فصل: تفسير الآية رقم (128):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الشعراوي



.تفسير الآية رقم (125):

{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)}
وكلمة {أعمى} [طه: 125] جاءت في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72].
والمراد بالعَمَى ألاَّ تُدرِكَ المبصَرات، وقد توجد المبصَرات ولا تتجه لها بالرؤية، فكأنك أعمى لا ترى، وكذلك المعرِض عن الآيات الذي لا يتأملها، فهو أعمى لا يراها.
لذلك في الآخرة يقول تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} [الإسراء: 97] فساعةَ يُبعَث الكافرون يُفزَّعون بالبعث الذي كانوا ينكرونه ويضطربون اضطراباً، يحاول كل منهم أن يرى منفذاً وطريقاً للنجاة، ولكن هيهات، فقد سلبهم الله منافذ الإدراك كلها، وسَدَّ في وجوههم كل طرق النجاة، والإنسان يهتدي إلى طريقه بذاته وبعيونه، فإنْ كان أعمى أمكنه أنْ ينادي على مَنْ يأخذ بيده، فإنْ كان أيضاً أبكم، فلربما سمع مَنْ يناديه ويُحذره ويُدِله، فإنْ كان أصمَّ لا يسمع؟
إذن: سُدَّتْ أمامه كل وسائل النجاة، فهو أعمى لا يبصر النجاة بذاته، وأبكم لا يستطيع أنْ يستغيث بمَنْ ينقذه، وهو أيضاً أصمّ لا يسمع مَنْ يتطوع بإرشاده أو تحذيره.
وقد وجد كثير من المشككين في هذه الآية شيئاً ظاهرياً يطعنون به على أسلوب القرآن، حيث يقول هنا: {قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى} [طه: 125] وفي موضع آخر يقول: {وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53] فنفى عنهم الرؤية في آية، وأثبتها لهم في آية أخرى.
وفاتَ هؤلاء المتمحِّكين أَن الإنسانَ بعد البعث يمرُّ بمراحل عِدَّة: فساعةَ يُحشرون من قبورهم يكونون عُمْياً حتى لا يهتدوا إلى طريق النجاة، لكن بعد ذلك يُريهم الله بإيلام آخر ما يتعذبون به من النار.
وهذا الذي حآق بهم كِفَاءٌ لما صنعوه، فقد قدَّموا هم العمى والصمم والبكم في الدنيا، فلما دعاهم الرسول إلى الله صَمُّوا آذانهم، واستغشوا ثيابهم.

.تفسير الآية رقم (126):

{قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)}
أي: نعاملك كما عاملتنا، فننساك كما نسيت آياتنا.
والآيات جمع آية، وهي الأمر العجيب، وتُطلق على الآيات الكونية التي تلفت إلى المكوِّن سبحانه، وتُطلَق على المعجزات التي تؤيد الرسل، وتثبت صِدْق بلاغهم عن الله، وإنْ كانت الآيات الكونية تُلفِت إلى قدرة الخالق عز وجل وحكمته، فالرسول هو الذي يدلُّ الناس على هذه القوة، وعلى صاحب هذه الحكمة والقدرة التي يبحث عنها العقل.
أيها المؤمنون هذه القوة هي الله، والله يريد منك كذا وكذا، فإنْ أطعتَه فَلَك من الأجر كذا وكذا، وإنْ عصيتَه فعقابك كذا وكذا، ثم يؤيد الرسول بالمعجزات التي تدلُّ على صِدْقه في البلاغ عن ربه.
وتُطلَق الآيات على آيات الكتاب الحاملة للأحكام وللمنهج.
وأنت كذَّبْتَ بكل هذه الآيات ولم تلتفت إليها، فلما نسيت آيات الله كان جزاءَك النسيان جزاءً وفَاقاً. والنسيان هنا يعني الترك، وإلا فالنسيان الذي يقابله الذكر مُعْفىً عنه ومعذور صاحبه.
أما قوله: {وكذلك اليوم تنسى} [طه: 126] أي تُنسَى في النعيم وفي الجنة، لكنك لا تُنسى في العقاب والجزاء.
ثم يقول الحق سبحانه: {وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ}

.تفسير الآية رقم (127):

{وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)}
قوله تعالى: {كذلك} [طه: 127] أي: مثل هذا الجزاء {نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} [طه: 127] والإسراف: تجاوز الحدِّ في الأمر الذي له حَدُّ معقول، فالأكْل مثلاً جعله الله لاستبقاء الحياة، فإنْ زاد عن هذا الحدِّ فهو إسراف.
دَخْلك الذي يسَّره الله لك يجب أن تنفق منه في حدود، ثم تدَّخر الباقي لترقى به في الحياة، فإنْ أنفقتَه كله فقد أسرفْتَ، ولن تتمكن من أن تُرقِّى نفسك في ترف الحياة.
ولذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين} [الإسراء: 27].
وللإسلام نظرته الواعية في الاقتصاديات، فالحق يريد منك أنْ تنفق، ويريد منك ألاَّ تُسرِف وبين هذين الحدَّيْن تسير دَفّة المجتمع، ويدور دولاب الحياة، فإنْ بالغتَ في حَدٍّ منهما تعطلتْ حركة الحياة، وارتبك المجتمع وبارت السلع.
وقد أوضح الحق سبحانه هذه النظرة في قوله: {والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67].
فربُّك يريد منك أنْ تجمع بين الأمرين؛ لأن التقتير والإمساك يُعطِّل حركة الحياة، والإسراف يُجمِّد الحياة ويحرمك من الترقي، والأخذ بأسباب الترف؛ لذلك قال تعالى: {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} [الإسراء: 29].
وقد يكون الإسراف من ناحية أخرى: فربُّك عز وجل خلقك، وخلق لك مُقوِّمات حياتك، وحدَّد لك الحلال والحرام، فإذا حاولتَ أنت أنْ تزيد في جانب الحلال مما حرمه الله عليك، فهذا إسراف منك، وتجاوز للحدِّ الذي حَدَّه لك ربك، وتجاوزتَ فيما أحلَّ لك، وفيما حرَّم عليك.
وقد يأتي الإسراف من ناحية أخرى: فالشيء في ذاته قد يكون حلالاً، لكن أنت تأخذه من غير حِلِّة.
فإذا نقلنا المسألة إلى التكاليف وجدنا أن الله تعالى أحلَّ أشياء وحرَّم أشياء، فلا تنقل شيئاً مما حُرِّم إلى شيء أحلَّ، ولا شيئاً مما أُحلَّ إلى شيء حُرِّم، كما قال سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق} [الأعراف: 32].
وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ الله لَكَ} [التحريم: 1].
إذن: فربّك لا يُضيِّق عليك، وينهاك أنْ تُضيِّق على نفسك وتُحرّم عليها ما أحلَّ لها، كما يلومك على أنْ تُحلِّل ما حرّم عليك لأن ذلك في صالحك.
وكما يكون الإسراف في الطعام والشراب وهما من مُقوِّمات استبقاء الحياة، يكون كذلك في استبقاء النوع بالزواج والتناسل، إلى أنْ تقوم الساعة، فجعل الحق سبحانه للممارسة الجنسية حدوداً تضمن النسل والاستمتاع الحلال، فمَنْ تعدَّى هذه الحدود فقد أسرف.
ومن رحمته تعالى أنه يغفر لِمنْ أسرف على نفسه شريطةَ أن يكون مؤمناً: {قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله} [الزمر: 53].
وقوله تعالى: {وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} [طه: 127] فأنزل الإسراف منزلةَ تالية لعدم الإيمان؛ لذلك قال بعدها: {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّه} [طه: 127] لأنه حين ينقل الحلال إلى الحرام، أو الحرام إلى الحلال، فكأنه عطّل آيات الله.
ثم يقول تعالى: {وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى} [طه: 127] إذن: فالكلام هنا عن الدنيا، فلا تظن أن الله يُؤخِّر للكافر كُلَّ العذاب، فهناك أشياء تُعجِّل له في الدنيا لا تُؤخِّر.
وأول مَا لا يُؤخِّر ويُعجل الله به في الدنيا عقوبة الظلم، فلا يمكن أنْ يموتَ الظالم قبل أن يرى المظلوم ما صنعه الله به، وإلاّ فالذين لا يؤمنون بالقيامة ولا بالجزاء كانوا فجروا في الخَلْق وَعاثُوا في الأرض، فمن حكمة الله أن نرى لكل ظالم مصرعاً حتى تستقيم حركة الحياة، ولو لم يكُنْ الإنسان مؤمناً.
والحق سبحانه حين يريد أنْ يُعذِّب يتناسب تعذيبه مع قدرته تعالى، كما أن ضربة الطفل غير ضربة الشاب القوي. إذن: مَا يناله من عذاب في الحياة هين لأنه من الناس، أمّا عذاب الآخرة فشيء آخر؛ لأنه عذاب من الله يتناسب مع قدرته تعالى.
{وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى} [طه: 127] أبْقَى؛ لأن عذاب الدنيا ينتهي بالموت، أو بأن يرضى عنك المعذَّب ويرحمك، وقد يتوسط لك أحد فيزيل عنك العذاب، أمّا في الآخرة فلا شيء من ذلك، ولا مفرَّ من العذاب ولا مَلْجأ.
ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ}

