فصل: سورة الإخلاص:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.سورة الإخلاص:

.تفسير الآيات (1- 4):

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}
قوله تعالى: {قُلْ هُو اللهُ أَحَدٌ} اختلف في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هذا الله خَلَق الخلْق، فمن خلَقَ الله؟ فنزلت هذه السورة جواباً لهم، قاله قتادة.
الثاني: أن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة، وقال: يا محمد انسبني إلى هذا، وهذا قول أُبي بن كعب.
الثالث: ما رواه أبو روق عن الضحاك أن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: قل له شققت عصانا وسببت آلهتنا وخالفت دين آبائك، فإن كنت فقيراً أغنيناك وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لست بفقير ولا مجنون ولا هويت امرأة، أنا رسول الله إليكم، أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته»، أرسلوه ثانية وقالوا له: قل له بيّن لنا جنس معبودك، فأنزل الله هذه السورة، فأرسلوه ثالثة وقالوا: قل له لنا ثلاثمائة وستون صنماً لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم إله واحِد بحوائج الخلق كلهم؟ فأنزل الله سورة الصافات إلى قوله {إن إلهاكم لواحد} يعني في جميع حوائجكم، فأرسلوه رابعة وقالوا: قل له بيّن لنا أفعال ربك، فأنزل الله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض} الآية، وقوله {الذي خلقكم ثم رزقكم}.
{قل هو الله أحد} خرج مخرج جواب السائل عن الله تعالى، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم {قل هو اللهُ أحَدٌ} والأحد: هو المتفرد بصفاته الذي لا مِثل له ولا شبه.
فإن قيل: فلم قال (أحَدٌ) على وجه النكرة، ولم يقل الأحَدُ؟ قيل عنه جوابان:
أحدهما: أنه حذف لام التعريف على نية إضمارها فصارت محذوفة في الظاهر، مثبتة في الباطن، ومعناه قل هو الله الأحد.
الثاني: أنه ليس بنكرة، وإنما هو بيان وترجمة، قاله المبرد.
فأما الأحد والواحد ففيهما وجهان:
أحدهما: أن الأحد لا يدخل العدد، والواحد يدخل في العدد، لأنك تجعل للواحد ثانياً، ولا تجعل للأحد ثانياً.
الثاني: أن الأحد يستوعب جنسه، والواحد لا يستوعب، لأنك لو قلت فلان لا يقاومه أحد، لم يجز أن يقاومه اثنان ولا أكثر، فصار الأحد أبلغ من الواحد.
وفي تسميتها بسورة الإخلاص ثلاثة أوجه:
أحدها: لأن في قراءتها خلاصاً من عذاب الله.
الثاني: لأن فيها إخلاص لله من كل عيب ومن كل شريك وولد، قاله عبد الله ابن المبارك.
الثالث: لأنها خالصة لله ليس فيها أمر ولا نهي.
{اللَّهُ الصّمَدُ} فيه عشرة تأويلات:
أحدها: أن الصمد المصمت الذي لا جوف له، قاله الحسن وعكرمه والضحاك وابن جبير، قال الشاعر:
شِهابُ حُروب لا تَزالُ جيادُه ** عوابسَ يعْلُكْنَ الشكيمَ المُصَمّدا

الثاني: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، قاله الشعبي.
الثالث: أنه الباقي الذي لا يفنى، قاله قتادة، وقال الحسن: إنه الدائم الذي لم يزل ولا يزال.
الرابع: هو الذي لم يلد ولم يولد، قاله محمد بن كعب.
الخامس: أنه الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر:
ألا بكّر الناعي بخَيريْ بني أسدْ ** بعمرِو بن مَسعودٍ وبالسيّد الصَّمَد.

السادس: أنه السيد الذي قد انتهى سؤدده، قاله أبو وائل وسفيان وقال الشاعر:
عَلوْتُه بحُسامٍ ثم قلت له ** خُذْها حُذَيْفَ فأنت السيّد الصَّمَدُ.

