فصل: الآية رقم ‏(‏ 47 ‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏ 33 ‏)‏

‏{‏قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون‏}‏

قال الكلبي‏:‏ لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت غيرهم المشركون؛ فنزلت هذه الآية‏.‏ والفواحش‏:‏ الأعمال المفرطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن‏.‏ وروى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏{‏ما ظهر منها‏}‏ نكاح الأمهات في الجاهلية‏.‏ ‏}‏وما بطن‏}‏ الزنى‏.‏ وقال قتادة‏:‏ سرها وعلانيتها‏.‏ وهذا فيه نظر؛ فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش‏.‏ بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏}‏والإثم‏}‏ قال الحسن‏:‏ الخمر‏.‏ قال الشاعر‏:‏

شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول

وقال آخر‏:‏

نشرب الإثم بالصواع جهارا وترى المسك بيننا مستعارا

‏{‏والبغي‏}‏ الظلم وتجاوز الحد فيه‏.‏ وقد تقدم‏.‏ وقال ثعلب‏:‏ البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه، ويبغي عليه بغير الحق؛ إلا أن ينتصر منه بحق‏.‏ وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما؛ فنص على ذكرهما تأكيدا لأمرهما وقصدا للزجر عنهما‏.‏ وكذا وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر‏.‏ قال الفراء‏:‏ الإثم ما دون الحد والاستطالة على الناس‏.‏ قال النحاس‏:‏ فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي؛ كما قال الشاعر‏:‏

إني وجدت الأمر أرشده تقوى الإله وشره الإثم

قلت‏:‏ وأنكره ابن العربي أيضا وقال‏{‏ولا حجة في البيت؛ لأنه لو قال‏:‏ شربت الذنب أو شربت الوزر لكان كذلك، ولم يوجب قول أن يكون الذنب والوزر اسما من أسماء الخمر كذلك، الإثم‏.‏ والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني‏}‏‏.‏ قلت‏:‏ وقد ذكرناه عن الحسن‏.‏ وقال الجوهري في الصحاح‏:‏ وقد يسمى الخمر إثما، وأنشد‏:‏

شربت الإثم‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

وأنشده الهروي في غريبيه، على أن الخمر الإثم‏.‏ فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة، فلا تناقض‏.‏ والبغي‏:‏ التجاوز في الظلم، وقيل‏:‏ الفساد‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 34 ‏)‏

‏{‏ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولكل أمة أجل‏}‏ أي وقت مؤقت‏.‏ ‏}‏فإذا جاء أجلهم‏}‏ أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل‏.‏ وقرأ ابن سيرين ‏}‏جاء آجالهم‏}‏ بالجمع ‏}‏لا يستأخرون‏}‏ عنه ساعة ولا أقل من ساعة؛ إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات، وهي ظرف زمان‏.‏ ‏}‏ولا يستقدمون‏}‏ فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله‏.‏ وأجل الموت هو وقت الموت؛ كما أن أجل الدين هو وقت حلوله‏.‏ وكل شيء وقت به شيء فهو أجل له‏.‏ وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحي فيه لا محالة‏.‏ وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لا من حيث إنه ليس مقدورا تأخيره‏.‏ وقال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم‏:‏ إن المقتول مات بغير أجله الذي ضرب له، وإنه لو لم يقتل لحيي‏.‏ وهذا غلط، لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له، بل من أجل ما فعله الله من إزهاق نفسه عند الضرب له‏.‏ فإن قيل‏:‏ فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون منه‏؟‏‏.‏ قيل له‏:‏ نقتله لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه، لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله‏.‏ ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص لأدى ذلك إلى الفساد ودمار العباد‏.‏ وهذا واضح‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 35 ‏:‏ 36 ‏)‏

‏{‏يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم‏}‏ شرط‏.‏ ودخلت النون توكيدا لدخول ‏}‏ما‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ ما صلة، أي إن يأتكم‏.‏ أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم أقرب‏.‏ والقصص اتباع الحديث بعضه بعضا‏.‏ ‏}‏آياتي‏}‏ أي فرائضي وأحكامي‏.‏

قوله تعالى‏{‏فمن اتقى وأصلح‏}‏ شرط، وما بعده جوابه، وهو جواب الأول‏.‏ أي وأصلح منكم ما بيني وبينه‏.‏ ‏}‏فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏ دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع‏.‏ وقيل‏:‏ قد يلحقهم أهوال يوم القيامة، ولكن مآلهم الأمن‏.‏ وقيل‏:‏ جواب ‏}‏إما يأتينكم‏}‏ ما دل عليه الكلام، أي فأطيعوهم ‏}‏فمن اتقى وأصلح‏}‏ والقول الأول قول الزجاج‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 37 ‏)‏

‏{‏فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين‏}‏

قوله تعالى‏{‏فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته‏}‏ المعنى أي ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته‏.‏ ثم قال‏{‏أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب‏}‏ أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل؛ عن ابن زيد‏.‏ ابن جبير‏:‏ من شقاء وسعادة‏.‏ ابن عباس‏:‏ من خير وشر‏.‏ الحسن وأبو صالح‏:‏ من العذاب بقدر كفرهم‏.‏ واختيار الطبري أن يكون المعنى‏:‏ ما كتب لهم، أي ما قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل وأجل؛ على ما تقدم عن ابن زيد وابن عباس وابن جبير‏.‏ ‏}‏حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم‏}‏ يعني رسل ملك الموت‏.‏ وقيل‏{‏الكتاب‏}‏ هنا القرآن؛ لأن عذاب الكفار مذكور فيه‏.‏ وقيل‏{‏الكتاب‏}‏ اللوح المحفوظ‏.‏ ذكر الحسن بن علي الحلواني قال‏:‏ أملى علي علي بن المديني قال‏:‏ سألت عبدالرحمن بن مهدي عن القدر فقال لي‏:‏ كل شيء بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وقد أعظم الفرية من قال‏:‏ إن المعاصي ليست بقدر‏.‏ قال علي وقال لي عبدالرحمن بن مهدي‏:‏ العلم والقدر والكتاب سواء‏.‏ ثم عرضت كلام عبدالرحمن بن مهدي على يحيى بن سعيد فقال‏:‏ لم يبق بعد هذا قليل ولا كثير‏.‏ وروى يحيى بن معين حدثنا مروان الفزاي حدثنا إسماعيل بن سميع عن بكير الطويل عن مجاهد عن ابن عباس ‏}‏أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب‏}‏ قال‏:‏ قوم يعملون أعمالا لا بد لهم من أن يعملوها‏.‏ و‏}‏حتى‏}‏ ليست غاية، بل هي ابتداء خبر عنهم‏.‏ قال الخليل وسيبويه‏:‏ حتى وإما وألا لا يملن لأنهن حروف ففرق بينها وبين الأسماء نحو حبلى وسكرى‏.‏ قال الزجاج‏:‏ تكتب حتى بالياء لأنها أشبهت سكرى، ولو كتبت ألا بالياء لأشبهت إلى‏.‏ ولم تكتب إما بالياء لأنها ‏}‏إن‏}‏ ضمت إليها ما‏.‏ ‏}‏قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله‏}‏ سؤال توبيخ‏.‏ ومعنى ‏}‏تدعون‏}‏ تعبدون‏.‏ ‏}‏قالوا ضلوا عنا‏}‏ أي بطلوا وذهبوا‏.‏ قيل‏:‏ يكون هذا في الآخرة‏.‏ ‏}‏وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين‏}‏ أي أقروا بالكفر على أنفسهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 38 ‏:‏ 39 ‏)‏

‏{‏قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون، وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون‏}‏

