فصل: فصل: إن قال له على مائة وقضيته منها خمسين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


كتاب الإقرار بالحقوق

الإقرار‏:‏ هو الاعتراف والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق النبيين‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ في أي كثيرة مثل هذا وأما السنة فما روي أن ماعزا أقر بالزنى فرجمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكذلك الغامدية‏,‏ وقال‏:‏ ‏(‏ واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ‏)‏ وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على صحة الإقرار ولأن الإقرار إخبار على وجه ينفي عنه التهمة والريبة‏,‏ فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضر بها ولهذا كان آكد من الشهادة فإن المدعى عليه إذا اعترف لا تسمع عليه الشهادة‏,‏ وإنما تسمع إذا أنكر ولو كذب المدعى ببينة لم تسمع وإن كذب المقر ثم صدقه سمع‏.‏

فصل

ولا يصح الإقرار إلا من عاقل مختار فأما الطفل‏,‏ والمجنون والمبرسم والنائم‏,‏ والمغمى عليه فلا يصح إقرارهم لا نعلم في هذا خلافا وقد قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق‏,‏ وعن النائم حتى يستيقظ ‏)‏ فنص على الثلاثة والمبرسم والمغمى عليه في معنى المجنون والنائم ولأنه قول من غائب العقل فلم يثبت له حكم‏,‏ كالبيع والطلاق وأما الصبي المميز فإن كان محجورًا عليه لم يصح إقراره‏,‏ وإن كان مأذونًا له صح إقراره في قدر ما أذن له فيه قال أحمد في رواية مهنا في اليتيم‏:‏ إذا أذن له في التجارة وهو يعقل البيع والشراء‏,‏ فبيعه وشراؤه جائز وإن أقر أنه اقتضى شيئا من ماله جاز بقدر ما أذن له وليه فيه وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو بكر وابن أبي موسى‏:‏ إنما يصح إقراره فيما أذن له في التجارة فيه في الشيء اليسير وقال الشافعي لا يصح إقراره بحال لعموم الخبر‏,‏ ولأنه غير بالغ فأشبه الطفل ولأنه لا تقبل شهادته ولا روايته‏,‏ فأشبه الطفل ولنا أنه عاقل مختار يصح تصرفه‏,‏ فصح إقراره كالبالغ وقد دللنا على صحة تصرفه فيما مضى‏,‏ والخبر محمول على رفع التكليف والإثم فإن أقر مراهق غير مأذون له ثم اختلف هو والمقر له في بلوغه فالقول قوله‏,‏ إلا أن تقوم بينة ببلوغه لأن الأصل الصغر ولا يحلف المقر لأننا حكمنا بعدم بلوغه إلا أن يختلفا بعد ثبوت بلوغه فعليه اليمين أنه حين أقر لم يكن بالغًا ومن زال عقله بسبب مباح أو معذور فيه‏,‏ فهو كالمجنون لا يسمع إقراره بلا خلاف وإن كان بمعصية كالسكران‏,‏ ومن شرب ما يزيل عقله عامدًا لغير حاجة لم يصح إقراره ويتخرج أن يصح بناء على وقوع طلاقه وهو منصوص الشافعي لأن أفعاله تجرى مجرى الصاحى ولنا أنه غير عاقل فلم يصح إقراره‏,‏ كالمجنون الذي سبب جنونه فعل محرم ولأن السكران لا يوثق بصحة ما يقول ولا تنتفى عنه التهمة فيما يخبر به‏,‏ فلم يوجد معنى الإقرار الموجب لقبول قوله وأما المكره فلا يصح إقراره بما أكره على الإقرار به وهذا مذهب الشافعي لقول رسول الله‏:‏ -صلى الله عليه وسلم- ‏(‏ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه‏)‏ ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح كالبيع وإن أقر بغير ما أكره عليه مثل أن يكره على الإقرار لرجل‏,‏ فأقر لغيره أو بنوع من المال فيقر بغيره‏,‏ أو على الإقرار بطلاق امرأة فأقر بطلاق أخرى أو أقر بعتق عبد‏,‏ صح لأنه أقر بما لم يكره عليه فصح كما لو أقر به ابتداء ولو أكره على أداء مال‏,‏ فباع شيئا من ماله ليؤدى ذلك صح بيعه نص عليه لأنه لم يكره على البيع ومن أقر بحق ثم ادعى أنه كان مكرها‏,‏ لم يقبل قوله إلا ببينة سواء أقر عند السلطان أو عند غيره لأن الأصل عدم الإكراه إلا أن يكون هناك دلالة على الإكراه‏,‏ كالقيد والحبس والتوكيل به فيكون القول قوله مع يمينه لأن هذه الحال تدل على الإكراه ولو ادعى أنه كان زائل العقل حال إقراره لم يقبل قوله إلا ببينة لأن الأصل السلامة حتى يعلم غيرها ولو شهد الشهود بإقراره‏,‏ لم تفتقر صحة الشهادة إلى أن يقولوا طوعا في صحة عقله لأن الظاهر سلامة الحال وصحة الشهادة وقد ذكرنا حكم إقرار السفيه والمفلس والمريض في أبوابه وأما العبد فيصح إقراره بالحد والقصاص فيما دون النفس لأن الحق له دون مولاه ولا يصح إقرار المولى عليه لأن المولى لا يملك من العبد إلا المال ويحتمل أن يصح إقرار المولى عليه بما يوجب القصاص ويجب المال دون القصاص لأن المال يتعلق برقبته وهى مال السيد‏,‏ فصح إقراره به كجناية الخطأ وأما إقراره بما يوجب القصاص في النفس فالمنصوص عن أحمد أنه لا يقبل‏,‏ ويتبع به بعد العتق وبه قال زفر والمزنى وداود وابن جرير الطبرى لأنه يسقط حق سيده بإقراره فأشبه الإقرار بقتل الخطأ ولأنه متهم في أنه يقر لرجل ليعفو عنه‏,‏ ويستحق أخذه فيتخلص بذلك من سيده واختار أبو الخطاب أنه يصح إقراره به وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأنه أحد نوعى القصاص فصح إقراره به‏,‏ كما دون النفس وبهذا الأصل ينتقض دليل الأول وينبغى على هذا القول أن لا يصح عفو ولى الجناية على مال إلا باختيار سيده لئلا يفضى إلى إيجاب المال على سيده بإقرار غيره فلا يقبل إقرار العبد بجناية الخطأ‏,‏ ولا شبه العمد ولا بجناية عمد موجبها المال كالجائفة والمأمومة‏,‏ لأنه إيجاب حق في رقبته وذلك يتعلق بحق المولى ويقبل إقرار المولى عليه لأنه إيجاب حق في ماله وإن أقر بسرقة موجبها المال لم يقبل إقراره‏,‏ ويقبل إقرار المولى عليه لما ذكرنا وإن كان موجبها القطع والمال فأقر بها العبد وجب قطعه‏,‏ ولم يجب المال سواء كان ما أقر بسرقته باقيا أو تالفا في يد السيد أو يد العبد قال أحمد في عبد أقر بسرقة دراهم في يده أنه سرقها من رجل‏,‏ والرجل يدعي ذلك وسيده يكذبه‏:‏ فالدراهم لسيده ويقطع العبد‏,‏ ويتبع بذلك بعد العتق وللشافعى في وجوب المال في هذه الصورة وجهان ويحتمل أن لا يجب القطع لأن ذلك شبهة فيدرأ بها القطع لكونه حدا يدرأ بالشبهات وهذا قول أبي حنيفة وذلك لأن العين التي يقر بسرقتها لم يثبت حكم السرقة فيها‏,‏ فلا يثبت حكم القطع بها وإن أقر العبد بسرقة لغير من هو في يده لم يقبل إقراره بالرق لأن الإقرار بالرق إقرار بالملك والعبد لا يقبل إقراره بحال‏,‏ ولأننا لو قبلنا إقراره أضررنا بسيده لأنه إذا شاء أقر لغير سيده‏,‏ فأبطل ملكه وإن أقر به السيد لرجل وأقر هو لآخر فهو للذى أقر له السيد لأنه في يد السيد‏,‏ لا في يد نفسه ولأن السيد لو أقر به منفردا قبل ولو أقر العبد منفردا لم يقبل فإذا لم يقبل إقرار العبد منفردا فكيف يقبل مع معارضته لإقرار السيد‏؟‏ ولو قبل إقرار العبد‏,‏ لما قبل إقرار السيد كالحد وجناية العمد وأما المكاتب فحكمه حكم الحر في صحة إقراره ولو أقر بجناية خطأ صح إقراره فإن عجز بيع فيها إن لم يفده سيده وقال أبو حنيفة يستسعى في الكتابة‏,‏ وإن عجز بطل إقراره بها سواء قضى بها أو لم يقض وعن الشافعي كقولنا وعنه أنه مراعى إن أدى لزمه وإن عجز بطل ولنا‏,‏ أنه إقرار لزمه في كتابته فلا يبطل بعجزه كالإقرار بالدين وعلى الشافعي أن المكاتب في يد نفسه فصح إقراره بالجناية‏,‏ كالحر‏.‏

فصل

ويصح الإقرار لكل من يثبت له الحق فإذا أقر لعبد بنكاح أو قصاص أو تعزير القذف صح الإقرار له صدقه المولى أو كذبه لأن الحق له دون سيده وله المطالبة بذلك‏,‏ والعفو عنه وليس لسيده مطالبة به ولا عفو وإن كذبه العبد لم يقبل وإن أقر له بمال‏,‏ صح ويكون لسيده لأن يد العبد كيد سيده وقال أصحاب الشافعي‏:‏ إن قلنا‏:‏ يملك المال صح الإقرار له وإن قلنا‏:‏ لا يملك كان الإقرار لمولاه يلزم بتصديقه ويبطل برده وإن أقر لبهيمة أو دار‏,‏ لم يصح إقراره لها وكان باطلًا لأنها لا تملك المال مطلقًا ولا يد لها وإن قال‏:‏ على بسبب هذه البهيمة لم يكن إقرارا لأحد‏,‏ ولأنه لم يذكر لمن هي ومن شرط صحة الإقرار ذكر المقر له وإن قال‏:‏ لمالكها أو لزيد على بسببها ألف صح الإقرار وإن قال‏:‏ بسبب حمل هذه البهيمة لم يصح إذ لا يمكن إيجاب شيء بسبب الحمل‏.‏