السابع: أنه الكامل الذي لا عيب فيه، قاله مقاتل، ومنه قول الزبرقان:
ساروا جَميعاً بنصْفِ الليلِ واعْتَمدوا ** ألاّ رهينةَ إلا السيّدُ الصَمَدُ.

الثامن: أنه المقصود إليه في الرغائب، والمستغاث به في المصائب، قاله السدي.
التاسع: أنه المستغني عن كل أحد قاله أبو هريرة.
العاشر: أنه الذي يفعل مايشاء ويحكم بما يريد، قاله الحسين بن فضيل.
{لم يَلِدْ ولم يُولَدْ} فيه وجهان:
أحدهما: لم يلد فيكون والداً، ولم يولد فيكون ولداً، قاله ابن عباس.
الثاني: لم يلد فيكون في العز مشاركاً، ولم يولد فيكون موروثاً هالكاً، قاله الحسين بن فضيل.
وإنما كان كذلك لأمرين:
أحدهما: أن هاتين صفتا نقص فانتفتا عنه.
الثاني: أنه لا مثل له، فلو وَلَدَ أو وُلدِ لصار ذا مثل، والله تعالى منزه عن أن يكون له مثل.
{ولم يَكُن له كُفُواً أَحَدٌ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لم يكن له مثل ولا عديل، قاله أبي بن كعب وعطاء.
الثاني: يعني لم تكن له صاحبة، فنفى عنه الولد والوالدة والصاحبة، قاله مجاهد.
الثالث: أنه لا يكافئه في خلقه أحد، قاله قتادة وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولم يكن له أحدٌ كُفواً، فقدم خبر كان على اسمها لتنساق أواخر الآي على نظم واحد.

.سورة الفلق:

.تفسير الآيات (1- 5):

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)}
وهذه والناس معوذتا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سحرته اليهود، وقيل إن المعوذتين كان يقال لهما (المقشقشتان) أي مبرئتان من النفاق، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء تعوذ به وليستا من القرآن، وهذا قول خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت.
{قُلْ أَعُوذُ بربِّ الفَلَقِ} فيه ستة تأويلات:
أحدها: أن الفلق سجن في جهنم، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه اسم من أسماء جهنم، قاله أبو عبد الرحمن.
الثالث: أنه الخلق كله، قاله الضحاك.
الرابع: أنه فلق الصبح، قاله جابر بن عبد الله ومنه قول الشاعر:
يا ليلةً لم أَنَمْها بِتُّ مُرْتفقا ** أرْعى النجومَ إلى أنْ نوَّرَ الفَلَقُ.

الخامس: أنها الجبال والصخور تنفلق بالمياه.
السادس: أنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى وكل شيء من نبات وغيره، قاله الحسن.
ولأصحاب الغوامض أنه فلق القلوب للأفهام حتى وصلت إليها ووصلت فيها، وأصل الفلق الشق الواسع، وقيل للصبح فلق لفلق الظلام عنه كما قيل له فجر لانفجار الضوء منه.
{مِن شَرِّ ما خَلَق} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن شر ما خلق جهنم، قاله ثابت البناني.
الثاني: إبليس وذريته، قاله الحسن.
الثالث: من شر ما خلق في الدنيا والآخرة، قاله ابن شجرة.
وفي هذا الشر وجهان:
أحدهما: أنه محمول على عمومه في كل شر.
الثاني: أنه خاص في الشر الذي يستحق المصاب به الثواب.
{ومن شَرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ} فيه أربعة تأويلات:
أحدها: يعني الشمس إذا غربت، قاله ابن شهاب.
الثاني: القمر إذا ولج أي دخل في الظلام.
روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة تعوذي بالله من شر غاسقٍ إذا وقب، وهذا الغاسق إذا وقب.
الثالث: أنه الثريا إذا سقطت، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عنذ وقوعها، وترتفع عند طلوعها، قاله ابن زيد.
الرابع: أنه الليل، لأنه يخرج السباع من آجامها، والهوام من مكامنها ويبعث أهل الشر على العبث والفساد، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي، قال الشاعر:
يا طيْفَ هِنْدٍ لقد أبقيْتَ لي أرَقا ** إذ جئْتَنا طارِقاً والليلُ قد غَسَقا