.تفسير الآية رقم (128):

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)}
الهداية: الدلالة والبيان، وتهديه أي: تدلّه على طريق الخير. والاستفهام في {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [طه: 128] والاستفهام يَرِد مرة لتعلم ما تجهل، أو يرد للتقرير بما فعلتَ.
فالمراد: أفلم ينظروا إلى الأمم السابقة وما نزل بهم لما كَذَّبوا رسُل الله؟ كما قال في آية أخرى: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137].
وقال سبحانه: {والفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ والشفع والوتر والليل إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد} [الفجر: 110].
أَلاَ تروْنَ كل هذه الآيات في المكذبين؟ ألاَ ترون أن الله ناصرُ رسُلَه؟ ولم يكُنْ سبحانه ليبعثهم، ثم يتخلى عنهم، ويُسلمهم، كما قال سبحانه: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 173] وقال: {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40].
وبعد هذا كله يُعرِض المكذبون، وكأنهم لم يروا شيئاً من هذه الآيات.
وساعة ترى(كَمْ) فاعلم أنها للشيء الكثير الذي يفوق الحصر، كما تقول لصاحبك: كم أعطيتُك، وكم ساعدتُك. أي: مرات كثيرة، فكأنك وكلته ليجيب هو بنفسه، ولا تستفهم منه إلا إذا كان الجواب في صالحك قطعاً.
فمعنى {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [طه: 128] يعني: يُبيّن لهم ويدُّلهم على القرى الكثيرة التي كذَّبت رسلها، وماذا حدث لها وحاق بها من العذاب، وكان عليهم أنْ يتنبهوا ويأخذوا منهم عِبرة ولا ينصرفوا عنها.
وقوله تعالى: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه: 128] كقوله: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] فليس تاريخاً يُحكَى إنما واقع ماثل تروْنَه بأعينكم، وتسيرون بين أطلاله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى} [طه: 128] أي: عجائب لمَنْ له عقل يفكر.
وكلمة(النُّهَى) جمع نُهية، وهي العقل، وهذه الكلمة تحلُّ لنا إشكالات كثيرة في الكفر، فالبعض يظن أن الله تعالى خلق لنا العقل لنرتع به في مجالات الفكر كما نشاء، وننفلت من كل القيود.
إنما العقل من العقال الذي يُعقَل به البعير حتى لا ينفلتَ منك، وكذلك عقلُك يعقِلك، ويُنظِّم حركتك حتى لا تسير في الكون على هَواك، عقلك لتعقل به الأمور فتقول: هذا صواب، وهذا خطأ. قبل أن تُقدِم عليه.
فالسارق لو عقل ما يفعل ما أقدمَ على سرقة الناس، وما رأيك لو أبحنا للناس جميعاً أنْ يسرقوك، وأنت فرد، وهم جماعة؟
الحق ساعةَ يعقل بصرك أنْ يمتدَّ لما حرم عليك فلا تقُلْ: ضيق عليَّ، لأنه أمر الآخرين أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك، والغير أكثر منك، إذن: فأنت المستفيد. فإنْ أردتَ أن تُعربد في أعراض الناس، فأَبِح لهم أن يُعربِدوا في أعراضك.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه شاب يشكو عدم صبره على غريزة الجنس، يريد أن يبيح له الزنا والعياذ بالله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يُلقِّنه درساً يصرفه عن هذه الجريمة، فماذا قال له؟
قال: (يا أخا العرب، أتحب هذا لأمك؟ أتحب هذا لأختك؟ أتحب هذا لزوجتك؟) والشاب يقول في كل مرة: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فداك. ولك أنْ تتصوَّر ماذا ينتاب الواحد منّا إنْ سمع سيرة أمه وأخته وزوجته في هذا الموقف.
ثم يقول صلى الله عليه وسلم للشاب بعد أن هزَّه هذه الهزة العنيفة: (كذلك الناس لا يحبون لذلك لأمهاتهم، ولا لزوجاتهم، ولا لأخواتهم، ولا لبناتهم).
وهنا قال الشاب: فو الله ما همَّتْ نفسي لشيء من هذا إلا وذكرتُ أمي وزوجتي وأختي وابنتي.
إذن: فالعقل هو الميزان، وهو الذي يُجرِي المعادلة، ويُوازِن بين الأشياء، وكذلك إنْ جاء بمعنى النُّهى أو اللُّب فإنها تؤدي نفس المعنى: فالنُّهي من النهي عن الشيء، واللب أي: حقيقة الشيء وأصله، لا أنْ يكون سطحيّ التفكير يشرد منك هنا وهناك.
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ}