فصل: تفسير الآيات رقم (168- 171)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏142- 143‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏142‏)‏ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏143‏)‏‏}‏

أعلم الله تعالى في هذه الآية أنهم سيقولون في شأن تحول المؤمنين من الشام إلى الكعبة‏:‏ ‏{‏ما ولاهم‏}‏‏؟‏ و‏{‏السفهاء‏}‏ هم الخفاف الأحلام والعقول، والسفه الخفة والهلهلة، ثوب سفيه أي غير متقن النسج، ومنه قول ذي الرمة‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

مشين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعالَيَها مرُّ الرياحِ النواسمِ

أي استخفتها، وخص بقوله ‏{‏من الناس‏}‏، لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات، والمراد ب ‏{‏السفهاء‏}‏ هنا جميع من قال ‏{‏ما ولاهم‏}‏، وقالها فِرَقٌ‏.‏

واختلف في تعيينهم، فقال ابن عباس‏:‏ «قالها الأحبار منهم»، وذلك أنه جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا محمد ما ولاك عن قبلتنا‏؟‏ ارجع إليها ونؤمن بك، يريدون فتنته، وقال السدي‏:‏ قالها بعض اليهود والمنافقون استهزاء، وذلك أنهم قالوا‏:‏ اشتاق الرجل إلى وطنه، وقالت طائفة‏:‏ قالها كفار قريش، لأنهم قالوا‏:‏ ما ولاه عن قبلته‏؟‏ ما رجع إلينا إلا لعلمه أنَّا على الحق وسيرجع إلى ديننا كله، و‏{‏ولاهم‏}‏ معناه صرفهم، والقبلة فعلة هيئة المقابل للشيء، فهي كالقعدة والإزرة، وجعل المستقبل موضع الماضي في قوله ‏{‏سيقول‏}‏ دلالة على استدامة ذلك، وأنهم يستمرون على ذلك القول، ونص ابن عباس وغيره أن الآية نزلت بعد قولهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لله المشرق والمغرب‏}‏ إقامة حجة، أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، ويهدي من يشاء، إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، والصراط‏:‏ الطريق‏.‏

واختلف العلماء هل كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى في القرآن أو بوحي غير متلو‏؟‏، فذكر ابن فورك عن ابن عباس قال‏:‏ أول ما نسخ من القرآن القبلة، وقال الجمهور‏:‏ بل كان أمر قبلة بيت المقدس بوحي غير متلو، وقال الربيع‏:‏ خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في النواحي فاختار بيت المقدس، ليستألف بها أهل الكتاب، ومن قال كان بوحي غير متلو قال‏:‏ كان ذلك ليختبر الله تعالى من آمن من العرب، لأنهم كانوا يألفون الكعبة وينافرون بيت المقدس وغيره‏.‏

واختلف كم صلى إلى بيت المقدس، ففي البخاري‏:‏ ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وروي عن أنس بن مالك‏:‏ تسعة أو عشرة أشهر، وروي عن غيره‏:‏ ثلاثة عشرة شهراً، وحكى مكي عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال‏:‏ أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ركعتين في أول النهار وركعتين في آخر، ثم كان الإسراء ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، ففرضت الخمس، وأمَّ فيها جبريل عليه السلام، وكانت أول صلاة الظهر، وتوجه بالنبي صلى الله عليهما وسلم إلى بيت المقدس، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ربيع الأول، وتمادى إلى بيت المقدس إلى رجب من سنة اثنتين، وقيل إلى جمادى، وقيل إلى نصف شعبان‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً‏}‏، الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله ‏{‏يهدي من يشاء‏}‏، أي كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته كذلك جعلناكم أمة وسطاً، و‏{‏أمة‏}‏ مفعول ثان، و‏{‏وسطاً‏}‏ نعت، والأمة القرون من الناس، و‏{‏وسطاً‏}‏ معناه عدولاً، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظاهرت به عبارة المفسرين، والوسط الخيار والأعلى من الشيء، كما تقول وسط القوم، وواسطة القلادة أنفس حجر فيها، والأمير وسط الجيش، وكقوله تعالى ‏{‏قال أوسطهم‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 28‏]‏، والوسط بإسكان السين ظرف مبني على الفتح، وقد جاء متمكناً في بعض الروايات في بيت الفرزدق‏:‏

فجاءت بملجوم كأن جبينه *** صلاءة ورس وسطُها قد تفلقا

برفع الطاء والضمير عائد على الصلاءة، وروي بفتح الطاء والضمير عائد على الجاثية، فإذا قلت حفرت وسْطَ الدار أو وَسَطَ الدار فالمعنى مختلف‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تغل في الدين كما فعلت اليهود، ولا افترت كالنصارى، فهي متوسطة، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خير الأمور أوساطها» أي خيارها، وقد يكون العلو والخير في الشيء لما بأنه أنفس جنسه، وأما أن يكون بين الإفراط والتقصير فهو خيار من هذه الجهة و‏{‏شهداء‏}‏ جمع شاهد في هذا الموضع‏.‏

واختلف المفسرون في المراد ب ‏{‏الناس‏}‏ في هذا الموضع، فقالت فرقة‏:‏ هم جميع الجنس، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد يوم القيامة للأنبياء على أممهم بالتبليغ، وذلك أن نوحاً تناكره أمته في التبليغ، فتقول له أمة محمد نحن نشهد لك، فيشهدون، فيقول الله لهم‏:‏ كيف شهدتم على ما لم تحضروا‏؟‏، فيقولون‏:‏ أي ربنا جاءنا رسولك ونزل إلينا كتابك فنحن نشهد بما عهدت إلينا وأعلمتنا به، فيقول الله تعالى‏:‏ صدقتم، وروي في هذا المعنى حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عنه أن أمته تشهد لكل نبي ناكره قومه، وقال مجاهد‏:‏ معنى الآية تشهدون لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ الناس في مدته من اليهود والنصارى والمجوس‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرت به جنازة فأثني عليها بالخير، فقال‏:‏ وجبت، ثم مر بأخرى، فأثني عليها بشرّ، فقال‏:‏ وجبت، ويعني الجنة والنار، فسئل عن ذلك، فقال‏:‏ «أنتم شهداء الله في الأرض»، وروي في بعض الطرق أنه قرأ ‏{‏لتكونوا شهداء على الناس‏}‏‏.‏

‏{‏ويكون الرسول عليكم شهيداً‏}‏ قيل‏:‏ معناه بأعمالكم يوم القيامة، وقيل‏:‏ عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان، وقيل‏:‏ أي يشهد عليكم بالتبليغ إليكم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعلنا القبلة التي كنت عليها‏}‏ الآية، قال قتادة والسدي وعطاء وغيرهم‏:‏ القبلة هنا بيت المقدس‏:‏ والمعنى لم نجعلها حين أمرناك بها أولاً إلا فتنة لنعلم من يتبعك من العرب الذين إنما يألفون مسجد مكة، أو من اليهود على ما قال الضحاك من أن الأحبار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء، فإن صليت إليه اتبعناك، فأمره الله بالصلاة إليه امتحاناً لهم فلم يؤمنوا، وقال بعض من ذكر‏:‏ القبلة بيت المقدس، والمعنى‏:‏ وما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها وتحويلها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقال ابن عباس‏:‏ القبلة في الآية الكعبة، وكنت بمعنى أنت كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ بمعنى أنتم، أي وما جعلناها وصرفناك إليها إلا فتنة، وروي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة أكثر في ذلك اليهود والمنافقون وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلت الآية، وقال ابن جريج‏:‏ بلغني أن ناساً ممن كان أسلم رجعوا عن الإسلام، ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لنعلم‏}‏ أي ليعلم رسولي والمؤمنون به، وجاء الإسناد بنون العظمة إذ هم حزبه وخالصته، وهذا شائع في كلام العرب كما تقول‏:‏ فتح عمر العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك جنده وأتباعه، فهذا وجه التجوز إذا ورد علم الله تعالى بلفظ استقبال لأنه قديم لم يزل، ووجه آخر‏:‏ وهو أن الله تعالى قد علم في الأزل من يتبع الرسول واستمر العلم حتى وقع حدوثهم واستمر في حين الاتباع والانقلاب ويستمر بعد ذلك، والله تعالى متصف في كل ذلك بأنه يعلم، فأراد بقوله ‏{‏لنعلم‏}‏ ذكر علمه وقت مواقعتهم الطاعة والمعصية، إذ بذلك الوقت يتعلق الثواب والعقاب، فليس معنى ‏{‏لنعلم‏}‏ لنبتدئ العلم وإنما المعنى لنعلم ذلك موجوداً، وحكى ابن فورك أن معنى ‏{‏لنعلم‏}‏ لنثيب، فالمعنى لنعلمهم في حال استحقوا فيها الثواب، وعلق العلم بأفعالهم لتقوى الحجة ويقع التثبت فيما علمه لا مدافعة لهم فيه، وحكى ابن فورك أيضاً أن معنى ‏{‏لنعلم‏}‏ لنميز، وذكره الطبري عن ابن عباس، وحكى الطبري أيضاً أن معنى ‏{‏لنعلم‏}‏ لنرى‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كله متقارب، والقاعدة نفي استقبال العلم بعد أن لم يكن، وقرأ الزهري ‏{‏ليعلم‏}‏ على ما لم يسم فاعله‏.‏

