فصل: تفسير الآيات رقم (247- 248)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآية رقم ‏[‏238‏]‏

‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ‏(‏238‏)‏‏}‏

الخطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها وبجميع شروطها، وذكر تعالى ‏{‏الصلاة الوسطى‏}‏ ثانية وقد دخلت قبل في عموم قوله ‏{‏الصلوات‏}‏ لأنه قصد تشريفها وإغراء المصلين بها، وقرأ أبو جعفر أبو الرؤاسي «والصلاةَ الوسطى» بالنصب على الإغراء، وقرأ كذلك الحلواني‏.‏

واختلف الناس من أي صلاة هو هذا الوصف، فذهبت فرقة إلى أنها الصبح وأن لفظ ‏{‏وسطى‏}‏ يراد به الترتيب، لأنها قبلها صلاتا ليل يجهر فيهما، وبعدها صلاتا نهار يسر فيهما، قال هذا القول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وصلى بالناس يوماً الصبح فقنت قبل الركوع فلما فرغ قال‏:‏ «هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله أن نقوم فيها قانتين»، وقاله أبو العالية ورواه عن جماعة من الصحابة، وقاله جابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد وعبد الله بن شداد بن الهاد والربيع ومالك بن أنس‏.‏ وقوى مالك ذلك بأن الصبح لا تجمع إلى غيرها، وصلاتا جمع قبلها وصلاتا جمع بعدها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبْواً»، وقال‏:‏ «إنهما أشدّ الصلوات على المنافقين»، وفضل الصبح لأنها كقيام ليلة لمن شهدها والعتمة نصف ليلة، وقال الله تعالى ‏{‏إن قرآن الفجر كان مشهوداً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 78‏]‏، فيقوي هذا كله أمر الصبح‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ هي صلاة الظهر‏.‏ قاله زيد بن ثابت ورفع فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر‏.‏ واحتج قائلو هذه المقالة بأنها أول صلاة صليت في الإسلام، فهي وسطى بذلك، أي فضلى، فليس هذا التوسط في الترتيب، وأيضاً فروي أنها كانت أشق الصلوات على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تجيء في الهاجرة، وهم قد نفعتهم أعمالهم في أموالهم، وأيضاً فيدل على ذلك ما قالته حفصة وعائشة حين أملتا‏:‏ حافظو على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، فهذا اقتران الظهر والعصر‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ ‏{‏الصلاة الوسطى‏}‏ صلاة العصر لأنها قبلها صلاتا نهار وبعدها صلاتا ليل، وروي هذا القول أيضاً عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وأبي سعيد الخدري، وفي مصحف عائشة رضي الله عنها «والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر»، وهو قولها المروي عنها‏.‏ وقاله الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وفي إملاء حفصة أيضاً «والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر»، ومن روى «وصلاة العصر» فيتناول أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما لشيء واحد‏.‏ كما تقول جاءني زيد الكريم والعاقل، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر»، على البدل، وروى هذا القول سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلى العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً»، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ «كنا نرى أنها الصبح حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب‏:‏ شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر‏.‏

فعرفنا أنها العصر «، وقال البراء ابن عازب‏:‏ كنا نقرأ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ حافظوا على الصلوات وصلاة العصر‏.‏ ثم نسخها الله، فقرأنا‏:‏ ‏{‏حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى‏}‏‏.‏ فقال له رجل‏:‏ فهي العصر‏؟‏، قال‏:‏» قد أخبرتك كيف قرأناها وكيف نسخت «، والله أعلم‏.‏ وروى أبو مالك الأشعري أن رسول الله صلى عليه وسلم قال‏:‏» الصلاة الوسطى صلاة العصر «‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وعلى هذا القول جمهور الناس وبه أقوال والله أعلم‏.‏

وقال قبيصة بن ذؤيب‏:‏» الصلاة الوسطى صلاة المغرب «، لأنها متوسطة في عدد الركعات ليست ثنائية ولا رباعية، وأيضاً فقبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر، وحكى أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر في شرح باب جامع الوقوت وغيره عن فرقة أن ‏{‏الصلاة الوسطى‏}‏ صلاة العشاء الآخرة، وذلك انها تجيء في وقت نوم وهي أشد الصلوات على المنافقين، ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها، وأيضاً فقبلها صلاتان وبعدها صلاتان‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ ‏{‏الصلاة الوسطى‏}‏ لم يعينها الله تعالى لنا، فهي في جملة الخمس غير معينة، كليلة القدر في ليالي العشر، فعَلَ الله ذلك لتقع المحافظة على الجميع، قاله نافع عن ابن عمر وقاله الربيع بن خثيم‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ ‏{‏الصلاة الوسطى‏}‏ هي صلاة الجمعة فإنها وسطى فضلى، لما خصت به من الجمع والخطبة وجعلت عيداً، ذكره ابن حبيب ومكي‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏الصلاة الوسطى‏}‏ المكتوبة الخمس، وقوله أولاً ‏{‏على الصلوات‏}‏ يعم النفل والفرض، ثم خص الفرض بالذكر، ويجري مع هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏» شغلونا عن الصلاة الوسطى «‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏وقوموا لله قانتين‏}‏ معناه في صلاتكم، واختلف الناس في معنى ‏{‏قانتين‏}‏، فقال الشعبي‏:‏» معناه مطيعين «، وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير، وقال الضحاك‏:‏» كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة «، وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون لله عاصمين، فقيل لهذه الأمة وقوموا لله مطيعين، وقال نحو هذا الحسن بن أبي الحسن وطاوس، وقال السدي‏:‏» قانتين معناه ساكتين «، وهذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحاً في صدر الإسلام‏.‏

وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ «كنا نتكلم في الصلاة ونرد السلام ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته» قال‏:‏ «ودخلت يوماً والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فسلمت فلم يرد عليّ أحد، فاشتد ذلك عليَّ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏» إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة «، والقنوت السكوت، وقاله زيد بن أرقم، وقال‏:‏» كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت‏:‏ ‏{‏وقوموا لله قانتين‏}‏، فأمرنا بالسكوت «، وقال مجاهد‏:‏» معنى قانتين خاشعين، القنوت طول الركوع الخشوع وغض البصر وخفض الجناح «‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وإحضار الخشية والفكر في الوقوف بين يدي الله تعالى، وقال الربيع‏:‏» القنوت طول القيام وطول الركوع والانتصاب له «، وقال قوم‏:‏ القنوت الدعاء، و‏{‏قانتين‏}‏ معناه داعين، روي معنى هذا عن ابن عباس، وفي الحديث‏:‏ قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على رعل وذكوان، فقال قوم‏:‏ معناه دعا، وقال قوم‏:‏ معناه طوّل قيامه، ولا حجة في هذا الحديث لمعنى الدعاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏239‏]‏

‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏239‏)‏‏}‏

أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوت، وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح، وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة أحياناً، فرخص لعبيده في الصلاة رجالاً متصرفين على الأقدام، و‏{‏ركباناً‏}‏ على الخيل والإبل، ونحوه إيماء وإشارة بالرأس حيث ما توجه، هذا قول جميع العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية، وأما صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية، وفرق مالك رحمه الله بين الخوف، العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه بأن استحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء، وقوله تعالى ‏{‏فرجالاً‏}‏ هو جمع راجل أو رجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلاً إذا عدم المركب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل، ورجُل «بضم الجيم وهي لغة أهل الحجاز، يقولون مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجُلاً، حكاه الطبري وغيره ورجلان ورجيل، ورجل وأنشد ابن الأعرابي في» رجلان «‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

