فصل: ومات في هذه السنة ممن له ذكر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك (نسخة منقحة)



.سنة سبع وتسعين في ستمائة:

فيها قدم الملك المسعود نجم الدين خضر بن الملك الظاهر بيبرس من بلاد الأشكري إلى القاهرة، بشفاعة أخته امرأة السلطان الملك المنصور لاجين، ومعه أمه وأخوه الملك العادل سلامش وقد مات وصبر، فدفن سلامش بالقرافة. وكان السلطان قد احتفل لقدومهم، وأخرج الأمراء إلى لقائهم وبالغ في إكرامهم، وأجرى على الملك المسعود الرواتب وجهزه للحج.
وفيه توجه الأمير سيف الدين سلار أستادار إلى الكرك، وأحضر ما كان بها من الأموال، وقدم معه الأمير جمال الدين أقش نائب الكرك، فخلع عليه وأعيد إلى نيابته.
وفي حادي عشري صفر: ركب السلطان، بعدما انقطع لما به من كسر يده نحو الشهرين، ونزل إلى الميدان، ودقت البشائر، وزينت القاهرة ومصر، وكتب بالبشائر إلى الأعمال بذلك. وكان يوم ركوبه من الأيام المشهودة، اجتمع الناس لرؤيته من كل مكان، وأخذ أصحاب الحوانيت من كل شخص أجرة جلوسه نصف درهم فضة، واستأجر الناس البيوت بأموال جزيلة فرحا به، فإنه كان محبباً إلى الناس. وعاد السلطان من الميدان، فألبس الأمراء، وفرق الصدقات في الفقراء، وأفرج عن المحابيس.
وفي هذا الشهر: استدعى السلطان قاضي القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكي، وصي الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقال له: الملك الناصر ابن أستاذي، وأنا قائم في السلطنة كالنائب عنه إلى أن يحسن القيام بأمرها، والرأي أن يتوجه إلى الكرك وأمره بتجهيزه. ثم قال السلطان للملك الناصر محمد بن قلاوون: لو علمت أنهم يخلوك سلطانا والله تركت الملك لك، لكنهم لا يخلونه لك وأنا مملوكك ومملوك والدك، احفظ لك الملك، وأنت الآن تروح إلى الكرك إلى أن تترعرع وترتجل وتتحرج وتجرب الأمور وتعود إلى ملكك، بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة فيها. فقال له الناصر: فاحلف لي أن تبقي على نفسي وأنا أروح فحلف كل منهما على ما أراده الآخر. فخرج الناصر في أواخر صفر، ومعه الأمير سيف الدين سلار أمير مجلس، والأمير سيف الدين بهادر الحموي، والأمير أرغون الدوادار، وطيدمر جوباش رأس نوبة الجمدارية، فوصل إلى الكرك في رابع ربيع الأول، فقام لخدمته الأمير جمال الدين أقوش الأشرف نائب الكرك.
وفي يوم الإثنين سادسه: قبض على الأمير بدر الدين بيسري الشمسي، وعلى الأمير شمس الدين الحاج بهادر الحلبي الحاجب، والأمير شمس الدين سنقر شاه الظاهري، وسبب ذلك أن منكوتمر في مدة ضعف السلطان كان هو الذي يعلم عنه على التواقيع والكتب، وصار يخشى أن يموت السلطان ولم يكن له ولد ذكر، فيجعل بعده في السلطنة بيسري، وكان يكره منكوتمر. فحسن منكوتمر لمن خيل السلطان من ذلك وأن يعهد لأحد، فاقتضى رأيه أن يجعل الأمير منكوتمر ولي عهده، ويقرن اسمه باسمه في الخطبة والسكة، واستشار في ذلك الأمير بيسري فرده رداً خشناً، وقال: منكوتمر لا يجيء منه جندي، وقد أمرته وجعلته نائب السلطة، ومشيت الأمراء والجيوش في خدمته فامتثلوه رضاء لك، مع ما تقدم من حلفك ألا تقدم مماليكك على الأمراء ولا تمكنهم منهم، فما قنعت بهذا حتى تريد أن تجعله سلطانا، وهذا لا يوافقك أحد عليه ونهاه أن يذكر هذا لغيره وخوفه العاقبة، وانصرف عنه، فلشدة محبة السلطان في منكوتمر أعلمه بما كان من بيسري، فأسرها في نفسه وعاداه وأخذ يدبر عليه وعلى الأمراء، ويغري السلطان به وبهم.
واتفق مجيء الخبر بالحلف بين المغل، وخروج التجريدة إلى سيس، فلما تفرق الأمراء ولم يبق من يخافه منكوتمر توجه إلى الأمير بيسري. واستمال أستاداره بهاء الدين أرسلان بن بيليك حتى صار من خواصه، ورتبه فيما يقوله. ثم حسن منكوتمر للسلطان أن ينتدب بيسري لكشف جسور الجيزة، فتقدم له بذلك مع أنها غض منه، إذ محله أجل من ذلك، فلم يأب وخرج إلى الجيزة بمماليكه وأتباعه، وصار يحضر الخدمة السلطانية بالقلعة في يومي الإثنين والخميس، ويجلس رأس الميمنة تحت الطواشي حسام الدين بلال المغيثي لأجل تقدمه، ويعود إلى الجيزة حتى أتقن عمل الجسور.
فلما تكامل إتقان الجسور استأذن بيسري السلطان في عمل ضيافة له، فإذن في ذلك، فاهتم لها اهتماماً زائداً ليحضر إليه السلطان بالجيزة. فأمكنت الفرصة منكوتمر ووجد سبيلا إلى بيسري، فخدع أرسلان استادار بيسري ورتبه في كلام يقوله السلطان، ووعده بإمرة طبلخاناه. فانخدع أرسلان ودخل مع منكوتمر إلى السلطان، وقال له بأن بيسري رتب أنه يقبض عليك إذا حضرت لضيافته فتخيل السلطان من قوله.
واتفق أن بيسري بعث إلى منكوتمر يطلب منه الدهليز السلطاني، لينصبه السلطان في مكان المهم، فبعثه إليه من غير أن يعلم السلطان. فلما مر الدهليز على الجمال من تحت القلعة ليتوجهوا به إلى الجيزة رآه السلطان، فأنكر ذلك وبعث إلى منكوتمر يسأل منه.
فأنكر أن يكون له علم به، وقال: إنما بيسري استدعى به من مقدم الفراشين، وأخذه مماليكه من الفرش خاناه بغير إذن، وشرع يحتج لصدق ما قاله أرسلان بهذا. فرد السلطان الدهليز إلى الفرش خاناه، وغلب على ظنه صدق ما نقل له عن بيسري.
ولما وقع ذلك أطلع عليه بعض الأمراء الأكابر، فبعث أحدهم وهو الأمير سيف الدين طقجي الأشرفي يعلم بيسري بما جرى، ويعده بأنه معه هو جماعة من الأمراء، فلم يلتفت إلى قوله. فبعث أرغون أحد ممالك السلطان إلى بيسري بالخبر على جليته، وحذره من الحضور إلى خدمة السلطان، وأنه إن حضر أن يكون على استعداد. فلما أراده الله حضر بيسري يوم الإثنين المذكور إلى الخدمة على العادة، فقام له السلطان على عادته وأجلسه بجانبه. فلما قدم السماط لم يأكل بيسري واعتذر بأنه صائم، فأمر السلطان برفع مجمع من الطعام برسم فطوره فرفع له، وأخذ يحادثه حتى رفع السماط. وخرج الأمراء وقام الأمير بيسري معهم، فلما مشى عدة خطوات استدعاه السلطان إليه وحدثه طويلا، وكان الحجاب والنقباء يستحثون الأمراء على الخروج. ثم قام بيسري من عند السلطان ومشى خطوات، فاستدعاه السلطان ثانيا فعاد، وحدثه أيضاً حتى علم أن المجلس والدهاليز لم يبق بها أحد سوى مماليك السلطان فقط، فتركه. فقام بيسري ومشى، فاعترضه سيف الدين طقجي وعلاء الدين أيدغدي شقير، وعدلا به إلى جهة أخرى، وقبض أيدغدي شقير على سيفه وأخذه من وسطه، فنظر إليه طقجي وبكى، وجبذاه إلى القاعة الصالحية فاعتقل بها. فارتجت القلعة، وطار الخبر إلى القاهرة فأغلق باب زويلة وماج الناس، ثم فتح باب زويلة. ووقعت الحوطة على جميع موجوده، وقبض على جماعة من مماليكه ثم أفرج عنهم وأقام بيسري في القاعة مكرما، وحملت إليه امرأته وهي والدة أحمد بن السلطان الملك المنصور. فما زال معتقلا حتى مات. ومن العجب أن كلا من السلطان وبيسري أتى عليه في هذه من أخص أصحابه: فإن أرسلان ابن بدر الدين بيليك أمير مجلس، وكان بدر الدين هذا مملوكا للأمير بيسري، ورباه بيسري كالولد حتى كبر، وقدمه على أكابر مماليكه وعمله أستاداره، وبالغ في الإحسان إليه حتى أنه أعطاه في يوم واحد سبعين فرسا، وكان هو السبب في سلب نعمته كما ذكر. وأرغون كان أخص مماليك السلطان وأقربهم إليه، فأفشى سره إلى بيسري من حنقه لأن غيره من المماليك أخذ إمرة طبلخاناه وأعلى هو إمرة عشرة، فبقي في نفسه لذلك إحنة.
