فصل: باب التحذير من إيذاء الصالحين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين **


 48-باب التحذير من إيذاء الصالحين

والضعفة والمساكين‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً‏}‏ ‏(‏‏(‏الأحزاب‏:‏58‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر‏}‏ ‏(‏‏(‏الضحى‏:‏9،10‏)‏‏)‏‏.‏

وأما الأحاديث، فكثير منها‏:‏

حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الباب قبل هذا ‏:‏ ‏"‏من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب‏"‏‏.

ومنها حديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه السابق في “باب ملاطفة اليتيم” وقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك ‏"‏‏.‏

389- وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ من صلى صلاة الصبح، فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشئ، فإنه من يطلبه من ذمته بشئ، يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

 49- باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم‏}‏ ‏(‏‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏‏)‏‏.‏

390- وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

391- وعن أبي عبد الله طارق بن أشيم ، رضي الله عنه ، قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ من قال لا إله إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

392- وعن أبي المقداد بن الأسود، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدى بالسيف، فقطعها، ثم لاذ منى بشجرة، فقال أسلمت لله، أأقتله يارسول الله بعد أن قالها‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (1)

393- وعن أسامة بن زيد، رضي الله عنهما، قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الحرقة من جهينة ، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال‏:‏ لا إله إلا الله ، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال لى‏:‏ ‏"‏ يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله‏؟‏‏!‏ قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا فقال ” أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله‏؟‏‏!‏‏"‏ فما زال يكررها على حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

وفي رواية‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أقال ‏:‏ لا إله إلا الله وقتلته‏؟‏‏!‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح، قال‏:‏ ‏"‏أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا‏؟‏‏!‏‏"‏ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ‏.‏ (2)

394- وعن جندب بن عبد الله، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا فكان رجلاً من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وأن رجلاً من المسلمين قصد غفلته، وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف ، قال‏:‏ لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فسأله ، وأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع ، فدعاه فسأله، فقال‏:‏ ‏"‏لم قتلته‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلانا وفلانا -وسمى له نفراً- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اقتلته‏؟‏‏"‏ قال نعم ‏:‏ قال‏:‏ ‏"‏فكيف تصنع بلا إله إلا الله، إذا جاءت يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ يا رسول الله استغفر لي‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة‏؟‏ ‏"‏ فجعل لا يزيد على أن يقول‏:‏ ‏"‏ كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

395- وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول‏:‏ ‏"‏إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحى قد انقطع، وإنما نأخذهم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً، أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شئ، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً، لم نأمنه، ولم نصدقه وإن قال‏:‏ إن سريرته حسنة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

 

50- باب الخوف

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وإياي فارهبون‏}‏ ‏(‏‏(‏البقرة‏:‏40‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن بطش ربك لشديد‏}‏ ‏(‏‏(‏البروج‏:‏12‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد فاما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق‏}‏ ‏(‏‏(‏هود‏:‏102-106‏)‏‏)‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏{‏ويحذركم الله نفسه‏}‏ ‏(‏‏(‏آل عمران‏:‏28‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يؤمئذ شأن يغنيه‏}‏ ‏(‏‏(‏عبس‏:‏34-37‏)‏‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم ، يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد‏}‏ ‏(‏‏(‏الحج‏:‏1،2‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ ‏(‏‏(‏الرحمن ‏:‏46‏)‏‏)‏ الآيات ‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم، إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم‏}‏ ‏(‏‏(‏الطور‏:‏25،28‏)‏‏)‏ والآيات في الباب كثيرة جداً معلومات، والغرض الإشارة إلى بعضها وقد حصل‏.‏

وأما الأحاديث فكثيرة جداً، فنذكر منها طرفاً وبالله التوفيق‏.‏

396- وعن ابن مسعود، رضي الله عنه ، قال‏:‏ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق‏:‏ ‏"‏إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات‏:‏ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقى أم سعيد‏.‏ فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلى ذراع، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعلم أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

397- وعنه قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ‏"‏ ‏(‏‏(‏ رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

398- وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال ‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحد أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا‏"‏ ‏(‏‏(‏ متفق عليه‏)‏‏)‏

399- وعن سمرة بن جندب، رضي الله عنه، أن نبى الله، صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومن من تأخذ إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (3)

‏.‏

400- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال‏"‏ يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (4)

401- وعن أنس، رضي الله عنه، قال‏:‏ خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال‏:‏ ‏"‏لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً‏"‏ فغطى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم وجوههم، ولهم خنين‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

وفي رواية‏:‏ بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شئ فخطب ، فقال‏:‏ ‏"‏عرضت على الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيراً‏"‏ فما أتى على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، غطوا رؤوسهم ولهم خنين‏.‏ (5)

402- وعن المقداد، رضي الله عنه، قال‏:‏ سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل‏"‏ قال سليم بن عامر الراوى عن المقداد‏:‏ فوالله ما أدري ما يعني الميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي يكحل به العين ‏"‏فيكون الناس على قد أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقوبه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً‏"‏ وأشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده إلى فيه ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

8/403- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (6)

404- وعنه قال‏:‏ كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذا سمع وجبة فقال‏:‏ ‏"‏هل تدرون ما هذا‏؟‏‏"‏ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ هذا حجر رمى به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن حتى انتهي إلى قعره، فسمعتم وجبتها‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

405- وعن عدى بن حاتم، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏"‏ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ماقدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

406- وعن أبي ذر رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ‏"‏إنى أرى ما لا ترون؛ أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأورن إلى الله تعالى‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏ (7)

(8)

407- وعن أبي برزة -براء ثم زاى- نضلة بن عبيد الأسلمى، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقاال‏:‏ حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

408- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قرأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏أتدرون ما أخبارها‏؟‏‏"‏ قالوا الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فإن أخبارها أن تشهد كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول‏:‏ عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال ‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

409- وعن أبي سعدي الخدرى، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏"‏كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم ، واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ‏"‏ فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏‏"‏قولوا ‏:‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏ (9)

410- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏"‏من خاف أدلج ، ومن أدلج، بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏ (10)

411- وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت‏:‏ سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا‏"‏ قلت‏:‏ يا رسول الله الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك‏"‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏"‏الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (11)

