهوداً. وفي هذا الشهر: استقر جلال الدين جار الله في تدريس الحنفية بالجامع الطولوني، بعد وفاة ابن التركماني. واستقر الأمير قارا بن مهنا، في إمرة العرب، بعد موت أخيه حيار بن مهنا.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشرينه: ركب السلطان إلى عيادة الأمير منجك في مرضه، فقدم له عشرة مماليك، وعشرة بقج قماش، وعدة من الخيل، فقبل ذلك، ثم أنعم به عليه، ولم يرزأه منه شيئاً، وقد فرش له عدة شقاق من حرير مشى عليها بفرسه في داره، ثم عاد إلى القلعة.

.ومات في هذه السنة ممن له ذكر من الأعيان:

خلائق لا يحصيها إلا خالقها، فمن الأعيان: الأمير أسنبغا القوصوني اللالا أحد الطبلخاناه، وهو مجرد بالإسكندرية، في ثالث عشر المحرم.
ومات الأمير أسنبغا البهاوري شاد العماير، ونقيب الجيش، في آخر شهر رجب.
ومات شهاب الدين أحمد، عرف بطبيق، ابن الفقيه بدر الدين حسن، أحد فقهاء الحنفية، في رابع ذي القعدة.
ومات شهاب الدين أحمد بن السقا أحد فضلاء الميقاتية، في تاسع عشر شوال.
ومات شهاب الدين أحمد بن براغيث، في خامس عشرين شوال.
ومات قاضي الحنفية بدمشق، شرف الدين أحمد بن شهاب الدين حسين بن سليمان بن فزارة الكفري، بعد أن كف بصره، عن خمس وثمانين سنة.
ومات قاضي الشافعية بحلب وطرابلس، شهاب الدين أحمد بن عبد اللطيف بن أيوب الحموي، عن بضع وسبعين سنة، بحماة.
ومات الإمام النحوي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي العنابي الدمشقي، عن بضع وستين سنة بدمشق. أخذ النحو بالقاهرة عن أبي حيان، وشرح كتاب سيبويه.
ومات الأديب البارع شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد، المعروف بابن أبي حجلة التلمساني الحنفي، شيخ صهريج منجك، في يوم الخميس أول ذي الحجة بالقاهرة، عن إحدى وخمسين سنة.
ومات الإمام المحدث شهاب الدين أحمد بن الزيلعي شيخ الإقراء بخانكاه شيخو، في يوم الأربعاء سابع ذي الحجة.
ومات الأمير ألطنبغا النظامي الجوكندار.
ومات سلطان بغداد وتوريز القان أويس ابن الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا بن أيلكان، عن نيف وثلاثين سنة، منها في السلطنة تسع عشرة سنة، وكان قد اعتزل قبل موته، وأقام عوضه في المملكة ابنه الشيخ حسين لمنام رأه نعيت إليه نفسه، وعين له يوم موته، فتخلى عن الملك، وأقبل يتعبد، فمات كما ذكر له في نومه.
ومات الأمير أيدمر الدوادار الآنوكي الناصري، أتابك العساكر، في يوم الأربعاء سادس عشر ذي القعدة، وكان مهاباً، سيوساً، حازماً، يبدأ الناس بالسلام، ويتبع الأحكام الشرعية.
وتوفي شيخ خانكاه سعيد السعداء بدر الدين حسين بن قاضي دمشق، علاء الدين علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي الشافعي، في يوم السبت، سادس عشر شعبان، وهو ينوب في الحكم عن قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة، ويدرس في المدرسة الشريفية ومات الأمير حيار بن مهنا بن عيسى. بن مهنا بن مانع بن حديثة بن غضية بن فضل بن ربيعة، أمير آل فضل بنواحي سَلَمية، عن بضع وستين سنة.
ومات الأمير سلطان شاه بن قرا الحاجب من أَمراء الطبلخاناه.
وتوفي الشيخ جمال الدين عبد اللّه بن محمد بن أحمد الحسيني النيسابوري الشافعي، وهو من أبناء التسعين بحلب، بعد ما أقام بالقاهرة زماناً، وبرع في العربية والأصول.
وتوفي قاضي القضاة الحنابلة بدمشق علاء الدين على بن محمد بن علي بن عبد اللّه ابن أبي الفتح العسقلاني المصري، أحد أعلام الحنابلة، في ثامن عشر شوال بدمشق.
ومات قاضي حلب، علاء الدين علي بن الفخر عثمان بن أحمد بن عمرو بن محمد الزرعي الشافعي، عن خمس وثمانين سنة بدمشق، وقد باشر بها وكالة بيت المال وكتابة الإنشاء.
ومات الأمير قرقماس الصَرْغَتْمُشي، أحد العشرات.
ومات الأمير كَبَكَ الصَرْغَتْمُشي، أحد أمراء الطبلخاناه.
وتوفي قاضي العسكر مفتي دار العدل، أحد الفقهاء الحنفية، وشيخ العربية والأدب، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي بن الصايغ الحنفي، في يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان.
وتوفي قاضي القضاة صدر الدين محمد بن قاضي القضاة جمال الدين عبد اللّه بن قاضي القضاة علاء الدين على بن فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني، المعروف بابن التركماني الحنفي، في ليلة الجمعة رابع ذي القعدة، عن نحو أربعين سنة، بمنزله من ناحية كوم الريش، خارج القاهرة، وقد أقام في قضاء الحنفية ثلاث سنين وأشهر، وأوصى أن يكتب على قبره من شعره:
إن الفقير الذي أضحى بحفرته ** نزيل رب كثير العفو ستار