عليَّ إذا لاقيت ليلى بخلوة *** أن ازدار بيت الله رجلان حافيا

ويجمع على رِجال ورجيلى ورُجَالى ورُجَّالى ورَجَّالة ورُجَّال ورَجَالي ورُجْلان وَرَجْلة ورِجْلة ورِجَلة بفتح الجيم وأرجِلة وأراجلِ وأراجيل، والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضاً على رجال، فهذه الآية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأتوك رجالاً‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 27‏]‏ هما من لفظ الرجلة أي عدم المركوب، وقوله تعالى ‏{‏شهيدين من رجالكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 282‏]‏ فهو جمع اسم الجنس المعروف، وحكى المهدوي عن عكرمة وأبي مجلز أنهما قرآ» فرُجَّلاً «، بضم الراء وشد الجيم المفتوحة، وعن عكرمة أيضاً أنه قرأ» فرُجَالاً «بضم الراء وتخفيف الجيم، وحكى الطبري عن بعضهم أنه قرأ» فرُجَّلاً «دون ألف على وزن فعل بضم الفاء وشد العين، وقرأ جمهور القراء» أو ركباناً «وقرأ بديل بن ميسرة» فرجالاً فركباناً «بالفاء، والركبان جمع راكب، وهذه الرخصة في ضمنها بإجماع من العلماء أن يكون الإنسان حيث ما توجه من السموت، ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه‏.‏ واختلف الناس كم يصلى من الركعات‏.‏ فمالك رحمه الله وجماعة من العلماء لا يرون أن ينقص من عدد الركعات شيئاً، بل يصلي المسافر ركعتين ولا بد‏.‏ قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما‏:‏ يصلي ركعة إيماء‏.‏ وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال‏:‏» فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة «‏.‏

وقال الضحاك بن مزاحم‏:‏ «يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة، فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين»، وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ «فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه»، ذكره ابن المنذر‏.‏

واختلف المتألون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا أمنتم فاذكروا الله‏}‏ الآية، فقالت فرقة‏:‏ المعنى فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإحزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات، وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه وقالت فرقة‏:‏ المعنى فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد، كأنه قال‏:‏ فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي فصلوا كما علمكم صلاة تامة، حكاه النقاش وغيره‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وقوله على هذا التأويل ‏{‏ما لم تكونوا‏}‏ بدل من ‏{‏ما‏}‏ التي في قوله ‏{‏كما‏}‏، وإلا لم يتسق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول ‏{‏ما‏}‏ مفعولة ب ‏{‏علمكم‏}‏، وقال مجاهد‏:‏ «معنى قوله ‏{‏فإذا أمنتم‏}‏، فإذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة»، ورد الطبري على هذا القول، وكذلك فيه تحويم على المعنى كثير، والكاف في قوله ‏{‏كما‏}‏ للتشبيه بين ذكر الإنسان لله ونعمة الله عليه في أن تعادلا، وكان الذكر شبيهاً بالنعمة في القدر وكفاء لها، ومن تأول ‏{‏اذكروا‏}‏ بمعنى صلوا على ما ذكرناه فالكاف للتشبيه بين صلاة العبد والهيئة التي علمه الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏240‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏240‏)‏‏}‏

‏{‏الذين‏}‏ رفع بالابتداء، والخبر في الجملة التي هي «وصية لأزواجهم»، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «وصيةٌ» بالرفع، وذلك على وجهين‏:‏ أحدهما الابتداء والخبر في الظرف الذي هو قوله ‏{‏لأزواجهم‏}‏، ويحسن الابتداء بنكرة من حيث هو موضع تخصيص كما حسن أن يرتفع «سلامٌ عليكم»، وخير بين يديك، وأمت في حجر لا فيك، لأنها مواضع دعاء، والوجه الآخر أن تضمر له خبراً تقدره، فعليهم وصية لأزواجهم، ويكون قوله ‏{‏لأزواجهم‏}‏ صفة‏.‏ قال الطبري‏:‏ «قال بعض النحاة‏:‏ المعنى كتبت عليهم وصية»، قال‏:‏ «وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود»، وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر «وصيةً» بالنصب، وذلك حمل على الفعل كأنه قال‏:‏ ليوصوا وصية، و‏{‏لأزواجهم‏}‏ على هذه القراءة صفة أيضاً، قال هارون‏:‏ «وفي حرف أبي بن كعب» وصيةٌ لأزواجهم متاعٌ «بالرفع، وفي حرف ابن مسعود» الوصية لأزواجهم متاعاً «، وحكى الخفاف أن في حرف أبيّ» فمتاع لأزواجهم «بدل وصية‏.‏

ومعنى هذه الآية أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها، واختلف العلماء ممن هي هذه الوصية، فقالت فرقة‏:‏ كانت وصية من الله تعالى تجب بعد وفاة الزوج، قال قتادة‏:‏» كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها فلها السكنى والنفقة حولاً من مال زوجها ما لم تخرج برأيها، ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في سورة النساء، ونسخ سكنى الحول بالأربعة الأشهر والعشر «‏.‏ وقال الربيع وابن عباس والضحاك وعطاء وابن زيد، وقالت فرقة‏:‏ بل هذه الوصية هي من الزوج، كانوا ندبوا إلى أن يوصوا للزوجات بذلك ف ‏{‏يتوفون‏}‏ على هذا القول معناه يقاربون الوفاة ويحتضرون، لأن الميت لا يوصي، قال هذا القول قتادة أيضاً والسدي‏.‏ وعليه حمل الآية أبو علي الفارسي في الحجة، قال السدي‏:‏» إلا أن العدة كانت أربعة أشهر وعشراً، وكان الرجال يوصون بسكنى سنة ونفقتها ما لم تخرج‏.‏ فلو خرجت بعد انقضاء العدة الأربعة الأشهر والعشر سقطت الوصية‏.‏ ثم نسخ الله تعالى ذلك بنزول الفرائض‏.‏ فأخذت ربعها أو ثمنها، ولم يكن لها سكنى ولا نفقة وصارت الوصايا لمن لا يرث، وقال الطبري عن مجاهد‏:‏ «إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشراً، ثم جعل الله لهن وصية، منها سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وألفاظ مجاهد رحمه الله التي حكى عنها الطبري لا يلزم منها أن الآية محكمة، ولا نص مجاهد ذلك، بل يمكن أنه أراد ثم نسخ ذلك بعد بالميراث‏.‏

و ‏{‏متاعاً‏}‏ نصب على المصدر، وكان هذا الأمر إلى الحول من حيث العام معلم من معالم الزمان قد أخذ بحظ من الطول، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏غير إخراج‏}‏ معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها، و‏{‏غير‏}‏ نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال‏:‏ لا إخراجاً، وقيل‏:‏ نصب على الحال من الموصين‏.‏ وقيل‏:‏ هي صفة لقوله ‏{‏متاعاً‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن خرجن‏}‏ الآية، معناه أن الخروج إذا كان من قبل الزوجة فلا جناح على أحد ولي أو حاكم أو غيره فيما فعلن في أنفسهن من تزويج وترك حداد وتزين إذا كان ذلك من المعروف الذي لا ينكر، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله عزيز‏}‏ صفة تقتضي الوعيد بالنقمة لمن خالف الحد في هذه النازلة فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج‏.‏ ‏{‏حكيم‏}‏ أي محكم لما يأمر به عباده، وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوَّله الطبري مجاهداً رحمه الله، وفي ذلك نظر على الطبري رحمه الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏241- 242‏]‏

‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ‏(‏241‏)‏ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏242‏)‏‏}‏