و ‏{‏ينقلب على عقبيه‏}‏ عبارة عن المرتد الراجع عما كان فيه من إيمان أو شغل أو غير ذلك والرجوع على العقب أسوأ حالات الراجع في مشيه عن وجهته، فلذلك شبه المرتد في الدين به، وظاهر التشبيه أن بالمتقهقر، وهي مشية الحيوان الفازع من شيء قد قرب منه، ويحتمل أن يكون هذا التشبيه بالذي رد ظهره ومشى أدراجه فإنه عند انقلابه إنما ينقلب على عقبيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كانت لكبيرة‏}‏ الآية، الضمير في ‏{‏كانت‏}‏ راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس أو إلى التحويلة إلى الكعبة حسب ما ذكرناه من الاختلاف في القبلة، وقال ابن زيد‏:‏ «هو راجع إلى الصلاة التي صليت إلى بيت المقدس»، وشهد الله تعالى في هذه الآية للمتبعين بالهداية، و‏{‏كبيرة‏}‏ هنا معناه شاقة صعبة تكبر في الصدور، و‏{‏إن‏}‏ هي المخففة من الثقيلة، ولذلك لزمتها اللام لتزيل اللبس الذي بينها وبين النافية، وإذا ظهر التثقيل في ‏{‏إن‏}‏ فلربما لزمت اللام وربما لم تلزم، وقال الفراء‏:‏ ‏{‏إن‏}‏ بمعنى ما واللام بمنزلة إلا‏.‏

ولما حولت القبلة كان من قول اليهود‏:‏ يا محمد إن كانت الأولى حقاً فأنت الآن على باطل، وإن كانت هذه حقاً فكنت في الأول على ضلال‏.‏ فوجست نفوس بعض المؤمنين وأشفقوا على من مات قيل التحويل على صلاتهم السالفة‏:‏ فنزلت ‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏، وخاطب الحاضرين والمراد من حضر ومن مات، لأن الحاضر يغلب، كما تقول العرب‏:‏ ألم نقتلكم في موطن كذا‏؟‏، ومن خوطب لم يقتل ولكنه غلب لحضوره، وقرأ الضحاك ‏{‏ليضَيّع‏}‏ بفتح الضاد وشد الياء، وقال ابن عباس والبراء بن عازب وقتادة والسدي والربيع وغيرهم‏:‏ الإيمان هنا الصلاة‏.‏ وسمى الصلاة إيماناً لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال وكان ثابتاً في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضاً فسميت إيماناً إذ هي من شعب الإيمان، والرأفة أعلى منازل الرحمة، وقرأ قوم ‏{‏لرَؤُف‏}‏ على وزن فَعُل، ومنه قول الوليد بن عقبة‏:‏ ‏[‏الطالبان‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وشرُّ الطالِبَيْنِ فلا تكنْهُ *** بقاتِلِ عمِّهِ الرَّؤُفِ الرحيمِ

تقول العرب‏:‏ رؤف ورؤوف ورئف كحذر ورأف وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع ‏{‏لرووف‏}‏ بغير همز، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى ساكنة كانت أو متحركة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏144- 145‏]‏

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏144‏)‏ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏

المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب، تقول‏:‏ بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

رَجَعْتُ بما أَبْغي وَوَجْهي بمائِهِ *** وأيضاً فالوجه يتقلب بتقلب البصر، وقال قتادة والسدي وغيرهما‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة، وقيل كان يقلب ليؤذن له في الدعاء، ومعنى التقلب نحو السماء أن السماء جهة قد تعود العالم منها الرحمة كالمطر والأنوار والوحي فهم يجعلون رغبتهم حيث توالت النعم، و‏{‏ترضاها‏}‏ معناه تحبها وتقر بها عينك‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الكعبة والتحول عن بيت المقدس لوجوه ثلاثة رويت، فقال مجاهد‏:‏ لقول اليهود ما علم محمد دينه حتى اتبعنا، وقال ابن عباس‏:‏ وليصيب قبلة إبراهيم عليه السلام، وقال الربيع والسدي‏:‏ وليستألف العرب لمحبتها في الكعبة، وقال عبد الله بن عمر‏:‏ إنما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته حيال ميزاب الكعبة، وقال ابن عباس وغيره‏:‏ بل وجه إلى البيت كله‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ والميزاب هو قبلة المدينة والشام، وهنالك قبلة أهل الأندلس بلا ريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فولِّ وجهك شطر المسجد‏}‏ الآية، أمر بالتحول ونسخ لقبلة الشام، وقيل‏:‏ نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة، وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة، وقيل‏:‏ إنما نزلت هذه الآية في غير صلاة وكانت أول صلاة إلى الكعبة العصر، و‏{‏شطر‏}‏ نصب على الظرف ويشبه المفعول به لوقوع الفعل عليه ومعناه نحو وتلقاء، قال ابن أحمر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

تَعْدُو بِنا شَطْرَ نَجْدٍ وهيَ عاقدة *** قَدْ كَارَبَ العِقْدَ مِنْ إيفادِهَا الحقبَا

وقال غيره‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

أقُولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقيمي *** صُدُورِ العِيسِ شَطْرَ بني تَميمِ

وقال لقيط‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ *** هَوْلٌ له ظُلَمٌ تَغْشَاكُمُ قِطَعا

وقال غيره ‏[‏خفاف بن عمير‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْراً رَسُولاً *** وما تُغْني الرِّسَالةُ شَطْرَ عَمْرِو

و ‏{‏حيث ما كنتم فولوا‏}‏ أمر للأمة ناسخ، وقال داود بن أبي هند‏:‏ إن في حرف ابن مسعود‏:‏ ‏{‏قول وجهك تلقاء المسجد الحرام‏}‏، وقال محمد بن طلحة‏:‏ إن فيه‏:‏ فولوا وجوهكم قبله، وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «فولوا وجوهكم تلقاءه»، و‏{‏الذين أوتوا الكتاب‏}‏‏:‏ اليهود والنصارى، وقال السدي‏:‏ المراد اليهود‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والأول أظهر، والمعنى أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم إمام الأمم، وأن استقبالها هو الحق الواجب على الجميع اتباعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «عما تعملون» بتاء على المخاطبة، فإما على إرادة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجهين، فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد، وقرأ الباقون بالياء من تحت‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن أتيت‏}‏ الآية، أعلم الله تعالى نبيه حين قالت له اليهود‏:‏ راجع بيت المقدس ونؤمن بك مخادعة منهم أنهم لا يتبعون له قبلة، يعني جملتهم لأن البعض قد اتبع كعبد الله بن سلام وغيره وأنهم لا يدينون بدينه، أي فلا تصغ إليهم، والآية هنا‏:‏ العلامة، وجاء جواب ‏{‏لئن‏}‏ كجواب «لو» وهي ضدها في أن «لو» تطلب المضي والوقوع و«إن» تطلب الاستقبال لأنهما جميعاً يترتب قبلهما معنى القسم، فالجواب إنما هو للقسم، لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه‏.‏

وقوله تعالى جلت قدرته ‏{‏وما أنت بتابع قبلتهم‏}‏ لفظ خبر يتضمن الأمر، فلا تركن إلى شيء من ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما بعضهم‏}‏ الآية، قال السدي وابن زيد‏:‏ المعنى ليست اليهود متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم، وقال غيرهما‏:‏ معنى الآية‏:‏ وما من أسلم معك منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم بمتبع قبلة من أسلم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والأول أظهر في الأبعاض، وقبلة النصارى مشرق الشمس وقبلة اليهود بيت المقدس‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن اتبعت‏}‏ الآية، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي صلى الله عليه وسلم ظلماً متوقعاً فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون منه فإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر‏.‏

والأهواء جمع هوى، ولا يجمع على أهوية، على أنهم قد قالوا‏:‏ ندى وأندية‏.‏ قال الشاعر‏:‏ ‏[‏مرة بن محكان‏]‏‏:‏ ‏[‏البيسط‏]‏

في ليلةٍ مِنْ جُمادى ذاتِ أَنْديةٍ *** لا يُبْصِرُ الْكَلْبُ في ظَلْمَائِهَا الطّنبَا

وهوى النفس إنما يستعمل في الأكثر‏:‏ فيما لا خير فيه، وقد يستعمل في الخبر مقيداً به، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أسرى بدر‏:‏ فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، و«إذا» حرف معناه أن تقرر ما ذكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏146- 149‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏146‏)‏ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏147‏)‏ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏148‏)‏ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏149‏)‏‏}‏

‏{‏الذين‏}‏ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ‏{‏يعرفونه‏}‏، ويصح أن يكون في موضع خفض نعتاً للظالمين و‏{‏يعرفونه‏}‏ في موضع الحال‏.‏

وخص الأبناء دون الأنفس وهي ألصق، لأن الإنسان يمر عليه من زنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه، والمراد هنا معرفة الوجه وميزه لا معرفة حقيقة النسب، ولعبد الله بن سلام رضي الله عنه في هذا الموضع كلام معترض يأتي موضعه إن شاء الله، والضمير في ‏{‏يعرفونه‏}‏ عائد على الحق في القبلة والتحول بأمر الله إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج والربيع، وقال قتادة أيضاً ومجاهد وغيرهما‏:‏ هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، أي يعرفونه صدقه ونبوته، والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم، والإشارة بالحق إلى ما تقدم من الخلاف في ضمير ‏{‏يعرفونه‏}‏، فعم الحق مبالغة في ذمهم، و‏{‏هم يعلمون‏}‏ ظاهر في صحة الكفر عناداً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحق من ربك‏}‏، ‏{‏الحقُّ‏}‏ رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو الحق، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ‏{‏الحقَّ‏}‏ بالنصب، على أن العامل فيه ‏{‏يعلمون‏}‏، ويصح نصبه على تقدير‏:‏ الزم الحق‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تكونن من الممترين‏}‏، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وامترى في الشيء إذا شك فيه، ومنه المراء لأن هذا يشك في قول هذا، وأنشد الطبري- شاهداً على أن الممترين الشاكون- قول الأعشى‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

تدر على اسؤق الممترين *** ركضاً إذا ما السراب ارجحن

ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا‏:‏ الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزاً لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، فليس في البيت معنى من الشك كما قال الطبري‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكل وجهة‏}‏ الآية، الوجهة‏:‏ فعلة من المواجهة كالقبلة، وقوله‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ عائد على اللفظ المفرد في ‏{‏كل‏}‏، والمراد به الجماعات‏.‏