يوصيك بالأهل والأولاد تحفظهم ** فهم عيال على معروفك الساري

وتوفي مفتي الشام جمال الدين محمد بن الحسن بن محمد بن عمار، المعروف بابن قاضي الزبداني الحارثي الدمشقي، عن سبع وثمانين سنة.
وتوفي أمين الدين محمد بن قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الحق الحنفي، بدمشق، عن بضع وستين سنة.
وتوفي المحدث شمس الدين محمد بن الأنصاري المعروف بابن العلاف، عن نحو مائة سنة.
وتوفي رئيس التجار ناصر الدين محمد بن مسلم في يوم الجمعة ثاني عشر شوال، وإليه ينسب المدرسة المسلمية بمصر.
ومات الأمير منجك اليوسفي نائب السلطنة، في يوم الخميس تاسع عشرين ذي الحجة، ودفن من الغد بخانكاته تحت القلعة.
وتوفي الوزير الصاحب ناظر الخاص فخر الدين ماجد، ويدعى عبد الله، بن تاج الدين موسى بن علم الدين أبي شاكر بن سعيد الدولة، في يوم الجمعة عاشر ذي القعدة، وأبوه حي.
ومات الأمير موسى بن أيدمر الخطيري، أحد أمراء العشرات.
ومات الأمير الطواشي سابق الدين مثقال الآنوكي مقدم المماليك، وأحد أمراء الطبلخاناه، في يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة، وإليه تنسب المدرسة السابقية بالقاهرة.
وتوفي المسند زين الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن هارون، بن محمد بن هارون، المعروف بابن القارئ التغلبي، في نصف ذي القعدة، حدث بصحيح عن الشهاب أحمد بن إسحاق بن المؤيد الأبرقوهي، وهو آخر من حدث عنه، وله مشيخة، حدث بها أيضاً.
وتوفي أحد فقهاء المالكية ناصر الدين محمد الهاروني أبو جابر بمصر، في يوم الأربعاء سادس شعبان.
وتوفي كمال الدين أبو البركات السبكي الشافعي مدرس الحديث بالشيخونية، ومفتي دار العدل، في يوم الإثنين ثاني عشرين شوال.
وتوفي شيخ كتاب المنسوب عز الدين أيبك بن عبد الله التركي، عتيق طرغاي الجاشنكير الناصري في يوم الأحد بالقاهرة، وكتب على الفخر السنباطي، وجاد، وتصدر للكتابة بالجامع الأزهر دهراً، فكتب الناس عليه وانتفع به جماعة، وكان خيراً ديناً.
ومات الأمير يلبغا الناصري، أحد مقدمي الألوف، في ليلة الجمعة آخر ذي الحجة. ومات الشيخ مجد الدين محمد بن الشيخ مجد الدين أبي بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز الزنكلوني الشافعي، في سابع شوال.
ومات ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن الكتناني، أحد فضلاء الميقاتية، في يوم الثلاثاء خامس عشرين رمضان.
ومات شرف الدين محمد بن الشيخ ناصر الدين أبي جابر المالكي، أحد نواب المالكية بمصر، في سادس عشر شوال.
ومات شمس الدين محمد بن ثعلب المالكي، مدرس المدرسة القمحية بمصر، في تاسع شوال.
ومات شرف الدين حسن بن صدر الدين بن قاضي القضاة تقي الدين أحمد المقدسي الحنبلي، أحد كتاب الإنشاء ومدرس الحنابلة بالجامع الحاكمي، في يوم الأربعاء سادس عشر ذي القعدة.
ومات الأمير بيبغا العلاى الدوادار، وهو منفي بطرابلس.
وتوفي صلاح الدين يوسف بن محمد، عرف بابن المغربي، رئيس الأطباء، في يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى الآخرة، عن سن عال، وإليه ينسب جامع ابن المغربي، بشاطىء الخليج الناصري بجانب بركة قرموط.