اختلف الناس في هذه الآية، فقال أبو ثور‏:‏ «هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض، بهذه الآية»، وقال زهري‏:‏ «لكل مطلقة متعة، وللأمة يطلقها زوجها»‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ «لكل مطلقة متعة»‏.‏ وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة‏:‏ «جعل الله تعالى المتاع لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم زيد بن أسلم أنها نسختها»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ففر ابن القاسم رحمه الله من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء، والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم‏.‏ وإذا التزم ابن القاسم أن قوله ‏{‏وللمطلقات‏}‏ عمَّ كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح وغيره‏.‏ هذه الآية في الثيب اللواتي قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في هذا العموم، فهذا يجيء قوله على أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏ مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل إن العموم تناولها فذلك نسخ لا تخصيص، وقال ابن زيد‏:‏ «هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة، لأنه نزل قبل ‏{‏حقاً على المحسنين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 236‏]‏ فقال رجل‏:‏ فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت‏:‏ ‏{‏حقاً على المتقين‏}‏ فوجب ذلك عليهم»‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ هذا الإيجاب هو من تقويل الطبري لا من لفظ ابن زيد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حقاً‏}‏ نصب على المصدر، و‏{‏المتقين‏}‏ هنا ظاهره أن المراد من تلبس بتقوى الله تعالى، والكاف في قوله ‏{‏كذلك‏}‏ للتشبيه، وذلك إشارة إلى هذا الشرع والتنويع الذي وقع في النساء وإلى إلزام المتعة لهن، أي كبيانه هذه القصة يبين سائر آياته، و‏{‏لعلكم‏}‏ ترجٍّ في حق البشر، أي من رأى هذا المبين له رجا أن يعقل ما يبين له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏243‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏243‏)‏‏}‏

هذه رؤية القلب بمعنى‏:‏ ألم تعلم، والكلام عند سيبويه بمعنى تنبه إلى أمر الذين، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين، وقصة هؤلاء فيما قال الضحاك هي أنهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 190، 244‏]‏ الآية، وحكى قوم من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، فخرجوا من ديارهم فراراً منه، فأماتهم الله، فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطاً، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل النبي عليه السلام، فدعا الله فأحياهم له، وقال السدي‏:‏ «هم أمة كانت قبل واسط في قرية يقال لها داوردان، وقع بها الطاعون فهربوا منه وهم بضعة وثلاثون ألفاً»‏.‏ في حديث طويل، ففيهم نزلت الآية‏.‏ وقال إنهم فروا من الطاعون‏:‏ الحسن وعمرو بن دينار‏.‏ وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى‏.‏ وحكى فيهم مجاهد أنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون‏.‏ لكن سحنة الموت على وجوههم‏.‏ ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلا عاد كفناً دسماً حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم، وروى ابن جريج عن ابن عباس أنهم كانوا من بني إسرائيل، وأنهم كانوا أربعين ألفاً وثمانية آلاف، وأنهم أميتوا ثم أحيوا وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم، فأمرهم الله بالجهاد ثانية فذلك قوله ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 190- 244‏]‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أخباراً في عبارة التنبيه والتوقيف، عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد‏.‏ هذا قول الطبري، وهو ظاهر رصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها‏.‏ واختلف الناس في لفظ ‏{‏ألوف‏}‏‏.‏ فقال الجمهور‏:‏ هي جمع ألف‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كانوا ثمانين ألفاً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ «كانوا أربعين ألفاً»‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا ثلاثين ألفاً‏.‏ وهذا كله يجري مع ‏{‏ألوف‏}‏ إذ هو جمع الكثير، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ «كانوا ثمانية آلاف»، وقال أيضاً‏:‏ أربعة آلاف، وهذا يضعفه لفظ ‏{‏ألوف‏}‏ لأنه جمع الكثير‏.‏ وقال ابن زيد في لفظ ‏{‏ألوف‏}‏‏:‏ «إنما معناها وهم مؤتلفون» أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم‏.‏

إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فراراً من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقال لهم الله موتوا‏}‏ الآية، إنما هي مبالغة في العبارة عن فعله بهم‏.‏ كان ذلك الذي نزل بهم فعل من قيل له‏:‏ مت، فمات، وحكي أن ملكين صاحا بهم‏:‏ موتوا، فماتوا‏.‏ فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين‏.‏ وهذا الموت ظاهر الآية، وما روي في قصصها أنه موت حقيقي فارقت فيها الأرواح الأجساد، وإذا كان ذلك فليس بموت آجالهم، بل جعله الله في هؤلاء كمرض حادث مما يحدث على البشر‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله لذو فضل على الناس‏}‏ الآية، تنبيه على فضل الله على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد، وأمرهم بأن لا يجعلوا الحول والقوة إلاّ له، حسبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميع هذا، بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم‏.‏ وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل، أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي، فيكون منهم الجري إلى امتثالها لا طلب الخروج عنها، وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل الشاكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏244- 245‏]‏

‏{‏وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏244‏)‏ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏245‏)‏‏}‏

الواو في هذه الآية عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، هذا قول الجمهور إن هذه الآية هي مخاطبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا حسب الحديث، وقال ابن عباس والضحاك‏:‏ الأمر بالقتال هو للذين أحيوا من بني إسرائيل، فالواو على هذا عاطفة على الأمر المتقدم، المعنى وقال لهم قاتلوا، قال الطبري رحمه الله‏:‏ «ولا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال هو للذين أحيوا»، و‏{‏سميع‏}‏ معناه للأقوال، ‏{‏عليم‏}‏ بالنيات‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يقرض الله‏}‏ الآية، فدخل في ذلك المقاتل في سبيل الله فإنه يقرض رجاء الثواب، كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، ويروى أن هذه الآية لما نزلت قال أبو الدحداح‏:‏ «يا رسول الله أَوَ إن الله يريد منا القرض‏؟‏» قال‏:‏ «نعم، يا أبا الدحداح»، قال‏:‏ فإني قد أقرضت الله حائطي «‏:‏ لحائط فيه ستمائة نخلة، ثم جاء الحائط وفيه أم الدحداح، فقال‏:‏ اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا، قال‏:‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏» كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة «‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ ويقال فيه ابن الدحداحة، واستدعاء القرض في هذه الآية إنا هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من شبه القرض بالعمل للثواب، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء، وقد ذهبت اليهود في مدة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم محتاج يستقرض، وهذا بين الفساد، وقوله ‏{‏حسناً‏}‏ معناه تطيب فيه النية، ويشبه أيضاً أن تكون إشارة إلى كثرته وجودته، واختلف القراء في تشديد العين وتخفيفها ورفع الفاء ونصبها وإسقاط الألف وإثباتها من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيضاعفه‏}‏ فقرأ ابن كثير» فيضعّفُه «برفع الفاء من غير ألف وتشديد العين في جميع القرآن وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه نصب الفاء في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء إلا أنه أثبت الألف في» فيضاعفه «في جميع القرآن، وكان أبو عمرو لا يسقط الألف من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يضعف لها العذاب‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 30‏]‏، فإنه بغير ألف كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بالألف ورفع الفاء‏.‏ فالرفع في الفاء يتخرج على وجهين‏:‏ أحدهما العطف على ما في الصلة‏.‏

وهو يقرض، والآخر أن يستأنف الفعل ويقطعه، قال أبو علي‏:‏ «والرفع في هذا الفعل أحسن»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام، وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفاً له‏.‏ تقول‏:‏ أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض، ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى، لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض، فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له، ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ ‏{‏من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 186‏]‏ بجزم ‏{‏نذرهم‏}‏، لما كان معنى قوله ‏{‏فلا هادي له‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 186‏]‏ فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة، وقرأ ابن كثير ‏{‏يبسط‏}‏ بالسين، ونافع بالصاد في المشهور عنه، وقال الحلواني عن قالون عن نافع‏:‏ إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى أبو قرة عن نافع ‏{‏يبسط‏}‏ بالسين، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يسعر بسبب غلاء خيف على المدينة، فقال‏:‏ «إن الله هو الباسط القابض، وإني لأرجوا أن ألقى الله ولا يتبعني أحد بمظلمة في نفس ولا مال»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏246‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏246‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ‏}‏