قوله تعالى‏{‏قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار‏}‏ أي مع أمم؛ فـ ‏}‏في‏}‏ بمعنى مع‏.‏ وهذا لا يمتنع؛ لأن قولك‏:‏ زيد في القوم، أي مع القوم‏.‏ وقيل‏:‏ هي على بابها، أي ادخلوا في جملتهم‏.‏ والقائل قيل‏:‏ هو الله عز وجل، أي قال الله ادخلوا‏.‏ وقيل‏:‏ هو مالك خازن النار‏.‏ ‏}‏كلما دخلت أمة لعنت أختها‏}‏ أي التي سبقتها إلى النار، وهي أختها في، الدين والملة‏.‏ ‏}‏حتى إذا اداركوا فيها جميعا‏}‏ أي اجتمعوا‏.‏ وقرأ الأعمش ‏}‏تداركوا‏}‏ وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل‏.‏ وحكاها المهدوي عن ابن مسعود‏.‏ النحاس‏:‏ وقرأ ابن مسعود ‏}‏حتى إذا أدركوا‏}‏ أي أدرك بعضهم بعضا‏.‏ وعصمة عن أبي عمرو ‏}‏حتى إذا اداركوا‏}‏ بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين‏.‏ وحكى‏:‏ هذان عبدا الله‏.‏ وله ثلثا المال‏.‏ وعن أبي عمرو أيضا‏{‏إذا اداركوا‏}‏ بقطع ألف الوصل؛ فكأنه سكت على ‏}‏إذا‏}‏ للتذكر، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل؛ كالمبتدئ بها‏.‏ وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قوله‏:‏

يا نفس صبرا كل حي لاقي وكل اثنين إلى افتراق

وعن مجاهد وحميد بن قيس ‏}‏حتى إذ ادركوا‏}‏ بحذف ألف ‏}‏إذا‏}‏ لالتقاء الساكنين، وحذف الألف التي بعد الدال‏.‏ ‏}‏جميعا‏}‏ نصب على الحال‏.‏ ‏}‏قالت أخراهم لأولاهم‏}‏ أي آخرهم دخولا وهم الأتباع لأولاهم وهم القادة‏.‏ ‏}‏ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار‏}‏ فاللام في ‏}‏لأولاهم‏}‏ لام أجل؛ لأنهم لم يخاطبوا أولاهم ولكن قالوا في حق أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا‏.‏ والضعف المثل الزائد على مثله مرة أو مرات‏.‏ وعن ابن مسعود أن الضعف ههنا الأفاعي والحيات‏.‏ ونظير هذه الآية ‏}‏ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا‏}‏الأحزاب‏:‏ 68‏]‏‏.‏ وهناك يأتي ذكر الضعف بأبشع من هذا وما يترتب عليه من الأحكام، إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏}‏قال لكل ضعف‏}‏ أي للتابع والمتبوع‏.‏ ‏}‏ولكن لا تعلمون‏}‏ على قراءة من قرأ بالياء؛ أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏}‏ولكن لا تعلمون‏}‏ بالتاء، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب‏.‏ ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يأهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب‏.‏ ‏}‏وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل‏}‏ أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفا من العذاب ‏}‏فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏40 ‏:‏ 41 ‏)‏

‏{‏إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين، لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء‏}‏ أي لأرواحهم‏.‏ جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب ‏(‏التذكرة‏)‏‏.‏ منها حديث البراء بن عازب، وفيه في قبض روح الكافر قال‏:‏ ويخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا‏:‏ ما هذه الروح الخبيثة‏.‏ فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏{‏لا تفتح لهم أبواب السماء‏}‏ الآية‏.‏ وقيل‏:‏ لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا؛ قاله مجاهد والنخعي‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الجنة في السماء‏.‏ ودل على ذلك قوله‏{‏ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏}‏ والجمل لا يلج فلا يدخلونها البتة‏.‏ وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم‏.‏ وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم‏.‏ قال القاضي أبو بكر بن الطيب‏:‏ فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة‏؟‏ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار‏.‏ قيل له‏:‏ هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي‏{‏لا تفتح‏}‏ بالياء مضمومة على تذكير الجمع‏.‏ وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة؛ كما قال‏{‏مفتحة لهم الأبواب‏}‏ص‏:‏ 50‏]‏ فأنث‏.‏ ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع‏.‏ وهي قراءة ابن عباس بالياء وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي، على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير، والتشديد هنا أولى لأنه على الكثير أدل‏.‏ والجمل من الإبل‏.‏ قال الفراء‏:‏ الجمل زوج الناقة‏.‏ وكذا قال عبدالله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال‏:‏ هو زوج الناقة؛ كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا‏.‏ والجمع جمال وأجمال وجمالات وجمائل‏.‏ وإنما يسمى جملا إذا أربع‏.‏ وفي قراءة عبدالله‏{‏حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط‏}‏‏.‏ ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبدالله‏.‏‏.‏‏.‏؛ فذكره‏.‏ وقرأ ابن عباس ‏}‏الجمل‏}‏ بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها‏.‏ وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس، وهو حبال مجموعة، جمع جملة؛ قاله أحمد بن يحيى ثعلب‏.‏ وقيل‏:‏ الحبل الغليظ من القنب‏.‏ وقيل‏:‏ الحبل الذي يصعد به في النخل‏.‏ وروي عنه أيضا وعن سعيد بن جبير‏{‏الجمل‏}‏ بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس أيضا والحبل، على ما ذكرنا آنفا‏.‏ وروي عنه أيضا ‏}‏الجمل‏}‏ بضمتين جمع جمل؛ كأسد وأسد، والجمل مثل أسد وأسد‏.‏ وعن أبي السمال ‏}‏الجمل‏}‏ بفتح الجيم وسكون الميم، تخفيف ‏}‏جمل‏}‏‏.‏ وسم الخياط‏:‏ ثقب الإبرة؛ عن ابن عباس وغيره‏.‏ وكل ثقب لطيف في البدن يسمى سما وسماه وجمعه سموم‏.‏ وجمع السم القاتل سمام‏.‏ وقرأ ابن سيرين ‏}‏في سُم‏}‏ بضم السين‏.‏ والخياط‏:‏ ما يخاط به؛ يقال‏:‏ خياط ومخيط؛ مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع‏.‏ و‏}‏المهاد‏}‏ الفراش‏.‏ و‏}‏غواش‏}‏ جمع غاشية، أي نيران تغشاهم‏.‏ ‏}‏وكذلك نجزي الظالمين‏}‏ يعني الكفار‏.‏ والله أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 42 ‏)‏

‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏لا نكلف نفسا إلا وسعها‏}‏ كلام معترض، أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، ومعنى ‏}‏لا نكلف نفسا إلا وسعها‏}‏ أي أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه، دون ما لا تناله يده، ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل الفعل؛ قال ابن الطيب‏.‏ نظيره ‏}‏لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها‏}‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 43 ‏)‏

‏{‏ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون‏}‏

ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم‏.‏ والنزع‏:‏ الاستخراج‏.‏ والغل‏:‏ الحقد الكامن في الصدر‏.‏ والجمع غلال‏.‏ أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغل في الدنيا‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين‏)‏‏.‏ وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم‏{‏ونزعنا ما في صدورهم من غل‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل منازلهم‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال‏{‏وسقاهم ربهم شرابا طهورا‏}‏الإنسان‏:‏ 21‏]‏ أي يطهر الأوضار من الصدور؛ على ما يأتي بيانه في سورة ‏}‏الإنسان‏}‏ و‏}‏الزمر‏}‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏}‏وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا‏}‏ أي لهذا الثواب؛ بأن أرشدنا وخلق لنا الهداية‏.‏ وهذا رد على القدرية‏.‏ ‏}‏وما كنا‏}‏ قراءة ابن عامر بإسقاط الواو‏.‏ والباقون بإثباتها‏.‏ ‏}‏لنهتدي‏}‏ لام كي‏.‏ ‏}‏لولا أن هدانا الله‏}‏ في موضع رفع‏.‏ ‏}‏ونودوا‏}‏ أصله‏.‏ نوديوا ‏}‏أن‏}‏ في موضع نصب مخففة من الثقيلة؛ أي بأنه ‏}‏تلكم الجنة‏}‏ وقد تكون تفسيرا لما نودوا به؛ لأن النداء قول؛ فلا يكون لها موضع‏.‏ أي قيل لهم‏{‏تلكم الجنة‏}‏ لأنهم وعدوا بها في الدنيا؛ أي قيل لهم‏:‏ هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد‏.‏ وقيل‏{‏تلكم‏}‏ بمعنى هذه‏.‏ ومعنى ‏}‏أورثتموها بما كنتم تعملون‏}‏ أي ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله‏.‏ كما قال‏{‏ذلك الفضل من الله‏}‏النساء‏:‏ 70‏]‏‏.‏ وقال‏{‏فسيدخلهم في رحمة منه وفضل‏}‏النساء‏:‏ 175‏]‏‏.‏ وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة‏)‏ قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته منه وفضل‏)‏‏.‏ وفي غير الصحيح‏:‏ ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل؛ فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم‏:‏ هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله‏.‏ ثم يقال‏:‏ يأهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون؛ فتقسم بين أهل الجنة منازلهم‏.‏