فصل

وإن أقر لحمل امرأة بمال‏,‏ وعزاه إلى إرث أو وصية صح وكان للحمل وإن أطلق‏,‏ فقال أبو عبد الله بن حامد يصح وهو أصح قولي الشافعي لأنه يجوز أن يملك بوجه صحيح فصح له الإقرار المطلق كالطفل فعلى هذا‏,‏ إن ولدت ذكرًا أو أنثى كان بينهما نصفين وإن عزاه إلى إرث أو وصية كان بينهما على حسب استحقاقهما لذلك وقال أبو الحسن التميمي‏:‏ لا يصح الإقرار إلا أن يعزيه إلى إرث أو وصية وهو قول أبي ثور والقول الثاني للشافعى لأنه لا يملك بغيرهما فإن ولدت الولد ميتا‏,‏ وكان قد عزا الإقرار إلى إرث أو وصية عادت إلى ورثة الموصى وموروث الطفل وإن أطلق الإقرار‏,‏ كلف ذكر السبب فيعمل بقوله فإن تعذر التفسير بموته أو غيره‏,‏ بطل إقراره كمن أقر لرجل لا يعرف من أراد بإقراره وإن عزا الإقرار إلى جهة غير صحيحة فقال‏:‏ لهذا الحمل علي ألف أقرضنيها‏,‏ أو وديعة أخذتها منه فعلى قول التميمي الإقرار باطل وعلى قول ابن حامد ينبغي أن يصح إقراره لأنه وصل إقراره بما يسقطه‏,‏ فيسقط ما وصله به كما لو قال‏:‏ له علي ألف لا تلزمني وإن قال‏:‏ له علي ألف جعلتها له أو نحو ذلك فهي عدة لا يؤخذ بها ولا يصح الإقرار لحمل إلا إذا تيقن أنه كان موجودا حال الإقرار على ما تبين في موضعه وإن أقر لمسجد أو مصنع أو طريق‏,‏ وعزاه إلى سبب صحيح مثل أن يقول‏:‏ من غلة وقفه صح وإن أطلق خرج على الوجهين‏.‏

مسألة

قال‏:‏‏[‏ومن أقر بشيء‏,‏ واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلًا إلا أن يستثنى عينًا من ورق‏,‏ أو ورقًا من عين‏]‏

في هذه المسألة فصلان‏:‏ أولهما‏:‏ أنه لا يصح الاستثناء في الإقرار من غير الجنس وبهذا قال زفر ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة إن استثنى مكيلا أو موزونا‏,‏ جاز وإن استثنى عبدا أو ثوبا من مكيل أو موزون لم يجز وقال مالك والشافعي يصح الاستثناء من غير الجنس مطلقًا لأنه ورد في الكتاب العزيز ولغة العرب‏,‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن‏}‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا إلا قيلًا سلامًا سلامًا ‏}‏ وقال الشاعر‏:‏

وبلدة ليس بها أنيس ** إلا اليعافير وإلا العيس

وقال آخر‏:‏

عيت جوابًا وما بالربع من أحد ** إلا أواري لأيــًا ما أبينهــا

ولنا أن الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه وقيل‏:‏ هو إخراج بعض ما تناوله المستثنى منه مشتق من ثنيت فلانًا عن رأيه إذا صرفته عن رأي كان عازمًا عليه وثنيت عنان دابتي إذا صرفتها به عن وجهتها التي كانت تذهب إليها وغير الجنس المذكور ليس بداخل في الكلام فإذا ذكره‏,‏ فما صرف الكلام عن صوبه ولا ثناه عن وجه استرساله فلا يكون استثناء‏,‏ وإنما سمي استثناء تجوزا وإنما هو في الحقيقة استدراك ‏"‏ وإلا ‏"‏ هاهنا بمعنى ‏"‏ لكن ‏"‏ هكذا قال أهل العربية منهم ابن قتيبة وحكاه عن سيبويه والاستدراك لا يأتى إلا بعد الجحد‏,‏ ولذلك لم يأت الاستثناء في الكتاب العزيز من غير الجنس إلا بعد النفي ولا يأتى بعده الإثبات إلا أن يوجد بعده جملة وإذا تقرر هذا‏,‏ فلا مدخل للاستدراك في الإقرار لأنه إثبات للمقر به فإذا ذكر الاستدراك بعده كان باطلًا وإن ذكره بعد جملة كأن قال‏:‏ له عندي مائة درهم إلا ثوبا لي عليه فيكون مقرًا بشيء مدعيا لشيء سواه‏,‏ فيقبل إقراره وتبطل دعواه كما لو صرح بذلك بغير لفظ الاستثناء وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسجدوا إلا إبليس‏}‏ فإن إبليس كان من الملائكة‏,‏ بدليل أن الله تعالى لم يأمر بالسجود غيرهم فلو لم يكن منهم لما كان مأمورا بالسجود ولا عاصيا بتركه‏,‏ ولا قال الله تعالى في حقه‏:‏ ‏{‏ففسق عن أمر ربه‏}‏ ولا قال‏:‏ ‏{‏ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك‏}‏ وإذا لم يكن مأمورا فلم أنكسه الله وأهبطه ودحره‏؟‏ ولم يأمر الله تعالى بالسجود إلا الملائكة فإن قالوا‏:‏ بل قد تناول الأمر الملائكة ومن كان معهم فدخل إبليس في الأمر لكونه معهم قلنا‏:‏ قد سقط استدلالكم فإنه متى كان إبليس داخلا في المستثنى منه‏,‏ مأمورًا بالسجود فاستثناؤه من الجنس وهذا ظاهر لمن أنصف‏,‏ -إن شاء الله تعالى- فعلى هذا متى قال‏:‏ له علي ألف درهم إلا ثوبًا لزمه الألف وسقط الاستثناء‏,‏ بمنزلة ما لو قال‏:‏ له علي ألف درهم لكن لي عليه ثوب

الفصل الثانى‏:‏

إذا استثنى عينا من ورق أو ورقا من عين‏,‏ فاختلف أصحابنا في صحته فذهب أبو بكر عبد العزيز إلى أنه لا يصح لما ذكرنا وهو قول محمد بن الحسن وقال ابن أبي موسى‏:‏ فيه روايتان واختار الخرقى صحته لأن قدر أحدهما معلوم من الآخر ويعبر بأحدهما عن الآخر فإن قوما يسمون تسعة دراهم دينارا‏,‏ وآخرون يسمون ثمانية دراهم دينارا فإذا استثنى أحدهما من الآخر علم أنه أراد التعبير بأحدهما عن الآخر‏,‏ فإذا قال‏:‏ له على دينار إلا ثلاثة دراهم في موضع يعبر فيه بالدينار عن تسعة كان معناه‏:‏ له على تسعة دراهم إلا ثلاثة ومتى أمكن حمل الكلام على وجه صحيح‏,‏ لم يجز إلغاؤه وقد أمكن بهذا الطريق فوجب تصحيحه وقال أبو الخطاب لا فرق بين العين والورق وبين غيرهما‏,‏ فيلزم من صحة استثناء أحدهما من الآخر صحة استثناء الثياب وغيرها وقد ذكرنا الفرق ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل رواية الصحة على ما إذا كان أحدهما يعبر به عن الآخر أو يعلم قدره منه ورواية البطلان على ما إذا انتفى ذلك‏,‏ والله أعلم‏.‏

فصل

ولو ذكر نوعا من جنس واستثنى نوعا آخر من ذلك الجنس مثل أن يقول‏:‏ له على عشرة آصع تمرا برنيا إلا ثلاثة تمرا معقليا لم يجز لما ذكرناه في الفصل الأول ويخالف العين والورق لأن قيمة أحد النوعين غير معلومة من الآخر‏,‏ ولا يعبر بأحدهما عن الآخر ويحتمل على قول الخرقى جوازه لتقارب المقاصد من النوعين فهما كالعين والورق والأول أصح لأن العلة الصحيحة في العين والورق غير ذلك‏.‏

فصل

فأما استثناء بعض ما دخل في المستثنى منه فجائز بغير خلاف علمناه فإن ذلك في كلام العرب‏,‏ وقد جاء في الكتاب والسنة قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس‏}‏ وقال النبى -صلى الله عليه وسلم- في الشهيد‏:‏ ‏(‏ يكفر عنه خطاياه كلها إلا الدين ‏)‏ وهذا في الكتاب والسنة كثير وفي سائر كلام العرب فإذا أقر بشيء‏,‏ واستثنى منه كان مقرًا بالباقى بعد الاستثناء فإذا قال‏:‏ له على مائة إلا عشرة كان مقرًا بتسعين لأن الاستثناء يمنع أن يدخل في اللفظ ما لولاه لدخل‏,‏ فإنه لو دخل لما أمكن إخراجه ولو أقر بالعشرة المستثناة لما قبل منه إنكارها وقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا‏}‏ إخبار بتسعمائة وخمسين فالاستثناء بين أن الخمسين المستثناة غير مرادة‏,‏ كما أن التخصيص يبين أن المخصوص غير مراد باللفظ العام وإن قال‏:‏ هذه الدار لزيد إلا هذا البيت كان مقرًا بما سوى البيت منها وكذلك إن قال‏:‏ إلا ثلثها أو ربعها صح‏,‏ وكان مقرًا بالباقي بعد المستثني وكذلك إن قال‏:‏ هذه الدار له وهذا البيت لي صح أيضا لأنه في معنى الاستثناء لكونه أخرج بعض ما دخل في اللفظ الأول بكلام متصل وإن قال‏:‏ له هؤلاء العبيد إلا هذا صح‏,‏ وكان مقرًا بمن سواه منهم وإن قال‏:‏ إلا واحدا صح لأن الإقرار يصح مجهولا فكذلك الاستثناء منه ويرجع في تعيين المستثنى إليه‏,‏ لأن الحكم يتعلق بقوله وهو أعلم بمراده به وإن عين من عدا المستثني صح‏,‏ وكان الباقي له فإن هلك العبيد إلا واحدا فذكر أنه المستثنى قبل ذكره القاضي وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقال أبو الخطاب لا يقبل‏,‏ في أحد الوجهين وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأنه يرفع به الإقرار كله والصحيح أنه يقبل لأنه يقبل تفسيره به في حياتهم لمعنى هو موجود بعد موتهم فقبل كحالة حياتهم وليس هذا رفعا للإقرار‏,‏ وإنما تعذر تسليم المقر به لتلفه لا لمعنى يرجع إلى التفسير فأشبه ما لو عينه في حياتهم‏,‏ فتلف بعد تعيينه وإن قتل الجميع إلا واحدا قبل تفسيره بالباقى وجها واحدا وإن قتل الجميع‏,‏ فله قيمة أحدهم ويرجع في التفسير إليه وإن قال‏:‏ غصبتك هؤلاء العبيد إلا واحدا فهلكوا إلا واحدا قبل تفسيره به وجها واحدا لأن المقر له يستحق قيمة الهالكين‏,‏ فلا يفضى التفسير بالباقى إلى سقوط الإقرار بخلاف التي قبلها

فصل

وحكم الاستثناء بسائر أدواته حكم الاستثناء بإلا فإذا قال‏:‏ له على عشرة سوى درهم‏,‏ أو ليس درهما أو خلا درهما أو عدا درهما‏,‏ أو ما خلا أو ما عدا درهما أو لا يكون درهما أو غير درهم بفتح الراء كان مقرًا بتسعة وإن قال‏:‏ غير درهم‏,‏ بضم رائها وهو من أهل العربية كان مقرًا بعشرة‏,‏ لأنها تكون صفة للعشرة المقر بها ولا يكون استثناء فإنها لو كانت استثناء كانت منصوبة وإن لم يكن من أهل العربية‏,‏ لزمه تسعة لأن الظاهر أنه إنما يريد الاستثناء لكنه رفعها جهلا منه بالعربية لا قصدا للصفة‏.‏

فصل

ولا يصح الاستثناء إلا أن يكون متصلا بالكلام فإن سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه‏,‏ أو فصل بين المستثنى منه والمستثنى بكلام أجنبى لم يصح لأنه إذا سكت أو عدل عن إقراره إلى شيء آخر استقر حكم ما أقر به‏,‏ فلم يرتفع بخلاف ما إذا كان في كلامه فإنه لا يثبت حكمه وينتظر ما يتم به كلامه‏,‏ ويتعلق به حكم الاستثناء والشرط والعطف والبدل ونحوه‏.‏

فصل

ولا يصح استثناء الكل بغير خلاف لأن الاستثناء رفع بعض ما تناوله اللفظ واستثناء الكل رفع الكل فلو صح صار الكلام كله لغوا غير مفيد‏,‏ فإن قال‏:‏ له على درهم ودرهم إلا درهما أو ثلاثة دراهم ودرهمان إلا درهمين أو ثلاثة ونصف إلا نصفا أو إلا درهما أو خمسة وتسعون إلا خمسة لم يصح الاستثناء ولزمه جميع ما أقر به قبل الاستثناء وهذا قول الشافعي وهو الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة‏,‏ وفيه وجه آخر أنه يصح لأن الواو العاطفة تجمع بين العددين وتجعل الجملتين كالجملة الواحدة‏,‏ ومن أصلنا أن الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفا بعضها على بعض بالواو عاد إلى جميعها كقولنا في قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا‏}‏ إن الاستثناء عاد إلى الجملتين‏,‏ فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ومن ذلك قول النبى -صلى الله عليه وسلم- ‏(‏ لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ‏)‏ والوجه الأول أولى لأن الواو لم تخرج الكلام من أن يكون جملتين والاستثناء يرفع إحداهما جميعا‏,‏ ولا نظير لهذا في كلامهم ولأن صحة الاستثناء تجعل إحدى الجملتين مع الاستثناء لغوا لأنه أثبت شيئا بلفظ مفرد‏,‏ ثم رفعه كله فلا يصح كما لو استثنى منها وهى غير معطوفة على بعضها‏,‏ فأما الآية والخبر فإن الاستثناء لم يرفع إحدى الجملتين إنما أخرج من الجملتين معا من اتصف بصفة‏,‏ فنظيره ما لو قال للبواب‏:‏ من جاء يستأذن فأذن له وأعطه درهما إلا فلانًا ونظير مسألتنا ما لو قال‏:‏ أكرم زيدا وعمرا إلا عمرا وإن قال‏:‏ له على درهمان وثلاثة إلا درهمين لم يصح أيضا لأنه يرفع الجملة الأولى كلها‏,‏ فأشبه ما لو قال‏:‏ أكرم زيدا وعمرا إلا زيدا وإن قال‏:‏ له على ثلاثة وثلاثة إلا درهمين خرج فيه وجهان لأنه استثنى أكثر الجملة التي تليه واستثناء الأكثر فاسد‏,‏ كاستثناء الكل‏.‏

فصل

وإن استثنى استثناء بعد استثناء وعطف الثاني على الأول كان مضافا إليه فإذا قال‏:‏ له على عشرة إلا ثلاثة‏,‏ وإلا درهمين كان مستثنيا لخمسة مبقيا لخمسة وإن كان الثاني غير معطوف على الأول كان استثناء من الاستثناء وهو جائز في اللغة‏,‏ قد جاء في كلام الله تعالى في قوله‏:‏ ‏{‏قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين‏}‏ فإذا كان صدر الكلام إثباتا كان الاستثناء الأول نفيا والثاني إثباتا فإن استثنى استثناء ثالثا‏,‏ كان نفيا يعود كل استثناء إلى ما يليه من الكلام فإذا قال‏:‏ له على عشرة إلا ثلاثة إلا درهما كان مقرًا بثمانية لأنه أثبت عشرة ثم نفى منها ثلاثة وأثبت درهما‏,‏ وبقى من الثلاثة المنفية درهمان مستثنيان من العشرة فيبقى منها ثمانية وسنزيد لهذا الفصل فروعا في مسألة استثناء الأكثر‏.‏

فصل

إذا قال‏:‏ له هذه الدار هبة‏,‏ أو سكنى أو عارية كان إقرارا بما أبدل به كلامه ولم يكن إقرارا بالدار لأنه رفع بآخر كلامه بعض ما دخل في أوله‏,‏ فصح كما لو أقر بجملة واستثنى بعضها وذكر القاضي في هذا وجها أنه لا يصح لأنه استثناء من غير الجنس‏,‏ وليس هذا استثناء إنما هذا بدل وهو سائغ في اللغة ويسمى هذا النوع من البدل بدل الاشتمال‏,‏ وهو أن يبدل من الشيء بعض ما يشتمل عليه ذلك الشيء كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏}‏ فأبدل القتال من الشهر المشتمل عليه وقال تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏{‏وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره‏}‏ أي أنساني ذكره وإن قال‏:‏ له هذه الدار ثلثها أو قال‏:‏ ربعها صح‏,‏ ويكون مقرًا بالجزء الذي أبدله وهذا بدل البعض وليس ذلك باستثناء ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قم الليل إلا قليلًا نصفه‏}‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا‏}‏ ولكنه في معنى الاستثناء‏,‏ في كونه يخرج من الكلام بعض ما يدخل فيه لولاه ويفارقه في أنه يجوز أن يخرج أكثر من النصف وأنه يجوز إبدال الشيء من غيره إذا كان مشتملا عليه‏,‏ ألا ترى أن الله تعالى أبدل المستطيع للحج من الناس وهو أقل من نصفهم وأبدل القتال من الشهر الحرام‏,‏ وهو غيره‏؟‏ ومتى قال‏:‏ له هذه الدار سكنى أو عارية ثبت فيها حكم ذلك وله أن لا يسكنه إياها وأن يعود فيما أعاره‏.‏