المعنى‏:‏ لكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه، قاله الربيع وعطاء وابن عباس، وقرأ ابن عباس وابن عامر وحده من السبعة ‏{‏هو مولاها‏}‏، وقالت طائفة‏:‏ الضمير في ‏{‏هو‏}‏ عائد على الله تعالى، والمعنى‏:‏ الله موليها إياهم، وقالت فرقة‏:‏ المعنى في الآية أن للكل ديناً وشرعاً وهو دين الله وملة محمد وهو موليها إياهم اتبعها من اتبعها وتركها من تركها، وقال قتادة‏:‏ المراد بالآية أن الصلاة إلى الشام ثم الصلاة إلى الكعبة لكل واحدة منهما وجهة الله موليها إياهم، وحكى الطبري أن قوماً قرؤوا ‏{‏ولكل وجهة‏}‏ بإضافة كل إلى وجهة، وخطأها الطبري‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع، وقدم قوله‏:‏ ‏{‏لكل وجهة‏}‏ على الأمر في قوله‏:‏ ‏{‏فاستبقوا‏}‏ للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمروا الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنه وسلمت الواو في وجهة ولم تجر كعدة وزنة لأن ‏{‏وجهة‏}‏ ظرف وتلك مصادر فسلمت للفرق، وأيضاً فليكمل بناء الهيئة كالجلسة، قال أبو علي‏:‏ ذهب قوم أنه مصدر شذ عن القياس فسلم، ومال قوم إلى أنه اسم ليس بمصدر‏.‏

قال غير أبي علي‏:‏ وإذا أردت المصدر قلت جهة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد يقال الجهة في الظرف، وحكى الطبري عن منصور أنه قال‏:‏ نحن نقرؤها «ولكلٍّ جعلنا قبلة يرضونها»‏.‏

ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات والبدار إلى سبيل النجاة، ثم وعظهم بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيداً وتحذيراً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يأتِ بكم الله جميعاً‏}‏ يعني به البعث من القبور، ثم اتصف الله تعالى بالقدرة على كل شيء مقدور عليه لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإتيان بهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن حيث خرجت‏}‏، معناه حيث كنت وأنّى توجهت من مشارق الأرض ومغاربها، ثم تكررت هذه الآية تأكيداً من الله تعالى، لأن موقع التحويل كان صعباً في نفوسهم جداً فأكد الأمر ليرى الناس التهمم به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏150- 151‏]‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏150‏)‏ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فولوا وجوهكم شطره‏}‏ هو فرض استقبال القبلة على المصلين، وفرض المصلي ما دام يرى الكعبة أن يصادفها باستقباله، فإذا غابت عنه ففرضه الاجتهاد في مصادفتها، فإن اجتهد ثم كشف الغيب أنه أخطأ فلا شيء عليه عند كثير من العلماء، ورأى مالك رحمه الله أن يعيد في الوقت إحرازاً لفضيلة القبلة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لئلا يكون للناس عليكم حجة‏}‏ الآية، قرأ نافع وحده بتسهيل الهمزة، وقرأ الباقون ‏{‏لئلا‏}‏ بالهمز، والمعنى‏:‏ عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة في ذلك ‏{‏لئلا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏للناس‏}‏ عموم في اليهود والعرب وغيرهم، وقيل‏:‏ المراد بالناس اليهود ثم استثنى كفار العرب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقوله ‏{‏منهم‏}‏ يرد هذا التأويل‏:‏ وقالت فرقة ‏{‏إلا الذين‏}‏ استثناء متصل، وهذا مع عموم لفظة الناس، والمعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني اليهود وغيرهم من كل من تكلم في النازلة في قولهم ‏{‏ما ولاهم‏}‏ استهزاء، وفي قولهم‏:‏ تحير محمد في دينه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو من منافق، وسماها تعالى حجة وحكم بفسادها حين كانت من ظلمة، وقالت طائفة ‏{‏إلا الذين‏}‏ استثناء منقطع وهذا مع كون الناس اليهود فقط، وقد ذكرنا ضعف هذا القول، والمعنى‏:‏ لكن الذين ظلموا يعني كفار قريش في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله، ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد‏:‏ «ألا» بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح لكلام، فيكون ‏{‏الذين‏}‏ ابتداء، أو على معنى الإغراء بهم فيكون ‏{‏الذين‏}‏ نصباً بفعل مقدر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تخشوهم واخشوني‏}‏ الآية، تحقير لشأنهم وأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمره، وقوله ‏{‏ولأتم‏}‏ عطف على قوله ‏{‏لئلا‏}‏، وقيل‏:‏ هو مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر بعد ذاك، والتقدير لأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ونحوه‏.‏ و‏{‏لعلكم تهتدون‏}‏ ترجٍّ في حق البشر‏.‏

والكاف في قوله ‏{‏كما‏}‏ رد على قوله ‏{‏لأتم‏}‏ أي إتماماً كما، وهذا أحسن الأقوال، أي لأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام ‏{‏كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم‏}‏ إجابة لدعوته في قوله ‏{‏ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم‏}‏ الآية، وقيل‏:‏ الكاف من ‏{‏كما‏}‏ رد على ‏{‏تهتدون‏}‏، أي اهتداء كما، وقيل، هو في موضع نصب على الحال، وقيل‏:‏ هو في معنى التأخير متعلق بقوله ‏{‏فاذكروني‏}‏، وهذه الآية خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المعنيّ بقوله ‏{‏رسولاً منكم‏}‏، و‏{‏يتلو‏}‏ في موضع نصب على الصفة، والآيات‏:‏ القرآن، و‏{‏يزكيكم‏}‏ يطهركم من الكفر وينميكم بالطاعة، و‏{‏الكتاب‏}‏ القرآن، و‏{‏الحكمة‏}‏ ما يتلقى عنه عليه السلام من سنة وفقه في دين، و‏{‏ما لم تكونوا تعلمون‏}‏ قصص من سلف وقصص ما يأتي من الغيوب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏152- 157‏]‏

‏{‏فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ‏(‏152‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏153‏)‏ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏154‏)‏ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ‏(‏155‏)‏ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏156‏)‏ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

قال سعيد بن جبير‏:‏ معنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ أي اذكروني عند كل أموركم فيحملكم خوفي على الطاعة فأذكركم حينئذ بالثواب، وقال الربيع والسدي‏:‏ المعنى اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحوه‏.‏

وفي الحديث‏:‏ إن الله تعالى يقول‏:‏ «ابن آدم اذكرني في الرخاء أذكرك في الشدة»، وفي حديث آخر‏:‏ إن الله تعالى يقول‏:‏ «وإذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» وروي أن الكافر إذا ذكر الله ذكره الله باللعنة والخلود في النار، وكذلك العصاة يأخذون بحظ من هذا المعنى، وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام «قل للعاصين لا يذكروني»‏.‏

و ‏{‏اشكروا لي‏}‏ واشكروني بمعنى واحد، و‏{‏لي‏}‏ أشهر وأفصح مع الشكر، ومعناه نعمي وأياديّ، وكذلك إذا قلت شكرتك فالمعنى شكرت صنيعك وذكرته، فحذف المضاف، إذ معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معاً، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف، و‏{‏تكفرون‏}‏ أي نعمي وأياديّ، وانحذفت نون الجماعة للجزم، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء التي بعدها تخفيفاً لأنها رأس آية، ولو كان نهياً عن الكفر ضد الإيمان لكان‏:‏ ولا تكفروا، بغير النون‏.‏

و ‏{‏يا‏}‏ حرف نداء و«أيّ» منادى و«ها» تنبيه، وتجلب «أي» فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً ما، فلو لم تجلب «أي» لاجتمع تعريفان، وقال قوم‏:‏ ‏{‏الصبر‏}‏‏:‏ الصوم، ومنه قيل لرمضان‏:‏ شهر الصبر، وتقدم معنى الاستعانة بالصبر والصلاة، واختصارة أنهما رادعان عن المعاصي‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله مع الصابرين‏}‏ معناه بمعونته وإنجاده، فهو على حذف مضاف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت‏:‏ «اهجُهم وروح القدس معك»، وكما قال‏:‏ «ارموا وأنا مع بني فلان»، الحديث‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات‏}‏ الآية، سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد مات فلان ومات فلان، فكره الله أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضاً‏:‏ فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم، ويبين ذلك من حديث أم حارثة في السير، والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي أنهم في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب، إلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوال لطوائف أو للجميع في أوقات متغايرة، وجمهور العلماء على أنهم في الجنة، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة‏:‏ إنه في الفردوس، وقال مجاهد‏:‏ هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها، و‏{‏أموات‏}‏ رفع بإضمار الابتداء والتقدير هم أموات، ولا يجوز إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في قولك قلت كلاماً وحجة‏.‏

وقوله ‏{‏ولكن لا تشعرون‏}‏ أي قبل أن نشعركم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولنبلونكم‏}‏ الآية، أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وأخبر أنه مع الصابرين، ثم اقتضت الآية بعدها من فضل الشهداء ما يقوي الصبر عليهم ويخفف المصيبة، ثم جاء بعد ذلك من هذه الأمور التي لا تتلقى إلا بالصبر أشياء تعلم أن الدنيا دار بلاء ومحن، أي فلا تنكروا فراق الإخوان والقرابة، ثم وعد الصابرين أجراً، وقال عطاء والجمهور‏:‏ إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ الخطاب لقريش وحل ذلك بهم فهي آية للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ والأول أظهر، ‏{‏ولنبلونكم بشيء‏}‏ معناه لنمتحننكم، وحركت الواو لالتقاء الساكنين، وقيل‏:‏ الفعل مبني وهو مع النون الثقيلة بمنزلة خمسة عشر، و‏{‏الخوف‏}‏ يعني من الأعداء في الحروب، و‏{‏الجوع‏}‏ الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعاً، ونقص الأموال‏:‏ بالجوائح والمصائب، ‏{‏والأنفس‏}‏‏:‏ بالموت والقتل، ‏{‏والثمرات‏}‏‏:‏ بالعاهات ونزع البركة، فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازاً ولذلك وحد، وقرأ الضحاك ‏{‏بأشياء‏}‏ على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض، وقال بعض العلماء‏:‏ إنما المراد في هذه الآية مؤن الجهاد وكلفه، فالخوف من العدو والجوع به وبالأسفار إليه ونقص الأموال بالنفقات فيه والأنفس بالقتل والثمرات بإصابة العدو لها أو بالغفلة عنها بسبب الجهاد‏.‏