قلت‏:‏ وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا‏)‏‏.‏ فهذا أيضا ميراث؛ نعم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء‏.‏ وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته؛ فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته؛ إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم‏.‏ وقرئ ‏}‏أورثتموها‏}‏ من غير إدغام‏.‏ وقرئ بإدغام التاء في الثاء‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 44 ‏)‏

‏{‏ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ونادى أصحاب الجنة‏}‏ هذا سؤال تقريع وتعيير‏.‏ ‏}‏أن قد وجدنا‏}‏ مثل ‏}‏أن تلكم الجنة‏}‏ أي أنه قد وجدنا‏.‏ وقيل‏:‏ هو نفس النداء‏.‏ ‏}‏فأذن مؤذن بينهم‏}‏ أي نادى وصوت؛ يعني من الملائكة‏.‏ ‏}‏بينهم‏}‏ ظرف؛ كما تقول‏:‏ أعلم وسطهم‏.‏ وقرأ الأعمش والكسائي‏{‏نعم‏}‏ بكسر العين وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين‏.‏ قال مكي‏:‏ من قال ‏}‏نعم‏}‏ بكسر العين أراد أن يفرق بين ‏}‏نعم‏}‏ التي هي جواب وبين ‏}‏نعم‏}‏ التي هي اسم للإبل والبقر والغنم‏.‏ وقد روي عن عمر إنكار ‏}‏نعم‏}‏ بفتح العين في الجواب، وقال‏:‏ قل نعم‏.‏ ونعم ونعم، لغتان بمعنى العدة والتصديق‏.‏ فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك‏:‏ أيقوم زيد‏؟‏ فيقول نعم‏.‏ والتصديق إذا أخبرت عما وقع، تقول‏:‏ قد كان كذا وكذا، فيقول نعم‏.‏ فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك، فيقول بلى‏.‏ فنعم لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية‏.‏ وبلى، لجواب الاستفهام الداخل على النفي؛ كما قال تعالى‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏‏.‏ وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي ‏}‏أن لعنة الله‏}‏ وهو الأصل‏.‏ وقرأ الباقون بتخفيف ‏}‏أن‏}‏ ورفع اللعنة على الابتداء‏.‏ فـ ‏}‏أن‏}‏ في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض‏.‏ ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مفسرة كما تقوم‏.‏ وحكي عن الأعمش أنه قرأ ‏}‏إن لعنة الله‏}‏ بكسر الهمزة؛ فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون ‏}‏فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله‏}‏ ويروى أن طاوسا دخل على هشام بن عبدالملك فقال له‏:‏ اتق الله واحذر يوم الأذان‏.‏ فقال‏:‏ وما يوم الأذان‏؟‏ قال‏:‏ قوله تعالى‏{‏فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين‏}‏ فصعق هشام‏.‏ فقال طاوس‏:‏ هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 45 ‏)‏

‏{‏الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذين يصدون عن سبيل الله‏}‏ في موضع خفض لـ ‏}‏ظالمين‏}‏ على النعت‏.‏ ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أو أعني‏.‏ أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام‏.‏ فهو من الصد الذي هو المنع‏.‏ أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون‏.‏ وهذا من الصدود‏.‏ ‏}‏ويبغونها عوجا‏}‏ يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها‏.‏ وقد مضى هذا المعنى‏.‏ ‏}‏وهم بالآخرة كافرون‏}‏ أي وكانوا بها كافرين، فحذف وهو كثير في الكلام‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 46 ‏)‏

‏{‏وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وبينهما حجاب‏}‏ أي بين النار والجنة - لأنه جرى ذكرهما - حاجز؛ أي سور‏.‏ وهو السور الذي ذكره الله في قوله‏{‏فضرب بينهم بسور‏}‏الحديد‏:‏ 13‏]‏‏.‏ ‏}‏وعلى الأعراف رجال‏}‏ أي على أعراف السور؛ وهي شرفه‏.‏ ومنه عرف الفرس وعرف الديك‏.‏ روى عبدالله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الأعراف الشيء المشرف‏.‏ وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الأعراف سور له عرف كعرف الديك‏.‏ والأعراف في اللغة‏:‏ المكان المشرف؛ جمع عرف‏.‏ قال يحيى بن آدم‏:‏ سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت، فقلت‏:‏ حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال‏:‏ الأعراف سور له عرف كعرف الديك‏.‏ فقال‏:‏ نعم والله، واحده يعني، وجماعته أعراف، يا غلام، هات القرطاس؛ فكتبه‏.‏ وهذا الكلام خرج مخرج المدح؛ كما قال فيه‏{‏رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله‏}‏النور‏:‏ 37‏]‏ وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال‏:‏ فقال عبدالله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير‏:‏ هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وفي مسند خيثمة بن سليمان ‏(‏في آخر الجزء الخامس عشر‏)‏ حديث عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار‏]‏‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون‏)‏‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هم قوم صالحون فقهاء علماء‏.‏ وقيل‏:‏ هم الشهداء؛ ذكره المهدوي‏.‏ وقال القشيري‏:‏ وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس؛ فإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يردوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل شيء، وخلاف المعلوم مقدور‏.‏ فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها‏.‏ وقال شرحبيل بن سعد‏:‏ هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم‏.‏ وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم‏.‏ وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قول عز وجل‏{‏وعلى الأعراف رجال‏}‏ قال‏:‏ الأعراف موضع عال على الصراط، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه‏.‏ وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة‏.‏ واختار هذا القول النحاس، وقال‏:‏ وهو من أحسن ما قيل فيه؛ فهم على السور بين الجنة والنار‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هم قوم أنبياء‏.‏ وقيل‏:‏ هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم‏.‏ وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون‏.‏ وقيل‏:‏ هم أولاد الزنى؛ ذكره القشيري عن ابن عباس‏.‏ وقيل‏:‏ هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار؛ ذكره أبو مجلز‏.‏ فقيل له‏:‏ لا يقال للملائكة رجال‏؟‏ فقال‏:‏ إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم؛ كما أوقع على الجن في قوله‏{‏وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن‏}‏الجن‏:‏ 6‏]‏‏.‏ فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم؛ فيبشرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد فيطمعون فيها‏.‏ وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ واللازم من الآية أن على الأعراف رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين‏.‏ و‏}‏يعرفون كلا بسيماهم‏}‏ أي بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، وسوادها وقبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء‏.‏

قلت‏:‏ فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم‏.‏ ثم قيل‏:‏ الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع؛ لأنه بظهوره أعرف من المنخفض‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الأعراف شرف الصراط‏.‏ وقيل‏:‏ هو جبل أحد يوضع هناك‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وإنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة‏)‏‏.‏ وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن أحدا على ركن من أركان الجنة‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏ونادوا أصحاب الجنة‏}‏ أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة‏.‏ ‏}‏أن سلام عليكم‏}‏ أي قالوا لهم سلام عليكم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى سلمتم من العقوبة‏.‏ ‏}‏لم يدخلوها وهم يطمعون‏}‏ أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، أي لم يدخلوها بعد‏.‏ ‏}‏وهم يطمعون‏}‏ على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها‏.‏ وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم؛ ذكره النحاس‏.‏ وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، أن المراد أصحاب الأعراف‏.‏ وقال أبو مجلز‏:‏ هم أهل الجنة، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف‏.‏ والوقف على قوله‏{‏سلام عليكم‏}‏‏.‏ وعلى قوله‏{‏لم يدخلوها‏}‏‏.‏ ثم يبتدئ ‏}‏وهم يطمعون‏}‏ على معنى وهم يطمعون في دخولها‏.‏ ويجوز أن يكون ‏}‏وهم يطمعون‏}‏ حالا، ويكون المعنى‏:‏ لم يدخلها المؤمنون المارون على أصحاب الأعراف طامعين، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها؛ فلا يوقف على ‏}‏لم يدخلوها‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 47 ‏)‏

‏{‏وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار‏}‏ أي جهة اللقاء وهي جهة المقابلة‏.‏ ولم يأت مصدر على تفعال غير حرفين‏:‏ تلقاء وتبيان‏.‏ والباقي بالفتح؛ مثل تسيار وتهمام وتذكار‏.‏ وأما الاسم بالكسر فيه فكثير؛ مثل تقصار وتمثال‏.‏ ‏}‏قالوا‏}‏ أي قال أصحاب الأعراف‏.‏ ‏}‏ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين‏}‏ سألوا الله ألا يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم‏.‏ فهذا على سبيل التذلل؛ كما يقول أهل الجنة‏{‏ربنا أتمم لنا نورنا‏}‏التحريم‏:‏ 8‏]‏ ويقولون‏:‏ الحمد لله‏.‏ على سبيل الشكر لله عز وجل‏.‏ ولهم في ذلك لذة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 48 ‏:‏ 49 ‏)‏

‏{‏ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم‏}‏ أي من أهل النار‏.‏ ‏}‏قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون‏}‏ أي للدنيا واستكباركم عن الإيمان‏.‏ ‏}‏أهؤلاء الذين‏}‏ إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء؛ كبلال وسلمان وخباب وغيرهم‏.‏ ‏}‏أقسمتم‏}‏ في الدنيا‏.‏ ‏}‏لا ينالهم الله‏}‏ في الآخرة‏.‏ ‏}‏برحمة‏}‏ يوبخونهم بذلك‏.‏ وزيدوا غما وحسرة بأن قالوا لهم ‏}‏ادخلوا الجنة‏}‏‏.‏ وقرأ عكرمة ‏}‏دخلوا الجنة‏}‏ بغير ألف والدال مفتوحة‏.‏ وقرأ طلحة بن مصرف ‏}‏أدخِلوا الجنة‏}‏ بكسر الخاء على أنه فعل ماض‏.‏

ودلت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء؛ فإن قولهم ذلك إخبار عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار ‏}‏وما كنتم تستكبرون‏}‏ ويكون ‏}‏أهؤلاء الذين‏}‏ إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم في الدنيا‏.‏ وروي عن ابن عباس، والأول عن الحسن‏.‏ وقيل‏:‏ هو من كلام الملائكة الموكلين بأصحاب الأعراف؛ فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف‏{‏ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون‏}‏

 الآية ر قم ‏(‏ 50 ‏)‏

‏{‏ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ونادى‏}‏ قيل‏:‏ إذا صار أهل الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا‏:‏ يا ربنا إن لنا قرابات في الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم‏.‏ وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد وجوههم، فيقولون‏{‏أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله‏}‏ فبين أن ابن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب‏.‏ ‏}‏قالوا إن الله حرمهما على الكافرين‏}‏ يعني طعام الجنة وشرابها‏.‏

والإفاضة التوسعة؛ يقال‏:‏ أفاض عليه نعمه‏.‏

في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال‏.‏ وقد سئل ابن عباس‏:‏ أي الصدقة أفضل‏؟‏ فقال‏:‏ الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة ‏}‏أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله‏}‏‏؟‏‏.‏ وروى أبو داود أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أي الصدقة أعجب إليك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الماء‏)‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ فحفر بئرا فقال‏:‏ ‏(‏هذه لأم سعد‏)‏‏.‏ وعن أنس قال قال سعد‏:‏ يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم وعليك بالماء‏)‏‏.‏ وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء‏.‏ فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى‏.‏ وقد قال بعض التابعين‏:‏ من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء‏.‏ وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه‏.‏ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا كلب يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏في كل ذات كبد رطبة أجر‏}‏‏.‏ وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض‏)‏‏.‏ وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها‏)‏‏.‏ خرجه ابن ماجة في السنن‏.‏

وقد استدل بهذه الآية من قال‏:‏ إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة‏{‏إن الله حرمهما على الكافرين‏}‏ لا حق لكم فيها‏.‏ وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا المعنى‏:‏ ‏(1)وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض‏)‏‏.‏ قال المهلب‏:‏ لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه؛ لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لأذودن رجالا عن حوضي‏)‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 51 ‏)‏

‏{‏الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذين‏}‏ في موضع خفض نعت للكافرين‏.‏ وقد يكون رفعا ونصبا بإضمار‏.‏ قيل‏:‏ هو من قول أهل الجنة‏.‏ ‏}‏فاليوم ننساهم‏}‏ أي نتركهم في النار‏.‏ ‏}‏كما نسوا لقاء يومهم هذا‏}‏ أي تركوا العمل به وكذبوا به‏.‏ و‏}‏ما‏}‏ مصدرية، أي كنسيهم‏.‏ ‏}‏وما كانوا بآياتنا يجحدون‏}‏ عطف عليه، أي وجحدهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 52 ‏)‏

‏{‏ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولقد جئناهم بكتاب‏}‏ يعني القرآن‏.‏ ‏}‏فصلناه‏}‏ أي بيناه حتى يعرفه من تدبره‏.‏ وقيل‏{‏فصلناه‏}‏ أنزلناه متفرقا‏.‏ ‏}‏على علم‏}‏ منا به، لم يقع فيه سهو ولا غلط‏.‏ ‏}‏هدى ورحمة‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي هاديا وذا رحمة، فجعله حالا من الهاء التي في ‏}‏فصلناه‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ويجوز هدى ورحمة، بمعنى هو هدى ورحمة‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز هدى ورحمة بالخفض على البدل من كتاب‏.‏ وقال الكسائي والفراء‏:‏ ويجوز هدى ورحمة بالخفض على النعت لكتاب‏.‏ قال الفراء‏:‏ مثل ‏}‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك‏}‏الأنعام‏:‏ 155‏]‏‏.‏ ‏}‏لقوم يؤمنون‏}‏ خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 53 ‏)‏

‏{‏هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون‏}‏

قوله تعالى‏{‏هل ينظرون إلا تأويله‏}‏ بالهمز، من آل‏.‏ وأهل المدينة يخففون الهمزة‏.‏ والنظر‏:‏ الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب‏.‏ وقيل‏{‏ينظرون‏}‏ من النظر إلى يوم القيامة‏.‏ فالكناية في ‏}‏تأويله‏}‏ ترجع إلى الكتاب‏.‏ وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب‏.‏ وقال مجاهد‏{‏تأويله‏}‏ جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب‏.‏ قال قتادة‏{‏تأويله‏}‏ عاقبته‏.‏ والمعنى متقارب‏.‏ ‏}‏يوم يأتي تأويله‏}‏ أي تبدو عواقبه يوم القيامة‏.‏ و‏}‏يوم‏}‏ منصوب بـ ‏}‏يقول‏}‏، أي يقول الذين نسوه من قبل يوم يأتي تأويله‏.‏ ‏}‏قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء‏}‏ استفهام فيه معنى التمني‏.‏ ‏}‏فيشفعوا‏}‏ نصب لأنه جواب الاستفهام‏.‏ ‏}‏لنا أو نرد‏}‏ قال الفراء‏:‏ المعنى أو هل نرد ‏}‏فنعمل غير الذي كنا نعمل‏}‏ قال الزجاج‏:‏ نرد عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد أو نرد‏.‏ وقرأ ابن إسحاق ‏}‏أو نرد فنعمل‏}‏ بالنصب فيهما‏.‏ والمعنى إلا أن نرد؛ كما قال‏:‏

فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

وقرأ الحسن ‏}‏أو نرد فنعمل‏}‏ برفعهما جميعا‏.‏ ‏}‏قد خسروا أنفسهم‏}‏ أي فلم ينتفعوا بها، وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها‏.‏ وقيل‏:‏ خسروا النعم وحظ أنفسهم منها‏.‏ ‏}‏وضل عنهم ما كانوا يفترون‏}‏ أي بطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 54 ‏)‏

‏{‏إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏}‏ بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد‏.‏ وأصل ‏}‏ستة‏}‏ سدسة، فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما‏.‏ وإن شئت قلت‏:‏ أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال؛ لأنك تقول في تصغيرها‏:‏ سديسة، وفي الجمع أسداس، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها‏.‏ ويقولون‏:‏ جاء فلان سادسا وسادتا وساتا؛ فمن قال‏:‏ سادتا أيدل من السين تاء‏.‏ واليوم‏:‏ من طلوع الشمس إلى غروبها‏.‏ فإن لم يكن شمس فلا يوم؛ قال القشيري‏.‏ وقال‏:‏ ومعنى ‏(‏في ستة أيام‏)‏ أي من أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة؛ لتفخيم خلق السماوات والأرض‏.‏ وقيل‏:‏ من أيام الدنيا‏.‏ قال مجاهد وغيره‏:‏ أولها الأحد وآخرها الجمعة‏.‏ وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون‏.‏ ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء‏.‏ وهذا عند من يقول‏:‏ خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض‏.‏ وحكمة أخرى - خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلا‏.‏ وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلا‏.‏ وهذا كقول‏{‏ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب‏.‏ فاصبر على ما يقولون‏}‏ق‏:‏ 38، 39‏]‏‏.‏ بعد أن قال‏{‏وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا‏}‏ق‏:‏ 36‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏ثم استوى على العرش‏}‏ هذه مسألة الاستواء؛ وللعلماء فيها كلام وإجراء‏.‏ وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب(2)‏ وذكرنا فيههناك أربعة عشر قولا‏.‏ والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث‏.‏ هذا قول المتكلمين‏.‏ وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله‏.‏ ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة‏.‏ وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته‏.‏ قال مالك رحمه الله‏:‏ الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة‏.‏ وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها‏.‏ وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء‏.‏ والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار‏.‏ قال الجوهري‏:‏ واستوى من اعوجاج، واستوى على ظهر دابته؛ أي استقر‏.‏ واستوى إلى السماء أي قصد‏.‏ واستوى أي استولى وظهر‏.‏ قال‏:‏

قد استوى بِشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

واستوى الرجل أي انتهى شبابه‏.‏ واستوى الشيء إذا اعتدل‏.‏ وحكى أبو عمر بن عبدالبر عن أبي عبيدة في قوله تعالى‏{‏الرحمن على العرش استوى‏}‏طه‏:‏ 5‏]‏ قال‏:‏ علا‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى

أي علا وارتفع‏.‏

قلت‏:‏ فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته‏.‏ أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه؛ لكنه العلي بالإطلاق سبحانه‏.‏

قوله تعالى‏{‏على العرش‏}‏ لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد‏.‏ قال الجوهري وغيره‏:‏ العرش سرير الملك‏.‏ وفي التنزيل ‏}‏نكروا لها عرشها‏}‏النمل‏:‏ 41‏]‏، ‏}‏ورفع أبويه على العرش‏}‏يوسف‏:‏ 100‏]‏‏.‏ والعرش‏:‏ سقف البيت‏.‏ وعرش القدم‏:‏ ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع‏.‏ وعرش السماك‏:‏ أربعة كواكب صغار أسفل من العواء، يقال‏:‏ إنها عجز الأسد‏.‏ وعرش البئر‏:‏ طيها بالخشب، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة؛ فذلك الخشب هو العرش، والجمع عروش‏.‏ والعرش اسم لمكة‏.‏ والعرش الملك والسلطان‏.‏ يقال‏:‏ ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه‏.‏ قال زهير‏:‏

تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعل

وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز‏.‏ وهو قول حسن وفيه نظر، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا‏.‏ والحمد لله‏.‏

قوله تعالى‏{‏يغشي الليل النهار‏}‏ أي يجعله كالغشاء، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل‏.‏ فالليل للسكون، والنهار للمعاش‏.‏ وقرئ ‏}‏يغشى‏}‏ بالتشديد؛ ومثله في ‏}‏الرعد‏}‏‏.‏ وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي‏.‏ وخفف الباقون‏.‏ وهما لغتان أغشى وغشى‏.‏ وقد أجمعوا على ‏}‏فغشاها ما غشى‏}‏النجم‏:‏ 54‏]‏ مشددا‏.‏ وأجمعوا على ‏}‏فأغشيناهم‏}‏يس‏:‏ 9‏]‏ فالقراءتان متساويتان‏.‏ وفي التشديد معنى التكرير والتكثير‏.‏ والتغشية والإغشاء‏:‏ إلباس الشيء الشيء‏.‏ ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، مثل ‏}‏سرابيل تقيكم الحر‏}‏النحل‏:‏ 81‏]‏‏.‏ ‏}‏بيدك الخير‏}‏آل عمران‏:‏ 26‏]‏‏.‏ وقرأ حميد بن قيس ‏}‏يغشي الليل النهار‏}‏ ومعناه أن النهار يغشي الليل‏.‏

قوله تعالى‏{‏يطلبه حثيثا‏}‏ أي يطلبه دائما من غير فتور‏.‏ و‏}‏يغشي الليل النهار‏}‏ في موضع نصب على الحال‏.‏ والتقدير‏:‏ استوى على العرش مغشيا الليل النهار‏.‏ وكذا ‏}‏يطلبه حثيثا‏}‏ حال من الليل؛ أي يغشي الليل النهار طالبا له‏.‏ ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال‏.‏ ‏}‏حثيثا‏}‏ بدل من طالب المقدر أو نعت له، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي يطلبه طلبا سريعا‏.‏ والحث‏:‏ الإعجال والسرعة‏.‏ وولى حثيثا أي مسرعا‏.‏ ‏}‏والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره‏}‏ قال الأخفش‏:‏ هي معطوفة على السماوات؛ أي وخلق الشمس‏.‏ وروي عن عبدالله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر‏.‏

قوله تعالى‏{‏ألا له الخلق والأمر‏}‏ صدق الله في خبره، فله الخلق وله الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب‏.‏ وهذا الأمر يقتضي النهي‏.‏ قال ابن عيينة‏:‏ فرق بين الخلق والأمر؛ فمن جمع بينهما فقد كفر‏.‏ فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله‏{‏كن‏}‏‏.‏ ‏}‏إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏}‏يس‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال‏:‏ ألا له الخلق والخلق‏.‏ وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث‏.‏ والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه‏.‏ ويدل عليه قوله سبحانه‏.‏ ‏}‏ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره‏}‏الروم‏:‏ 25‏]‏‏.‏ ‏}‏والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره‏}‏الأعراف‏:‏ 54‏]‏‏.‏ فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره؛ فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له‏.‏ وذلك محال‏.‏ فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق؛ ليصح قيام المخلوقات به‏.‏ ويدل عليه أيضا قوله تعالى‏{‏وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق‏}‏الحجر‏:‏ 85‏]‏‏.‏ وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق، يعني القول وهو قوله للمكونات‏{‏كن‏}‏‏.‏ فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات؛ لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق‏.‏ يدل عليه ‏}‏ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين‏}‏الصافات‏:‏ 171‏]‏‏.‏ ‏}‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏}‏الأنبياء‏:‏ 101‏]‏‏.‏ ‏}‏ولكن حق القول مني‏}‏السجدة‏:‏ 13‏]‏‏.‏ وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم، وذلك يوجب الأزل في الوجود‏.‏ وهذه النكتة كافية في الرد عليهم‏.‏ ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم، مثل قوله تعالى‏{‏ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث‏}‏الأنبياء‏:‏ 2‏]‏ الآية‏.‏ ومثل قوله تعالى‏{‏وكان أمر الله قدرا مقدورا‏}‏الأحزاب‏:‏ 38‏]‏‏.‏ و‏}‏مفعولا‏}‏المزمل‏:‏ 18‏]‏ وما كان مثله‏.‏ قال القاضي أبو بكر‏:‏ معنى ‏}‏ما يأتيهم من ذكر‏}‏ أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف ‏}‏إلا استمعوه وهم يلعبون‏}‏؛ لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر‏.‏ قال الله تعالى‏{‏فذكر إنما أنت مذكر‏}‏الغاشية‏:‏ 21‏]‏‏.‏ ويقال‏:‏ فلان في مجلس الذكر‏.‏ ومعنى ‏}‏وكان أمر الله قدرا مقدورا‏}‏ و‏}‏مفعولا‏}‏ أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله‏.‏ ومن ذلك قوله تعالى‏{‏حتى إذا جاء أمرنا‏}‏هود‏:‏ 40‏]‏ وقال عز وجل‏{‏وما أمر فرعون برشيد‏}‏هود‏:‏ 97‏]‏ يعني به شأنه وأفعال وطرائقه‏.‏ قال الشاعر‏:‏