مسألة

قال‏:‏‏[‏ومن ادعى عليه شيء فقال قد كان له علي وقضيته لم يكن ذلك إقرارًا‏]‏

حكى ابن أبي موسى في هذه المسألة روايتين إحداهما أن هذا ليس بإقرار اختاره القاضي وقال‏:‏ لم أجد عن أحمد رواية بغير هذا والثانية‏,‏ أنه مقر بالحق مدع لقضائه فعليه البينة بالقضاء وإلا حلف غريمه وأخذ واختاره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة لأنه أقر بالدين‏,‏ وادعى القضاء فلم تقبل دعواه كما لو ادعى القضاء بكلام منفصل‏,‏ ولأنه رفع جميع ما أثبته فلم يقبل كاستثناء الكل وللشافعى قولان كالمذهبين ووجه قول الخرقى أنه قول متصل‏,‏ يمكن صحته ولا تناقض فيه فوجب أن يقبل كاستثناء البعض‏,‏ وفارق المنفصل لأن حكم الأول قد استقر بسكوته عليه فلا يمكن رفعه بعد استقراره ولذلك لا يرتفع بعضه باستثناء ولا غيره‏,‏ فما يأتى بعده من دعوى القضاء يكون دعوى مجردة لا تقبل إلا ببينة وأما استثناء الكل فمتناقض لأنه لا يمكن أن يكون عليه ألف وليس عليه شيء‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على مائة‏,‏ وقضيته منها خمسين فالكلام فيها كالكلام فيما إذا قال‏:‏ وقضيتها وإن قال له إنسان‏:‏ لي عليك مائة فقال‏:‏ قضيتك منها خمسين فقال القاضي‏:‏ لا يكون مقرًا بشيء لأن الخمسين التي ذكر أنه قضاها في كلامه ما تمنع بقاءها وهو دعوى القضاء وباقى المائة لم يذكرها‏,‏ وقوله‏:‏ منها يحتمل أن يريد بها مما يدعيه ويحتمل مما على فلا يثبت عليه شيء بكلام محتمل ويجيء على قول من قال بالرواية الأخرى أن يلزمه الخمسون التي ادعى قضاءها لأن في ضمن دعوى القضاء إقرارا بأنها كانت عليه‏,‏ فلا تقبل دعوى القضاء بغير بينة‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ كان له علي ألف وسكت لزمه الألف في ظاهر كلام أصحابنا وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر‏:‏ لا يلزمه شيء‏,‏ وليس هذا بإقرار لأنه لم يذكر عليه شيئا في الحال إنما أخبر بذلك فجاز في زمن ماض فلا يثبت في الحال‏,‏ ولذلك لو شهدت البينة به لم يثبت ولنا أنه أقر بالوجوب ولم يذكر ما يرفعه‏,‏ فبقى على ما كان عليه ولهذا لو تنازعا دارا فأقر أحدهما للآخر أنها كانت ملكه‏,‏ حكم بها له إلا أنه هاهنا إن عاد فادعى القضاء أو الإبراء سمعت دعواه لأنه لا تنافى بين إقراره وبين ما يدعيه‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على ألف‏,‏ قضيته إياها لزمه الألف ولم تقبل دعوى القضاء وقال القاضي‏:‏ تقبل لأنه رفع ما أثبته بدعوى القضاء متصلا فأشبه ما لو قال‏:‏ كان له علي‏,‏ وقضيته وقال ابن أبي موسى إن قال‏:‏ قضيت جميعه لم يقبل إلا ببينة ولزمه ما أقر به وله اليمين على المقر له ولو قال‏:‏ قضيت بعضه قبل منه‏,‏ في إحدى الروايتين لأنه رفع بعض ما أقر به بكلام متصل فأشبه ما لو استثناه بخلاف ما إذا قال‏:‏ قضيت جميعه لكونه رفع جميع ما هو ثابت‏,‏ فأشبه استثناء الكل ولنا أن هذا قول متناقض إذ لا يمكن أن يكون عليه ألف قد قضاه‏,‏ فإن كونه عليه يقتضي بقاءه في ذمته واستحقاق مطالبته به وقضاؤه يقتضي براءة ذمته منه‏,‏ وتحريم مطالبته به والإقرار به يقتضي ثبوته والقضاء يقتضي رفعه‏,‏ وهذان ضدان لا يتصور اجتماعهما في زمن واحد بخلاف ما إذا قال‏:‏ كان له على وقضيته فإنه أخبر بهما في زمانين‏,‏ ويمكن أن يرتفع ما كان ثابتا ويقضى ما كان دينا وإذا لم يصح هذا في الجميع‏,‏ لم يصح في البعض لاستحالة بقاء ألف عليه وقد قضى بعضه ويفارق الاستثناء فإن الاستثناء مع المستثنى منه عبارة عن الباقي من المستثنى منه فقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا‏}‏ عبارة عن تسعمائة وخمسين أما القضاء فإنما يرفع جزءا كان ثابتا‏,‏ فإذا ارتفع بالقضاء لا يجوز التعبير عنه بما يدل على البقاء‏.‏

فصل

وإن وصل إقراره بما يسقطه فقال‏:‏ له علي ألف من ثمن خمر أو خنزير أو من ثمن طعام اشتريته فهلك قبل قبضه‏,‏ أو ثمن مبيع فاسد لم أقبضه أو تكفلت به على أنى بالخيار لزمه الألف ولم يقبل قوله في إسقاطه ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وذكر القاضي أنه إذا قال‏:‏ له علي ألف زيوف ففسره برصاص أو نحاس‏,‏ لم يقبل لأنه رفع كل ما اعترف به وقال في سائر الصور التي ذكرناها‏:‏ يقبل قوله لأنه عزا إقراره إلى سببه فقبل كما لو عزاه إلى سبب صحيح ولنا أن هذا يناقض ما أقر به‏,‏ فلم يقبل كالصورة التي سلمها وكما لو قال‏:‏ له علي ألف لا يلزمنى أو يقول‏:‏ دفع جميع ما أقر به فلم يقبل‏,‏ كاستثناء الكل وغير خاف تناقض كلامه فإن ثبوت ألف عليه في هذه المواضع لا يتصور وإقراره إخبار بثبوته فيتنافيان‏,‏ وإن سلم ثبوت الألف عليه فهو ما قلناه‏.‏

فصل

ولا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا فيما كان حدا لله تعالى يدرأ بالشبهات‏,‏ ويحتاط لإسقاطه فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات‏,‏ فلا يقبل رجوعه عنها ولا نعلم في هذا خلافا فإذا قال‏:‏ هذه الدار لزيد لا بل لعمرو أو ادعى زيد على ميت شيئا معينا من تركته فصدقه ابنه‏,‏ ثم ادعاه عمرو فصدقه حكم به لزيد ووجبت عليه غرامته لعمرو وهذا ظاهر أحد قولي الشافعي وقال في الآخر‏:‏ لا يغرم لعمرو شيئا وهو قول أبي حنيفة لأنه أقر له بما عليه الإقرار به‏,‏ وإنما منعه الحكم من قبوله وذلك لا يوجب الضمان ولنا أنه حال بين عمرو وبين ملكه الذي أقر له به بإقراره لغيره‏,‏ فلزمه غرمه كما لو شهد رجلان على آخر بإعتاق عبده ثم رجعا عن الشهادة‏,‏ أو كما لو رمى به إلى البحر ثم أقر به وإن قال‏:‏ غصبت هذه الدار من زيد لا بل من عمرو أو غصبتها من زيد‏,‏ وغصبها زيد من عمرو حكم بها لزيد ولزمه تسليمها إليه ويغرمها لعمرو وبهذا قال أبو حنيفة وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال في الآخر‏:‏ لا يضمن لما تقدم ولنا‏,‏ أنه أقر بالغصب الموجب للضمان والرد إلى المغصوب منه ثم لم يرد ما أقر بغصبه فلزمه ضمانه‏,‏ كما لو تلف بفعل الله تعالى قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل قال لرجل‏:‏ استودعتك هذا الثوب قال‏:‏ صدقت‏,‏ ثم قال‏:‏ استودعنيه رجل آخر فالثوب للأول ويغرم قيمته للآخر ولا فرق في هذا الفصل بين أن يكون إقراره بكلام متصل أو منفصل‏.‏

فصل

فإن قال‏:‏ غصبت هذه الدار من زيد وملكها لعمرو لزمه دفعها إلى زيد لإقراره له بأنها كانت في يده‏,‏ وهذا يقتضي كونها في يده بحق وملكها لعمرو لا ينافى ذلك لأنها يجوز أن تكون في يد زيد بإجارة أو عارية أو وصية ولا يغرم لعمرو شيئا لأنه لم يكن منه تفريط وفارق هذا ما إذا قال‏:‏ هذه الدار لزيد‏,‏ بل لعمرو لأنه أقر للثانى بما أقر به للأول فكان الثاني رجوعا عن الأول لتعارضهما وها هنا لا تعارض بين إقراريه وإن قال‏:‏ ملكها لعمرو‏,‏ وغصبتها من زيد فكذلك لا فرق بين التقديم والتأخير والمتصل والمنفصل ذكره القاضي وقيل‏:‏ يلزمه دفعها إلى عمرو ويغرمها لزيد لأنه لما أقر بها لعمرو أولا لم يقبل إقراره باليد لزيد وهذا وجه حسن ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ولو قال‏:‏ هذا الألف دفعه إلى زيد‏,‏ وهو لعمرو أو قال‏:‏ هو لعمرو دفعه إلى زيد فكذلك على ما مضى من القول فيه‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ غصبتها من أحدهما أو هي لأحدهما صح الإقرار لأنه يصح بالمجهول فيصح للمجهول‏,‏ ويطالب بالبيان فإن عين أحدهما دفعت إليه ويحلف للآخر إن ادعاها‏,‏ ولا يغرم له شيئا لأنه لم يقر له بشيء وإن قال‏:‏ لا أعرفه عينا فصدقاه نزعت من يده وكانا خصمين فيها‏,‏ وإن كذباه فعليه اليمين أنه لا يعلم وتنزع من يده فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها‏,‏ وإن لم تكن له بينة أقرعنا بينهما فمن قرع صاحبه حلف‏,‏ وسلمت إليه وإن بين الغاصب بعد ذلك مالكها قبل منه كما لو بينه ابتداء ويحتمل أنه إذا ادعى كل واحد منهما أنه المغصوب منه‏,‏ توجهت عليه اليمين لكل واحد منهما أنه لم يغصبه فإن حلف لأحدهما لزمه دفعها إلى الآخر لأن ذلك يجرى مجرى تعيينه‏,‏ وإن نكل عن اليمين لهما جميعا فسلمت إلى أحدهما بقرعة أو غيرها لزمه غرمها للآخر لأنه نكل عن يمين توجهت عليه‏,‏ فقضى عليه كما لو ادعاها وحده‏.‏

فصل

فإن كان في يده عبدان فقال‏:‏ أحد هذين لزيد طولب بالبيان‏,‏ فإن عين أحدهما فصدقه زيد أخذه وإن قال‏:‏ هذا لي والعبد الآخر لزيد فعليه اليمين في العبد الذي ينكره وإن قال زيد‏:‏ إنما لي العبد الآخر فالقول قول المقر مع يمينه في العبد الذي ينكره ولا يدفع إلى زيد العبد المقر به ولكن يقر في يد المقر لأنه لم يصح إقراره به‏,‏ في أحد الوجهين وفي الآخر ينزع من يده‏,‏ لاعترافه بأنه لا يملكه ويكون في بيت المال لأنه لا مالك له معروف فأشبه ميراث من لا يعرف وارثه فإن أبي التعيين‏,‏ فعينه المقر له وقال‏:‏ هذا عبدى طولب بالجواب فإن أنكر حلف‏,‏ وكان بمنزلة تعيينه للآخر وإن نكل عن اليمين يقضى عليه وإن أقر له‏,‏ فهو كتعيينه‏.‏

فصل

ولو أقر لرجل بعبد ثم جاءه به فقال‏:‏ هذا الذي أقررت به فقال‏:‏ ليس هو هذا‏,‏ إنما هو آخر فعلى المقر اليمين أنه ليس له عنده سواه ولا يلزمه تسليم هذا إلى المقر له لأنه لا يدعيه وإن قال‏:‏ هذا لي ولى عندك آخر سلم إليه هذا‏,‏ وحلف له على نفى الآخر وكل من أقر لرجل بملك فكذبه بطل إقراره لأنه لا يثبت للإنسان ملك لا يعترف به وفي المال وجهان أحدهما‏,‏ يترك في يد المقر لأنه كان محكوما له به فإذا بطل إقراره بقى على ما كان عليه والثاني يؤخذ إلى بيت المال لأنه لم يثبت له مالك وقيل‏:‏ يؤخذ فيحفظ حتى يظهر مالكه لأنه لا يدعيه أحد ومذهب الشافعي مثل هذا فإن عاد أحدهما فكذب نفسه‏,‏ دفع إليه لأنه يدعيه ولا منازع له فيه وإن كذب كل واحد منهما‏,‏ نفسه فرجع المقر عن إقراره وادعاه المقر له‏,‏ فإن كان باقيا في يد المقر فالقول قوله مع يمينه كما لو لم يقر به لغيره‏,‏ وإن كان معدوما بتلف أو إباق ونحوه بغير تعد من أحدهما فلا شيء فيه من يمين ولا غيرها‏,‏ وإن كان بتعد من أحدهما فالقول فيه قول المقر مع يمينه كما لو كان باقيا فإذا حلف‏,‏ سقط عنه الضمان وإن كان تلفه بتعديه ووجب له الضمان على الآخر‏,‏ إن كان تلفه بتعد منه والله أعلم‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ومن أقر بعشرة دراهم‏,‏ ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال‏:‏ زيوفا أو صغارا أو إلى شهر كانت عشرة جيادًا وافية حالة‏]‏

وجملته أن من أقر بدراهم وأطلق‏,‏ اقتضى إقراره الدراهم الوافية وهى دراهم الإسلام كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل‏,‏ وكل درهم ستة دوانق واقتضى أن تكون جيادا حالة‏,‏ كما لو باعه بعشرة دراهم وأطلق فإنها تلزمه كذلك فإذا سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه‏,‏ أو أخذ في كلام غير ما كان فيه استقرت عليه كذلك فإن عاد فقال‏:‏ زيوفا يعني رديئة أو صغارا وهى الدراهم الناقصة‏,‏ مثل دراهم طبرية كان كل درهم منها أربعة دوانق وذلك ثلثا درهم أو إلى شهر يعني مؤجلة‏,‏ لم يقبل منه لأنه يرجع عن بعض ما أقر به ويرفعه بكلام منفصل فلم يقبل‏,‏ كالاستثناء المنفصل وهذا مذهب الشافعي ولا فرق بين الإقرار بها دينا أو وديعة أو غصبا وقال أبو حنيفة يقبل قوله في الغصب الوديعة لأنه أقر بفعل في عين‏,‏ وذلك لا يقتضي سلامتها فأشبه ما لو أقر بغصب عبد ثم جاء به معيبا ولنا‏,‏ أن إطلاق الاسم يقتضي الوازنة الجياد فلم يقبل تفسيره بما يخالف ذلك كالدين‏,‏ ويفارق العبد فإن العيب لا يمنع إطلاق اسم العبد عليه فأما إن وصفها بذلك بكلام متصل أو سكت للتنفس أو اعترضته سعلة‏,‏ أو نحو ذلك ثم وصفها بذلك أو شيء منه‏,‏ قبل منه وذكر أبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يقبل منه التأجيل وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي لأن التأجيل يمنع استيفاء الحق فلم يقبل كما لو قال‏:‏ له على دراهم قضيته إياها وقال بعض أصحاب الشافعي‏:‏ لا يقبل تفسيره بالناقصة وقال القاضي‏:‏ إن قال‏:‏ له على عشرة دراهم ناقصة قبل قوله وإن قال‏:‏ صغارا وللناس دراهم صغار‏,‏ قبل قوله أيضا وإن لم يكن له دراهم صغار لزمه وازنة كما لو قال‏:‏ دريهم لزمه درهم وازن وهذا قول ابن القاص من أصحاب الشافعي ولنا أنه فسر كلامه بما يحتمله بكلام متصل‏,‏ فقبل منه كاستثناء البعض وذلك لأن الدراهم يعبر بها عن الوازنة والناقصة‏,‏ والزيوف والجيدة وكونها عليه يحتمل الحلول والتأجيل فإذا وصفها بذلك‏,‏ تقيدت به كما لو وصف الثمن به فقال‏:‏ بعتك بعشرة دراهم‏,‏ مؤجلة ناقصة وثبوتها على غير هذه الصفة حالة الإطلاق لا يمنع من صحة تقييدها به كالثمن وقولهم‏:‏ إن التأجيل يمنع استيفاءها ليس بصحيح‏,‏ وإنما يؤخره فأشبه الثمن المؤجل يحققه أن الدراهم تثبت في الذمة على هذه الصفات فإذا كانت ثابتة بهذه الصفة‏,‏ لم تقتض الشريعة المطهرة سد باب الإقرار بها على صفتها وعلى ما ذكروه لا سبيل له إلى الإقرار بها إلا على وجه يؤاخذ بغير ما هو واجب عليه فيفسد باب الإقرار وقول من قال‏:‏ إن قوله ‏"‏ صغارا ‏"‏ ينصرف إلى المقدار لا يصح لأن مساحة الدراهم لا تعتبر في الشرع ولا تثبت في الذمة بمساحة مقدرة‏,‏ وإنما يعتبر الصغر والكبر في الوزن فيرجع إلى تفسير المقر فأما إن قال‏:‏ زيوفا وفسرها بمغشوشة‏,‏ أو معيبة عيبا ينقصها قبل تفسيره وإن فسرها بنحاس أو رصاص‏,‏ أو ما لا قيمة له لم يقبل لأن تلك ليست دراهم على الحقيقة فيكون تفسيره به رجوعا عما أقر به‏,‏ فلم يقبل كاستثناء الكل‏.‏

فصل

وإن أقر بدراهم وأطلق في بلد أوزانهم ناقصة‏,‏ كطبرية كان درهمهم أربعة دوانيق وخوارزم كان درهمهم أربعة دوانيق ونصفا‏,‏ ومكة درهمهم ناقص وكذلك المغرب أو في بلد دراهمهم مغشوشة‏,‏ كمصر والموصل أو بدنانير في بلد دنانيرهم مغشوشة ففيه وجهان أولهما يلزمه من دراهم البلد ودنانيره لأن مطلق كلامهم يحمل على عرف بلدهم‏,‏ كما في البيع والأثمان والثاني تلزمه الوازنة الخالصة من الغش لأن إطلاق الدراهم في الشرع ينصرف إليها بدليل أن بها تقدير نصب الزكاة ومقادير الديات‏,‏ فكذلك إطلاق الشخص وفارق البيع فإنه إيجاب في الحال فاختص بدراهم الموضع الذي هما فيه والإقرار إخبار عن حق سابق فانصرف إلى دراهم الإسلام‏.‏

فصل

وإن أقر بدراهم‏,‏ وأطلق ثم فسرها بسكة البلد الذي أقر بها فيه قبل لأن إطلاقه ينصرف إليه‏,‏ وإن فسرها بسكة غير سكة البلد أجود منها قبل لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ وكذلك إن كانت مثلها لأنه لا يتهم في ذلك‏,‏ وإن كانت أدنى من سكة البلد لكنها مساوية في الوزن احتمل أن لا يقبل لأن إطلاقها يقتضي دراهم البلد ونقده‏,‏ فلا يقبل منه دونها كما لا يقبل في البيع ولأنها ناقصة القيمة‏,‏ فلم يقبل تفسيره بها كالناقصة وزنا ويحتمل أن يقبل منه وهو قول الشافعي لأنه يحتمل ما فسره به وفارق الناقصة لأن إطلاق الشرع الدراهم‏,‏ لا يتناولها بخلاف هذه ولهذا يتعلق بهذه مقدار النصاب في الزكاة وغيره‏,‏ وفارق الثمن فإنه إيجاب في الحال وهذا إخبار عن حق سابق‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على درهم كبير لزمه درهم من دراهم الإسلام لأنه كبير في العرف وإن قال‏:‏ له على دريهم فهو كما لو قال‏:‏ درهم لأن التصغير قد يكون لصغره في ذاته أو لقلة قدره عنده وتحقيره‏,‏ وقد يكون لمحبته كما قال الشاعر‏:‏