ثم وصف تعالى الصابرين الذين بشرهم بقوله ‏{‏الذين إذا أصابتهم مصيبة‏}‏ الآية، وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له، وقال سعيد بن جبير‏:‏ لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفا على يوسف‏.‏

وروي أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال‏:‏ ‏{‏إنا لله وإنا إليه راجعون‏}‏، فقيل‏:‏ أمصيبة هي يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ «نعم كل ما آذى المؤمن فهي مصيبة»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة‏}‏ الآية، نعم من الله على الصابرين المسترجعين، وصلوات الله على عبده‏:‏ عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيداً، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء‏.‏

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية‏:‏ «نعم العدلان ونعم العلاوة» أراد بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الاهتداء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏158- 160‏]‏

‏{‏إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏158‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ‏(‏159‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏160‏)‏‏}‏

‏{‏الصفا والمروة‏}‏‏:‏ جبيلان بمكة، و‏{‏الصفا‏}‏ جمع صفاة، وقيل‏:‏ هو اسم مفرد جمعه صفى وأصفاء، وهي الصخرة العظيمة، قال الراجز‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

مواقعُ الطَّيرِ على الصَّفى *** وقيل‏:‏ من شروط الصفا البياض والصلابة، و‏{‏المروة‏}‏ واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، ومنه قول الذي أصاب شاته الموت من الصحابة «فذكيتها بمروة»، ومنه قيل الأمين‏:‏ «اخرجني إلى أخي فإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة»، وقد قيل في المرو‏:‏ إنها الصلاب‏.‏ قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وَتَوَلَّى الأَرْضَ خِفّاً ذَابِلاً *** فإذَا ما صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ

والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته، وفي هذا يقال المرو أكثر، وقد يقال في الصليب، وتأمل قول أبي ذؤيب‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

حتى كأني للحوادث مروة *** بصفا المشقر كل يوم تقرع

وجبيل ‏{‏الصفا‏}‏ بمكة صليب، وجبيل ‏{‏المروة‏}‏ إلى اللين ماهق، فبذلك سميا، قال قوم‏:‏ ذكر ‏{‏الصفا‏}‏ لأن آدم وقف عليه، ووقفت حواء على المروة فانثت لذلك‏.‏

وقال الشعبي‏:‏ «كان على الصفا صنم يدعى إسافاً، وعلى المروة صنم يدعى نائلة»، فاطرَد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر، و‏{‏من شعائر الله‏}‏ معناه من معالمه ومواضع عبادته، وهي جمع شعيرة أو شعارة، وقال مجاهد‏:‏ ذلك راجع إلى القول، أي مما أشعركم الله بفضله، مأخوذ من تشعرت إذا تحسست، وشعرت مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد من الثياب، والشعار مأخوذ من الشعر، ومن هذه اللفظة هو الشاعر‏:‏ و‏{‏حج‏}‏ معناه قصد وتكرر، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وأَشْهَدُ مِنْ عوفٍ حلولاً كثيرةً *** يحجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا

ومنه قول الآخر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

يحج مأمومةً في قَعْرِها لجفُ *** و‏{‏اعتمر‏}‏ زار وتكرر مأخوذ من عمرت الموضع، وال ‏{‏جناح‏}‏ الإثم الميل عن الحق والطاعة، ومن اللفظة الجناح لأنه في شق، ومنه قيل للخبا جناح لتمايله وكونه كذي أجنحة، ومنه‏:‏ ‏{‏وإن جنحوا للسلم فاجنح لها‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 61‏]‏، و‏{‏يطوف‏}‏ أصله يتطوف سكنت التاء وأدغمت في الطاء‏.‏

وقرأ أبو السمال «أن يطاف» وأصله يطتوف تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول، كما جاء في مدكر، ومن لم يجز ذلك قال قلبت طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء، وفي هذا نظر لأن الأصلي أدغم في الزائد وذلك ضعيف‏.‏

وروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب أنهم قرؤوا «أن لا يتطوف» وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب «أن لا يطوف»، قيل‏:‏ «أن لا يطوف» بضم الطاء وسكون الواو‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الصفا والمروة من شعائر الله‏}‏ خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما‏.‏

وقوله ‏{‏فلا جناح‏}‏ ليس المقصد منه إباحة الطواف لمن شاء، لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، وإنما المقصد منه رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج، وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب، واختلف في كيفية ذلك فروي أن الجن كانت تعرف وتطوف بينهما في الجاهلية فكانت طائفة من تهامة لا تطوف بينهما في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا من الطواف‏.‏

وروي عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك في الأنصار وذلك أنهم كانوا يهلون لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها فكانوا لا يطوفون بين إساف ونائلة إجلالاً لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت هذه الآية، وروي عن الشعبي أن العرب التي كانت تطوف هنالك كانت تعتقد ذلك السعي إجلالاً لإساف ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هنالك إذ كان بسبب الصنمين‏.‏

واختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة فمذهب مالك والشافعي أن ذلك فرض ركن من أركان الحج لا يجزي تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري وأصحاب الرأي أن الدم يجزيء تاركه وإن عاد فحسن، فهو عندهم ندب، وروي عن أبي حنيفة‏:‏ إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، وقال عطاء ليس على تاركه شيء لا دم ولا غيره، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود «أن لا يطوف بهما» وهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها لعروة حين قال لها «أرأيت قول الله‏:‏ ‏{‏فلا جناح أن يطوف بهما‏}‏‏؟‏ فما نرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما» قالت‏:‏ «يا عروة كلا لو كان ذلك لقال‏:‏ فلا جناح عليه ألا يطوف بها»‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وأيضاً فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف وتكون «لا» زائدة صلة في الكلام، كقوله ‏{‏ما منعك ألا تسجد‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 12‏]‏، وكقول الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

ما كان يرضى رسولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ *** والطِّيبانِ أبو بَكْرٍ ولا عمرُ

أي وعمر وكقول الآخر‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

وما ألومُ البِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا *** ومذهب مالك وأصحابه في العمرة أنها سنة إلا ابن حبيب فإنه قال بوجوبها، وقرأ قوم من السبعة وغيرهم «ومن يطوع» بالياء من تحت على الاستقبال والشرط، والجواب في قوله ‏{‏فإن‏}‏، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم «تطوع» على بابه في المضي، ف ‏{‏من‏}‏ على هذه القراءة بمعنى الذي، ودخلت الفاء في قوله ‏{‏فإن‏}‏ للإبهام الذي في ‏{‏من‏}‏، حكاه مكي، وقال أبو علي‏:‏ يحتمل «تطوع» أن يكون في موضع جزم و‏{‏من‏}‏ شرطية، ويحتمل أن تكون ‏{‏من‏}‏ بمعنى الذي والفعل صلة لا موضع له من الإعراب، والفاء مؤذنة أن الثاني وجب لوجوب الأول، ومن قال بوجوب السعي قال‏:‏ معنى ‏{‏تطوع‏}‏ أي زاد براً بعد الواجب، فجعله عاماً في الأعمال، وقال بعضهم‏:‏ معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومن لم يوجب السعي قال‏:‏ المعنى من تطوع بالسعي بينهما، وفي قراءة ابن مسعود «فمن تطوع بخير» ومعنى ‏{‏شاكر‏}‏ أي يبذل الثواب والجزاء، ‏{‏عليم‏}‏ بالنيات والأعمال لا يضيع معه لعامل بر ولا غيره عمل‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏إن الذين يكتمون‏}‏ الآية، المراد بالذين أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، قال الطبري‏:‏ «وقد روي أن معينين منهم سألهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عما في كتبهم من أمره فكتموا فنزلت، وتتناول الآية بعد كل من كتم علماً من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏» من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار «، وهذا إذا كان لا يخاف ولا ضرر عليه في بثه‏.‏

وهذه الآية أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله» لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثاً «‏.‏ وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال» حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين‏:‏ أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم «‏.‏

وهذه الآية أراد عثمان رضي الله عنه في قوله‏:‏» لأحدثنكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه «، ومن روى في كلام عثمان» لولا أنه في كتاب الله «فالمعنى غير هذا‏.‏

و ‏{‏البينات والهدى‏}‏‏:‏ أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يعم بعد كل ما يكتم من خير، وقرأ طلحة بن صرف» من بعد ما بينه «على الإفراد، و‏{‏في الكتاب‏}‏ يراد به التوراة والإنجيل بحكم سبب الآية وأنها في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم يدخل القرآن مع تعميم الآية، وقد تقدم معنى اللعنة‏.‏

واختلف في اللاعنين فقال قتادة والربيع‏:‏ الملائكة والمؤمنون، وهذا ظاهر واضح جار على مقتضى الكلام، وقال مجاهد وعكرمة‏:‏ هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وذكروا بالواو والنون كمن يعقل لأنهم أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال

‏{‏رأيتهم لي ساجدين‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 4‏]‏، وقال البراء بن عازب ‏{‏اللاعنون‏}‏ كل المخلوقات ما عدا الثقلين الجن والإنس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين فلعنه كل سامع»، وقال ابن مسعود‏:‏ المراد بها ما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن كل متلاعنين إن استحقا اللعنة وإلا انصرفت على اليهود»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه الأقوال الثلاثة لا يقتضيها اللفظ ولا تثبت إلا بسند يقطع العذر، ثم استثنى الله تعالى التائبين وقد تقدم معنى التوبة، و‏{‏أصلحوا‏}‏ أي في أعمالهم وأقوالهم، و‏{‏بينوا‏}‏ قال من فسر الآية على العموم‏:‏ معناه بينوا توبتهم بمبرز العمل والبروع فيه، ومن فسرها على أنها في كاتمي أمر محمد قال‏:‏ المعنى بينوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم فتجيء الآية فيمن أسلم من اليهود والنصارى، وقد تقدم معنى توبة الله على عبده وأنها رجوعه به عن المعصية إلى الطاعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏161- 164‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏161‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏162‏)‏ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏163‏)‏ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏164‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا‏}‏ الاية، محكمة في الذين وافوا على كفرهم، واختلف في معنى قوله ‏{‏والناس أجمعين‏}‏ وهم لا يلعنون أنفسهم، فقال قتادة والربيع‏:‏ المراد ‏{‏بالناس‏}‏ المؤمنون خاصة، وقال أبو العالية‏:‏ معنى ذلك في الآخرة، وذلك أن ذلك أن الكفرة يلعنون أنفسهم يوم القيامة، وقالت فرقة‏:‏ معنى ذلك أن الكفرة يقولون في الدنيا‏:‏ لعن الله الكافرين، فيلعنون أنفسهم من حيث لا يشعرون، وقرأ الحسن بن أبي الحسن‏:‏ «والملائكة والناس أجمعون» بالرفع على تقدير أولئك يلعنهم الله، واللعنة في هذه الآية تقتضي العذاب، فلذلك قال ‏{‏خالدين فيها‏}‏، والضمير عائد على اللعنة، وقيل على النار وإن كان لم يجر لها ذكر، لثبوتها في المعنى‏.‏

ثم أعلم تعالى برفع وجوه الرفق عنهم لأن العذاب إذا لم يخفف ولم يؤخر فهو النهاية، و‏{‏ينظرون‏}‏ معناه يؤخرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النظر، نحو قوله تعالى ‏{‏ولا ينظر إليهم يوم القيامة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 77‏]‏، والأول أظهر، لأن النظر بالعين إنما يعدى بإلى إلا شاذاً في الشعر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو‏}‏ الآية، إعلام بالوحدانية، و‏{‏واحد‏}‏ في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي‏:‏ هو نفي التبعيض والانقسام، وقال عطاء‏:‏ لما نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفار قريش بمكة‏:‏ ما الدليل على هذا‏؟‏ وما آيته وعلامته‏؟‏ وقال سعيد بن المسيب‏:‏ قالوا‏:‏ إن كان هذا يا محمد فائتنا بآية من عنده تكون علامة الصدق، حتى قالوا‏:‏ اجعل لنا الصفا ذهباً، فقيل لهم‏:‏ ذلك لكم، ولكن إن كفرتم بعد ذلك عذبتم، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ دعني أدعهم يوماً بيوم، فنزل عند ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن في خلق السموات والأرض‏}‏، الآية، ومعنى ‏{‏في خلق السموات‏}‏ في اختراعها وإنشائها، وقيل‏:‏ المعنى أن في خلقه أي هيئة السموات والأرض، و‏{‏اختلاف الليل والنهار‏}‏ معناه أن هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا فهما خلفة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 62‏]‏، وكما قال زهير‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

بها العِينُ والأَرْآمُ يمسين خِلْفَةً *** وأَطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ

وقال الآخر‏:‏ ‏[‏المديد‏]‏

وَلَهَا بالماطرونِ إذَا *** أكلَ النَّمْلُ الذي جمعا

خِلْفةٌ حتَّى إذا ارتَبَعَتْ *** سَكَنَتْ من جِلِّقِ بِيَعا

ويحتمل أيضاً الاختلاف في هذه الآية أن يراد به اختلاف الأوصاف، و‏{‏الليل‏}‏ جمع ليلة وتجمع ليالي، وزيدت فيها الياء كما زيدت في كراهية وفراهية، و‏{‏النهار‏}‏ يجمع نهراً وأنهرة، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم «إنما هو بياض النهار وسواد الليل»

، وهذا هو مقتضى الفقه في الإيمان ونحوها، فأما على ظاهر اللغة وأخذه من السعة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار كما قال‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ملكتُ بها كفي فأَنْهرْت فتْقَها *** يَرى قائمٌ من دونِها ما وراءَها

وقال الزجاج في كتاب الأنواء‏:‏ أول النهار ذرور الشمس قال‏:‏ وزعم النضر بن شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم، و‏{‏الفلك‏}‏ السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، وليست الحركات تلك بأعيانها، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم فلكان، والفلك المفرد مذكر، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏في الفلك المشحون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 119‏]‏‏.‏

و «ما ينفع الناس» هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري بما يضر، و‏{‏ما أنزل الله من السماء من ماء‏}‏ يعني به الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، و‏{‏بث‏}‏ معناه فرق وبسط، و‏{‏دابة‏}‏ تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير من الدواب، وهذا مردود، وقال الأعشى‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏‏:‏

دَبِيبَ قَطَا الْبَطْحَاءِ في كلِّ مَنْهَلِ *** وقال علقمة بن عبدة‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

صَواعِقُهَا لطيرِهِنَّ دَبِيبُ *** و‏{‏تصريف الرياح‏}‏ إرسالها عقيماً ومقحة وصراً ونصراً وهلاكاً، ومنه إرسالها جنوباً وشمالاً وغير ذلك، و‏{‏الرياح‏}‏ جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله تعالى ‏{‏وجرين بهم بريح طيبة‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 22‏]‏، وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث‏:‏ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح يقول‏:‏» اللهم اجعلها رياحاً ولاتجعلها ريحاً «‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وذلك لأن ريح العذاب شديد ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح وهو معنى» نشراً «، وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينهما وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواو، يقال ريح وأرواح، ولايقال أرياح، وإنما قيل رياح من جهة الكسرة وطلب تناسب الياء معها، وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره ولحن في ذلك، وقال له أبو حاتم‏:‏ إن الأرياح لا تجوز، فقال‏:‏ أما تسمع قولهم رياح‏؟‏، فقال أبو حاتم‏:‏ هذا خلاف ذلك، فقال‏:‏ صدقت ورجع، وأما القراء السبعة فاختلفوا فقرأ نافع ‏{‏الرياح‏}‏ في اثني عشر موضعاً‏:‏ هنا وفي الأعراف ‏{‏يرسل الرياح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 57‏]‏، وفي إبراهيم

‏{‏اشتدت به الرياح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 8‏]‏ وفي الحجر ‏{‏الرياح لواقح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 22‏]‏، وفي الكهف ‏{‏تذروه الرياح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 45‏]‏، وفي الفرقان ‏{‏أرسل الرياح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 22‏]‏، وفي النمل ‏{‏ومن يرسل الرياح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 63‏]‏، وفي الروم ‏[‏الآيتان‏:‏ 46، 48‏]‏ في موضعين، وفي فاطر ‏[‏الآية‏:‏ 9‏]‏ وفي الجاثية ‏[‏الآية‏:‏ 5‏]‏ وفي حم عسق ‏{‏يسكن الرياح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 33‏]‏، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر موضعين من هذه بالإفراد‏:‏ في إبراهيم وفي حم عسق، وقرؤوا سائرها كقراءة نافع، وقرأ ابن كثير بالجمع في خمسة مواضع‏:‏ هنا وفي الحجر وفي الكهف وفي الروم الحرف الأول وفي الجاثية ‏{‏وتصريف الرياح‏}‏ وباقي ما في القرآن بالإفراد، وقرأ حمزة بالجمع في موضعين‏:‏ في الفرقان وفي الروم الحرف الأول وأفرد سائر ما في القرآن، وقرأ الكسائي كحمزة وزاد عليه في الحجر ‏{‏الرياح لواقح‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 22‏]‏، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس في ألف ولام، و‏{‏السحاب‏}‏ جمع سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما قالوا حباً لأنه يحبو، قاله أبو علي الفارسي، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر، فهذه آيات أن الصانع موجود‏.‏ والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحداً لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 167‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ‏(‏165‏)‏ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ‏(‏166‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ‏(‏167‏)‏‏}‏

ذكر الله الوحدانية ثم الآيات الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن يكون إلا واحداً، ثم ذكر في هذه الآية الجاحدين الضالين معجباً من سوء ضلالهم مع الآيات، لأن المعنى أن في هذه الأمور لآيات بينة، ومن الناس مع ذلك البيان من يتخذ، وخرج ‏{‏يتخذ‏}‏ موحداً على لفظ ‏{‏من‏}‏ والمعنى جمعه، و‏{‏من دون‏}‏ لفظ يعطي غيبة ما تضاف إليه ‏{‏دون‏}‏ عن القضية التي فيها الكلام، وتفسير ‏{‏دون‏}‏ بسوى أو بغير لا يطرد، والند والنظير والمقاوم والموازي كان ضداً أو خلافاً أو مثلاً، إذا قاوم من جهة فهو منها ند، وقال مجاهد وقتادة‏:‏ المراد بالأنداد الأوثان، وجاء ضميرها في ‏{‏يحبونهم‏}‏ ضمير من يعقل لما أنزلت بالعبادة منزلة من يعقل، وقال ابن عباس والسدي‏:‏ المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله تعالى، و‏{‏يحبونهم‏}‏ في موضع نصب نعت للأنداد، أو على الحال من المضمر في ‏{‏يتخذ‏}‏، أو يكون في موضع رفع نعت ‏{‏لمن‏}‏ وهذا على أن تكون ‏{‏من‏}‏ نكرة والكاف من ‏{‏كحب‏}‏ في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و‏{‏حب‏}‏ مصدر مضاف إلى المفعول في اللفظ وهو على التقدير مضاف إلى الفاعل المضمر، تقديره كحبكم الله أو كحبهم الله حسبما قدر كل وجه منها فرقة، ومعنى كحبهم أي يسوون بين محبة الله ومحبة الأوثان‏.‏