هذه الآية خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو، فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل، فنصرهم الله، وفي هذا كله مثال للمؤمنين يحذر المكروه منه ويقتدى بالحسن، و‏{‏الملأ‏}‏ في هذه الآية جميع القوم، لأن المعنى يقتضيه، وهذا هو أصل الفظة‏.‏ ويسمى الأشراف الملأ تشبيهاً، وقوله ‏{‏من بعد موسى‏}‏ معناه من بعد موته وانقضاء مدته، واختلف المتأولون في النبي الذي قيل له ‏{‏ابعث‏}‏، فقال ابن إسحاق وغيره عن وهب بن منبه‏:‏ هو سمويل بن بالي‏:‏ وقال السدي‏:‏ هو شمعون وقال قتادة‏:‏ هو يوشع بن نون‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وهذا قول ضعيف، لأن مدة داود هي بعد مدة موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى، وكانت بنو إسرائيل تغلب من حاربها، وروي أنها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقية في مأزق الحرب، فلا تزال تغلب حتى عصوا وظهرت فيهم الأحداث‏.‏ وخالف ملوكهم الأنبياء، واتبعوا الشهوات، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم بأن يكون أنبياؤهم يسددون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه سلط الله عليهم أمماً من الكفرة فغلبوهم وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب فذل أمرهم‏.‏ وقال السدي‏:‏ «كان الغالب لهم جالوت وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاصطلام وذهاب الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم‏.‏ حتى اجتمع ملأهم على أن قالوا لنبي الوقت‏:‏ ‏{‏ابعث لنا ملكاً‏}‏ الآية، وإنما طلبوا ملكاً يقوم بأمر القتال، وكانت المملكة في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم‏:‏» بنو يهوذا «، فعلم النبي بالوحي أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب، ويسر الله لذلك طالوت‏.‏

وقرأ جمهور الناس» نقاتلْ «بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة» يقاتلُ «بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك‏.‏ وأراد النبي المذكور عليه السلام أن يتوثق منهم فوقفهم على جهة التقرير وسبر ما عندهم بقوله ‏{‏هل عسيتم‏}‏ وقرأ نافع» عسِيتم «بكسر العين في الموضعين، وفتح الباقون السين، قال أبو علي‏:‏» الأكثر فتح السين وهو المشهور «، ووجه الكسر قول العرب هو عس بذلك مثل حر وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو نقم ونقم، فكذلك عسيت وعسيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال عسي زيد مثل رضي، فإن قيل فهو القياس، وإن لم يقل فسائغ أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحدهما في موضع الأخرى كما فعل ذلك في غيره، ومعنى هذه المقالة‏:‏ هل أنتم قريب من التولي والفرار‏.‏

إن كتب عليكم القتال‏؟‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ‏}‏

المعنى وأي شيء يجلعنا ألا نقاتل وقد وترنا وأخرجنا من ديارنا‏؟‏ وقالوا هذه المقالة وإن كان القائل لم يخرج من حيث قد أخرج من هو مثله وفي حكمه، ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب تولوا، أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة، فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا»، ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله، ثم توعد الظالمين في لفظ الخبر الذي هو قوله ‏{‏والله عليم بالظالمين‏}‏، وقرأ أبي بن كعب «تولوا إلا أن يكون قليل منهم»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏247- 248‏]‏

‏{‏وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏247‏)‏ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏248‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ‏}‏

قال وهب بن منبه‏:‏ «إنه لما قال الملأ من بني إسرائيل لسمويل بن بالي ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكاً ويدله عليه، فقال الله تعالى له‏:‏ انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه منه وملكه عليهم، قال‏:‏ وكان طالوت رجلاً دباغاً، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان سبطاً لا نبوة فيه ولا ملك، فخرج طالوت بغاء دابة له أضلها، فقصد سمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجاً، فنش الدهن»‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وهو دهن القدس فيما يزعمون، قال‏:‏ فقام إليه سمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له‏:‏ أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل «إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً»، و‏{‏طالوت‏}‏ اسم أعجمي معرب ولذلك لم ينصرف، وقال السدي‏:‏ «إن الله أرسل إلى شمعون عصاً وقال له‏:‏ من دخل عليك من بني إسرائيل فكان على طول هذه العصا فهو ملكهم، فقيس بها بنو إسرائيل فكانت تطولهم حتى مر بهم طالوت في بغاء حماره الذي كان يسقي عليه، وكان رجلاً سقاء، فدعوه فقاسوه بالعصا فكان مثلها، فقال لهم نبيهم ما قال، ثم إن بني إسرائيل تعنتوا وحادوا عن أمر الله تعالى، وجروا على سننهم فقالوا‏:‏ ‏{‏أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه‏}‏، أي لأنه ليس في بيت ملك ولا سبقت له فيه سابقة‏.‏ ‏{‏ولم يؤت‏}‏ مالاً واسعاً يجمع به نفوس الرجال حتى يغلب أهل الأنفة بماله‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وترك القوم السبب الأقوى وهو قدر الله وقضاؤه السابق، وانه مالك الملك، فاحتج عليهم نبيهم عليه السلام بالحجة القاطعة، وبيّن لهم مع ذلك تعليل اصطفائه طالوت، وأنه زاده بسطة في العلم وهو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء، قال ابن عباس‏:‏» كان في بني إسرائيل سبطان أحدهما للنبوة والآخر للملك، فلا يبعث نبي إلا من الواحد ولا ملك إلا من الآخر، فلما بعث طالوت من غير ذلك قالوا مقالتهم «، قال مجاهد‏:‏ معنى الملك في هذه الآية الإمرة على الجيش‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولكنهم قلقوا لأن من عادة من تولى الحرب وغلب أن يستمر ملكاً، و‏{‏اصطفى‏}‏ افتعل، مأخوذ من الصفوة، وقرأ نافع «بصطة» بالصاد، وقرأ أبو عمرو وابن كثير «بسطة» بالسين، والجمهور على أن العلم في هذه الآية يراد به العموم في المعارف، وقال بعض المتأولين‏:‏ المراد علم الحرب، وأما جسمه فقال وهب بن منبه‏:‏ إن أطول رجل في بني إسرائيل كان يبلغ منكب طالوت‏.‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ‏}‏

لما علم نبيهم عليه السلام تعنتهم وجدالهم في الحجج تمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏والله يؤتي ملكه من يشاء‏}‏، وظاهر اللفظ أنه من قول النبي لهم، وقد ذهب بعض المتأولين إلى أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وأضيف ملك الدنيا إلى الله تعالى، إضافة مملوك إلى مالك، و‏{‏واسع‏}‏ معناه وسعت قدرته وعلمه كل شيء، وأما قول النبي لهم‏:‏ ‏{‏إن آية ملكه‏}‏ فإن الطبري ذهب إلى بني إسرائيل تعنتوا وقالوا لنبيهم‏:‏ وما آية ملك طالوت‏؟‏ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صدقه في قوله إن الله قد بعث‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغبيط والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها الله بملك طالوت وجعلها آية له دون أن تعن بنو إسرائيل لتكذيب نبيهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، فإنهم أهل تكذيب وتعنت واعوجاج، وقد حكى الطبري معناه عن ابن عباس وابن زيد والسدي‏.‏

واختلف المفسرون في كيفية إتيان ‏{‏التابوت‏}‏ وكيف كان بدء أمره، فقال وهب بن منبه‏:‏ كان التابوت عند بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت، وصار التابوت عند القوم الذين غلبوا، فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسة، فجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم، وقيل‏:‏ جعل في مخراة قوم فكانوا يصيبهم الناسور، فلما عظم بلاؤهم كيف كان، قالوا‏:‏ ما هذا إلا لهذا التابوت فلنرده إلى بلاد بني إسرائيل، فأخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين فأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا به على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت، فأيقنوا بالنصر، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية‏.‏ وقال قتادة والربيع‏:‏ بل كان هذا التابوت مما تركه موسى عند يوشع بن نون، فجعله يوشع في البرية، ومرت عليه الدهور حتى جاء وقت طالوت‏.‏ وكان أمر التابوت مشهوراً عندهم في تركة موسى، فجعل الله الإتيان به آية لملك طالوت، وبعث الله ملائكة حملته إلى بني إسرائيل، فيروى أنهم رأوا التابوت في الهواء يأتي حتى نزل بينهم، وروي أن الملائكة جاءت به تحمله حتى جعلته في دار طالوت، فاستوسقت بنو إسرائيل عند ذلك على طالوت، وقال وهب بن منبه‏:‏ كان قدر التابوت نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، وقرأ زيد بن ثابت «التابوه»، وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وكثر الرواة في قصص التابوت وصورة حمله بما لم أر لإثباته وجهاً للين إسناده‏.‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ السكينة ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، وروي عنه أنه قال‏:‏ هي ريح خجوج ولها رأسان، وقال مجاهد‏:‏ السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان وذنب، وقال أقبلت السكينة والصرد وجبريل مع إبراهيم من الشام‏.‏ وقال وهب بن منبه عن بعض علماء بني إسرائيل‏:‏ السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ الهر أيقنوا بالنصر‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ السكينة طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقاله السدي‏.‏ وقال وهب بن منبه‏:‏ السكينة روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء أخبرهم ببيان ما يريدون‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح‏:‏ السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ ‏{‏سكينة من ربكم‏}‏ أي رحمة من ربكم، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏سكينة من ربكم‏}‏ أي وقار لكم من ربكم‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده، والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة‏.‏