 

51- باب الرجاء

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم‏}‏ ‏(‏‏(‏الزمر‏:‏53‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وهل نجازي إلا الكفور‏}‏ ‏(‏‏(‏سبأ‏:‏17‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى‏}‏ ‏(‏‏(‏طه‏:‏48‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ورحمتى وسعت كل شئٍ‏}‏ ‏(‏‏(‏الأعراف‏:‏156‏)‏‏)‏‏.‏

412- وعن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

وفي رواية لمسلم‏:‏‏"‏من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، حرم عليه النار‏"‏‏.‏

413- وعن أبي ذر، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏يقول الله عز وجل‏:‏ من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة، فجزاء سيئة سيئة مثلها أوغفر‏.‏ ومن تقرب مني شبراً ، تقربت منها ذراعا، ومن تقرب منى ذراعاً ، تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي ، أتيته هرولة، ومن لقينى بقراب الأرض خطيئة لايشرك به شيئاً ، لقيته بمثلها مغفرة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (12)

414- وعن أنس ، رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاذ رديفه على الرحل قال‏:‏ ‏"‏يا معاذ‏"‏ قال‏:‏ لبيك يا رسول الله وسعديك، قال‏:‏ ‏"‏يامعاذ‏"‏ قال ‏:‏لبيك يا رسول الله وسعديك‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏يا معاذ‏"‏ قال‏:‏ لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً، قال‏:‏ ‏"‏ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار‏"‏ قال‏:‏ يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إذا يتكلوا‏"‏ فأخبر بها معاذ عند موته تأثما ‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (13)

416 -وعن أبي هريرة -أو أبي سعيد الخدرى- رضي الله عنهما‏:‏ شك الراوى، ولا يضر الشك في عين الصحابي‏:‏ لأنهم كلهم عدول، قال لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، فقالوا ‏:‏ يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا‏؟‏ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏افعلوا‏"‏ فجاء عمر رضي الله عنه، فقال‏:‏ يا رسول الله إن فعلت، قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة‏.‏ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ “نعم” فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة، ويجئ الآخر بكف تمر، ويجئ الآخر بكسرةٍ حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم قال‏:‏ “خذوا في أوعيتكم فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا وفضل فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏”أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك؛ فيحجب عن الجنة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

417- وعن عتبان بن مالك، رضي الله عنه ، وهو ممن شهد بدراً ، قال‏:‏ كنت أصلي لقومي بنى سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار، فيشق على اجتيازه قبل مسجدهم ، فجئت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت له ‏:‏ إنى أنكرت بصرى، وإن الوادي الذي بينى وبين قومى يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق على اجتيازه، فوددت أنك تأتي ، فتصلي في بيتي مكاناً أتخذه مصلى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏"‏سأفعل‏"‏، فغدما على رسول الله ، وأبو بكر، رضي الله عنه بعد ما اشتد النهار، واستأذن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال‏:‏ ‏"‏أين تحب أن أصلي من بيتك‏؟‏‏"‏ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، فكبر وصففنا وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم، فحبسته على خزيرة تصنع له، فسمع أهل الدار أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في بيتي، فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجل ‏:‏ ما فعل مالك لا أراه‏!‏ فقال رجل‏:‏ ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تقل ذلك، ألا تراه قال‏:‏ لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى ‏؟‏_ ‏!‏‏"‏ فقال‏:‏ الله ورسوله أعلم، أما نحن فو الله ما نرى وده، ولا حديثه إلا المنافقين _‏!‏ فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ‏"‏فإن الله قد حرم على النار من قال ‏:‏ لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (14)

418- وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قدم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبياً في السبي أخذته، فألزقته ببطنها، فأرضعته، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ “أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار‏؟‏” قلنا لا والله ‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏لله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏

419- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش‏:‏ إن رحمتي تغلب غضبي‏"‏‏.‏ (15)

‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏

420- وعنه قال‏:‏ سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ “جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءا واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه‏"‏‏.‏

‏"‏وفي رواية‏:‏ ‏"‏إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تعالى تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة” ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

ورواه مسلم أيضاً من رواية سلمان الفارسي، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ “إن لله تعالى مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسع وتسعون ليوم القيامة‏"‏

‏"‏وفي رواية‏:‏ ‏"‏إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء إلى الأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة، أكملها بهذه الرحمة”‏.‏

421- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يحكى عن ربه، تبارك وتعالى، قال‏:‏ “أذنب عبدي ذنباً، فقال‏:‏ اللهم اغفر لى ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدى ذنبا، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال‏:‏ أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال‏:‏ أي رب اغفر لى ذنبي، فقال، تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدى فليفعل ما شاء” ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (16)

422- وعنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم” ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

423- وعن أبي أيوب خالد بن زيد، رضي الله عنه ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏"‏لولا أنكم تذنبون ؛ لخلق الله خلقاً يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

424- وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال‏:‏ كنا قعوداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، معنا أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما في نفر، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، فخشينا أن يقتطع دوننا، ففزعنا، فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت ابتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتيت حائطاً للأنصار -وذكر الحديث بطوله إلى قوله‏:‏ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، “اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله ، مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة” ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

425- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، تلا قول الله عز وجل في إبراهيم، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني‏}‏ ‏(‏‏(‏إبراهيم‏:‏36‏)‏‏)‏، وقول عيسى، صلى الله عليه وسلم‏:‏‏{‏إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم‏}‏ ‏(‏‏(‏المائدة‏:‏ 118‏)‏‏)‏، فرفع يديه وقال‏:‏ ‏"‏اللهم أمتى أمتى” وبكى، فقال الله عز وجل‏:‏‏"‏ ‏"‏ يا جيريل اذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيه‏؟‏ “ فأتاه جبريل، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما قال‏:‏ وهو أعلم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏يا جبريل اذهب إلى محمد فقل‏:‏ إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤوك‏"‏

‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

426- وعن معاذ بن جبل ، رضي الله عنه ، قال‏:‏ كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم، على حمار فقال‏:‏ ‏"‏ يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله‏.‏ ‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏‏"‏فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، فقلت، يا رسول الله أفلا أبشر الناس‏؟‏ قال لا تبشرهم فيتكلوا‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

427- وعن البراء بن عازب، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ “المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ ‏(‏‏(‏إبراهيم‏:‏27‏)‏‏)‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

428- وعن أنس، رضي الله عنه ،عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة من الدنيا، أما المؤمن، فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته‏"‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏"‏إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر، فيطعم بحسنات ما عمل لله تعالى، في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

429- وعن جابر، رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (17)

430- وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال‏:‏ سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏"‏ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه‏"‏‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

431- وعن ابن مسعود، رضي الله عنه ، قال‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة نحوا من أربعين ، فقال‏:‏ ‏"‏أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة‏؟‏‏"‏ قلنا نعم، قال‏:‏ أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏والذي نفسى محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

432- وعن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أونصرانياً فيقول‏:‏ هذا فكاكك من النار‏"‏‏.‏

وفي رواية عنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يجئ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم ‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (18)

‏.‏

433- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول‏:‏ أتعرف ذنب كذا‏؟‏ أتعرف ذنب كذا‏؟‏ فيقول‏:‏ رب أعرف قال‏:‏ فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ (19)

434- وعن ابن مسعود، رضي الله عنه ، أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ‏}‏ ‏(‏‏(‏هود‏:‏114‏)‏‏)‏ فقال الرجل‏:‏ ألي هذا يا رسول الله‏؟‏ قال ‏"‏ لجميع أمتى كلهم‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

435- وعن أنس، رضي الله عنه ، قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله أصبت حداً، فأقمه علي، وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما قضى الصلاة قال ‏:‏ يارسول الله إنى أصبت حداً، فأقم في كتاب الله‏.‏ قال “هل حضرت معنا الصلاة‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ نعم ‏.‏ قال‏:‏ قد غفر لك‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏ (20)

‏.‏

436- وعنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (21)

437- وعن أبي موسى، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

238- وعن أبي نجيح عمرو بن عبسة -بفتح العين والباء- السلمي، رضي الله عنه ، قال‏:‏ كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شئ، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتى، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم مستخفياً، جرءاء عليه قومه ، فتلطف حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له ‏:‏ ما أنت‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أنا نبي‏"‏ قلت‏:‏ وما نبي ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أرسلني الله‏"‏ قلت‏:‏ وبأي شئ أرسك‏؟‏ قال ‏"‏أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شئ‏:‏ قلت‏:‏ فمن معك على هذا‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏حر وعبد‏"‏ ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، رضي الله عنهما، قلت‏:‏ إني متبعك، قال‏:‏ ‏"‏إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس‏؟‏ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني‏"‏ قال‏:‏ فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، واسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم نفر من أهلي المدينة، فقلت‏:‏ ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة‏؟‏ فقالوا‏:‏ الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت‏:‏ يا رسول الله أتعرفني‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم أنتالذي لقيتني بمكة‏"‏ قال‏:‏ فقلت يا رسول الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرنى عن الصلاة‏؟‏ قال ‏:‏” صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح، فإنه تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنه حينئذ تسجر جهنم؛ فإذا أقبل الفيء فصل؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس ، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار‏"‏ قال‏:‏ فقلت‏:‏ يا نبى الله ؛ فالوضوء حدثنى عنه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض ويستنشق فينتثر، إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله ، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء ثم يمسح رأسه، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ، إلاخرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه، إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قديمه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل ، وفرغ قلبه لله تعالى، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه‏"‏‏.‏

فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله، فقال له أبو أمامة‏:‏ يا عمرو بن عبسة، انظر ما تقول‏!‏ في مقام واحد يعطى هذا الرجل‏؟‏ فقال عمرو‏:‏ يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي ، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله تعالى، ولا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لو لم اسمعه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً، حتى عد سبع مرات، ماحدثت أبداً به، ولكني سمعته أكثر من ذلك ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (22)

(23) (24)

439- وعن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا أراد الله تعالى، رحمة أمةٍ ، قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هلكة أمةٍ، عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو حى ينظر، فأقر عينه بهلاكها حين كذبوه وعصوا امره‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

 

52- باب فضل الرجاء

قال الله تعالى إخباراً عن العبد الصالح‏:‏ ‏{‏وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيئات ما مكروا‏}‏ ‏(‏‏(‏غافر‏:‏44،45‏)‏‏)‏‏.‏

440- وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ “ قال الله، عز وجل‏:‏ أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبراً، تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً، تقربت إليه باعاً، وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏ وهذا لفظ إحدى روايات مسلم‏.‏ وتقدم شرحه في الباب قبله‏.‏

وروي في الصحيحين ‏:‏ ‏"‏وأنا معه حين يذكرني‏"‏ بالنون، وفي هذه الرواية ‏"‏حيث” بالثاء وكلاهما صحيح‏.‏

441- وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما ، أنه سمع النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل موته بثلاثة أيام يقول ‏:‏ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

442- وعن أنس ، رضي الله عنه قال‏:‏” سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ “قال الله تعالى‏:‏ يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا أبن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم، إنك لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك به شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي‏.‏ وقال حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏عنان السماء‏"‏ بفتح العين، قيل هو ما عن لك منها، أي‏:‏ ظهر إذا رفعت رأسك ، وقيل‏:‏ هو السحاب‏.‏ و‏"‏قراب الأرض‏"‏ بضم القاف، وقيل بكسرها، والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها، والله أعلم‏.‏

 

52- باب الجمع بين الخوف والرجاء

أعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفاً راجياً، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء‏.‏ وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون‏}‏ ‏(‏‏(‏الأعراف‏:‏99‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون‏}‏ ‏(‏‏(‏يوسف‏:‏87‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه‏}‏ ‏(‏‏(‏آل عمران ‏:‏106‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم‏}‏ ‏(‏‏(‏الأعراف‏:‏167‏)‏‏)‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم‏}‏ ‏(‏‏(‏الانفطار‏:‏13، 14‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية‏}‏ ‏(‏‏(‏القارعة‏:‏6، 9‏)‏‏)‏ والآيات في هذا المعنى كثيرة‏.‏ فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية‏.‏

443- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏"‏ لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد” ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

444- وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا وضعت الجنازة واحتملها الناس أو الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت‏:‏ فدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت يا ويلها‏!‏ أين تذهبون بها‏؟‏ يسمع صوته كل شئ إلا الإنسان، ولو سمعه صعق‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

445- وعن ابن مسعود، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، “الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

 

54- باب فضل البكاء

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا‏}‏ ‏(‏‏(‏الإسراء‏:‏ 109‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولاتبكون‏}‏ ‏(‏‏(‏النجم‏:‏59، 60‏)‏‏)‏‏.‏

446- وعن ابن مسعود، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال لي النبي، صلى الله عليه وسلم، “اقرأ علي القرآن” قلت‏:‏ يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل ‏؟‏‏!‏ قال‏:‏‏"‏إنى أحب أن أسمعه من غيري” فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية ‏(‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً‏}‏ ‏(‏‏(‏النساء‏:‏41‏)‏‏)‏ قال‏:‏ ‏"‏حسبك الآن‏"‏ فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان ‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

447- وعن أنس، رضي الله عنه ، قال‏:‏ خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال‏:‏ ‏"‏لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً‏"‏ قال ‏:‏ فغطي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم، ولهم خنين ، ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ، وسبق بيان في باب الخوف‏.‏

448- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم” ‏(‏‏(‏رواه الترمذي‏:‏ وقال حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

449- وعنه قال‏:‏ قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم‏:‏‏"‏سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏:‏ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال‏:‏ إنى أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

405- وعن عبد الله بن الشخير، رضي الله عنه ، قال‏:‏ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزير المرجل من البكاء‏.‏ ‏(‏‏(‏حديث صحيح رواه أبو داود، والترمذي بإسناد صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

451- وعن أنس، رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي بن كعب، رضي الله عنه ‏:‏‏"‏إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك‏:‏ لم يكن الذين كفرو‏"‏ قال‏:‏ وسماني‏؟‏ قال‏:‏ “نعم” فبكى أبي‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

‏(‏‏(‏وفي رواية‏:‏ فجعل أبي يبكى‏)‏‏)‏‏.‏

452- وعنه قال‏:‏ قال أبو بكر لعمر، رضي الله عنهما، بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ انطلق بنا إلى أم أيمن ، رضي الله عنها، نزورها كما كان يزورها ، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله، صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ إنى لا أبكي ، أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنى أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم وقد سبق في باب زيارة أهل الخير‏)‏‏)‏‏.‏

453- وعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال‏:‏ لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعه، قيل له في الصلاة، فقال‏:‏ مروا أبا بكر فليصل بالناس‏"‏ فقالت عائشة، رضي الله عنها ‏:‏ إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال ‏:‏ ‏"‏مروه فليصل‏"‏‏.‏

وفي رواية عن عائشة، رضي الله عنها، قالت‏:‏ قلت‏:‏ إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

454- وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه ، أتي بطعام وكان صائما، فقال‏:‏ قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه، وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن به إلا بردة إن غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال‏:‏ أعطينا من الدنيا ما أعطينا -قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا‏.‏ ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

455- وعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ليس شئ أحب إلى الله تعالى من قطرتين وأثرين‏:‏ قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران‏:‏ فأثر في سبيل الله تعالى، وأثر في فريضة من فرائض الله تعالى‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي‏.‏وقال حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

وفي الباب أحاديث كثيرة، منها‏.‏‏.‏

456- حديث العرباض بن سارية، رضي الله عنه ، قال‏:‏ وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون‏.‏

 

55- باب فضل الزهد في الدنيا

والحث على التقلل منها، وفضل الفقر

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون‏}‏ ‏(‏‏(‏يونس‏:‏24‏)‏‏)‏‏.‏ وقال تعالى ‏{‏واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدراً المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخيراً أملاً‏}‏ ‏(‏‏(‏الكهف‏:‏45، 46‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور‏}‏ ‏(‏‏(‏الحديد‏:‏20‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عند حسن المآب‏}‏ ‏(‏‏(‏آل عمران‏:‏ 14‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور‏}‏ ‏(‏‏(‏لقمان‏:‏33‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون ، ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏ ‏(‏‏(‏التكاثر‏:‏1-5‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون‏}‏ ‏(‏‏(‏العنكبوت‏:‏ 64‏)‏‏)‏ والآيات في الباب كثيرة مشهورة‏.‏

وأما الأحاديث‏:‏ فأكثر من أن تحصر فننبه بطرف منها على ما سواه‏.‏

457- عن عمرو بن عوف الأنصاري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث أبا عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه ، إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبو عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، انصرف فتعرضوا له ، فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال‏:‏ “أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشئ من البحرين‏؟‏” فقالوا‏:‏ أجل يا رسول الله فقال‏:‏ “أبشروا وأملوا ما يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم” ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

458- وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه ، قال ‏:‏ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المنبر، وجلسنا حوله، فقال‏:‏ ‏"‏إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها” ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

459- وعنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

460- وعن أنس ، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏”اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏.‏

461- وعنه عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ “يتبع الميت ثلاثة‏:‏ أهله وماله وعمله‏:‏ فيرجع اثنان ويبقى واحد‏:‏ يرجع أهله وماله ويبقى علمه‏"‏‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏ ‏؟‏‏.‏

462- وعنه قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏:‏ “يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال‏:‏ يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط‏؟‏ هل مر بك نعيم قط‏؟‏ فيقول‏:‏ لا والله يا رب‏.‏ ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنياً من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له‏:‏ يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط‏؟‏ هل مربك شدة قط‏؟‏ فيقول‏:‏ لا، والله، ما مر بى بؤس قط، ولا رأيت شدة قط‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

463- وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه ، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏”ما الدنيا في الآخرة، إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع‏؟‏‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

464- وعن جابر، رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر بالسوق والناس كنفتيه، فمر بجدى أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنيه، ثم قال‏:‏ ‏"‏أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم‏؟‏ ‏"‏ فقالوا‏:‏ ما نحب أنه لنا بشئ ومانصنع به‏؟‏ ثم قال‏:‏ “أتحبون أنه لكم‏؟‏ قالوا‏:‏ والله لو كان حياً كان عيباً؛ أنه أسك‏.‏ فكيف وهو ميت _‏!‏ فقال‏:‏ ‏"‏فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (25)