لها أمرها حتى إذا ما تبوأت بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا

وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء‏.‏ والمعتزلة تقول‏:‏ الأمر نفس الإرادة‏.‏ وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد‏.‏ ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة، ولم يرد منه إلا خمس صلوات‏.‏ وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول‏{‏ويتخذ منكم شهداء‏}‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏‏.‏ وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به‏.‏ وهذا صحيح نفيس في بابه، فتأمله‏.‏

قوله تعالى‏{‏تبارك الله رب العالمين‏}‏ ‏}‏تبارك‏}‏ تفاعل، من البركة وهي الكثرة والاتساع‏.‏ يقال‏:‏ بورك الشيء وبورك فيه؛ قال ابن عرفة‏.‏ وقال الأزهري‏{‏تبارك‏}‏ تعالى وتعاظم وارتفع‏.‏ وقيل‏:‏ إن باسمه يتبرك ويتيمن‏.‏ وقد مضى في الفاتحة معنى ‏}‏رب العالمين‏}‏الفاتحة، 1‏]‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 55 ‏)‏

‏{‏ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ادعوا ربكم‏}‏ هذا أمر بالدعاء وتعبد به‏.‏ ثم قرن جل وعز بالأمر صفات تحسن معه، وهي الخشوع والاستكانة والتضرع‏.‏ ومعنى ‏}‏خفية‏}‏ أي سرا في النفس ليبعد عن الرياء؛ وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ قال مخبرا عنه‏{‏إذ نادى ربه نداء خفيا‏}‏مريم‏:‏ 3‏]‏‏.‏ ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي‏)‏‏.‏ والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر‏.‏ قال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ لقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا‏.‏ ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم‏.‏ وذلك أن الله تعالى يقول‏{‏ادعوا ربكم تضرعا وخفية‏}‏‏.‏ وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال‏{‏إذ نادى ربه نداء خفيا‏}‏مريم‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء ‏}‏آمين‏}‏ أولى من الجهر بها؛ لأنه دعاء‏.‏ وقد مضى القول فيه في ‏}‏الفاتحة‏}‏‏.‏ وروى مسلم عن أبي موسى قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر - وفي رواية في غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير - وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثنية قال‏:‏ لا إله إلا الله - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم‏)‏‏.‏ الحديث‏.‏

واختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء؛ فكرهه طائفة منهم جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير‏.‏ ورأى شريح رجلا رافعا يديه فقال‏:‏ من تتناول بهما، لا أم لك‏!‏ وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم‏:‏ قطعها الله‏.‏ واختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بأصبعه السبابة‏.‏ ويقولون‏:‏ ذلك الإخلاص‏.‏ وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه‏.‏ وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم‏.‏ وروى جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره البخاري‏.‏ قال أبو موسى الأشعري‏:‏ دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه‏.‏ ومثله عن أنس‏.‏ وقال ابن عمر‏:‏ رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال‏:‏ ‏(‏اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد‏)‏‏.‏ وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال‏:‏ لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وسبعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادا يديه، فجعل يهتف بربه؛ وذكر الحديث‏.‏ وروى الترمذي عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث صحيح غريب‏.‏ وروى ابن ماجة عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردهما صفرا أو قال خائبتين‏)‏‏.‏ احتج الأولون بما رواه مسلم عن عمارة بن رويبة ورأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال‏:‏ قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا؛ وأشار بأصبعه المسبحة‏.‏ وبما روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه‏.‏ والأول أصح طرقا وأثبت من حديث سعيد بن أبي عروبة؛ فإن سعيدا كان قد تغير عقله في آخر عمره‏.‏ وقد خالفه شعبة في روايته عن قتادة عن أنس بن مالك فقال فيه‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن الرفع عند ذلك جميل حسن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويوم بدر‏.‏

قلت‏:‏ والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع‏.‏ فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا؛ فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في الأحاديث‏.‏ وقد قال تعالى‏{‏ادعوا ربكم تضرعا وخفية‏}‏الأعراف‏:‏ 55‏]‏‏.‏ ولم يرد صفة من رفع دين وغيرها‏.‏ وقال‏{‏الذين يذكرون الله قياما وقعودا‏}‏آل عمران‏:‏ 191‏]‏ فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر‏.‏ وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة‏.‏

قوله تعالى‏{‏إنه لا يحب المعتدين‏}‏ يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما إلى هذا هي الإشارة‏.‏ والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب الحظر‏.‏ وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏سيكون قوم يعتدون في الدعاء‏)‏‏.‏ أخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبدالله بن مغفل سمع ابنه يقول‏:‏ اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها‏.‏ فقال‏:‏ أي بني، سل الله الجنة وعذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏سيكون قوم يعتدون في الدعاء‏)‏‏.‏ والاعتداء في الدعاء على وجوه‏:‏ منها الجهر الكثير والصياح؛ كما تقدم‏.‏ ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال؛ ونحو هذا من الشطط‏.‏ ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك‏.‏ ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة؛ فيتخير ألفاظا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام‏.‏ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء، كما تقدم بيانه في ‏}‏البقرة‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 56 ‏)‏

‏{‏ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها‏}‏ أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر‏.‏ فهو على العموم على الصحيح من الأقوال‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ معناه لا تعوروا الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا‏.‏ وقد ورد‏:‏ قطع الدنانير من الفساد في الأرض‏.‏ وقد قيل‏:‏ تجارة الحكام من الفساد في الأرض‏.‏ وقال القشيري‏:‏ المراد ولا تشركوا؛ فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل، وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر‏.‏

قلت‏:‏ وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على المؤمن، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عور ماء قليب بدر وقطع شجر الكافرين‏.‏ وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في ‏}‏هود‏}‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏{‏وادعوه خوفا وطمعا‏}‏ أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله تعالى‏{‏نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم‏.‏ وأن عذابي هو العذاب الأليم‏}‏الحجر‏:‏ 49،50‏]‏‏.‏ فرجى وخوف‏.‏ فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه؛ قال الله تعالى‏{‏ويدعوننا رغبا ورهبا‏}‏الأنبياء‏:‏ 90‏]‏‏.‏ وسيأتي القول فيه‏.‏ والخوف‏:‏ الانزعاج لما لا يؤمن من المضار‏.‏ والطمع‏:‏ توقع المحبوب؛ قال القشيري‏.‏ وقال بعض أهل العلم‏:‏ ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله‏)‏‏.‏ صحيح أخرجه مسلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن رحمة الله قريب من المحسنين‏}‏ ولم يقل قريبة‏.‏ ففيه سبعة أوجه‏:‏ أولها أن الرحمة والرحم واحد، وهي بمعنى العفو والغفران؛ قاله الزجاج واختاره النحاس‏.‏ وقال النضر بن شميل‏:‏ الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير؛ كقوله‏{‏فمن جاءه موعظة‏}‏البقرة‏:‏ 275‏]‏‏.‏ وهذا قريب من قول الزجاج؛ لأن الموعظة بمعنى الوعظ‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالرحمة الإحسان؛ ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره؛ ذكره الجوهري‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالرحمة هنا المطر؛ قاله الأخفش‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن يذكر كما يذكر بعض المؤنث‏.‏ وأنشد‏:‏

فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها

وقال أبو عبيدة‏:‏ ذكر ‏}‏قريب‏}‏ على تذكير المكان، أي مكانا قريبا‏.‏ قال علي بن سليمان‏:‏ وهذا خطأ، ولو كان كما قال لكان ‏}‏قريب‏}‏ منصوبا في القرآن؛ كما تقول‏:‏ إن زيدا قريبا منك‏.‏ وقيل‏:‏ ذكر على النسب؛ كأنه قال‏:‏ إن رحمة الله ذات قرب؛ كما تقول‏:‏ امرأة طالق وحائض‏.‏ وقال الفراء‏:‏ إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر مؤنث، إن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم‏.‏ تقول‏:‏ هذه المرأة قريبتي، أي ذات قرابتي؛ ذكره الجوهري‏.‏ وذكره غيره عن الفراء‏:‏ يقال في النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث؛ يقال‏:‏ دارك منا قريب، وفلانة منا قريب؛ قال الله تعالى‏{‏وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا‏}‏الأحزاب‏:‏ 63‏]‏‏.‏ وقال من احتج له‏:‏ كذا كلام العرب؛ كما قال امرؤ القيس‏:‏

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا

قال الزجاج‏:‏ وهذا خطأ؛ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 57 ‏)‏

‏{‏وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏}‏ عطف على قوله‏{‏يغشي الليل النهار‏}‏الرعد‏:‏ 3‏]‏‏.‏ ذكر شيئا آخر من نعمه، ودل على وحدانيته وثبوت إلاهيته‏.‏ ورياح جمع كثرة وأرواح جمع قلة‏.‏ وأصل ريح روح‏.‏ وقد خطئ من قال في جمع القلة أرياح‏.‏ ‏}‏بشرا‏}‏ فيه سبع قراءات‏:‏ قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو ‏}‏نشرا‏}‏ بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب، أي ذات نشر؛ فهو مثل شاهد وشهد‏.‏ ويجوز أن يكون جمع نشور كرسول ورسل‏.‏ يقال‏:‏ ريح النشور إذا أتت من ههنا وهاهنا‏.‏ والنشور بمعنى المنشور؛ كالركوب بمعنى المركوب‏.‏ أي وهو الذي يرسل الرياح منشرة‏.‏ وقرأ الحسن وقتادة ‏}‏نشرا‏}‏ بضم النون وإسكان الشين مخففا من نشر؛ كما يقال‏:‏ كتب ورسل‏.‏ وقرأ الأعمش وحمزة ‏}‏نشرا‏}‏ بفتح النون وإسكان الشين على المصدر، أعمل فيه معنى ما قبله؛ كأنه قال‏:‏ وهو الذي ينشر الرياح نشرا‏.‏ نشرت الشيء فانتشر، فكأنها كانت مطوية فنشرت عند الهبوب‏.‏ ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من الرياح؛ كأنه قال يرسل الرياح منشرة، أي محيية؛ من أنشر الله الميت فنشر، كما تقول أتانا ركضا، أي راكضا‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن نشرا ‏(‏بالفتح‏)‏ من النشر الذي هو خلاف الطي على ما ذكرنا‏.‏ كأن الريح في سكونها كالمطوية ثم ترسل من طيها ذلك فتصير كالمنفتحة‏.‏ وقد فسره أبو عبيد بمعنى متفرقة في وجوهها، على معنى ينشرها ههنا وهاهنا‏.‏ وقرأ عاصم‏{‏بشرا‏}‏ بالباء وإسكان الشين والتنوين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر‏.‏ وشاهده قوله‏{‏ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات‏}‏‏.‏ وأصل الشين الضم، لكن سكنت تخفيفا كرسل ورسل‏.‏ وروي عنه ‏}‏بشرا‏}‏ بفتح الباء‏.‏ قال النحاس‏:‏ ويقرأ ‏}‏بشرا‏}‏ و‏}‏بشر مصدر بشره يبشره بمعنى بشره‏}‏ فهذه خمس قراءات‏.‏ وقرأ محمد اليماني ‏}‏بشرى‏}‏ على وزن حبلى‏.‏ وقراءة سابعة ‏}‏بشرى‏}‏ بضم الباء والشين‏.‏

قوله تعالى‏{‏حتى إذا أقلت سحابا ثقالا‏}‏ السحاب يذكر ويؤنث‏.‏ وكذا كل جمع بينه وبين واحدته هاء‏.‏ ويجوز نعته بواحد فتقول‏:‏ سحاب ثقيل وثقيلة‏.‏ والمعنى‏:‏ حملت الريح سحابا ثقالا بالماء، أي أثقلت بحمله‏.‏ يقال‏:‏ أقل فلان الشيء أي حمله‏.‏ ‏}‏سقناه‏}‏ أي السحاب‏.‏ ‏}‏لبلد ميت‏}‏ أي ليس فيه نبات‏.‏ يقال‏:‏ سقته لبلد كذا وإلى بلد كذا‏.‏ وقيل‏:‏ لأجل بلد ميت؛ فاللام لام أجل‏.‏ والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون‏.‏ والبلدة والبلد واحد البلاد والبلدان‏.‏ والبلد الأثر وجمعه أبلاد‏.‏ قال الشاعر‏:‏

من بعد ما شمل البلى أبلادها

والبلد‏:‏ أدحي النعام‏.‏ يقال‏:‏ هو أذل من بيضة البلد، أي من بيضة النعام التي يتركها‏.‏ والبلدة الأرض؛ يقال‏:‏ هذه بلدتنا كما يقال بحرتنا‏.‏ والبلدة من منازل القمر، وهي ستة أنجم من القوس تنزلها الشمس في أقصر يوم في السنة‏.‏ والبلدة الصدر؛ يقال‏:‏ فلان واسع البلدة أي واسع قال الشاعر‏:‏

أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها

يقول‏:‏ بركت الناقة فألقت صدرها على الأرض‏.‏ والبلدة ‏(‏بفتح الباء وضمها‏)‏‏:‏ نقاوة ما بين الحاجبين؛ فهما من الألفاظ المشتركة‏.‏ ‏}‏فأنزلنا به الماء‏}‏ أي بالبلد‏.‏ وقيل‏:‏ أنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى فأنزلنا منه الماء؛ كقول‏{‏يشرب بها عباد الله‏}‏الإنسان‏:‏ 6‏]‏ أي منها‏.‏ ‏}‏فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون‏}‏ الكاف في موضع نصب‏.‏ أي مثل ذلك الإخراج نحيي الموتى‏.‏ وخرج البيهقي وغيره عن أبي رزين العقيلي قال‏:‏ قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق، وما آية ذلك في خلقه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أما مررت بوادي قومك جدبا ثم مررت به يهتز خضرا‏)‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏فتلك آية الله في خلقه‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ وجه التشبيه أن إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على قبورهم، فتنشق عنهم القبور، ثم تعود إليهم الأرواح‏.‏ وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم يقال يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون‏)‏‏.‏ وذكر الحديث‏.‏ وقد ذكرناه بكماله في كتاب (3)‏ والحمد لله‏.‏ فدل على البعث والنشور؛ وإلى الله ترجع الأمور‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 58 ‏)‏

‏{‏والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون‏}‏

قوله تعالى‏{‏والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا‏}‏ أي التربة الطيبة‏.‏ والخبيث الذي في تربته حجارة أو شوك؛ عن الحسن‏.‏ وقيل‏:‏ معناه التشبيه، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالذي خبث؛ عن النحاس‏.‏ وقيل‏:‏ هذا مثل للقلوب؛ فقلب يقبل الوعظ والذكرى، وقلب فاسق ينبو عن ذلك؛ قال الحسن أيضا‏.‏ وقال قتادة‏:‏ مثل للمؤمن يعمل محتسبا متطوعا، والمنافق غير محتسب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء‏)‏‏.‏ ‏}‏نكدا‏}‏ نصب على الحال، وهو العسر الممتنع من إعطاء الخير‏.‏ وهذا تمثيل‏.‏ قال مجاهد‏:‏ يعني أن في بني آدم الطيب والخبيث‏.‏ وقرأ طلحة ‏}‏إلا نكدا‏}‏ حذف الكسرة لثقلها‏.‏ وقرأ ابن القعقاع ‏}‏نكدا‏}‏ بفتح الكاف، فهو مصدر بمعنى ذا نكد‏.‏ كما قال‏:‏

فإنما هي إقبال وإدبار

وقيل‏{‏نكدا‏}‏ بنصب الكاف وخفضها بمعنى؛ كالدنف والدنف، لغتان‏.‏ ‏}‏كذلك نصرف الآيات‏}‏ أي كما صرفنا من الآيات، وهي الحجج والدلالات، في إبطال الشرك؛ كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس‏.‏ ‏}‏لقوم يشكرون‏}‏ وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 59 ‏)‏