وأصل الغسق الجريان بالضرر، مأخوذ من قولهم غسقت القرحة إذا جرى صديدها، والغسّاق: صديد أهل النار، لجريانه بالعذاب وغسقت عينه إذا جرى دمعها بالضرر في الحلق.
فعلى تأويله أنه الليل في قوله {إذا وقب} أربعة تأويلات:
أحدها: إذا أظلم، قاله ابن عباس.
الثاني: إذا دخل، قاله الضحاك.
الثالث: إذا ذهب، قاله قتادة.
الرابع: إذا سكن، قاله اليمان بن رئاب.
{ومِن شَرِّ النّفّاثاتِ في العُقَدِ} قال أهل التأويل: من السواحر ينفثن في عقد الخيوط للسحر، قال الشاعر:
أعوذ بربي من النافثا ** تِ في عِضَه العاضه المعْضِه

وربما فعل قوم في الرقى مثل ذلك، طلباً للشفاء، كما قال متمم بن نويرة:
نَفَثْت في الخيط شبيه الرُّقَى ** من خشيةِ الجِنّة والحاسدِ.

وقد روى الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه»، النفث: النفخ في العقد بلا ريق، والتفل: النفخ فيها بريق، وفي {شر النفاثات في العقد} ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إيهام للأذى وتخيل للمرض من غير أن يكون له تأثير في الأذى والمرض، إلا استشعار ربما أحزن، أو طعام ضار ربما نفذ بحيلة خفية.
الثاني: أنه قد يؤذى بمرض لعارض ينفصل فيتصل بالمسحور فيؤثر فيه كتأثير العين، وكما ينفصل من فم المتثائب ما يحدث في المقابل له مثله.
الثالث: أنه قد يكون ذلك بمعونة من خدم الجن يمتحن الله بعض عباده.
فأما المروي من سحر النبي صلى الله عليه وسلم فقد أثبته أكثرهم، وأن قوماً من اليهود سحروه وألقوا عقدة سحره في بئر حتى أظهره الله عليها.
روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى شكوى شديدة، فبينا هو بين النائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: ما شكواه؟ فقال الآخر: مطبوب، أي مسحور، والطب: السحر. قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي فطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر فاستخرج السحر منها، ويروى أن فيه إحدى عشرة عقدة، فأمر بحل العقد، فكان كلما حل عقدة وجد راحة، حتى حلت العقد كلها، فكأنما أنشط من عقال، فنزلت عليه المعوذتان، وهما إحدى عشرة آية بعدد العقد، وأمر أن يتعوذ بهما.
وأنكره آخرون، ومنعوا منه في رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن صح في غيره، لما في استمراره عليه من خبل العقل، وأن الله تعالى قد أنكر على من قال في رسوله حيث يقول: {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}.
{ومن شر حاسد إذا حسد} أما الحسد فهو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة هي تمني مثلها وإن لم تزل، فالحسد شر مذموم، والمنافسة رغبة مباحة، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد».
وفي الاستعاذة من شر حاسد إذا حسد وجهان:
أحدهما: من شر نفسه وعينه، فإنه ربما أصاب بها فعان وضر، والمعيون المصاب بالعين، وقال الشاعر:
قد كان قومُك يَحْسبونك سيّدا ** وإخال أنك سيدٌ مَعْيونُ

الثاني: أن يحمله فرط الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فإنه يتبع المساوئ ويطلب العثرات، وقد قيل إن الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض فحسد إبليس آدم حتى أخرجه من الجنة، وأما في الأرض فحسد قابيل بن آدم لأخيه هابيل حتى قتله، نعوذ بالله من شر ما استعاذنا منه.
وافتتح السورة ب (قُلْ) لأن الله تعالى أمر نبيه أن يقولها، وهي من السورة لنزولها معها، وقد قال بعض فصحاء السلف: احفظ القلاقل، وفيه تأويلان:
أحدهما: قل (قل) في كل سورة ذكر في أوائلها لأنه منها.
والثاني: احفظ السورة التي في أولها (قل) لتأكيدها بالأمر بقراءتها.