بذيالك الوادى أهيم ولم أقل ** بذيالك الوادى وذياك من زهد

ولكن إذا ما حب شيء تولعت ** به أحرف التصغير من شدة الوجد

وإن قال‏:‏ له على عشرة دراهم عددا لزمته عشرة معدودة وازنة لأن إطلاق الدراهم يقتضي وازنة وذكر العدد لا ينافيها فوجب الجمع بينهما فإن كان في بلد يتعاملون بها عددا من غير وزن‏,‏ فحكمه حكم ما لو أقر بها في بلد أوزانهم ناقصة أو دراهمهم مغشوشة على ما فصل فيه‏.‏

فصل

وإذا أقر بدرهم‏,‏ ثم أقر بدرهم لزمه درهم واحد وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه درهمان كما لو قال‏:‏ له على درهم ودرهم ولا فرق بين أن يكون الإقرار في وقت واحد أو في أوقات‏,‏ أو في مجلس واحد أو مجالس ولنا أنه يجوز أن يكون قد كرر الخبر عن الأول كما كرر الله تعالى الخبر عن إرساله نوحًا وهودًا وصالحًا ولوطًا وشعيبًا وإبراهيم وموسى وعيسى‏,‏ ولم يكن المذكور في قصة غير المذكور في أخرى كذا هاهنا فإن وصف أحدهما وأطلق الآخر فكذلك لأنه يجوز أن يكون المطلق هو الموصوف‏,‏ أطلقه في حال ووصفه في حال وإن وصفه بصفة واحدة في المرتين كان تأكيدا لما ذكرنا وإن وصفه في إحدى المرتين بغير ما وصفه في الأخرى‏,‏ فقال‏:‏ درهم من ثمن مبيع ثم قال‏:‏ له على درهم من قرض أو درهم من ثمن ثوب ثم قال‏:‏ درهم من ثمن عبد أو قال‏:‏ درهم أبيض ثم قال‏:‏ درهم أسود فهما درهمان لأنهما متغايران‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على درهم ودرهم أو درهم ثم درهم أو درهم فدرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه وذكر القاضي وجها‏,‏ فيما إذا قال‏:‏ درهم فدرهم وقال‏:‏ أردت‏:‏ درهم فدرهم لازم لي أنه يقبل منه وهو قول الشافعي لأنه يحتمل الصفة ولنا أن الفاء أحد حروف العطف الثلاثة‏,‏ فأشبهت الواو وثم ولأنه عطف شيئا على شيء بالفاء فاقتضى ثبوتهما‏,‏ كما لو قال‏:‏ أنت طالق فطالق وقد سلمه الشافعي وما ذكروه من احتمال الصفة بعيد لا يفهم حالة الإطلاق فلا يقبل تفسيره به‏,‏ كما لو فسر الدراهم المطلقة بأنها زيوف أو صغار أو مؤجلة وإن قال‏:‏ له على درهم ودرهمان لزمته ثلاثة وإن قال‏:‏ له على درهم ودينار أو فدينار أو قفيز حنطة ونحو ذلك لزمه ذلك كله وإن قال‏:‏ له على درهم ودرهم ودرهم لزمته ثلاثة وحكى ابن أبي موسى عن بعض أصحابنا‏,‏ أنه إذا قال‏:‏ أردت بالثالث تأكيد الثاني وبيانه أنه يقبل وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الثالث في لفظ الثاني وظاهر مذهبه أنه تلزمه الثلاثة لأن الواو للعطف والعطف يقتضي المغايرة‏,‏ فوجب أن يكون الثالث غير الثاني كما كان الثاني غير الأول والإقرار لا يقتضي تأكيدا‏,‏ فوجب حمله على العدد وكذلك الحكم إذا قال‏:‏ له على درهم فدرهم فدرهم أو درهم ثم درهم ثم درهم وإن قال‏:‏ له على درهم ودرهم ثم درهم أو درهم فدرهم ثم درهم‏,‏ أو درهم ثم درهم فدرهم لزمته الثلاثة وجها واحدا لأن الثالث مغاير للثانى لاختلاف حرفى العطف الداخلين عليهما‏,‏ فلم يحتمل التأكيد‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على درهم بل درهمان أو درهم لكن درهمان لزمه درهمان وبه قال الشافعي وقال زفر وداود تلزمه ثلاثة لأن ‏"‏ بل ‏"‏ للإضراب فلما أقر بدرهم وأضرب عنه‏,‏ لزمه لأنه لا يقبل رجوعه عما أقر به ولزمه الدرهمان اللذان أقر بهما ولنا أنه إنما نفى الاقتصار على واحد‏,‏ وأثبت الزيادة عليه فأشبه ما لو قال‏:‏ له على درهم بل أكثر فإنه لا يلزمه أكثر من اثنين وإن قال‏:‏ له على درهم‏,‏ بل درهم أو لكن درهم ففيه وجهان أحدهما يلزمه درهم واحد لأن أحمد قال في من قال لامرأته‏:‏ أنت طالق‏,‏ لا بل أنت طالق‏:‏ إنها لا تطلق إلا واحدة وهذا في معناه وهذا مذهب الشافعي لأنه أقر بدرهم مرتين فلم يلزمه أكثر من درهم كما لو أقر بدرهم ثم أنكره‏,‏ ثم قال‏:‏ بل على درهم و ‏"‏ لكن ‏"‏ للاستدراك فهي في معنى ‏"‏ بل ‏"‏ إلا أن الصحيح أنها لا تستعمل إلا بعد الجحد إلا أن يذكر بعدها جملة والوجه الثاني‏,‏ يلزمه درهمان ذكره ابن أبي موسى وأبو بكر عبد العزيز ويقتضيه قول زفر وداود لأن ما بعد الإضراب يغاير ما قبله فيجب أن يكون الدرهم الذي أضرب عنه غير الدرهم الذي أقر به بعده فيجب الاثنان‏,‏ كما لو قال‏:‏ له على درهم بل دينار ولأن ‏"‏ بل ‏"‏ من حروف العطف والمعطوف غير المعطوف عليه‏,‏ فوجبا جميعا كما لو قال‏:‏ له على درهم درهم ولأنا لو لم نوجب عليه إلا درهما جعلنا كلامه لغوا‏,‏ وإضرابه عنه غير مفيد والأصل في كلام العاقل أن يكون مفيدا ولو كان الذي أضرب عنه لا يمكن أن يكون المذكور بعده ولا بعضه‏,‏ مثل أن يقول‏:‏ له على درهم بل دينار أو ديناران أو‏:‏ له على قفيز حنطة بل قفيز شعير أو‏:‏ هذا الدرهم‏,‏ بل هذان لزمه الجميع بغير خلاف علمناه لأن الأول لا يمكن أن يكون الثاني ولا بعضه فكان مقرا‏,‏ بهما ولا يقبل رجوعه عن شيء منهما وكذلك كل جملتين أقر بإحداهما ثم رجع إلى الأخرى لزماه وإن قال‏:‏ له على درهمان‏,‏ بل درهم أو عشرة بل تسعة لزمه الأكثر لأنه أضرب عن واحد ونفاه بعد إقراره به‏,‏ فلم يقبل نفيه له بخلاف الاستثناء فإنه لا ينفى شيئا أقر به وإنما هو عبارة عن الباقي بعد الاستثناء‏,‏ فإذا قال‏:‏ عشرة إلا درهما كان معناه تسعة‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له ما على ما بين درهم وعشرة لزمته ثمانية لأن ذلك ما بينهما وإن قال‏:‏ من درهم إلى عشرة ففيه ثلاثة أوجه أحدها تلزمه تسعة وهذا يحكى عن أبي حنيفة لأن ‏"‏ من ‏"‏ لابتداء الغاية‏,‏ وأول الغاية منها و ‏"‏ إلى ‏"‏ لانتهائها فلا يدخل فيها‏,‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أتموا الصيام إلى الليل‏}‏ والثاني تلزمه ثمانية لأن الأول والعاشر حدان فلا يدخلان في الإقرار‏,‏ ولزمه ما بينهما كالتي قبلها والثالث تلزمه عشرة لأن العاشر أحد الطرفين‏,‏ فيدخل فيها كالأول وكما لو قال‏:‏ قرأت القرآن من أوله إلى آخره فإن قال‏:‏ أردت بقولى من واحد إلى عشرة مجموع الأعداد كلها أي الواحد والاثنين وكذلك إلى العشرة‏,‏ لزمه خمسة وخمسون درهما واختصار حسابه أن تزيد أول العدد وهو الواحد على العشرة فيصير أحد عشر ثم تضربها في نصف العشرة‏,‏ فما بلغ فهو الجواب‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على دراهم لزمه ثلاثة لأنها أقل الجمع وإن قال‏:‏ له على دراهم كثيرة أو وافرة أو عظيمة لزمه ثلاثة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقبل تفسيره بدون العشرة لأنها أقل جمع الكثرة وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ لا يقبل أقل من مائتين لأن بها يحصل الغنى‏,‏ وتجب الزكاة ولنا أن الكثرة والعظمة لا حد لها شرعا ولا لغة ولا عرفا وتختلف بالإضافات وأحوال الناس‏,‏ فالثلاثة أكثر مما دونها وأقل مما فوقها ومن الناس من يستعظم اليسير ومنهم من لا يستعظم الكثير‏,‏ ويحتمل أن المقر أراد كثيرة بالنسبة إلى ما دونها أو كثيرة في نفسه فلا تجب الزيادة بالاحتمال‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على درهمان في عشرة وقال‏:‏ أردت الحساب لزمه عشرون وإن قال‏:‏ أردت درهمين مع عشرة ولم يكن يعرف الحساب‏,‏ قبل منه ولزمه اثنا عشر لأن كثيرًا من العامة يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى وإن كان من أهل الحساب احتمل أن لا يقبل لأن الظاهر من الحساب استعمال ألفاظه لمعانيها في اصطلاحهم‏,‏ ويحتمل أن يقبل لأنه لا يمنع أن يستعمل اصطلاح العامة وإن قال‏:‏ أردت درهمين في عشرة لي لزمه درهمان لأنه يحتمل ما يقول وإن قال‏:‏ درهمان في دينار لم يحتمل الحساب وسئل عن مراده فإن قال‏:‏ أردت العطف أو معنى مع لزمه الدرهمان والدينار وإن قال‏:‏ أسلمتهما في دينار فصدقه المقر له بطل إقراره لأن سلم أحد النقدين في الآخر لا يصح‏,‏ وإن كذبه فالقول قول المقر له لأن المقر وصل إقراره بما يسقطه فلزمه ما أقر به‏,‏ وبطل قوله في دينار وكذلك إن قال‏:‏ له على درهمان في ثوب وفسره بالسلم أو قال‏:‏ في ثوب اشتريته منه إلى سنة فصدقه بطل إقراره لأنه إن كان بعد التفرق‏,‏ بطل السلم وسقط الثمن وإن كان قبل التفرق فالمقر بالخيار بين الفسخ والإمضاء وإن كذبه المقر له فالقول قوله مع يمينه‏,‏ وله الدرهمان‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له عندي درهم في ثوب أو في كيس أو زيت في جرة‏,‏ أو تبن في غرارة أو تمر في جراب أو سكين في قراب‏,‏ أو فص في خاتم أو كيس في صندوق أو قال‏:‏ غصبت منه ثوبا في منديل أو زيتا في زق ففيه وجهان‏:‏ أحدهما‏,‏ يكون مقرًا بالمظروف دون الظرف هذا اختيار ابن حامد ومذهب مالك والشافعي لأن إقراره لم يتناول الظرف فيحتمل أن يكون في ظرف للمقر فلم يلزمه والثاني‏,‏ يلزمه الجميع لأنه ذكر ذلك في سياق الإقرار ويصلح أن يكون مقرًا به فلزمه‏,‏ كما لو قال له‏:‏ عندي عبد عليه عمامة وقال أبو حنيفة في الغصب‏:‏ يلزمه ولا يلزمه في بقية الصور لأن المنديل يكون ظرفا للثوب فالظاهر أنه ظرف له في حال الغصب‏,‏ وصار كأنه قال‏:‏ غصبت ثوبا ومنديلا ولنا أنه يحتمل أن يكون المنديل للغاصب وهو ظرف للثوب‏,‏ فيقول‏:‏ غصبت ثوبا في منديل لي ولو قال هذا لم يكن مقرًا بغصبه فإذا أطلق كان محتملا له‏,‏ فلم يكن مقرًا بغصبه كما لو قال‏:‏ غصبت دابة في إصطبلها أو‏:‏ له على ثوب في منديل وإن قال‏:‏ له عندي جرة فيها زيت أو جراب فيه تمر‏,‏ أو قراب فيه سكين فعلى وجهين وإن قال‏:‏ له على خاتم فيه فص فكذلك ويحتمل أن يكون مقرًا به بفصه وجها واحدا لأن الفص جزء من أجزاء الخاتم فأشبه ما لو قال‏:‏ له على ثوب فيه علم ولو قال‏:‏ له عندي خاتم وأطلق‏,‏ لزمه الخاتم بفصه لأن اسم الخاتم يجمعهما وإن قال‏:‏ له على ثوب مطرز لزمه الثوب بطرازه‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له عندي دار مفروشة أو دابة مسرجة أو عبد عليه عمامة ففيه أيضا وجهان وقال أصحاب الشافعي‏:‏ تلزمه عمامة العبد دون الفرش أو السرج لأن العبد يده على عمامته‏,‏ ويده كيد سيده ولا يد للدابة والدار ولنا أن الظاهر أن سرج الدابة لصاحبها‏,‏ وكذلك لو تنازع رجلان سرجا على دابة أحدهما كان لصاحبها فصار كعمامة العبد فأما إن قال‏:‏ له عندي دابة بسرجها‏,‏ أو دار بفرشها أو سفينة بطعامها كان مقرًا بهما بغير خلاف لأن الباء تعلق الثاني بالأول‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على درهم أو دينار أو‏:‏ إما درهم وإما دينار كان مقرًا بأحدهما‏,‏ يرجع في تفسيره إليه لأن ‏"‏ أو ‏"‏ و ‏"‏ إما ‏"‏ في الخبر للشك وتقتضى أحد المذكورين لا جميعهما وإن قال‏:‏ له على إما درهم وإما درهمان كان مقرًا بدرهم والثاني مشكوك فيه‏,‏ فلا يلزمه بالشك‏.‏