ولما قبض على بيسري والأمراء نفرت القلوب، وأكدت الوحشة موت عشرة أمراء في خمسة أيام، فاتهم السلطان بأنه سمهم.
وفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر: أقيمت الخطة بالمدرسة المعظمية، بفسخ قاسيون خارج دمشق.
وفي سابع عشره: أعيد الصاحب فخر الدين عمر بن الشيخ مجد الدين عبد العزيز الخليلي إلى الوزارة بديار مصر، فتتبع ألزام الأمير سنقر الأعسر، وأحض أستاداره سيف الدين كيكلدي من دمشق وأحاط بموجوده.
وفي جمادى الأولى: قبض السلطان على جماعة من أمراء مصر. وصرف بهاء الدين الحلي عن نظر الجيش، وأخذ خطه بألف ألف درهم، واستدعى عماد الدين، بن المنذر ناظر الجيش بحلب، واستكتب إلى أن حضر أمين الدين بن الرقاقي. وسبب ذلك أن ابن الحلي كان قد استشاره السلطان في تولية منكوتمر النيابة، فقال له: إن دولة السعيد ما أخربها إلا كوندك، ودولة الأشرف أخربها بيدرا، ودولة العادل تلفت بسبب مماليكه، ومنكوتمر شاب كبير النفس لا يرجع لأحد، ويخاف من تحكمه وقوع فساد كبير. فسكت عنه السلطان وأعلم منكوتمر بذلك، فأخذ منكوتمر يعاديه حتى إنه لما ولي النيابة ودخل عليه قال له: يا قاضي! هذا ببركة وعظك للسلطان فأطرق. وأخذ منكوتمر يغري السلطان به، ويذكر سعة أمواله. بمصر والشام، وأنه كثير اللعب. وكان ابن الحلي يحب بعض المماليك الخاصكية، فترصده منكوتمر حتى علم أنه عنده فأعلم بذلك السلطان، فأرسل إليه الطواشي المقدم في عدة نقباء، فهجموا على بستانه بالقرب من الميدان وأخذوه والمملوك، فسلم إلى الأمير أقوش الرومي، وقبض على حواشيه وأحيط بموجوده مصراً وشاماً.
وفيه قدم البريد بأن رجل من قرية جينين بالساحل ماتت امرأته، فلما دفنها وعاد إلى منزله تذكر أنه نسي في القبر منديلا فيه مبلغ دراهم، فأخذ فقيه القرية ونش القبر ليأخذ المال، والفقيه على شفير القبر، فإذا بالمرأة جالسة مكتوفة بشعرها ورجلاها أيضاً قد ربطا بشعرها، فحاول حل كتفها فلم يقدر، فأخذ يجهد نفسه في ذلك، فخسف به وبالمرأة إلى حيث لم يعلم لهما خبر فغشي على فقيه القرية مدة يوم وليلة. فبعث السلطان بخبر هذه الحادثة وما قد كتب به من الشام فيها إلى الشيخ تقي الدين محمد بن دقيق العيد، فوقف عليه وأراه الناس ليعتبروا بذلك.
وفيه قدم البريد من حلب بوقوع الخلف بين طقطاي وطائفة نغية حتى قتل منهم كثير من المغل، وانكسر الملك طقطاي، وأن غازان قتل وزيره نيروز وعدة ممن يلوذ به. فاتفق الرأي على أخذ سيس ما دام الخلف بين المغل، وأن يخرج الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح ومعه ثلاثة أمراء وعشرة آلاف فارس وكتب لنائب الشام بتجريد الأمير بيبرس الجالق وغيره من أمراء دمشق وصفد وطرابلس، وعرض الجيش. في جمادى الأولى. فلما تجهزوا سار الأمير بدر الدين بكتاش الفخري إلى غزاة سيس، ومعه من الأمراء حسام الدين لاجين الرومي الأستادار وشمس الدين أقسنقر كرتاي ومضافيهم، فدخلوا دمشق في خامس جمادى الآخرة، وخرج معهم منها الأمير بيبرس الجالق العجمي والأمير سيف الدين كجكن والأمير بهاء الدين قرا أرسلان ومضافيهم في ثامنه، وساروا بعسكر صفد وحمص وبلاد الساحل وطرابلس والملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة. فلما بلغ مسيرهم متملك سيس بعث إلى السلطان يسأله العفو، فلم يجبه.