ثم أخبر أن المؤمنين ‏{‏أشد حباً الله‏}‏ لإخلاصهم وتيقنهم الحق‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو ترى الذين ظلموا‏}‏ قرأ نافع وابن عامر «ترى» بالتاء من فوق، و«أن» بفتح الألف، و«أن» الأخرى كذلك عطف على الأولى، وتقدير ذلك‏:‏ ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى، وهو العامل في «أن» وتقدير آخر‏:‏ ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعاً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا، وتقدير ثالث‏:‏ ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم، فاللام مضمرة قبل «أن» فهي مفعول من أجله، والجواب محذوف مقدر بعد ذلك، وقد حذف جواب ‏{‏لو‏}‏ مبالغة، لأنك تدع السامع يسمو به تخيله، ولو شرحت له لوطنت نفسه إلى ما شرحت، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة وأبو جعفر ‏{‏ترى‏}‏ بالتاء من فوق وكسر الهمزة من «إن»، وتأويل ذلك‏:‏ ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لاستعظمت ما حل بهم، ثم ابتدأ الخبر بقوله «إن القوة لله»، وتأويل آخر‏:‏ ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله جميعاً لاستعظمت حالهم‏.‏

وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن كثير «يرى» بالياء من أسفل، وفتح الألف من «أن»، تأويله‏:‏ ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالهم في الآخرة إذ يرون العذاب لعلموا أن القوة لله جميعاً، وتأويل آخر روي عن المبرد والأخفش‏:‏ ولو يرى بمعنى يعلم الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً لاستعظموا ما حل بهم، ف «يرى» عامل في «أن» وسدت مسد المفعولين‏.‏

وقال أبو علي‏:‏ «الرؤية في هذه الآية رؤية البصر»، والتقدير في قراءة الياء‏:‏ ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله جميعاً، وحذف جواب ‏{‏لو‏}‏ للمبالغة، ويعمل في «أن» الفعل الظاهر وهو أرجح من أن يكون العامل فيها مقدراً، ودخلت ‏{‏إذ‏}‏ وهي لما مضى في أثناء هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه، كما يقع الماضي موقع المستقبل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 50‏]‏، و‏{‏أتى أمر الله‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 1‏]‏، ومنه قول الأشتر النخعي‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

بقيت وفري وانحرفت عن العلا *** ولقيت أضيافي بوجه عبوس

وقرأت طائفة «يرى» بالياء من أسفل وكسر الألف من «إن»، وذلك إما على حذف الجواب وابتداء الخبر، وإما على تقدير لقالوا إن القوة لله جميعاً، وقرأ ابن عامر وحده «يُرون» بضم الياء والباقون بفتحها‏.‏

وثبتت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة، وقالت طائفة‏:‏ ‏{‏الذين اتبعوا‏}‏‏:‏ كل من عبد من دون الله، وقال قتادة‏:‏ هم الشياطين المضلون، وقال الربيع وعطاء‏:‏ هم رؤساؤهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولفظ الآية يعم هذا كله، و‏{‏إذ‏}‏ يحتمل أن تكون متعلقة ب ‏{‏شديد العذاب‏}‏، ويحتمل أن يكون العامل فيها‏:‏ اذكر، و‏{‏الذين اتبعوا‏}‏ بفتح الباء هم العبدة لغيرة الله، والضالون المقلدون لرؤسائهم أو للشياطين، وتبريرهم هو بأن قالوا إنّا نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم، وتعلق العقاب على المتبعين بكفرهم ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على المضلين، وقرأ مجاهد بتقديم الفعل المسند إلى المتبعين للرؤساء وتأخير المسند إلى المتبعين‏.‏

والسبب في اللغة‏:‏ الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين شيئين، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الأسباب‏}‏ هنا الأرحام، وقال مجاهد‏:‏ هي العهود، وقيل‏:‏ المودات، وقيل‏:‏ المنازل التي كانت لهم في الدنيا، وقال ابن زيد والسدي‏:‏ هي الأعمال، إذ أعمال المؤمنين كالسبب في تنعيمهم فتقطعت بالظالمين أعمالهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذين اتبعوا‏}‏ الآية، المعنى وقال الأتباع الذين تبرئ منهم‏:‏ لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحاً ونتبرأ منهم، والكرة‏:‏ العودة إلى حال قد كانت، ومنه قول جرير‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

ولقد عطفن على فزارة عطفة *** كر المنيح وجلن ثم مجالا

والمنيح هنا‏:‏ أحد الأغفال من سهام الميسر، وذلك أنه إذا خرج من الربابة رد لفوره لأنه لا فرض فيه ولا حكم عنه، والكاف من قوله ‏{‏كما‏}‏ في موضع نصب على النعت إما لمصدر أو لحال تقديرها متبرئين كما، والكاف من قوله ‏{‏كذلك يريهم‏}‏ قيل‏:‏ هي في موضع رفع على خبر ابتداء تقديره الأمر كذلك، وقيل‏:‏ هي كاف تشبيه مجردة، والإشارة بذلك إلى حالهم وقت تمنيهم الكرة‏.‏

والرؤية في الآية هي من رؤية البصر، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب، و‏{‏أعمالهم‏}‏ قال الربيع وابن زيد المعنى‏:‏ الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار، وقال ابن مسعود والسدي المعنى‏:‏ الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة، ورويت في هذا القول أحاديث، وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها، و‏{‏حسرات‏}‏ حال على أن تكون الرؤية بصرية، ومفعول على أن تكون قلبية، والحسرة أعلى درجات الندامة والهم بما فات، وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر، وقيل هي من حسر إذا كشف، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يحسر الفرات عن جبل من ذهب»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏168- 171‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏168‏)‏ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏169‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ‏(‏170‏)‏ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏171‏)‏‏}‏

الخطاب عام و‏{‏ما‏}‏ بمعنى الذي، و‏{‏حلالاً‏}‏ حال من الضمير العائد على ‏{‏ما‏}‏، وقال مكي‏:‏ نعت لمفعول محذوف تقديره شيئاً حلالاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا يبعد، وكذلك مقصد الكلام لا يعطي أن يكون ‏{‏حلالاً‏}‏ مفعولاً ب ‏{‏كلوا‏}‏ وتأمل، و‏{‏طيباً‏}‏ نعت، ويصح أن يكون ‏{‏طيباً‏}‏ حالاً من الضمير في ‏{‏كلوا‏}‏ تقديره مستطيبين، والطيب عند مالك‏:‏ الحلال، فهو هنا تأكيد لاختلاف اللفظ، وهو عند الشافعي‏:‏ المستلذ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو خبيث، و‏{‏خطوات‏}‏ جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي، فالمعنى النهي عن اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه، قاب ابن عباس‏:‏ خطواته أعماله، قاله غيره‏:‏ آثاره، قال مجاهد‏:‏ خطاياه، قال أبو مجلز‏:‏ هي النذور والمعاصي، قال الحسن‏:‏ نزلت فيما سنوه من البحيرة والسائبة ونحوه، قال النقاش‏:‏ نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب‏.‏

وقرأ ابن عامر والكسائي «خطوات» بضم الخاء والطاء، ورويت عن عاصم وابن كثير بخلاف، وقرأ الباقون بسكون الطاء، فإما أرادوا ضم الخاء والطاء وخففوها إذ هو الباب في جمع فعلة كغرفة وغرفات، وإما أنهم تركوها في الجمع على سكونها في المفرد، وقرأ أبو السمال «خَطَوات» بفتح الخاء والطاء وروي عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعمش وسلام «خطؤات» بضم الخاء والطاء وهمزة على الواو، وذهب بهذه القراءة إلى أنها جمع خطأة من الخطأ لا من الخطو‏.‏ وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان، و‏{‏عدو‏}‏ يقع للمفرد والتثنية والجمع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يأمركم‏}‏ الآية، ‏{‏إنما‏}‏ تصلح للحصر، وقد تجيء غير حاصرة بل للمبالغة كقولك «إنما الشجاع عنترة»، كأنك تحاول الحصر أو توهمه، فإنما يعرف معنى ‏{‏إنما‏}‏ بقرينة الكلام الذي هي فيه، فهي في هذه الآية حاصرة، وأمر الشيطان إما بقوله في زمن الكهنة وحيث يتصور، وإما بوسوسته، فإذا أطيع نفذ أمره‏.‏

و ‏{‏السوء‏}‏ مصدر من ساء يسوء فهي المعاصي وما تسوء عاقبته، و‏{‏الفحشاء‏}‏ قال السدي‏:‏ هي الزنا، وقيل‏:‏ كل ما بلغ حداً من الحدود لأنه يتفاحش حينئذ، وقيل‏:‏ ما تفاحش ذكره، وأصل الفحش قبح المنظر كما قال امرؤ القيس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وجيدٍ كجيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ *** إذا هِيَ نصَّتْهُ ولا بمعطَّلِ

ثم استعملت اللفظة فيما يستقبح من المعاني، والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء، و‏{‏ما لا تعلمون‏}‏‏:‏ قال الطبري‏:‏ يريد به حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها وجعلوه شرعاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم‏}‏ يعني كفار العرب، وقال ابن عباس‏:‏ نزلت في اليهود، وقال الطبري‏:‏ الضمير في ‏{‏لهم‏}‏ عائد على الناس من قوله ‏{‏يا أيها الناس كلوا‏}‏، وقيل‏:‏ هو عائد على ‏{‏من‏}‏ في قوله