مسألة

قال‏:‏ ‏[‏ومن أقر بشيء واستثنى منه الكثير وهو أكثر من النصف‏,‏ أخذ بالكل وكان استثناؤه باطلًا‏]‏

لا يختلف المذهب أنه لا يجوز استثناء ما زاد على النصف ويحكى ذلك عن ابن درستويه النحوى وقال أبو حنيفة ومالك‏,‏ والشافعي وأصحابهم‏:‏ يصح ما لم يستثن الكل فلو قال‏:‏ له على مائة إلا تسعة وتسعين لم يلزمه إلا واحد‏,‏ بدليل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين‏}‏ فاستثنى في موضع الغاوين من العباد وفي موضع العباد من الغاوين وأيهما كان الأكثر فقد دل على استثناء الأكثر وأنشدوا‏:‏

أدوا التي نقصت تسعين من مائة ** ثم ابعثوا حكما بالحق قواما

فاستثنى تسعين من مائة لأنه في معنى الاستثناء ومشبه به‏,‏ ولأنه استثنى البعض فجاز كاستثناء الأقل‏,‏ ولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ فجاز في الأكثر كالتخصيص والبدل ولنا‏,‏ أنه لم يرد في لسان العرب الاستثناء إلا في الأقل وقد أنكروا استثناء الأكثر فقال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير‏,‏ ولو قال قائل‏:‏ مائة إلا تسعة وتسعين لم يكن متكلما بالعربية وكان عيا من الكلام ولكنة وقال القتيبى‏:‏ يقال‏:‏ صمت الشهر إلا يوما ولا يقال‏:‏ صمت الشهر إلا تسعة وعشرين يوما ويقال‏:‏ لقيت القوم جميعهم إلا واحدا أو اثنين ولا يجوز أن يقول‏:‏ لقيت القوم إلا أكثرهم وإذا لم يكن صحيحا في الكلام لم يرتفع به ما أقر به‏,‏ كاستثناء الكل وكما لو قال‏:‏ له على عشرة بل خمسة فأما ما احتجوا به من التنزيل فإنه في الآية الأولى استثنى المخلصين من بنى آدم‏,‏ وهم الأقل كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم‏}‏ وفي الأخرى استثنى الغاوين من العباد وهم الأقل فإن الملائكة من العباد‏,‏ وهم غير غاوين قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏بل عباد مكرمون‏}‏ وقيل‏:‏ الاستثناء في هذه الآية منقطع بمعنى الاستدراك فيكون قوله‏:‏ ‏{‏إن عبادي ليس لك عليهم سلطان‏}‏ مبقى على عمومه‏,‏ لم يستثن منه شيء ثم استأنف‏:‏ ‏{‏إلا من اتبعك من الغاوين‏}‏ أي لكن من اتبعك من الغاوين فإنهم غووا باتباعك وقد دل على صحة هذا قوله في الآية الأخرى لأتباعه‏:‏ ‏{‏وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي‏}‏ وعلى هذا لا يكون لهم فيها حجة وأما البيت فقال ابن فضال النحوى‏:‏ هو بيت مصنوع لم يثبت عن العرب على أن هذا ليس باستثناء‏,‏ فإن الاستثناء له كلمات مخصوصة ليس هاهنا شيء منها والقياس لا يجوز في اللغة‏:‏ ثم نعارضه بأنه استثنى أكثر من النصف فلم يجز‏,‏ كاستثناء الكل والفرق بين استثناء الأكثر والأقل أن العرب استعملته في الأقل وحسنته ونفته في الأكثر وقبحته‏,‏ فلم يجز قياس ما قبحوه على ما جوزوه وحسنوه‏.‏

فصل

وفي استثناء النصف وجهان أحدهما يجوز وهو ظاهر كلام الخرقى لتخصيصه الإبطال بما زاد على النصف لأنه ليس بأكثر‏,‏ فجاز كالأقل والثاني لا يجوز ذكره أبو بكر لأنه لم يرد في كلامهم إلا القليل من الكثير‏,‏ والنصف ليس بقليل ‏.‏