465- وعن أبي ذر رضي الله عنه ، قال كنت أمشى مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة ، فاستقبلنا أحد فقال‏:‏ ‏"‏يا أبا ذر‏"‏ قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضى علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شئ أرصده لدين، إلا أن أقول له به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا‏"‏ عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم سار فقال‏:‏ ‏"‏إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا‏"‏ عن يمينه وعن شماله ومن خلفه‏"‏ وقليل ما هم‏"‏ ثم قال لى ‏"‏مكانك لا تبرح حتى آتيك‏"‏ ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتا قد ارتفع ، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبى، صلى الله عليه وسلم، فأردت أن آتيه فذكرت قوله‏:‏ ‏"‏لا تبرح حتى آتيك‏"‏ فلم أبرح حتى أتانى، فقلت ‏:‏ لقد سمعت صوتاً تخوفت منه، فذكرت له، فقال‏:‏ ‏"‏وهل سمعته‏؟‏‏"‏ قلت‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏ذاك جبريل أتانى فقال‏:‏ من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏؟‏ قال‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه وهذا لفظ البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

466- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لو كان لي مثل أحد ذهباً، لسرنى أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شئ إلا شئ أرصده لدين‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏

467- وعنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه وهذا لفظ مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية البخاري‏:‏ ‏"‏إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه‏"‏‏.‏

468- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ “تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطى رضي؛ وإن لم يعط لم يرض‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

469- وعنه، رضي الله عنه، قال‏:‏ لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وأما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته” ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

470- وعنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

471- وعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال‏:‏ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال‏:‏ ‏"‏كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل‏"‏‏.‏

وكان ابن عمر، رضي الله عنهما، يقول‏:‏ إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت لا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏ (26)

472- وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدى، رضي الله عنه، قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، واحبني الناس، فقال‏:‏ “ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس” ‏(‏‏(‏حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة‏)‏‏)‏‏.‏

473- وعن النعمان بن بشير، رضي الله عنهما، قال‏:‏ ذكر عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، ما أصاب الناس من الدنيا، فقال‏:‏ لقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يظل اليوم يتلوى ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (27)

474- وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت‏:‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شئ يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فاكلت منه حتى طال علي، فكلته ففنى، ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏ (28)

475- وعن عمرو بن الحارث أخي الجويرية بنت الحارث أم المؤمنين، رضي الله عنهما، قال‏:‏ ما ترك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند موته ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً، ولا امة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء التى كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

476- وعن خباب بن الأرت، رضي الله عنه، قال‏:‏ هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله تعالى؛ فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، رضي الله عنه، قتل يوم أحد، وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطينا به رجليه، بدا رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطى رأسه، ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهديها‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏ (29)

477- وعن سهل بن سعد الساعدى، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏ لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء‏"‏‏(‏‏(‏رواه الترمذي ‏.‏ وقال حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏

478 وعن أبي هُرَيْرَة رضي اللَّه عنه ، قال ‏:‏ سمعتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالماً ومتعلماً‏"‏‏.‏

‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

479- وعن عَبْدِ اللَّه بنِ مسعودٍ ، رضي اللَّه عنه ، قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا‏"‏‏.‏

‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال ‏:‏ حديثٌ حسنٌ ‏)‏‏)‏‏.‏

480- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، قال‏:‏ مر علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ونحن نعالج خصاً لنا فقال‏:‏ ‏"‏ ما هذا‏؟‏‏"‏ فقلنا‏:‏ قد وهي، فنحن نصلحه، فقال‏:‏ ‏"‏ ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك‏"‏‏.‏

رواه أبو داود، والترمذي بإسناد البخاري ومسلم، وقال الترمذي‏:‏ ‏(‏‏(‏حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

481- وعن كعب بن عياض، رضي الله عنه، وقال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يقول‏:‏ ‏"‏ إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتى المال‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

482- وعن أبي عمرو، ويقال‏:‏ أبو عبد الله‏:‏ ويقال‏:‏ أبو ليلى، عثمان ابن عفان، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏ ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال‏:‏ بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز، والماء‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث صحيح‏)‏‏)‏ ‏.‏ (30)

483- وعن عبد الله بن الشخير ‏"‏ بسكر الشين والخاء المشددة المعجمتين‏"‏ رضي الله عنه، أنه قال‏:‏ أتيت النبي ، صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ‏:‏ ‏{‏ ألهاكم التكاثر‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏ يقول ابن آدم‏:‏ مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت‏؟‏ ‏!‏‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

484- وعن عبد الله بن مغفل، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يارسول الله، والله إنى لأحبك، فقال‏:‏ ‏"‏ انظر ماذ تقول‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ والله إنى لأحبك، ثلاث مرات، فقال‏:‏ ‏"‏ إن كنت تحبنى فأعد للفقر تجفافاً، فإن الفقر أسرع إلى من يحبنى من السيل إلى منتهاه‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏ (31)

485- وعن كعب بن مالك، رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏ ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف، لدينه‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

486- وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال‏:‏ نام رسول الله صلى الله عليه وسلم، على حصير، فقال وقد أثر في جنبه‏.‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء‏!‏ فقال‏:‏ ‏"‏ مالي وللدنيا‏؟‏ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها”‏.‏

‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

487- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ جديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

488- وعن ابن عباس، وعمران بن الحصين، رضي الله عنهم، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قال ‏"‏ اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه من رواية ابن عباس‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏‏(‏ورواه البخاري أيضاً من رواية عمران بن الحصين‏)‏‏)‏‏.‏

489- وعن أسامة بن زيد، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين‏.‏ وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏ (32)

490- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد‏:‏ ألا كل شئ ما خلا الله باطل‏"‏‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

 

56-باب فضل الجوع وخشونة العيش

والإقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس

وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً‏}‏ ‏(‏‏(‏مريم‏:‏ 59،60‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً‏}‏ ‏(‏‏(‏ التكاثر‏:‏8‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً‏.‏ ‏(‏‏(‏ الإسراء‏:‏ 18‏)‏‏)‏‏.‏

والآيات في الباب كثيرة معلومة‏.‏

491- وعن عائشة، رضي الله عنها ، قالت‏:‏ ما شبع آل محمد، صلى الله عليه وسلم ، من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ما شبع آل محمد، صلى الله عليه وسلم ، منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض‏.‏

492- وعن عروة عن عائشة، رضي الله عنها، أنها كانت تقول‏:‏ والله يا ابن اختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال‏:‏ ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول صلى الله عليه وسلم ، نار‏.‏ قلت‏:‏ يا خالة فما كان يعيشكم‏؟‏ قالت‏:‏ الأسودان‏:‏ التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح وكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقينا‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

493- وعن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبي أن يأكل، وقال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏ (33)

494- وعن أنس رضي الله عنه، قال‏:‏ لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات، وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏‏(‏ وفي روايه له‏:‏ ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط‏)‏‏)‏‏.‏

495- وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال‏:‏ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه، ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (34)

496- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال‏:‏ ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثة الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، فقيل له‏:‏ هل كان لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل‏؟‏ قال‏:‏ ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، فقيل له‏:‏ كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول‏؟‏ قال‏:‏ كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقى ثريناه ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏ (35)

497- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال‏:‏ ‏"‏ ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة‏؟‏” قالا‏:‏ الجوع يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما‏.‏ قوما‏"‏ فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت‏:‏ مرحباً وأهلا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أين فلان‏؟‏‏"‏ قالت ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال‏:‏ الحمد الله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني‏.‏ فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال‏:‏ كلوا وأخذ المدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إياك والحلوب‏"‏ فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (36)

498- وعن خالد بن عمر العدوي قال‏:‏ خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أمير على البصرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أما بعد؛ فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جنهم فيهوي فيها سبعين عاماً، لا يدرك لها قعراً، والله لتملأن ‏.‏‏.‏‏.‏أفعجبتم‏!‏‏؟‏ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏ (37)

499- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ أخرجت لنا عائشة رضي الله عنها كساء وإزاراً غليظاً قالت‏:‏ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

500- وعن سعيد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، قال‏:‏ إني لأول العرب رمي بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحلبة، هذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏ الحلبة‏"‏ بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة‏:‏ وهي والسمر، نوعان معروفان من شجر البادية‏.‏

501- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏ اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

قال أهل اللغة والغريب‏:‏ معنى ‏"‏ قوتاً‏"‏ أي‏:‏ ما يسد الرمق‏.‏

502- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع‏.‏ ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر بي النبي، صلى الله عليه وسلم ، فتبسم حين رآني، وعرف ما في وجهي وما في نفسي، ثم قال‏:‏ ‏"‏ أبا هر‏"‏ قلت لبيك يا رسول الله، قال‏:‏ ‏"‏ الحق‏"‏ ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي فدخلت، فوجد لبنا في قدح فقال‏:‏ ‏"‏ من أين هذا اللبن‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ أهداه لك فلان- أو فلانة- قال‏:‏‏"‏ أبا هر‏"‏ قلت‏:‏ لبيك يارسول الله، قال‏:‏ ‏"‏ الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي‏"‏ قال‏:‏ وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت‏:‏ وما هذا اللبن في أهل الصفة‏!‏ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جأووا وأمرني فكنت أنا أعطيهم؛ وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم بد، فأتيتهم فدعوتهم،

فأقبلوا واستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال‏:‏‏"‏ يا أبا هر‏"‏ قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ خذ فأعطهم‏"‏ قال‏:‏ فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتيهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال‏:‏ ‏"‏ أبا هر‏"‏ قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله، قال‏:‏ ‏"‏ بقيت أنا وأنت‏"‏ قلت‏:‏ صدقت يا رسول الله، قال‏:‏ ‏"‏ اقعد فاشرب‏"‏ فقعدت فشربت‏:‏ فقال‏:‏ ‏"‏ اشرب‏"‏ فشربت، فما زال يقول‏:‏ ‏"‏ اشرب‏"‏ حتى قلت‏:‏ لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً‏!‏ قال‏:‏ ‏"‏ فأرني‏"‏ فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى، وسمى وشرب الفضلة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

530- وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ لقد رأيتني وإني لأجر فيما بين منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشياً علي، فيجيء الجائي، فيضع رجلة على عنقي، ويرى أني مجنون وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

504- وعن عائشة، رضي الله عنها قالت‏:‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

505- وعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه بشعير، ومشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير، وإهالة سنخة، ولقد سمعته يقول‏:‏ ‏"‏ ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى‏"‏ وإنهم لتسعة أبيات‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏ (38)

506- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

507- وعن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم حشوه ليف‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

508- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله‏.‏ صلى الله عليه وسلم ‏:‏

‏"‏ يا أخا الأنصار؛ كيف أخي سعد بن عبادة‏؟‏‏"‏ فقال‏:‏ صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏من يعوده منكم‏؟‏‏"‏ فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال، ولا خفاف، ولا قلانس، ولا قمص، نمشي في تلك السباخ، حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

509- وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم‏"‏ قال عمران‏:‏ فما أدري قال‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثاً ‏"‏ ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

510- وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏ يا ابن آدم‏:‏ إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

511- وعن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏‏(‏‏(39)‏)‏‏)‏‏.‏

512 -وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ ‏"‏ قد أفلح من أسلم ، وكان رزقه كفافا ، وقنعه الله بما آتاه ‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم ‏)‏‏)‏‏.‏

513 -وعن أبي محمد فضاله بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏:‏ ‏"‏طوبى لمن هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافا ،وقنع ‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال ‏:‏حديث حسن صحيح ‏)‏‏)‏‏.‏

514 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعه طاويا، وأهله لايجدون عشاء ، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير ‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال ‏:‏ حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

515- وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس، يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة -وهم أصحاب الصفة- حتى يقول الأعراب‏:‏ هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إليهم، فقال‏:‏ ‏"‏لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى، لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏الخصاصة‏"‏‏:‏ الفاقة والجوع الشديد‏.‏

516- وعن أبي كريمة المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة؛ فتلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه‏"‏‏.‏

‏(‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏أكلات‏"‏ أي‏:‏ لقم‏.‏

517- وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الأنصاري الحارثي رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً عنده الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ “ألا تسمعون‏؟‏ ألا تسمعون‏؟‏ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان‏"‏ يعني‏:‏ التقحل‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه أبو داود‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏البذاذة‏"‏ بالباء الموحدة والذالين المعجمتين، وهي رثاثة الهيئة، وترك فاخر اللباس‏.‏ وأما ‏"‏التقحل‏"‏ فبالقاف والحاء، قال أهل اللغة‏:‏ المتقحل‏:‏ هو الرجل اليابس الجلد من خشونة العيش، وترك الترفة‏.‏

518- وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه، نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبوعبيدة يعطينا تمرة تمرة، فقيل كيف كنتم تصنعون بها‏؟‏ قال‏:‏ نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله‏.‏ قال‏:‏ وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة‏:‏ ميتة، ثم قال‏:‏ لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبوعبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال‏:‏ ‏"‏هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شئ فتطعمونا‏؟‏‏"‏ فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏الجراب‏"‏‏:‏ وعاء من جلد معروف، وهو بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح‏.‏ قوله‏:‏ نمصها‏"‏ بفتح الميم‏.‏ ‏"‏والخبط‏"‏ ورق شجر معروف تأكله الإبل‏.‏ ‏"‏والكثيب‏"‏‏:‏ التل من الرمل‏.‏ ‏"‏والوقب‏"‏ بفتح الواو وإسكان القاف وبعدها باء موحدة، وهو نقرة العين‏.‏ ‏"‏بتخفيف الحاء‏:‏ أي جعل عليه الرحل‏.‏ ‏"‏الشائق‏"‏ بالشين المعجمة والقاف‏:‏ اللحم الذي اقتطع ليقدد منه، والله اعلم‏.‏

519- وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت‏:‏ كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرصغ، ‏(‏‏(‏رواه أبو داود، والترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏الرصغ‏:‏ بالصاد والرسغ بالسين أيضاً‏:‏ هو المفصل بين الكف والساعد‏.‏

520- وعن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ إنا كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ هذه كدية عرضت في الخندق‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏أنا نازل‏"‏ ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذوقاً فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب، فعاد كثيباً أهيل، أو أهيم، فقلت‏:‏ يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي‏:‏ رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما في ذلك صبر فعندك شيء‏؟‏ فقالت‏:‏ عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثاقي قد كادت تنضج، فقلت‏:‏ طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال‏:‏ ‏"‏كم هو‏؟‏‏"‏ فذكرت له فقال‏:‏ ‏"‏كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي” فقال‏:‏ “قوموا” فقام المهاجرون والأنصار، فدخلت عليها فقلت‏:‏ ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار ومن معهم‏!‏ قالت‏:‏ هل سألك‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، قال‏:‏ “ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا، وبقي منه، فقال‏:‏ كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة” ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ قال جابر‏:‏ لما حفر الخندق رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خمصاً، فانكفأت إلى امراتى فقلت‏:‏ هل عندك شيء؛ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً فأخرجت إلي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغى، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، فجئته وساررته فقلت‏:‏ يا رسول الله، ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير، فتعال أنت ونفر معك، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سؤراً فحيهلا بكم‏"‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء‏"‏ فجئت، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت‏:‏ بك وبك‏!‏ فقلت‏:‏ قد فعلت الذي قلت‏.‏ فأخرجت عجيناً، فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال‏:‏ ‏"‏ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها‏"‏وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو‏.‏

قوله‏:‏ ‏"‏عرضت كدية‏"‏ ‏:‏ بضم الكاف وإسكان الدال وبالياء المثناة تحت؛ وهي قطعة غليظة صلبة من الأرض لا يعمل فيها الفأس‏.‏ ‏"‏والكثيب‏"‏ أصله تل الرمل، والمراد هنا‏:‏ صارت تراباً ناعماً، وهو معنى “أهيل”‏.‏ ‏"‏الأثافي‏"‏ ‏:‏ الأحجار التى يكون عليها القدر‏.‏ و‏"‏تضاغطوا‏"‏ ‏:‏ تزاحموا‏.‏ و‏"‏المجاعة‏"‏ ‏:‏الجوع، وهو بفتح الميم‏.‏ و‏"‏الخمص‏"‏ بفتح الخاء المعجمة والميم‏:‏ الجوع‏.‏ و”انكفأت” ‏:‏ انقلبت ورجعت‏.‏ ‏"‏البهيمة‏"‏ بضم الباء‏:‏ تصغير بهمة، وهي العناق -بفتح العين-‏.‏ و‏"‏الداجن‏"‏‏:‏ هي التي ألفت البيت‏.‏ و‏"‏السؤر‏"‏ ‏:‏الطعام الذي يدعى الناس إليه، وهو بالفارسية‏.‏ و‏"‏حيهلا‏"‏ أي‏:‏ تعالوا‏.‏ وقولها‏:‏ ‏"‏بك وبك‏"‏ أي‏:‏ خاصمته وسبته، لأنها اعتقدت أن الذي عندها لا يكفيهم، فاستحيت وخفي عليها ما أكرم الله سبحانه وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه المعجزة الظاهرة والآية اباهرة‏.‏ “بسق‏"‏ أي ‏:‏بصق؛ ويقال أيضاً‏:‏ بزق -ثلاث لغات- و‏"‏عمد‏"‏ بفتح الميم‏:‏ أي قصد‏.‏ و‏"‏اقدحي” أي اغرفي؛ والمقدحة‏:‏ المغرفة‏.‏ و”تغط” أي‏:‏ لغليانها صوت، والله اعلم‏.‏

521- وعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال أبو طلحة لأم سليم‏:‏ قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء‏؟‏ فقالت‏:‏ نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أرسلك أبو طلحة‏؟‏‏"‏ فقلت‏:‏ نعم، فقال‏:‏ ‏"‏ألطعام‏"‏ فقلت‏:‏ نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏قوموا‏"‏ فانطلقوا بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة‏:‏ يا أم سليم‏:‏ قد جاء رسول الله بالناس وليس عندنا ما نطعمهم‏؟‏ فقالت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ “هلمى ما عندك يا أم سليم‏"‏ فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت عليه أم سليم عكة فآدمته، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول، ثم قال‏:‏ ‏"‏ائذن لعشرة‏"‏ فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال‏:‏ ‏"‏ائذن لعشرة‏"‏ فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال‏:‏ ‏"‏ائذن لعشرة‏"‏ فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل، فأكل حتى شبع، ثم هيأها فإذا هي مثلها حين اكلوا منها‏.‏

وفي رواية‏:‏ فأكلوا عشرة عشرة، حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت، وتركوا سؤراً‏.‏

وفي رواية‏:‏ ثم أفضلوا ما بلغوا جيرانهم‏.‏

وفي رواية عن أنس قال‏:‏ جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فوجدته جالساً مع أصحابه، وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه‏:‏ لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه‏؟‏ فقالوا‏:‏ من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، وهو زوج أم سليم بنت ملحان، فقلت‏:‏ يا أبتاه، قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه، فقالوا‏:‏ من الجوع‏.‏ فدخل أبو طلحة على أمي فقال‏:‏ هل من شيء ‏؟‏ قالت‏:‏ نعم عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه وإن جاء آخر معه قل عنهم، وذكر تمام الحديث‏.‏

 

57- باب القناعة والقفاف والاقتصاد

في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏}‏ ‏(‏‏(‏هود‏:‏ 6‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا‏}‏ ‏(‏‏(‏البقرة‏:‏273‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما‏}‏ ‏(‏‏(‏الفرقان‏:‏67‏)‏‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏.‏ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون‏}‏ ‏(‏‏(‏الذاريات‏:‏56،57‏)‏‏)‏‏.‏

وأما الأحاديث، فتقدم معظمها في البابين السابقين، ومما لم يتقدم‏:‏

522- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏العرض‏"‏ بفتح العين والراء‏:‏ هو المال‏.‏

523- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

524- وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال‏:‏ ‏"‏يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى‏"‏ قال حكيم‏:‏ فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا‏.‏ فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيماً ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئاً ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبله‏.‏ فقال‏:‏ يا معشر المسلمين، أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحداً بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏يرزأ‏"‏ براء ثم زاى ثم همزة، أي‏:‏ لم يأخذ من أحد شيئاً، وأصل الرزء‏:‏ النقصان، أي‏:‏ لم ينقص أحداً شيئاً بالأخذ منه‏.‏ و‏"‏إشراف النفس‏"‏‏:‏ تطلعها وطمعها بالشيء‏.‏ ‏"‏سخاوة النفس‏"‏‏:‏ هي عدم الإشراف إلى الشيء، والطمع فيه، والمبالاة به والشره‏.‏

525- وعن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي، وسقطت أظافري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق قال أبو بردة‏:‏ فحدث أبوموسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك، وقال‏:‏ ما كنت أصنع بأن أذكره‏!‏ قال‏:‏ كأنه كره أن يكون شئياً من عمله أفشاه‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏

526- وعن عمرو بن تغلب - بفتح التاء المثناة فوق وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام - رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالا، وترك رجالا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا ؛فحمد الله ثم أثنى عليه ثم قال، أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني إنما أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب” قال عمرو بن تغلب‏:‏ فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم ‏(‏‏(‏رواه البخاري‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏الهلع‏"‏‏:‏ هو أشد الجزع، وقيل‏:‏ الضجر‏.‏

527- وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله” ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏‏(‏وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم أخصر‏)‏‏)‏‏.‏

528- وعن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شئياً، فتخرج له مسألته مني شئا وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

529- وعن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال‏:‏ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال‏:‏ ‏"‏ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا‏:‏ قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس وتطيعوا‏"‏ وأسر كلمة خفية‏:‏ ‏"‏ولا تسألوا الناس شيئاً‏"‏ فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل احداً يناوله اياه‏.‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

530- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ “لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏المزعة‏"‏ بضم الميم وإسكان الزاى وبالعين المهملة‏:‏ القطعة‏.‏

531- وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة‏:‏ ‏"‏اليد العليا خير من اليد السفلى‏.‏ واليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

532- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل أو ليستكثر‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

533- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ “إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لا بد منه‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏الكد‏"‏ ‏:‏الخدش ونحوه‏.‏

534- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل‏"‏

‏(‏‏(‏رواه أبو داود، والترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏)‏‏)‏

‏"‏يوشك‏"‏ بكسر الشين‏:‏ أي يسرع‏.‏

535- وعن ثوبان رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً، وأتكفل له الجنة‏؟‏‏"‏ فقلت‏:‏ أنا؛ فكان لا يسأل أحداً شيئاً، ‏(‏‏(‏رواه أبو داود بإسناد صحيح‏)‏‏)‏‏.‏

536- وعن أبي بشر قبيصة بن المخارق رضي الله عنه قال‏:‏ تحملت حمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال‏:‏ ‏"‏أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها‏"‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة‏:‏ رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك‏.‏ ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوماً من عيش، أو قال‏:‏ سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجى من قومه‏:‏ لقد أصابت فلاناً فاقة، فحملت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال‏:‏ سداداً من عيش‏.‏ فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحتاً‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

‏"‏الحمالة‏"‏ بفتح الحاء‏:‏ أن يقع قتال ونحوه بين فريقين، فيصلح إنسان بينهم على مال يتحمله ويلتزمه على نفسه‏.‏ و‏"‏الجائحة‏"‏ ‏:‏ الآفة تصيب مال الإنسان‏.‏ و‏"‏القوام‏"‏ بكسر القاف وفتحها‏:‏ هو ما يقوم به أمر الإنسان من مال ونحوه‏.‏ و‏"‏السداد‏"‏ بكسر السين‏:‏ ما يسد حاجة المعوز ويكفيه، و‏"‏الفاقة‏"‏ ‏:‏ الفقر‏.‏ و‏"‏الحجى‏"‏‏:‏ العقل‏.‏

537- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس‏"‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏

 

58- باب جواز الأخذ من غير مسألة

ولا تطلع إليه

538- عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن عمر رضي الله عنهم قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء، فأقول‏:‏ أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال‏:‏ ‏"‏خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شئ، وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه فتموله فإن شئت كله، وإن شئت تصدق به، وما لا، فلا تتبعه نفسك‏"‏ قال سالم‏:‏ فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيه‏.‏ ‏(‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏)‏‏.‏ (40)