‏{‏ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 165‏]‏، و‏{‏اتّبعوا‏}‏ معناه بالعمل والقبول، و‏{‏ما أنزل الله‏}‏ هو القرآن والشرع، و‏{‏ألفينا‏}‏ معناه وجدنا، قال الشاعر‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

فَأَلْفَيْتَهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ *** وَلاَ ذاكر اللَّهِ إلاّ قَليلا

والألف في قوله ‏{‏أوَلو‏}‏ للاستفهام، والواو لعطف جملة كلام على جملة، لأن غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون، فقرروا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم‏.‏

وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومثل الذين كفروا‏}‏ الآية، المراد تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفقه ما يقول، هكذا فسر ابن عباس وعكرمة والسدي وسيبويه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فذكر بعض هذه الجملة وترك البعض، ودل المذكور على المحذوف وهذه نهاية الإيجاز‏.‏

والنعيق زجر الغنم والصياح بها، قال الأخطل‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

انعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فإنَّما *** منَّتْكَ نَفْسُكَ في الْخَلاَءِ ضَلاَلا

وقال قوم‏:‏ إنما وقع هذا التشبيه براعي الضأن لأنها من أبلد الحيوان، فهي تحمق راعيها، وفي المثل أحمق من راعي ضأن ثمانين، وقد قال دريد لمالك بن عوف في يوم هوازن «راعي ضأن والله»، وقال الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

أَصْبَحْتُ هُزْءاً لراعي الضَّأْنِ يَهْزَأُ بي *** مَاذَا يرِيبُكَ منّيَ رَاعيَ الضَّانِ

فمعنى الآية أن هؤلاء الكفرة يمر الدعاء على آذانهم صفحاً يسمعونه ولا يفقهونه إذ لا ينتفعون بفقهه، وقال ابن زيد‏:‏ المعنى في الآية‏:‏ ومثل الذين كفروا في اتباعهم آلهتهم وعبادتهم إياها كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه شيئاً إلا دوياً غير مفيد، يعني بذلك الصدى الذي يستجيب من الجبال، ووجه الطبري في الآية معنى آخر، وهو أن المراد‏:‏ ومثل الكافرين في عبادتهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد منه فهو لا يسمع من أجل البعد، فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه ويصبه، فإنما شبه في هذين التأويلين الكفار بالناعق والأصنام بالمنعوق به، وشبهوا في الصمم والبكم والعمى بمن لا حاسة له لما لم ينتفعوا بحواسهم ولا صرفوها في إدراك ما ينبغي، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

أصم عمّا ساءه، سميع *** ولما تقرر فقدهم لهذه الحواس قضى بأنهم ‏{‏لا يعقلون‏}‏ إذ العقل كما قال أبو المعالي وغيره‏:‏ علوم ضرورية تعطيها هذه الحواس، أو لا بد في كسبها من الحواس، وتأمل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏172- 174‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏172‏)‏ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏173‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏174‏)‏‏}‏

الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ، والآية تشير بتبعيض ‏{‏من‏}‏ إلى الحرام رزق، وحض تعالىعلى الشكر والمعنى في كل حالة، و‏{‏إن‏}‏ شرط، والمراد بهذا الشرط التثبيت وهز النفس، كما تقول افعل كذا إن كنت رجلاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما حرم عليكم‏}‏ ‏{‏إنما‏}‏ هنا حاصرة، و‏{‏الميتة‏}‏ نصب بحرم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «الميتة» بالتشديد، وقال الطبري وجماعة من اللغويين‏:‏ التشديد والتخفيف من «ميّت» و«ميْت» لغتان، وقال أبو حاتم وغيره‏:‏ ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه «ميْت» بالتخفيف‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ هكذا هو استعمال العرب ويشهد بذلك قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيتٍ *** إنَّمَا المْيتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ

استراح‏:‏ من الراحة، وقيل‏:‏ من الرائحة، ولم يقرأ أحد بالتخفيف فيما لم يمت إلا ما روى البزي عن ابن كثير ‏{‏وما هو بميت‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 17‏]‏، والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

إذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمٍ *** فَسَرَّكَ أَنْ يَعِيشَ فِجِئ بِزَادِ

فالأبلغ في الهجاء أن يريد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت والأول أشعر، وقرأ قوم «الميتةُ» بالرفع على أن تكون ‏{‏ما‏}‏ بمعنى الذي و‏{‏إن‏}‏ عاملة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «حُرِّمَ» على ما لم يسمَّ فاعله ورفع ما ذكر تحريمه، فإن كانت ‏{‏ما‏}‏ كافة فالميتة مفعول لم يسم فاعله، وإن كانت بمعنى الذي فالميتة خبر‏.‏

ولفظ ‏{‏الميتة‏}‏ عموم والمعنى مخصص لأن الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم، و‏{‏الميتة‏}‏‏:‏ ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة، والطافي من الحوت جوّزه مالك وغيره ومنعه العراقيون، وفي الميت دون تسبب من الجراد خلاف، منعه مالك وجمهور أصحابه وجوزه ابن نافع وابن عبد الحكم، وقال ابن وهب‏:‏ إن ضم في غرائر فضمه ذكاته، وقال ابن القاسم‏:‏ لا، حتى يصنع به شيء يموت منه كقطع الرؤوس والأجنحة والأرجل أو الطرح في الماء، وقال سحنون‏:‏ لا يطرح في ماء بارد، وقال أشهب‏:‏ إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها وينسل‏.‏

و ‏{‏الدم‏}‏ يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وفي دم الحوت المزايل للحوت اختلاف، روي عن القابسي أنه طاهر، ويلزم من طهارته أنه غير محرم، وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها، وأجمعت الأمة على تحريم شحمه، وفي خنزير الماء كراهية، أبي مالك أن يجيب فيه، وقال أنتم تقولون خنزيراً‏.‏

وذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية، وحكى ابن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر، فاللفظة على هذا ثلاثية‏.‏

و ‏{‏ما أُهِلّ به لغير الله‏}‏، قال ابن عباس وغيره‏:‏ المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان، و‏{‏أهل‏}‏ معناه صيح، ومنه استهلال المولود، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به النية التي هي علة التحريم، ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق، فقال إنها مما أُهلَّ به لغير الله فتركها الناس، ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها عرساً فذبحت جزوراً، فقال الحسن‏:‏ لا يحل أكلها فإنها إنما ذبحت لصنم، وفي ذبيحة المجوسي اختلاف ومالك لا يجيزها البتة، وذبيحة النصراني واليهودي جائزة‏.‏

واختلف فيما حرم عليهم كالطريف والشحم وغيره بالإجازة والمنع، وقال ابن حبيب ما حرم عليهم بالكتاب فلا يحل لنا من ذبحهم، وما حرموه باجتهادهم فذاك لنا حلال، وعند مالك كراهية فيما سمى عليه الكتابي المسيحي أو ذبحه لكنيسته ولا يبلغ بذلك التحريم، وقوله تعالى ‏{‏فمن اضطر‏}‏ الآية، ضمت النون للالتقاء إتباعاً للضمة في الطاء حسب قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر وأبو السمال ‏{‏فمن اضطِر‏}‏ بكسر الطاء، وأصله اضطر فلما أدغم نقلت حركة الراء الطاء، وقرأ ابن محيصن، «فمن اطّر» بإدغام الضاد في الطاء، وكذلك حيث ما وقع في القرآن، ومعنى ‏{‏اضطر‏}‏‏:‏ ضمه عدم وغرث، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء والفقهاء، وقيل معناه أُكرِهَ وغلب على أكل هذه المحرمات، و‏{‏غير باغ‏}‏ في موضع نصب على الحال، والمعنى فيما قال قتادة والربيع وابن زيد وعكرمة وغيرهم غير قاصد فساد وتعدٍّ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها، وهؤلاء يجيزون الأكل منها في كل سفر مع الضرورة، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما المعنى غير باغ على المسلمين وعاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع السبل، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله، ولغير هؤلاء هي الرخصة، وقال السدي ‏{‏غير باغ‏}‏ أي غير متزيد على حد إمساك رمقه وإبقاء قوته، فيجيء أكله شهوة، ‏{‏ولا عاد‏}‏ أي متزود، وقال مالك رحمه الله‏:‏ «يأكل المضطر شبعه»، وفي الموطأ- وهو لكثير من العلماء‏:‏ أنه يتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر، وقيل‏:‏ في ‏{‏عاد‏}‏ أن معناه عايد، فهو من المقلوب كشاكي السلاح أصله شايك وكهار أصله هايروكلاث أصله لائث وباغ أصله بايغ، استثقلت الكسر على الياء فسكنت، والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها‏.‏

ورفع الله تعالى الإثم لمّا أحل الميتة للمضطر لأن التحريم في الحقيقة متعلقه التصرف بالأكل لا عين المحرم، ويطلق التحريم على العين تجوزاً، ومنع قوم التزود من الميتة وقالوا لما استقلت قوة الآكل صار كمن لم تصبه ضرورة قبل‏.‏

ومن العلماء من يرى أن الميتة من ابن آدم، والخنزير لا تكون فيها رخصة اضطرار، لأنهما لا تصح فيهما ذكاة بوجه، وإنما الرخصة فيما تصح الذكاة في نوعه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين يكتمون‏}‏ الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي‏:‏ المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، و‏{‏الكتاب‏}‏‏:‏ التوراة والإنجيل‏:‏ والضمير في ‏{‏به‏}‏ عائد على ‏{‏الكتاب‏}‏، ويحتمل أن يعود على ‏{‏ما‏}‏ وهو جزء من الكتاب، فيه أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه وقع الكتم لا في جميع الكتاب، ويحتمل أن يعود على الكتمان، والثمن القليل‏:‏ الدنيا والمكاسب، ووصف بالقلة لانقضائه ونفاده، وهذه الآية وإن كانت نزلت في الأحبار فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختاراً لذلك لسبب دنيا يصيبها‏.‏