واختلف المفسرون في البقية ما هي‏؟‏‏:‏ فقال ابن عباس‏:‏ هي عصا موسى ورضاض الألواح، وقال الربيع‏:‏ هي عصا موسى وأمور من التوراة‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ هي التوراة والعصا ورضاض الألواح‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ومعنى هذا ما روي من أن موسى عليه السلام لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل القى الألواح غضباً فتكسرت‏.‏ فنزع منها ما بقي صحيحاً وأخذ رضاض ما تكسر فجعل في التابوت‏.‏ وقال أبو صالح‏:‏ البقية عصا موسى وعصا هارون ولوحان من التوراة والمن‏.‏ وقال عطية بن سعد‏:‏ هي عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ورضاض الألواح‏.‏ وقال الثوري‏:‏ من الناس من يقول البقية قفيز منّ ورضاض الألواح‏.‏

ومنهم من يقول‏:‏ العصا والنعلان‏.‏ وقال الضحّاك‏:‏ البقية الجهاد وقتال الأعداء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ أي الأمر بذلك في التابوت، إما أنه مكتوب فيه، وإما أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى آل موسى وهارون من حيث كان الأمر مندرجاً من قوم إلى قوم، وكلهم آل لموسى وهارون، وآل الرجل قرابته وأتباعه، وقال ابن عباس والسدي وابن زيد‏:‏ حمل الملائكة هو سوقها التابوت دون شيء يحمله سواها حتى وضعته بين يدي بني إسرائيل وهم ينظرون إليه بين السماء والأرض، وقال وهب بن منبه والثوري عن بعض أشياخهم، حملها إياه هو سوقها الثورين أو البقرتين اللتين جرتا العجلة به، ثم قرر تعالى أن مجيء التابوت آية لهم إن كانوا ممن يؤمن ويبصر بعين حقيقة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏249‏]‏

‏{‏فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏249‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ‏}‏

قبل هذه الآية متروك من اللفظ يدل معنى ما ذكر عليه، وهو فاتفق بنو إسرائيل على طالوت ملكاً وأذعنوا وتهيؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل، و‏{‏فصل‏}‏ معناه خرج بهم من القطر، وفصل حال السفر من حال الإقامة، قال السدي وغيره‏:‏ كانوا ثمانين ألفاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ ولا محالة أنهم كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان، وقال وهب بن منبه‏:‏ ولم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض‏.‏

واختلف المفسرون في النهر، فقال وهب بن منبه‏:‏ لما فصل طالوت قالوا له إن المياه لا تحملنا فادع الله يجر لنا نهراً، فقال لهم طالوت ‏{‏إن الله مبتليكم‏}‏ الآية، وقال قتادة‏:‏ النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين، وقاله ابن عباس، وقال أيضاً هو السدي، النهر نهر فلسطين، وقرأ جمهور القراء «بنهَر» بفتح الهاء، وقرأ مجاهد وحميد الأعرج وأبو السمال وغيرهم «بنهْر» بإسكان الهاء في جميع القرآن، ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلب شهوته في الماء وعصى الأمر فهو بالعصيان في الشدائد أحرى، وروي أنهم أتوا النهر وهم قد نالهم عطش وهو غاية العذوبة، والحسن، ولذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال إلى الاغتراف بالأيدي لنظافته، وسهولته، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ الأكف انظف الآنية‏.‏ ومنه قول الحسن رحمه الله‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏‏.‏

لاَ يَدْلِفُونَ إلى مَاءٍ بآنِيةٍ *** إلاَّ اغترافاً مِنَ الغُدْرانِ بِالرَّاحِ

وظاهر قول طالوت ‏{‏إن الله مبتليكم‏}‏ هو أن ذلك بوحي إلى النبي وإخبار من النبي لطالوت، ويحتمل أن يكون هذا مما ألهم الله طالوت إليه فجرب به جنده، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم، وهذه النزعة واجب أن تقع من كل متولي حرب، فليس يحارب إلاّ بالجند المطيع، ومنه قول معاوية‏:‏ «عليّ في أخبث جند وأعصاه وأنا في أصح جند وأطوعه»، ومنه قول علي رضي الله عنه‏:‏ «أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان»، وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين هممهم في غير الرفاهية، كما قال عروة‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وَأَحسوا قَرَاحَ الْمَاءِ والْمَاءُ بَارِد *** فيشبه أن طالوت أراد تجربة القوم، وقد ذهب قوم إلى عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمله مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فليس مني‏}‏ أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من غشنا فليس منا، ومن رمانا بالنبل فليس منا، وليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود»، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يطعمه‏}‏ سد للذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم‏.‏ ولهذه المبالغات لم يأت الكلام، ومن لم يشرب منه‏.‏ وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير «غَرفة» بفتح الغين‏.‏ وهذا على تعدية الفعل إلى المصدر‏.‏ والمفعول محذوف، والمعنى إلا من اغترف ماء غرفة، وقرأ الباقون «غُرفة» بضم الغين وهذا على تعدية الفعل إلى المفعول به، لأن الغرفة هي العين المغترفة‏.‏ فهذا بمنزلة إلاَّ من إغترف ماء، وكان أبو علي يرجح ضم الغين، ورجحه الطبري أيضاً من جهة أن «غَرفة» بالفتح إنما هو مصدر على غير اغتراف، ثم أخبر تعالى عنهم أن الأكثر شرب وخالف ما أريد منه، وروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أن القوم شربوا على قدر يقينهم‏.‏ فشرب الكفار شرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏

«جاوز» فاعل من جاز ويجوز‏.‏ وهي مفاعلة من اثنين في كل موضع‏.‏ لأن النهر وما أشبهه كأنه يجاوز‏.‏ واختلف الناس في ‏{‏الذين آمنوا معه‏}‏ كم كانوا‏؟‏ فقال البراء بن عازب‏:‏ كنا نتحدث ان عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وفي رواية‏:‏ وثلاثة عشر رجلاً، وما جاوز معه إلا مؤمن، وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر‏:‏ «أنتم كعدة أصحاب طالوت»، وقال السدي وابن عباس‏:‏ بل جاوز معه أربعة آلاف رجل، قال ابن عباس‏:‏ فيهم من شرب، قالا‏:‏ فلما نظروا إلى جالوت وجنوده قالوا‏:‏ لا طاقة لنا اليوم، ورجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، هذا نص قول السدي ومعنى قول ابن عباس، فعلى القول الأول قالت الجملة‏:‏ ‏{‏لا طاقة لنا اليوم‏}‏، على جهة استكثارا العدو‏.‏