فصل

وإذا قال‏:‏ له على عشرة إلا سبعة إلا خمسة‏,‏ إلا درهمين صح وكان مقرًا بستة وذلك لأنه إذا استثنى الكل أو الأكثر سقط إن وقف عليه‏,‏ وإن وصله باستثناء آخر استعملناه لأن الاستثناء مع المستثنى منه عبارة عما بقى فإن خمسة إلا درهمين عبارة عن ثلاثة‏,‏ استثناها من سبعة بقى أربعة مستثناة من عشرة بقى منها ستة وإن قال‏:‏ له على ثمانية‏,‏ إلا أربعة إلا درهمين إلا درهما بطل الاستثناء على قول أبي بكر لأنه استثنى النصف وصح على الوجه الآخر‏,‏ فلزمه خمسة وإن قال‏:‏ على عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة‏,‏ إلا درهمين إلا درهما بطل الاستثناء كله على أحد الوجهين وصح في الآخر‏,‏ فيكون مقرًا بسبعة ولو قال‏:‏ عشرة إلا ستة إلا أربعة‏,‏ إلا درهمين فهو على الوجه الذي يصح فيه الاستثناء مقر بستة ولو قال‏:‏ ثلاثة إلا درهمين إلا درهما كان مقرًا بدرهمين فأما إن قال‏:‏ له على ثلاثة إلا ثلاثة‏,‏ إلا درهمين بطل الاستثناء كله لأن استثناء درهمين من ثلاثة استثناء الأكثر وهو موقوف عليه فبطل فإذا بطل الثاني بطل الأول لأنه استثناء الكل ولأصحاب الشافعي في هذا ثلاثة أوجه أحدها يبطل الاستثناء لأن الأول بطل‏,‏ لكونه استثناء الكل فبطل الثاني لأنه فرعه والثاني يصح‏,‏ ويلزمه درهم لأن الاستثناء الأول لما بطل جعلنا الاستثناء الثاني من الإقرار لأنه وليه لبطلان ما بينهما والثالث يصح‏,‏ ويكون مقرًا بدرهمين لأنه استثنى درهمين من ثلاثة فيبقى منها درهم مستثنى من الإقرار واستثناء الأكثر عندهم صحيح ووافقهم القاضي في هذا الوجه وإن قال‏:‏ ثلاثة‏,‏ إلا درهما بطل الاستثناء كله ويجيء على قول أصحاب الشافعي فيه مثل ما في التي قبلها‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له علي ألف إلا خمسين فالمستثنى دراهم لأن العرب لا تستثنى في الإثبات إلا من الجنس وإن قال‏:‏ له علي ألف إلا خمسين درهما فالجميع دراهم كذلك وهذا اختيار ابن حامد والقاضى وهو قول أبي ثور وقال أبو الحسن التميمي‏,‏ وأبو الخطاب‏:‏ يكون الألف مبهما يرجع في تفسيره إليه وهذا قول مالك والشافعي لأن الاستثناء عندهما يصح من غير الجنس‏,‏ ولأن لفظه في الألف مبهم والدرهم لم يذكر تفسيرا له فيبقى على إبهامه ولنا أنه لم يرد عن العرب الاستثناء في الإثبات إلا من الجنس‏,‏ فمتى علم أحد الطرفين علم أن الآخر من جنسه كما لو علم المستثنى منه وقد سلموه‏,‏ وعلته تلازم المستثنى والمستثنى منه في الجنس فما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر فعلى قول التميمي وأبى الخطاب يسأل عن المستثنى منه‏,‏ فإن فسره بغير الجنس بطل الاستثناء وعلى قول غيرهما ينظر في المستثنى‏,‏ إن كان مثل المستثنى منه أو أكثر بطل وإلا صح وعند القاضي يصح الاستثناء‏,‏ ويصح تفسير الألف بأي شيء كان إذا كان من قيمة ذلك الشيء بعد استثناء الدراهم منه‏.‏

فصل

وإن قال‏:‏ له على تسعة وتسعون درهما فالجميع دراهم لا أعلم فيه خلافا وإن قال‏:‏ مائة وخمسون درهما فكذلك وخرج بعض أصحابنا وجها أنه لا يكون تفسيرا إلا لما يليه‏,‏ وهو قول بعض أصحاب الشافعي وكذلك إن قال‏:‏ ألف وثلاثة دراهم أو خمسون درهما وألف درهم أو ألف ومائة درهم‏,‏ أو مائة وألف درهم والصحيح ما ذكرنا فإن الدرهم المفسر يكون تفسيرا لجميع ما قبله من الجمل المبهمة وجنس العدد قال الله تعالى مخبرا عن أحد الخصمين أنه قال‏:‏ ‏{‏إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة‏}‏ وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة وتوفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة‏,‏ وتوفى عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال عنترة‏:‏

فيها اثنتان وأربعون حلوبة ** سودا كخافية الغراب الأسحم

ولأن الدرهم ذكر تفسيرا ولهذا لا تجب به زيادة على العدد المذكور فكان تفسيرا لجميع ما قبله‏,‏ لأنها تحتاج إلى تفسير وهو صالح لتفسيرها فوجب حمله على ذلك وهذا المعنى موجود في قوله‏:‏ ألف وثلاثة دراهم وسائر الصور المذكورة‏,‏ فعلى قول من لا يجعل المجمل من جنس المفسر لو قال‏:‏ بعتك هذا بمائة وخمسين درهما أو بخمسة وعشرين درهما لا يصح وهو قول شاذ ضعيف لا يعول عليه‏.‏

فصل

وإن قال له علي ألف ودرهم أو ألف وثوب‏,‏ أو قفيز حنطة فالمجمل من جنس المفسر أيضا وكذلك إن قال‏:‏ ألف درهم وعشرة أو ألف ثوب وعشرون وهذا قول القاضي وابن حامد‏,‏ وأبى ثور وقال التميمي وأبو الخطاب‏:‏ يرجع في تفسير المجمل إليه لأن الشيء يعطف على جنسه‏,‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا‏}‏ ولأن الألف مبهم فرجع في تفسيره إلى المقر كما لو لم يعطف عليها وقال أبو حنيفة‏:‏ إن عطف على المبهم مكيلا أو موزونا كان تفسيرا له‏,‏ وإن عطف مذروعا أو معدودا لم يكن تفسيرا لأن على للإيجاب في الذمة فإن عطف عليه ما يثبت في الذمة بنفسه‏,‏ كان تفسيرا له كقوله‏:‏ مائة وخمسون درهما ولنا أن العرب تكتفى بتفسير إحدى الجملتين عن الجملة الأخرى قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا‏}‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏عن اليمين وعن الشمال قعيد‏}‏ ولأنه ذكر مبهما مع مفسر لم يقم الدليل على أنه من غير جنسه‏,‏ فكان المبهم من جنس المفسر كما لو قال‏:‏ مائة وخمسون درهما أو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا يحققه أن المبهم يحتاج إلى التفسير‏,‏ وذكر التفسير في الجملة المقارنة له يصلح أن يفسره فوجب حمل الأمر على ذلك أما قوله‏:‏ ‏{‏أربعة أشهر وعشرًا‏}‏ فإنه امتنع أن يكون العشر أشهرا لوجهين‏:‏ أحدهما‏,‏ أن العشر بغير هاء عدد للمؤنث والأشهر مذكرة فلا يجوز أن تعد بغيرها الثاني أنها لو كانت أشهرا لقال‏:‏ أربعة عشر شهرا بالتركيب‏,‏ لا بالعطف كما قال‏:‏ ‏{‏عليها تسعة عشر‏}‏ وقولهم‏:‏ إن الألف مبهم قلنا قد قرن به ما يدل على تفسيره فأشبه ما لو قال‏:‏ مائة وخمسون درهما‏,‏ أو مائة ودرهم عند أبي حنيفة فإن قيل‏:‏ إذا قال‏:‏ مائة وخمسون درهما فالدرهم ذكر للتفسير ولهذا لا يزداد به العدد فصلح تفسير الجميع ما قبله‏,‏ بخلاف قوله‏:‏ مائة درهم فإنه ذكر الدرهم للإيجاب لا للتفسير بدليل أنه زاد به العدد قلنا‏:‏ هو صالح للإيجاب والتفسير معا‏,‏ والحاجة داعية إلى التفسير فوجب حمل الأمر على ذلك صيانة لكلام المقر عن الإلباس والإبهام‏,‏ وصرفا له إلى البيان والإفهام وقول أصحاب أبي حنيفة‏:‏ إن ‏"‏ على ‏"‏ للإيجاب قلنا‏:‏ فمتى عطف ما يجب بها على ما يجب وكان أحدهما مبهما والآخر مفسرا وأمكن تفسيره به‏,‏ وجب أن يكون المبهم من جنس المفسر فأما إن لم يمكن مثل أن يعطف عدد المذكر على المؤنث‏,‏ أو بالعكس ونحو ذلك فلا يكون أحدهما من جنس الآخر‏,‏ ويبقى المبهم على إبهامه كما لو قال‏:‏ له على أربعة دراهم وعشر‏.‏

مسألة

قال‏:‏‏[‏وإذا قال‏:‏ له عندي عشرة دراهم ثم قال‏:‏ وديعة كان القول قوله‏]‏

وجملته أن من أقر بهذا اللفظ فقال‏:‏ له عندي دراهم فسر إقراره بأنها وديعة‏,‏ قبل تفسيره لا نعلم فيه اختلافا بين أهل العلم سواء فسره بكلام متصل أو منفصل لأنه فسر لفظه بما يقتضيه فقبل‏,‏ كما لو قال‏:‏ له على دراهم وفسرها بدين عليه فعند ذلك تثبت فيها أحكام الوديعة بحيث لو ادعى تلفها بعد ذلك أو ردها كان القول قوله وإن فسرها بدين عليه‏,‏ قبل أيضا لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ وإن قال‏:‏ له عندي وديعة رددتها إليه أو تلفت لزمه ضمانها ولم يقبل قوله وبهذا قال الشافعي لما فيه من مناقضة الإقرار والرجوع عما أقر به‏,‏ فإن الألف المردود والتالف ليست عنده أصلا ولا هي وديعة وكل كلام يناقض الإقرار ويحيله‏,‏ يجب أن يكون مردودا وقال القاضي‏:‏ يقبل قوله لأن أحمد قال في رواية ابن منصور‏:‏ إذا قال‏:‏ لك عندي وديعة دفعتها إليك صدق لأنه ادعى تلف الوديعة أو ردها‏,‏ فقبل كما لو ادعى ذلك بكلام منفصل وإن قال كانت عندي وظننت أنها باقية‏,‏ ثم عرفت أنها كانت قد هلكت فالحكم فيها كالتي قبلها‏.‏