وذكرت البطون في أكلهم المؤدي إلى النار دلالة على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازاً في مثل أكل فلان أرضي ونحوه، وفي ذكر البطن أيضاً تنبيه على مذمتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم، وقال الربيع وغيره‏:‏ سمي مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إلى النار، وقيل‏:‏ معنى الآية‏:‏ أن الله تعالى يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يكلمهم‏}‏ قيل‏:‏ هي عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضى عنهم، إذ في غير موضع من القرآن ما ظاهره أن الله تعالى يكلم الكافرين، كقوله ‏{‏اخسؤوا فيها‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 108‏]‏، ونحوه، فتكون هذه الآية بمنزلة قولك‏:‏ «فلان لا يكلمه السلطان ولا يلتفت إليه» وأنت إنما تعبر عن انحطاط منزلته لديه، وقال الطبري وغيره‏:‏ المعنى ولا يكلمهم بما يحبون، وقيل‏:‏ المعنى لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية، ‏{‏ولا يزكيهم‏}‏ معناه‏:‏ لا يطهرهم من موجبات العذاب، وقيل‏:‏ المعنى لا يسميهم أزكياء، و‏{‏أليم‏}‏ اسم فاعل بمعنى مؤلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏175- 177‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ‏(‏175‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ‏(‏176‏)‏ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏(‏177‏)‏‏}‏

لما تركوا الهدى وأعرضوا عنه ولازموا الضلالة وتكسبوها مع أن الهدى ممكن لهم ميسر كان ذلك كبيع وشراء، وقد تقدم إيعاب هذا المعنى، ولما كان العذاب تابعاً للضلالة التي اشتروها وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه أدخلا في تجوز الشراء‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما أصبرهم على النار‏}‏، قال جمهور المفسرين‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ تعجب، وهو في حيز المخاطبين، أي هم أهل أن تعجبوا منهم، ومما يطول مكثهم في النار، وفي التنزيل، ‏{‏قتل الإنسان ما أكفره‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 17‏]‏، و‏{‏أسمع بهم وأبصر‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 38‏]‏، وبهذا المعنى صدر أبو علي، وقال قتادة والحسن وابن جبير والربيع‏:‏ أظهر التعجب من صبرهم على النار لما عملوا عمل من وطن نفسه عليها، وتقديره‏:‏ ما أجرأهم على النار إذ يعملون عملاً يودي إليها، وقيل‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ استفهام معناه أي شيء أصبرهم على النار، ذهب إلى ذلك معمر بن المثنى، والأول أظهر، ومعنى ‏{‏أصبرهم‏}‏ في اللغة أمرهم بالصبر، ومعناه أيضاً جعلهم ذوي صبر، وكلا المعنيين متجه في الآية على القول بالاستفهام، وذهب المبرد في باب التعجب من المقتضب إلى أن هذه الآية تقرير واستفهام لا تعجب، وأن لفظة ‏{‏أصبر‏}‏ بمعنى اضطر وحبس، كما تقول أصبرت زيداً على القتل، ومنه نهي النبي عليه السلام أن يصبر الروح، قال‏:‏ ومثله قول الشاعر‏:‏ ‏[‏السريع‏]‏

قُلْتُ لَهَا أصْبُرها دائباً *** أَمْثَالُ بِسْطَامِ بِنِ قَيْسِ قَليلْ

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ الضبط عند المبرد بضم الهمزة وكسر الباء، ورد عليه في ذلك كله بأنه لا يعرف في اللغة أصبر بمعنى صبر وإنما البيت أصبُرها بفتح الهمزة وضم الباء ماضيه صبر، ومنه المصبورة، وإنما يرد قول أبي العباس على معنى اجعلها ذات صبر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق‏}‏ الآية، المعنى ذلك الأمر أو الأمر ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به، والإشارة على هذا إلى وجوب النار لهم، ويحتمل أن يقدر فعلنا ذلك، ويحتمل أن يقدر وجب ذلك، ويكون ‏{‏الكتاب‏}‏ جملة القرآن على هذه التقديرات‏:‏ وقيل‏:‏ إن الإشارة ب ‏{‏الكتاب‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏، أي وجبت لهم النار بما قد نزله الله في الكتاب من الخبر به، والإشارة بذلك على هذا إلى اشترائهم الضلالة بالهدى، أي ذلك بما سبق لهم في علم الله وورود إخباره به، و‏{‏الحق‏}‏ معناه الواجب، ويحتمل أن يراد بالأخبار الحق‏:‏ أي الصادقة‏.‏

و ‏{‏الذين اختلفوا في الكتاب‏}‏، قال السدي‏:‏ «هم اليهود والنصارى لأن هؤلاء في شق وهؤلاء في شق»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويظهر أن الشقاق سميت به المشارّة والمقاتلة ونحوه، لأن كل واحد يشق الوصل الذي بينه وبين مشاقّه، وقيل‏:‏ إن المراد ب ‏{‏الذين اختلفوا‏}‏ كفار العرب لقول بعضهم هو سحر، وبعضهم هو أساطير، وبعضهم هو مفترى، إلى غير ذلك، وشقاق هذه الطوائف إنما هو مع الإسلام وأهله، و‏{‏بعيد‏}‏ هنا معناه من الحق والاستقامة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس البرُّ‏}‏ الآية‏:‏ قرأ أكثر السبعة برفع الراء، و«البرُّ» اسم ليس، قال أبو علي‏:‏ «ليس بمنزلة الفعل فالوجه أن يليها الفاعل ثم المفعول»‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ مذهب أبي علي أن ‏{‏ليس‏}‏ حرف، والصواب الذي عليه الجمهور أنها فعل، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص «ليس البرَّ» بنصب الراء، جعل ‏{‏أن تولوا‏}‏ بمنزلة المضمر، إذ لا يوصف كما لا يوصف المضمر، والمضمر أولى أن يكون اسماً يخبر عنه، وفي مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ‏{‏ليس البرّ بأن تولوا‏}‏، وقال الأعمش، إن في مصحف عبد الله‏:‏ لا تحبسن البر، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما‏:‏ الخطاب بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى ليس البر الصلاة وحدها، وقال قتادة والربيع‏:‏ الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي، فاليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى مطلع الشمس، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليها، وقرأ الجمهور «ولكن البر» والتقدير ولكن البر بر من، وقيل‏:‏ التقدير ولكن ذو البر من، وقيل‏:‏ ‏{‏البر‏}‏ بمنزلة اسم الفاعل تقديره ولكن البار من، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بد محمول على حذف مضاف، كقولك رجل عدل ورضى‏.‏

والإيمان التصديق، أي صدق بالله تعالى وبهذه الأمور كلها حسب مخبرات الشرائع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتى المال على حبه‏}‏ الآية، هذه كلها حقوق في المال سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل هي الزكاة، و‏{‏آتى‏}‏ معناه أعطى، والضمير في ‏{‏حبه‏}‏ عائد على ‏{‏المال‏}‏ فالمصدر مضاف إلى المفعول، ويجيء قوله ‏{‏على حبه‏}‏ اعتراضاً بليغاً أثناء القول، ويحتمل أن يعود الضمير على الإيتاء أي في وقت حاجة من الناس وفاقة، فإيتاء المال حبيب إليهم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى من قوله‏:‏ ‏{‏من آمن بالله‏}‏ أي من تصدق محبة في الله تعالى وطاعاته، ويحتمل أن يعود على الضمير المستكن في ‏{‏آتى‏}‏ أي على حبه المال، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى المقصود‏:‏ أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو شحيح صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، كما قال صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والشح في هذا الحديث هو الغريزي الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحضرت الأنفس الشح‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 128‏]‏، وليس المعنى أن يكون المتصدق متصفاً بالشح الذي هو البخل، و‏{‏ذوي القربى‏}‏ يراد به قرابة النسب‏.‏

واليتم في الآدميين من قبل الأب قبل البلوغ، وقال مجاهد وغيره‏:‏ ‏{‏ابن السبيل‏}‏ المسافر لملازمته السبيل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كما يقال ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يدخل الجنة ابن زنى» أي الملازم له، وقيل‏:‏ لما كانت السبيل تبرزه شبه ذلك بالولادة فنسب إليها، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏ابن السبيل‏}‏ الضيف، والأول أعم، و‏{‏في الرقاب‏}‏‏:‏ يراد به العتق وفك الأسرى وإعطاء أواخر الكتابات، و‏{‏إقام الصلاة‏}‏ أتمها بشروطها، وذكر الزكاة هنا دليل على أن ما تقدم ليس بالزكاة المفروضة، و‏{‏الموفون‏}‏ عطف على ‏{‏من‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من آمن‏}‏، ويحتمل أن يقدر وهم الموفون، و‏{‏الصابرين‏}‏ نصب على المدح أو على إضمار فعل، وهذا مهيع في تكرار النعوت، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «والموفين» على المدح أو على قطع النعوت، وقرأ يعقوب والأعمش والحسن ‏{‏والموفون‏}‏ «والصابرون» وقرأ الجحدري ‏{‏بعهودهم‏}‏، و‏{‏البأساء‏}‏ الفقر والفاقة، و‏{‏الضراء‏}‏ المرض ومصائب البدن، و‏{‏حين البأس‏}‏ وقت شدة القتال‏.‏

هذا قول المفسرين في الألفاظ الثلاثة، وتقول العرب‏:‏ بئس الرجل إذا افتقر، وبؤس إذا شجع‏.‏

ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البرة بالصدق في أمورهم أي هم عند الظن بهم والرجاء فيهم كما تقول‏:‏ صدقني المال وصدقني الربح، ومنه عود صدق، وتحتمل اللفظة أيضاً صدق الإخبار، ووصفهم الله تعالى بالتقى، والمعنى هم الذي جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح‏.‏