فقال أهل الصلابة منهم والتصميم والاستماتة‏:‏ ‏{‏كم من فئة قليلة‏}‏ الآية، وظن لقاء الله على هذا القول يحسن أن يكون ظناً على بابه، أي يظنون أنهم يستشهدون في ذلك اليوم لعزمهم على صدق القتال، كما جرى لعبد الله بن حرام في يوم أحد، ولغيره، وعلى القول الثاني قال كثير من الأربعة الآلاف‏:‏ لا طاقة لنا على جهة الفشل والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوت، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله وهم عدة أهل بدر‏:‏ ‏{‏كم من فئة قليلة‏}‏ والظن على هذا بمعنى اليقين، وهو فيما لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وما روي عن ابن عباس من أن في الأربعة الآلاف من شرب يرد عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو والذين آمنوا معه‏}‏، وأكثر المفسرين على أنه إنما جاوز النهر من لم يشرب إلا غرفة ومن لم يشرب جملة، ثم كانت بصائر هؤلاء مختلفة، فبعض كع وقليل صمم، وقرأ أبي بن كعب «كأين من فئة»، والفئة الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد، من قولهم‏:‏ فاء يفيء إذا رجع، وقد يكون الرجل الواحد فئة تشبيهاً، والملك فئة الناس، والجبل فئة، والحصن، كل ذلك تشبيه، وفي قولهم رضي الله عنهم‏:‏ ‏{‏كم من فئة‏}‏ الآية، تحريض بالمثال وحض واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربه، ‏{‏وإذن الله‏}‏ هنا تمكينه وعلمه، فمجموع ذلك هو الإذن، ‏{‏والله مع الصابرين‏}‏ بنصره وتأييده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏250- 252‏]‏

‏{‏وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏250‏)‏ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏251‏)‏ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏252‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ‏}‏‏.‏

‏{‏برزوا‏}‏ معناه‏:‏ صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع، و«جالوت» اسم أعجمي معرب، والإفراغ أعظم الصب، كأنه يتضمن عموم المفرغ عليه، والهزم أصله أن يضرب الشيء فيدخل بعضه في بعض، وكذلك الجيش الذي يرد يركب ردعه، ثم قيل في معنى الغلبة‏:‏ هزم، وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس‏.‏

وروي في قصة داود وقتله جالوت، أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود وهم بنو إيشى، وكان داود صغيراً يرعى غنماً لأبيه، فلما حضرت الحرب قال في نفسه‏:‏ لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فلما نهض مر في طريقه بحجر فناداه‏:‏ يا داود، خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر، ثم آخر، ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر الناس، خرج جالوت يطلب مبارزاً فكع الناس عنه حتى قال طالوت‏:‏ من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال‏:‏ أنا أبرز له وأقتله، فقال له طالوت‏:‏ فاركب فرسي، وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكة فلما مشى قليلاً رجع‏.‏ فقال الناس‏:‏ جبن الفتى، فقال داود‏:‏ إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي‏.‏

قال‏:‏ وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه، وخرج إلى جالوت وهو شاك في سلاحه، فقال له جالوت‏:‏ أنت يا فتى تخرج إليّ، قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ هكذا كما يخرج إلى الكلب، قال‏:‏ نعم وأنت أهون‏.‏ قال‏:‏ لأطعمن اليوم لحمك الطير السباع، ثم تدانيا فأدار داود مقلاعه، وأدخل يده إلى الحجارة فروي أنها التأمت فصارت حجراً واحداً فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت وكانت الهزيمة، ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال له‏:‏ إن بنات الملوك لهن غرائب من المهر، ولا بد لك من قتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس، وتجيئني بغلفهم وطمع طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه النزعة فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك وطلب امرأته فدفعها إليه طالوت، وعظم أمر داود، فيروى أن طالوت تخلى له عن الملك وصار هو الملك، ويروى أن بني إسرائيل غلبت طالوت على ذلك بسبب أن داود قتل جالوت، وكان سبب الفتح، وروي أن طالوت أخاف داود حتى هرب منه فكان في جبل إلى أن مات طالوت فذهبت بنو إسرائيل إلى داود فملكته أمرها، وروي أن نبي الله سمويل أوحى الله إليه أن يذهب إلى إيشى ويسأله أن يعرض عليه بنيه فيدهن الذي يشار إليه بدهن القدس ويجعله ملك بني إسرائيل‏.‏

والله أعلم أي ذلك كان، غير أنه يقطع من ألفاظ الآية على أن داود صار ملك بني إسرائيل‏.‏ وقد روي في صدر هذه القصة‏:‏ أن داود طان يسير في مطبخة طالوت ثم كلمه حجر فأخذه فكان ذلك سبب قتله جالوت ومملكته، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، وذلك كله لين الأسانيد، فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية وتعلم به مناقل النازلة واختصرت سائر ذلك، وأما الحكمة التي آتاه الله فهي النبوة والزبور وقال السدي‏:‏ آتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون والذي علمه هي صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع علمه صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏}‏

أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر الدهر ‏{‏لفسدت الأرض‏}‏، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع إلى الله ومقاتل عليه، إلى أن جعل ذلك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، له الحمد كثيراً‏.‏ قال مكي‏:‏ وأكثر المفسرين على أن المعنى لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وليس هذ المعنى الآية ولا هي منه في ورد ولا صدر، والحديث الذي رواه ابن عمر صحيح، وما ذكر مكي من احتجاج ابن عمر عليه بالآية لا يصح عندي لأن ابن عمر من الفصحاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير‏:‏ ‏{‏ولولا دفع الله‏}‏، وفي الحج ‏{‏إن الله يدفع‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 38‏]‏، وقرأ نافع «ولولا دفاع الله»، «وإن الله يدافع»، وقرأ الباقون ‏{‏ولولا دفع الله‏}‏ «وإن الله يدافع» ففرقوا بينهما، والدفاع، يحتمل أن يكون مصدر دفع ككتب كتاباً ولقي لقاء، ويحتمل أن يكون مصدر دافع كقاتل قتالاً، والإشارة بتلك إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصة بجملتها مثال عظيم للمؤمنين ومعتبر، وقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معدين لحرب الكفار، فلهم في هذه النازلة معتبر يقتضي تقوية النفوس والثقة بالله وغير ذلك من وجوه العبرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏253‏]‏

‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ‏(‏253‏)‏‏}‏

‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏

‏{‏تلك‏}‏ رفع بالابتداء، و‏{‏الرسل‏}‏ خبره، ويجوز أن يكون ‏{‏الرسل‏}‏ عطف بيان و‏{‏فضلنا‏}‏ الخبر، و‏{‏تلك‏}‏ إشارة إلى جماعة مؤنثة اللفظ، ونص الله في هذه الآية على تفضيل بعض الأنبياء على بعض وذلك في الجملة دون تعيين مفضول‏.‏ وهكذا هي الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فإنه قال‏:‏ «أنا سيد ولد آدم»، وقال‏:‏ «لا تفضلوني على موسى»، وقال‏:‏ «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى»، وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول، لأن يونس عليه السلام كان شاباً وتفسخ تحت أعباء النبوءة، فإذا كان هذا التوقف فيه لمحمد وإبراهيم ونوح فغيره أحرى، فربط الباب أن التفضيل فيهم على غير تعيين المفضول، وقد قال أبو هريرة‏:‏ خير ولد آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وهم أولو العزم والمكلم موسى صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو‏؟‏ فقال نعم نبي مكلم، وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصة موسى، وقول تعالى‏:‏ ‏{‏ورفع بعضهم درجات‏}‏ قال مجاهد وغيره‏:‏ هي إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث إلى الناس كافة وأعطي الخمس التي لم يعطها أحد قبله، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله، ومن معجزاته وباهر آياته، ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد وغيره ممن عظمت آياته ويكون الكلام تأكيداً للأول، ويحتمل أن يريد رفع إدريس المكان العليّ ومراتب الأنبياء في السماء فتكون الدرجات في المسافة ويبقى التفضيل مذكوراً في صدر الآية فقط، وبينات عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وخلق الطير من الطين، و«روح القدس» جبريل عليه السلام، وقد تقدم ما قال العلماء فيه‏.‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏ولَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏}‏