ووصلت هذه العساكر إلى حلب، وجهز السلطان الأمير علم الدين سنجر الدواداري بمضافيه من القاهرة ليلحق بهم، فأدرك العساكر بحلب. وخرجوا منها بعسكر حلب إلى العمق، وهو عشرة آلاف فارس، فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش في طائفة من عقبة بغراس إلى اسكندرونة، ونازلوا تل حمدون، وتوجه الملك المظفر صاحب حماة والأمير علم الدين سنجر الدوادراي والأمير شمس الدين أقسنقر كرتاي في بقية الجيش إلى نهر جهان، ودخلوا جميعاً دربند سيس في يوم الخميس رابع رحب. وهناك اختلفوا، فأشار الأمير بكتاش بالحصار ومنازلة القلاع، وأشار سنجر الدواداري بالغارة فقط، وأراد أن يكون مقدم العسكر، ومنع الأمير بكتاش من الحصار ومنازلة القلاع فلم ينازعه. فوافقه بكتاش وقطعوا نهر جهان للغارة، ونزل صاحب حماة على مدينة سيس، وسار الأمير بكتاش إلى أذنة، واجتمعت العساكر جميعها عليها بعد أن قتلوا من ظفروا به من الأرمن وساقوا الأبقار والجواميس. ثم عادوا من أذنة إلى المصيصة بعد الغارة، وأقاموا عليها ثلاثة أيام حتى نصبوا جسراً مرت عليه العساكر إلى بغراس، ونزلوا بمرج أنطاكية ثلاثة أيام، ثم رحلوا إلى جسر الحديد يريدون العود إلى مصر.
وكان الأمير بكتاش لما نازعه الدواداري في التقدمة على العساكر، ومنعه من الحصار، قد كتب إلى الأمير بلبان الطباخي نائب حلب بذلك ليطالع به السلطان، فكتب بالخبر إلى السلطان. فورد الجواب إلى الأمراء بالإنكار على الدواداري في تقدمه على الأمير بكتاش، وكونه اقتصر على الغارة، وإنه لم يخرج إلا على مضافيه، وأن التقدمة على سائر العساكر للأمير بكتاش وأن العساكر لا ترجع إلا بعد فتح تل حمدون، وإن عادت من غير فتحها فلا إقطاع لهم بالديار المصرية.
فعادت العساكر من الروج إلى حلب وأقاموا بها ثمانية أيام، وتوجهوا إلى سيس من عقبة بغراس. وسار كجكن وقرا أرسلان إلى أياس وعادا شبه المنهزم، فإن الأرمن أكمنوا في البساتين، فأنكر عليهما الأمير بكتاش، فاعتزرا بضيق المسلك والتفاف الأشجار وعدم التمكن من العدو. ثم رحل بكتاش بجميع العساكر إلى تل حمدون، فوجدوها خالية وقد نزح من كان فيها من الأرمن إلى قلعة نجيمة فتسلمها في سابع رمضان وأقام بها من يحفظها، وسير الأمير بلبان الطباخي نائب حلب عسكرا فملكوا قلعة مرعش في رمضان أيضاً. وجاء الخبر إلى الأمير بكتاش وهو على تل حمدون بأن واديا تحت قلعة نجيمة وحميص قد امتلأ بالأرمن، وأن أهل قلعة نجيمة تحميهم، فبعث طائفة من العسكر إليهم فلم ينالوا غرضاً، فسير طائفة ثانية فعادت بغير طائل. فسار الأمراء في عدة وافرة وقاتلوا أهل نجيمة حتى ردوهم إلى القلعة، وزحفوا على الوادي وقتلوا وأسروا من فيه، ونازلوا قلعة نجيمة ليلة واحدة، وسار العسكر إلى الوطأة، وبقي الأمير بكتاش والملك المظفر في مقابلة من بالقلعة خشية أن يخرج أهل نجيمة فينالوا من أطراف العسكر، حتى صار العسكر بالوطأة، ثم اجتمعوا بها.