‏{‏لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله‏}‏ لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار‏.‏ واللام في ‏}‏لقد‏}‏ للتأكيد المنبه على القسم‏.‏ والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول‏.‏ ‏}‏يا قوم‏}‏ نداء مضاف‏.‏ ويجوز ‏}‏يا قومي‏}‏ على الأصل‏.‏ ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات‏.‏ قال النحاس‏:‏ وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف‏.‏ وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح؛ وقد تقدم‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم‏.‏ والدليل على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس فقال له آدم‏:‏ ‏(‏مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح‏)‏‏.‏ وقال له إدريس‏:‏ ‏(‏مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح‏)‏‏.‏ فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح‏.‏ فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك على أنه يجتمع معه في نوح، صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏ ولا كلام لمنصف بعد هذا‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ وجاء جواب الآباء ههنا كنوح وإبراهيم وآدم ‏(‏مرحبا بالابن الصالح‏)‏‏.‏ وقال عن إدريس ‏(‏بالأخ الصالح‏)‏ كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال المازري‏:‏ قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام‏.‏ فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح؛ لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحا أول رسول بعث، لان لم يقم دليل جاز ما قالوا‏:‏ وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ قد يجمع بين هذا بأن يقال‏:‏ اختص بعث نوح لأهل الأرض - كما قال في الحديث - كافة كنبينا عليه السلام‏.‏ ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم‏.‏ وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى‏{‏وإن إلياس لمن المرسلين‏.‏ إذ قال لقومه ألا تتقون‏}‏الصافات‏:‏ 123، 124‏]‏‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن إلياس هو إدريس‏.‏ وقد قرئ ‏}‏سلام على إدراسين‏}‏‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول؛ ليسلم من هذا الاعتراض‏.‏ وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ومجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان؛ فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة‏.‏ والله أعلم‏.‏

وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة‏.‏ قال الكلبي‏:‏ بعد آدم بثمانمائة سنة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما؛ كما أخبر التنزيل‏.‏ ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة‏.‏ حتى كثر الناس وفشوا‏.‏ وقال وهب‏:‏ بعث نوح وهو ابن خمسين سنة‏.‏ وقال عون بن شداد‏:‏ بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة‏.‏ وفي كثير من كتب الحديث‏:‏ الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام‏.‏ وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري‏:‏ أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح‏.‏ والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة، وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح‏.‏ والترك وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن نوح‏.‏ والخلق كلهم ذرية نوح‏.‏

قوله تعالى‏{‏ما لكم من إله غيره‏}‏ برفع ‏}‏غيره‏}‏ قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة‏.‏ أي ما لكم إله غيره‏.‏ نعت على الموضع‏.‏ وقيل‏{‏غير‏}‏ بمعنى إلا؛ أي ما لكم من إله إلا الله‏.‏ قال أبو عمرو‏:‏ ما أعرف الجر ولا النصب‏.‏ وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع‏.‏ ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير؛ غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب ‏}‏غير‏}‏ في كل موضع يحسن فيه ‏}‏إلا‏}‏ تم الكلام أو لم يتم‏.‏ فأجازا‏:‏ ما جاءني غيرك‏.‏ قال الفراء‏:‏ هي لغة بعض بني أسد وقضاعة‏.‏ وأنشد‏:‏

لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت حمامة في سحوق ذات أو قال

قال الكسائي‏:‏ ولا يجوز جاءني غيرك، في الإيجاب؛ لأن إلا لا تقع ههنا‏.‏ قال النحاس‏:‏ لا يجوز عند البصريين نصب ‏}‏غير‏}‏ إذا لم يتم الكلام‏.‏ وذلك عندهم من أقبح اللحن‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 60 ‏:‏ 61 ‏:‏ 62 ‏)‏

‏{‏قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون‏}‏

الملأ‏:‏ أشراف القوم ورؤساهم‏.‏ وقد تقدم بيانه في ‏}‏البقرة‏}‏‏.‏ والضلال والضلالة‏:‏ العدول عن طريق الحق، والذهاب عنه‏.‏ أي إنا لنراك في دعائنا إلى إله واحد في ضلال عن الحق‏.‏ ‏}‏أبلغكم‏}‏ بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ‏.‏ وقيل‏:‏ هما بمعنى واحد لغتان؛ مثل كرمه وأكرمه‏.‏ ‏}‏وأنصح لكم‏}‏ النصح‏:‏ إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغش‏.‏ يقال‏:‏ نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة ونصحا‏.‏ وهو باللام أفصح‏.‏ قال الله تعالى‏{‏وأنصح لكم‏}‏ والاسم النصيحة‏.‏ والنصيح الناصح، وقوم نصحاء‏.‏ ورجل ناصح الجيب أي نقي القلب‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ الناصح الخالص من العسل وغيره‏.‏ مثل الناصع‏.‏ وكل شيء خلص فقد نصح‏.‏ وانتصح فلان أقبل على النصيحة‏.‏ يقال‏:‏ انتصحني إنني لك ناصح‏.‏ والناصح الخياط‏.‏ والنصاح السلك يخاط به‏.‏ والنصاحات أيضا الجلود‏.‏ قال الأعشى‏:‏

فترى الشرب نشاوى كلهم مثل ما مدت نصاحات الربح

الربح لغة في الربع، وهو الفصيل‏.‏ والربح أيضا طائر‏.‏ وسيأتي لهذا زيادة معنى في ‏}‏براءة‏}‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 63 ‏:‏ 64 ‏)‏

‏{‏أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون، فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏أوعجبتم‏}‏ فتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام للتقرير‏.‏ وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا الألف لقوتها‏.‏ ‏}‏أن جاءكم ذكر‏}‏ أي وعظ من ربكم‏.‏ ‏}‏على رجل منكم‏}‏ أي على لسان رجل‏.‏ وقيل‏{‏على‏}‏ بمعنى ‏}‏مع‏}‏، أي مع رجل وقيل‏:‏ المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم منزل على رجل منكم، أي تعرفون نسبه‏.‏ أي على رجل من جنسكم‏.‏ ولو كان ملكا فربما كان في اختلاف الجنس تنافر الطبع‏.‏ و‏}‏الفلك‏}‏ يكون واحدا ويكون جمعا‏.‏ وقد تقدم في ‏}‏البقرة‏}‏‏.‏ و‏}‏عمين‏}‏ أي عن الحق؛ قال قتادة‏.‏ وقيل‏:‏ عن معرفة الله تعالى وقدرته، يقال‏:‏ رجل عم بكذا، أي جاهل‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 65 ‏:‏ 68 ‏)‏

‏{‏وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ‏.‏ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ‏.‏ قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ‏.‏ أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإلى عاد أخاهم هودا‏}‏ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا‏.‏ قال ابن عباس أي ابن أبيهم‏.‏ وقيل‏:‏ أخاهم في القبيلة‏.‏ وقيل‏:‏ أي بشرا من بني أبيهم آدم‏.‏ وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم‏.‏ وعاد من ولد سام بن نوح‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وعاد هو ابن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام‏.‏ وهود هو هود بن عبدالله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح‏.‏ بعثه الله إلى عاد نبيا‏.‏ وكان من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا‏.‏ و‏}‏عاد‏}‏ من لم يصرفه جعله اسما للقبيلة، ومن صرفه جعله اسما للحي‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ وفي حرف أبي وابن مسعود ‏}‏عادًا الأولى‏}‏النجم‏:‏ 50‏]‏ بغير ألف‏.‏ و‏}‏هود‏}‏ أعجمي، وانصرف لخفته؛ لأنه على ثلاثة أحرف‏.‏ وقد يجوز أن يكون عربيا مشتقا من هاد يهود‏.‏ والنصب على البدل‏.‏ وكان بين هود ونوح فيما ذكر المفسرون سبعة آباء‏.‏ وكانت عاد فيما روي ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمال، رمل عالج‏.‏ وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط الله عليهم فجعلها مفاوز‏.‏ وكانت فيما روي بنواحي حضرموت إلى اليمن، وكانوا يعبدون الأصنام‏.‏ ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا‏.‏ ‏}‏إنا لنراك في سفاهة‏}‏ أي في حمق وخفة عقل‏.‏ قال‏:‏

مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم

وقد تقدم هذا المعنى في ‏}‏البقرة‏}‏‏.‏ والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل‏:‏ هي من رؤية البصر‏.‏ وقيل‏:‏ ويجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن‏.‏