ظاهر اللفظ في قولهم‏:‏ من بعدهم يعطي أنه أراد القوم الذين جاؤوا من بعد جميع الرسل، وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي فلف الكلام لفاً يفهمه السامع، وهذا كما تقول‏:‏ اشتريت خيلاً، ثم بعتها، فجائزة لك هذه العبارة وأنت اشتريت فرساً ثم بعته، ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغياً وحسداً، وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان‏.‏ ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك‏.‏ الفعال لما يريد، فاقتتلوا بأن قتل المؤمنون الكافرين على مر الدهر، وذلك هو دفع الله الناس بعضهم ببعض‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏254‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏254‏)‏‏}‏

قال ابن جريج‏:‏ هذه الآية تجمع الزكاة والتطوع، وهذا كلام صحيح فالزكاة واجبة والتطوع مندوب إليه، وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل وصلة رحم، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية‏:‏ ‏{‏والكافرون هم الظالمون‏}‏، أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال، وندب الله بهذه الآية، إلى إنفاق شيء مما أنعم به وهذه غاية التفضل فعلاً وقولاً، وحذر تعالى من الإمساك، إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك بنفقة في ذات الله، إذ هي مبايعة على ما قد فسرناه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يقرض الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏، أو إذ البيع فدية لأن المرء قد يشتري نفسه ومراده بماله، وكأن معنى الآية معنى سائر الآي التي تتضمن إلا فدية يوم القيامة‏.‏

وأخبر الله تعالى بعدم الخلة يوم القيامة، والمعنى‏:‏ خلة نافعة تقتضي المساهمة كما كانت في الدنيا، وأهل التقوى بينهم في ذلك اليوم خلة ولكنها غير محتاج إليها، وخلة غيرهم لا تغني من الله شيئاً، وأخبر تعالى أن الشفاعة أيضاً معدومة في ذلك اليوم، فحمل الطبري ذلك على عموم اللفظ وخصوص المعنى، وأن المراد ‏{‏ولا شفاعة‏}‏ للكفار‏.‏ وهذا لا يحتاج إليه‏.‏ بل الشفاعة المعروفة في الدنيا وهي انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده مرتفعة يوم القيامة البتة‏.‏ وإنما توجد شفاعة بإذن الله تعالى‏.‏ فحقيقتها رحمة من الله تعالى‏.‏ لكنه شرف الذي أذن له في أن يشفع، وإنما المعدوم مثل حال الدنيا من البيع والخلة والشفاعة‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو‏:‏ «لا بيعَ فيه ولا خلةَ ولا شفاعة» بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وكذلك في سورة إبراهيم ‏{‏لا بيعَ فيه ولا خلالَ‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 31‏]‏، وفي الطور‏:‏ ‏{‏لا لغو فيها ولا تأثيم‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 23‏]‏، وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، و‏{‏الظالمون‏}‏ واضعو الشيء في غير موضعه، وقال عطاء بن دينار‏:‏ الحمد لله الذي قال‏:‏ ‏{‏والكافرون هم الظالمون‏}‏ ولم يقل‏:‏ الظالمون هم الكافرون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏255‏]‏

‏{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ‏(‏255‏)‏‏}‏

‏{‏اللَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ‏}‏

هذه سيدة آي القرآن، ورد ذلك في الحديث وورد أنها تعدل ثلث القرآن، وورد أن من قرأها أول ليله لم يقربه شيطان، وكذلك من قرأها أول نهاره‏.‏ وهذه متضمنة التوحيد والصفات العلى، و‏{‏الله‏}‏ مبتدأ، و‏{‏لا إله‏}‏ مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود، و‏{‏إلا‏}‏ هو بدل من موضع ‏{‏لا إله‏}‏، و‏{‏الحي‏}‏ صفة من صفات الله تعالى ذاتية، وذكر الطبري، عن قوم أنهم قالوا‏:‏ الله تعالى حي لا بحياة‏.‏ وهذا قول المعتزلة وهو قول مرغوب عنه، وحكي عن قوم أنه حي بحياة هي صفة له، وحكي عن قوم أنه يقال حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، و‏{‏القيوم‏}‏ فيعول من القيام أصله قيووم اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء، وقيوم بناء مبالغة أي‏:‏ هو القائم على كل أمر بما يجب له، وبهذا المعنى فسره مجاهد والربيع والضحاك، وقرأ ابن مسعود وعلقمة وإبراهيم النخعي والأعمش‏:‏ «الحي القيوم» بالألف ثم نفى عز وجل أن تأخذه ‏{‏سنة‏}‏ أو ‏{‏نوم‏}‏، وفي لفظ الأخذ غلبة ما، فلذلك حسنت في هذا الموضع بالنفي، والسنة بدء النعاس، وهو فتور يعتري الإنسان وترنيق في عينيه، وليس يفقد معه كل ذهنه، والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن، والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا تدركه آفة ولا يلحقه خلل بحال من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك وأقيم هذا المذكور من الآفات مقام الجميع، وهذا هو مفهوم الخطاب كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تقل لهما أف‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏، ومما يفرق بين الوسن والنوم قول عدي بن الرقاع‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

وَسْنان أَقْصَدُه النُّعاسُ فَرنّقَتْ *** في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بنائِمِ

وبهذا المعنى في السنة فسر الضحاك والسدي، وقال ابن عباس وغيره‏:‏ السنة النعاس، وقال ابن زيد‏:‏ الوسنان، الذي يقوم من النوم وهولا يعقل حتى ربما جرد السيف على أهله‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وهذا الذي قال ابن زيد فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب، وروى أبو هريرة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال‏:‏ «وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه‏؟‏ فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً لم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما، قال‏:‏ فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت فانكسرت القارورتان»

قال‏:‏ ضرب الله مثلاً أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏له ما في السموات وما في الأرض‏}‏ أي بالملك‏.‏ فهو مالك الجميع وربه، وجاءت العبارة ب ‏{‏ما‏}‏ وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود، ثم قرر ووقف تعالى على من يتعاطى أن ‏{‏يشفع عنده‏}‏ أو يتعاطى ذلك فيه إلا أن يأذن هو في ذلك لا إله إلا هو وقال الطبري‏:‏ هذه الآية نزلت لما قال الكفار‏:‏ ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله‏:‏ ‏{‏له ما في السموات وما في الأرض‏}‏ الآية تقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة وهنا هم الأنبياء والعلماء وغيرهم، والإذن هنا راجع إلى الأمر فيما نص عليه، كمحمد صلى الله عليه وسلم إذا قيل له‏:‏ واشفع تشفع وإلى العلم والتمكين إن شفع أحد من الأنبياء والعلماء قبل أن يؤمر، والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار، وهو بين المنزلتين أو وصل ولكن له أعمال صالحة‏.‏

وفي البخاري، في باب بقية من باب الرؤية، أن المؤمنين يقولون‏:‏ ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطئ على باب الجنة الحديث، وهذا إنما هو في قرابتهم ومعارفهم وأن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين بالذنوب الذين لم تنلهم شفاعة الأنبياء‏.‏

وأما شفاعة محمد في تعجيل الحساب فخاصة له، وهي الخامسة التي في قوله‏:‏ «وأعطيت الشفاعة» وهي عامة للناس، والقصد منها إراحة المؤمنين، ويتعجل للكفار منها المصير إلى العذاب، وكذلك إنما يطلبها إلى الأنبياء المؤمنون، والضميران في قوله‏:‏ ‏{‏أيديهم وما خلفهم‏}‏ عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله‏:‏ ‏{‏له ما في السموات وما في الأرض‏}‏، وقال مجاهد ‏{‏ما بين أيديهم‏}‏ الدنيا ‏{‏وما خلفهم‏}‏ الآخرة، وهذا صحيح في نفسه عند موت الإنسان، لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قاله السدي وغيره‏.‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يحيطون بشيء من علمه‏}‏ معناه‏:‏ من معلوماته، وهذا كقول الخضر لموسى عليهما السلام حين نقر العصفور من حرف السفينة‏:‏ ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات، لأن علم الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، ومعنى الآية، لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه، واختلف الناس في الكرسي الذي وصفه الله تعالى بأنه وسع السموات والأرض، فقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏كرسيه‏}‏ علمه، ورجحه الطبري‏:‏ وقال‏:‏ منه الكراسة للصحائف التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء الكراسيّ، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال‏:‏ أوتاد الأرض، وهذه الألفاظ تعطي نقض ما ذهب إليه من أن الكرسي العلم، قال الطبري‏:‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