فقدم البريد من السلطان بمنازلة قلعة نجيمة حتى تفتح فعادوا إلى حصارها، واختلف الأمير بكتاش والأمير سنجر الدواداري على قتالها، فقال الدواداري: متى نازلها الجيش بأسره لا يعلم من قاتل ممن عجز وتخاذل، والرأي أن يقاتل كل يوم أمير بألفه. وأخذ يدل بشجاعته، ويصغر شأن القلعة، وقال: أنا آخذها في حجري فسلموا له واتفقوا على تقديمه لقتالها قبل كل أحد. فتقدم الدواداري إليها بألفه حتى لاحف السور، فأصابه حجر المنجنيق فقطع مشط رجله، وسقط عن فرسه إلى الأرض، وكاد الأرمن يأخذونه، إلا أن الجماعة بادرت وحملته على جنوبة إلى وطاقه، ولزم الفراش، فعاد إلى حلب، وسار منها إلى القاهرة، وقتل في هذه النوبة الأمير علم الدين سنجر طقصبا الناصري. وزحف في هذا اليوم الأمير كرتاي ونقب سور القلعة وخلص منه ثلاثة أحجار، واستشهد معه ثلاثة عشر رجلا. ثم زحف الأمير بكتاش وصاحب حماة ببقيه الجيش طائفة بعد طائفة، وكل منهم يردف الآخر حتى وصلوا إلى السور وعليهم الجنويات، وأخذوا في النقب وأقاموا الستائر، وتابعوا الحصار أحدا وأربعين يوماً.
وكان قد اجتمع بها من الفلاحين ونساء القرى وأولادهم خلق كثير، فلما قل الماء عندهم أخرجوا مرة مائتي رجل وثلاثمائة امرأة ومائة وخمسين صبيا، فقتل العسكر الرجال واقتسموا النساء والصبيان. ثم أخرجوا مرة أخرى مائة وخمسين رجلا ومائتي امرأة وخمسة وسبعين صبيا، ففعلوا بهم مثل ما فعلوا بمن تقدم. ثم أخرجوا مرة ثالثة طائفة أخرى، فأتوا على جميعهم بالقتل والسبي، حتى لم يتأخر بالقلعة إلا المقاتلة. وقلت المياه عندهم حتى اقتتلوا بالسيوف على الماء، فسألوا الأمان فأمنوا، وأخذت القلعة في ذي القعدة، وسار من فيها إلى حيث أراد. وأخذ أيضاً أحد عشر حصنا من الأرمن، ومنها النقير وحجر شغلان وسرقندكار وزنجفرة وحميص، وسلم ذلك كله الأمير بكتاش إلى الأمير سيف الدين أسندمر كرجي من أمراء دمشق، وعينه نائبا بها، فلم يزل أسندمر بها حتى قدم التتار، فباع ما فيها أنا آخذ عمن الحواصل ونزح عنها، فأخذها الأرمن.
ولما تم هذا الفتح عادت العساكر إلى حلب وكان الشتاء شديداً، فأقاموا بها. وبعث السلطان إليهم الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير عز الدين طقطاي، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان، والأمير علاء الدين أيدغدي شقير الحسامي، في ثلاثة آلاف فارس من عساكر مصر، فدخلوا دمشق يوم الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة، وساروا منها إلى حلب في عشريه، وأقاموا بها مع العسكر. وبعث متملك سيس إلى السلطان يسأل العفو.
وفي هذه السنة: كان الروك الحسامي، وذلك أن أرض مصر قد قسمت على أربعة وعشرين قيراطا، وأفرد منها للسلطان أربعة قراريط، وجعل للأمراء وبرسم الإطلاقات والزيادات عشرة قراريط، وجعل لأجناد الحلقة عشرة قراريط، فأراد السلطان الملك المنصور تغيير ذلك، وأن يجعل للأمراء وأجناد الحلقة أحد عشر قيراطا، ويستجد عسكرا بتسعة قراريط. فندب لروك أراضي مصر الأمير بدر الدين بيليك الفارسي الحاجب، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهري المعروف بالبريدي، وانتصب لهذا العمل جماعة من الكتاب، وكان المشار إليه فيهم تاج الدين عبد الرحمن الطويل مستوفي الدولة، وهو من مسالمة القبط، وممن يشار إليه في معرفة صناعة الكتابة، ويعتمد على قوله ويرجع إليه. فخرج الأمراء للروك، ومعهم الكتاب وولاة الأقاليم في سادس عشر جمادى الأولى.
وتقدم الأمير منكوتمر نائب السلطنة إلى التاج الطويل بأن يفرد للأمراء والأجناد عشرة قراريط، وأن يجعل القيراط الحادي عشر برسم من يتضرر من قلة عبرة خبزه. وأفرد لخاص السلطان الأعمال الجيزية والإطفيحية والإسكندرية ودمياط ومنفلوط وكفورها، وهو والكوم الأحمر من أعمال القوصية، وغير ذلك، وأفرد للنائب منكوتمر إقطاع عظيم من جملته مرج بني هميم وكفور، وسمهود وكفورها، وحرجة قوص، ومدينة أدفو وما في هذه النواحي من الدواليب، وكان متحصلها ينيف على مائة ألف أردب وعشرة آلاف أردب من الغلة، خارجا عن المال العين والقنود والأعسال، والتمر والأغنام والأحطاب. وكان في خاصه سبعة وعشرون معصرة لقصب السكر، سوى ما له من المشتريات والمتاجر، وما له ببلاد الشام من الضياع والعقار، وما يرد إلية من التقادم.
فلما انتهي الروك في ثامن رجب فرقت مثالات الأمراء.
وفي تاسعه: فرقت مثالات مقدمي الحلقة.
وفي عاشره: فرقت مثالات أجناد الحلقة. وأقطعت البلاد للأمراء والأجناد دربستا، لم يستثن منها سوى الجوالي والمواريث الحشرية فإنها من جملة الخاص السلطاني، وسوى الرزق الأحباسية، وما عدا ذلك فإنه داخل في الإقطاع وحولت سنة ست وتسعين إلى سنة سبع وتسعين على العادة.
وتولى تفرقة المثالات على الأمراء والمقدمين السلطان، فبان له في وجوههم التغير لقلة العبرة، وهم بزيادتهم. فمنعه منكوتمر من فتح هذا الباب، وحذره أنه متى فتح باب الزيادة تعب، ولكن من تضرر من إقطاعه يحيله على منكوتمر، ففعل السلطان ذلك. وتولى تفرقة مثالات الأجناد منكوتمر، فجلس بشباك دار النيابة ووقف الحجاب بين يديه، وأعلى لكل تقدمة مثالا بها، فلم يجسر أحد أن يتكلم خوفا منه، فاستمر على ذلك أياماً.
وكانت الإقطاعات قد تناقصت عما كانت عليه في الدولة المنصورية قلاوون، فإن أقلها كان يتحصل منه عشرة آلاف درهم، وأكثرها ينيف على ثلاثين ألفا، فصار أكثرها يبلغ عشرين ألفا، فعمل في هذا الروك أكثر الإقطاعات يتحصل منه عشرة آلاف، فشق ذلك على الأجناد، وتجمعت طائفة منهم ورموا مثالاتهم، وقالوا: إنا لم نعتد بمثل هذا، فإما أن تعطونا ما يقوم بكفايتنا، وإلا فخذوا أخبازكم، وإما نخدم الأمراء، أو نقيم بطالين. فحنق منهم منكوتمر وأمر الحجاب فضربوهم، وأخذ سيوفهم وسجنهم، وبالغ في الفحش، وصار ينظر إلى الأمراء ويقول: أيما قواد يجيء يشتكي من خبزه ويقول أعرف السلطان، فإني أعرف إيش يقول السلطان، فإما أن يرضى يخدم وإلا فإلى لعنة الله. فعرف الأمراء أنه يعنيهم، فسكتوا على ضغن وبلغ السلطان ذلك عن منكوتمر فأنكر عليه، وأمره الزيادة في الإقطاعات فلم يفعل، وأقام الأجناد في السجن مدة أيام ثم أفرج عنهم. فكان هذا الروك أكبر الأسباب في زوال الدولة.
وفيها أنعم بطبلخاناه الأمير سيف الدين بلبان الفاخري نقيب الجيش بعد موته على الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي أمير آخور، وكان السلطان قبل ذلك قد أعطاه إمرة عشرة. واستقر سيف الدين كرت أمير آخور في نيابة طرابلس، بعد وفاة عز الدين أيبك الموصلي.
وفيها عدم الثلج بدمشق، وغارت العيون، وهلك أكثر الزرع وحفت أشجار البساتين.
وفيها بلغ سيف الدين جاغان شاد الدواوين بدمشق أن للأمير عز الدين الجناحي نائب غزة وديعة عند رحل، فاستدعى به بعد موت الجناحي وطالبه فقال: قد أخذ الوديعة قبل موته. فلما أراد عقوبته حضر إليه فخر الدين الإعزازي أحد تجار دمشق، وقال: إن هذه الوديعة أخذها الجناحي من هذا الرجل وجعلها تحت يدي وأحضر صندوقاً، فوحد الأمير جاغان فيه اثنين وثلاثين ألف دينار ومائتي وأربعة وثلاثين دينارا عينا، وحوائص وطرزا قيمتها خمسون ألف دينار.
وفيها خرج الأمير سيف الدين حمدان بن صلغاي إلى بلاد الشام في صورة أنه يستحث العساكر على أخذ سيس، وقد لقنه الأمير منكوتمر أموراً مكتومة، كان فيها زوال الدولة ومنها أنه يفرج عن الأمير كرجي من قلعة دمشق ويسفره إلى سيس، ويتفق هو وأيدغدي شقير المتوجه قبله صحبة بكتمر السلاح دار مع جماعة من خشداشيته على ما يأتي ذكره.
وفيما أنعم على صمغار بن سنقر بإمرة، وأنعم على كل من بن أيتمش السعدي وسيف الدين طقصبا الظاهري بإمرة.
وفيها قدم الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى أمير العرب، فأكرمه السلطان وألبسه خلعة طرد وحش، وهو أول من ألبس ذلك لآل مهنا، وإنما كانت خلعهم مسمطا أو كنجيا. واستأذن مهنا السلطان في الحج فأذن له.
وفيها قوي أمر منكوتمر، وتحكم تحكمة الملوك في جميع أمور المملكة، وقصد إخراج طغجي أيضاً من مصر، ففطن طغجي لذلك، فسأل الإذن في السفر إلى الحج فأذن له، وعمل أمير الركب.
وفيها بعث منكوتمر إلى قاضي القضاة تقي الدين محمد بن دقيق العيد يعلمه أن تاجراً قد مات وترك أخا ولم يخلف غيره ممن يرثه، وأراد أن يثبت استحقاقه الإرث بمجرد هذا الإخبار عنه. فلم يوافق قاضي القضاة على ذلك، وترددت الرسل بينهما، فخرج منكوتمر من ذلك، وبعث إليه الأمير كرت الحاجب، فلما دخل كرت وقف بعدما سلم، فقام له القاضي نصف قومة ورد عليه السلام وأجلسه. وأخذ كرت يتلطف به في إثبات أخوة التاجر بشهادة منكوتمر، فقال له قاضي القضاة: وماذا ينبني على شهادة منكوتمر؟ قال له: يا سيدي ما هو عندكم عدل؟ فقال: سبحان الله ثم أنشد:
يقولون هذا عندنا غير جائز ** ومن أنتم حتى يكون لكم عند

وكرر ذلك ثلاث مرات، ثم قال: والله متى لم تقم عندي بينة شرعية ثبتت عندي، وإلا فلا حكمت له بشيء باسم الله،. فقام كرت وهو يقول: والله هذا هو الإسلام وعاد إلى منكوتمر واعتذر إليه بأن هذا الأمر لابد فيه من اجتماعك بالقاضي إذا جاء إلى دار العدل.
فلما كان يوم الخدمة، ومر القاضي على دار النيابة بالقلعة ومنكوتمر جالس في الشباك، تسارعت الحجاب واحدا بعد آخر إلى القاضي وهم يقولون: يا سيدي الأمير ولدك يختار الاجتماع بك لخدمتك. فلم يلتفت إلى أحد منهم، فلما ألحوا عليه قال لهم: قولوا له ما وحبت طاعتك علي والتفت إلى من معه من القضاة، وقال: أشهدكم أني عزلت نفسي باسم الله، قولوا له يول غيري. وعاد إلى داره وأغلق بابه، وبعث نقباءه إلى النواب في الحكم وعقاد الأنكحة يمنعهم من الحكم وعقد الأنكحة.
فلما بلغ السلطان ذلك أنكر على منكوتمر، وبعث إلى القاضي يعتذر إليه ويستدعيه، فأبى واعتذر عن طلوعه، فبعث إليه الشيخ نجم الدين حسين بن محمد بن عبود والطواشي مرشداً، فما زالا به حتى صعدا به إلى القلعة. فقام إليه السلطان وتلقاه، وعزم عليه أن يجلس في مرتبته، فبسط منديله وكان خرقة كتان خلقة فوق الحرير فبل أن يجلس، كراهة أن ينظر إليه، ولم يجلس عليه. وما برح السلطان يتلطف به حتى قبل الولاية ثم قال له: يا سيدي هذا ولدك منكوتمر خاطرك معه، ادعوا له وكان منكوتمر ممن حضر، فنظر إليه قاضي القضاة ساعة، وصار يفتح يده ويقبضها وهو يقول: منكوتمر لا يجيء منه شيء وكررها ثلاث مرات، وقام. فأخذ السلطان الخرقة التي وضعها على المرتبة تبركا بها، وتفرقها الأمراء قطعة قطعة ليدخروها عندهم رجاء بركتها.
وأما حمدان بن صلغاي، فإنه قدم إلى دمشق وعرف الأمير جاغان ما ندب إليه من مسك الأمير بكتمر السلاح دار والأمير فارس الدين ألبكي نائب صفد وعز الدين طقطاي والأمير بزلار والأمير عزاز، وكان الأمير قبجق نائب الشام قد خرج بالعساكر، إلى مساعدة الأمراء على أخذ سيس، ثم سار حمدان إلى حمص، والتقي هناك بالأمير قبجق وهو عائد إلى دمشق، فتلقاه وأكرمه. ثم توجه إلى حلب، وأوقف النائب على ما جاء فيه من قبض الأمراء الذين عينهم منكوتمر، فبلغهم ذلك فاحترزوا على أنفسهم ولحقوا بحمص يريدون الأمير قبجق والاتفاق معه.
وفيها أفرج عن ابن الحلي، بعد أن بالغ أقوش الرومي في عقوبته، فاختفى.
وفيها استقر الأمير بكتمر الحسامي أمير آخور كبيراً، واستقر علاء الدين طيبرس الخازنداري نقيب الجيش، عوضاً عن بلبان الفاخري.
وفيها رسم بعمل استيمار يجمع أرباب الرواتب والرزق، ليحضروا بتواقيعه للعرض على منكوتمر، ويقطع من يختار منهم، فلما شرعوا في الكتابة اشتد قلق الناس، وبلغ السلطان ذلك فمنع منكوتمر منه.

.ومات في هذه السنة ممن له ذكر:

صدر الدين إبراهيم بن محيى الدين أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطاء البصراوي الدمشقي الفقيه الحنفي، ولد في سنة تسع وستمائة، وبرع في الفقه والنحو، وأفتى ودرس وولي قضاء حلب، وقدم بعد عزله إلى القاهرة وأقام بها، ثم ولي حلب ثانياً فمات بدمشق في رمضان. ومات شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقرئ الفقيه الحنبلي عابر الرؤيا، كانت له عجائب في عبارة الرؤيا وصنف فيها، ومات آخر ذي القعدة.
ومات الأمير عز الدين أيبك الموصلي أحد المماليك المنصورية، وقد تنقلت به الخدم حتى ولي نيابة طرابلس إلى أن مات في.
ومات الأمير سيف الدين بلبان الفاخري نقيب الجيش، في رابع عشر ربيع الآخر.
ومات الأمير علم الدين سنجر طقصبا، استشهد في محاصرة قلعة نجيمة في.
ومات الأمير علم الدين سنجر أحد الأمراء الناصرية بدمشق في سابع عشري جمادى الأولى، وكان شجاعا مقداما، سمع الحديث وعرف بالخير وحدث.
وتوفي شيخ الشيوخ بحلب نجم الدين أبو محمد عبد اللطيف بن أبي الفتوح نصر بن سعيد بن سعد بن محمد بن ناصر الميهني، عن ثمان وثمانين سنة.
ومات الأمير سعد الدين كوجبا نائب دار العدل، في يوم الإثنين حادي عشر جمادى الأولى.
ومات موفق الدين محمد بن الحسين بن ثعلب الأدفوي خطيب أدفو، وله نظم ونثر، وفيه كرم وعنده إغضاء وحلم، ومات في.
ومات جمال الدين محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم بن واصل الحموي قاضي حماة، وهو أحد الأئمة الأعلام، قدم القاهرة، ومات بحماة في ثاني عشري شوال، عن ثلاث وتسعين سنة. ومات الشيخ شمس الدين أبو المعالي محمد بن بكر بن محمد الأيكي الفارسي الشافعي، شيخ الخانكاه الصلاحية سعيد السعداء، مات بدمشق في رابع رمضان عن ست وستين سنة.
ومات الأمير شمس الدين سنفر التكريتي، أستادار الملك السعيد.
ومات الأمير علم الدين طرطج الصالحي، وهو كاتب له مكارم، وفيه غقدام وشجاعة، وله أثار حميدة.
ومات الأمير طقطاي الأشرفي أحد الأمراء والأكابر.
ومات الأمير شمس الدين سنقر التكريتي، عرف بالمساح، وكان مشهوراً بالشجاعة، يخرج كل سنة إلى عكا فتكون له وقائع مع أهلها، وكان يركب بجانب المنصور قلاوون في المواكب، وكان قلاوون يستشيره في المهمات، وكان من دون أمراء مصر يركب بالزناري، على فرسه. بمفرده، وفيه مكارم.
ومات الفقيه تقي الدين أبو العباس أحمد بن الفقيه علم الدين أبي عبد الله محمد بن رشيق، يوم الخميس رابع عشري جمادى الآخرة.
وتوفي الشيخ زين الدين أبو المحاسن يوسف بن محمد بن الحسن بن الحسن عدي بمصر وله تربة جليلة بالقرافة.