تحف بهم بيض الوجوه وعصبة *** كراسيّ بالأحداث حين تنوب

يريد بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها، وقال أبو موسى الأشعري‏:‏ الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل، وقال السدي‏:‏ هو موضع قدميه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وعبارة أبي موسى مخلصة لأنه يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في أسرة الملوك، وهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه نسبة الكرسي إلى سرير الملك، والكرسي هو موضع القدمين، وأما عبارة السدي فقلقة، وقد مال إليها منذر البلوطي وتأولها بمعنى‏:‏ ما قدم من المخلوقات على نحو ما تأول في قول النبي عليه السلام فيضع الجبار فيما قدمه‏.‏ قال أبو محمد وهذا عندي عناء، لأن التأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النبي عليه السلام وفي كتاب الله، وأما في عبارة مفسر فلا، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ الكرسي هو العرش نفسه‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، وقال أبو ذر‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض»، وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى، والمستفاد من ذلك عظم قدرته إذ ‏{‏لا يؤوده‏}‏ حفظ هذا الأمر العظيم، و‏{‏يؤوده‏}‏‏:‏ معناه يثقله، يقال آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وروي عن الزهري وأبي جعفر والأعرج بخلاف عنهم، تخفيف الهمزة التي على الواو الأولى، جعلوها بين بين لا تخلص واواً مضمومة ولا همزة محققة، كما قيل في لؤم لوم، و‏{‏العلي‏}‏‏:‏ يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا‏:‏ هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه أن لا يحكى وكذا ‏{‏العظيم‏}‏ هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى عظم الأجرام، وحكى الطبري عن قول‏:‏ أن ‏{‏العظيم‏}‏ معناه المعظم، كما يقال العتيق بمعنى المعتق وأنشد قول الأعشى‏:‏

وكأن الخمر العتيق من الأس *** فنط ممزوجة بماء زلال

وذكر عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا‏:‏ لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون عظيماً قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم، إذ لا معظم له حينئذ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏256‏]‏

‏{‏لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏256‏)‏‏}‏

‏{‏الدين‏}‏ في هذه الآية المعتقد والملة، بقرينة قوله ‏{‏قد تبين الرشد من الغي‏}‏، والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغير ذلك ليس هذا موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله تعالى‏:‏ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هنا هو في تفسير المعتقد من الملل والنحل فاختلف الناس في معنى الآية، فقال الزهري‏:‏ سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ فقال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحد في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قالتهم فأذن له، قال الطبري والآية منسوخة في هذا القول‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ ويلزم على هذا، أن الآية مكية، وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف، وقال قتادة والضحاك بن مزاحم‏:‏ هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ويؤدونها عن يد صغرة، قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل العرب أهل الأوثان لا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله أو السيف، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية، ونزلت فيهم ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وعلى مذهب مالك في أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش أي نوع كان، فتجيء الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك‏.‏ وقال ابن عباس وسعيد بن جبير‏:‏ إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فكانت تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان في بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا، إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذ جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، فنزلت ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ الآية، وقال بهذا القول عامر الشعبي ومجاهد، إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع، وقال السدي نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكياً أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما، فنزلت ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏، ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال‏:‏ أبعدهما الله هما أول من كفر، فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله جل ثناؤه

‏{‏فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 65‏]‏، ثم إنه نسخ ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏، فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والصحيح في سبب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا وربك لا يؤمنون‏}‏، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد تبين الرشد من الغي‏}‏ معناه بنصب الأدلة ووجود الرسول الداعي إلى الله والآيات المنيرة، و‏{‏الرشد‏}‏ مصدر من قولك رَشِد بكسر الشين وضمها يرشد رُشْداً وَرشَداً وَرَشَاداً، و‏{‏الغي‏}‏ مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال الذي في الضلال على الإطلاق، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «الرشاد» بالألف، وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد «الرَّشَد» بفتح الراء والشين‏.‏ وروي عن الحسن «الرُّشُد» بضم الراء والشين، و‏{‏الطاغوت‏}‏ بناء مبالغة من طغى يطغى، وحكى الطبري «يطغو» إذا جاوز الحد بزيادة عليه، وزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للكثير والقليل، ومذهب أبي على أنه مصدر كرهبوت وجبروت وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه موضع اللام فقيل‏:‏ طاغوت، وقال المبرد‏:‏ هو جمع، وذلك مردود‏.‏

واختلف المفسرون في معنى ‏{‏الطاغوت‏}‏، فقال عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي والضحاك وقتادة والسدي‏:‏ ‏{‏الطاغوت‏}‏‏:‏ الشيطان‏.‏ وقال ابن سيرين وأبو العالية‏:‏ ‏{‏الطاغوت‏}‏‏:‏ الساحر‏:‏ وقال سعيد بن جبير ورفيع وجابر بن عبد الله وابن جريج‏:‏ ‏{‏الطاغوت‏}‏‏:‏ الكاهن‏.‏ قال أبو محمد‏:‏ وبين أن هذه أملثة في الطاغوت لأن كل واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله، وقال قوم‏:‏ ‏{‏الطاغوت‏}‏‏:‏ الأصنام، وقال بعض العلماء‏:‏ كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتاً في حق العبدة، وذلك مجاز‏.‏ إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان، وقدم تعالى ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت‏.‏ و‏{‏العروة‏}‏ في الأجرام وهي موضع الإمساك وشد الأيدي، و‏{‏استمسك‏}‏ معناه قبض وشد يديه، و‏{‏الوثقى‏}‏ فعلى من الوثاقة، وهذه الآية تشبيه، واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه ‏{‏بالعروة‏}‏، فقال مجاهد‏:‏ العروة الإيمان‏.‏ وقال السدي‏:‏ الإسلام‏.‏ وقال سعيد بن جبير والضحّاك‏:‏ العروة لا إله إلا الله‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد، والانفصام‏:‏ الانكسار من غير بينونة، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه، والفصم كسر ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة، ومن ذلك قول ذي الرمة‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

كأنه دملج من فضة نبه *** في ملعب من عذارى الحي مفصوم

ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات ‏{‏سميع‏}‏ من اجل النطق و‏{‏عليم‏}‏ من أجل المعتقد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏257‏]‏

‏{‏اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏257‏)‏‏}‏

ال ‏{‏ولي‏}‏ فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه، فإذا لازم أحد أحداً بنصره ووده واهتباله فهو وليه، هذا عرفه في اللغة‏.‏ قال قتادة‏:‏ ‏{‏الظلمات‏}‏ الضلالة‏.‏ و‏{‏النور‏}‏ الهدى‏.‏ وبمعناه قال الضحاك والربيع وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة إن قوله‏:‏ ‏{‏الله ولي الذين آمنوا‏}‏ الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات‏.‏

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه‏:‏ فكأن هذا القول أحرز نوراً في المعتقد خرج منه إلى ظلمات‏.‏ ولفظ الآية مستغنٍ عن هذا التخصيص بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب‏.‏ ومترتب في الناس جميعاً، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود الداعي النبي المرسل فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معد وأهل للدخول فيه‏.‏ وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر ما‏:‏ أخرجتني يا فلان من هذا الأمر وإن كنت لم تدخل فيه البتة‏.‏

ولفظة ‏{‏الطاغوت‏}‏ في هذه الآية تقتضي أنه اسم جنس، ولذلك قال ‏{‏أولياؤهم‏}‏ بالجمع، إذ هي أنواع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، أولياؤهم الطواغيت، يعني الشياطين، وحكم عليهم بالخلود في النار لكفرهم‏.‏