فصل: تفسير الآيات رقم (155- 155)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏149- 152‏]‏

‏{‏وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏149‏)‏ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏150‏)‏ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏151‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ‏(‏152‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما سُقِط في أيديهم‏}‏ أي‏:‏ ندموا‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال للرجل النادم على ما فعل‏:‏ المتحسر على ما فرّط‏.‏ قد سُقط في يده، وأُسقط في يده‏.‏ وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران الجوني‏:‏ «سَقَطَ» بفتح السين‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والمعنى‏:‏ ولما سَقَط الندمُ في أيديهم، يشبِّه ما يحصل في القلب وفي النفس بما يُرى بالعين‏.‏ قال المفسرون‏:‏ هذا الندم منهم إنما كان بعد رجوع موسى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لئن لم يرحمنا ربنا‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر وعاصم‏:‏ «يرحْمنا ربُّنا» «ويغفرْ لنا» بالياء والرفع‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، «ترحمنا» «وتغفر لنا» بالتاء، «ربنا» بالنصب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غضبان أسِفاً‏}‏ في الأسِفِ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الحزين، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي‏.‏ والثاني‏:‏ الجزِع، قاله مجاهد‏.‏ والثالث‏:‏ أنه الشديد الغضب، قاله ابن قتيبة، والزجاج‏.‏ وقال أبو الدرداء‏:‏ الأسف‏:‏ منزلة وراء الغضب أشدّ منه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي لقومه ‏{‏بئسما خلفتموني من بعدي‏}‏ فتح ياء «بعديَ» أهل الحجاز، وأبو عمرو؛ والمعنى‏:‏ بئس ما عملتم بعد فراقي من عبادة العجل‏.‏ ‏{‏أعجِلتم أمر ربكم‏}‏ قال الفراء‏:‏ يقال‏:‏ عَجِلْتُ الأمر والشيء‏:‏ سبقتُه، ومنه هذه الآية‏.‏ وأعجلته‏:‏ استحثثته‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له‏؟‏‏!‏ قال الحسن‏:‏ يعنيَ وَعْدَ الأربعين ليلة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وألقى الألواح‏}‏ التي فيها التوراة‏.‏ وفي سبب إلقائه إياها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الغضب حين رآهم قد عبدوا العجل، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لما رأى فضائل غير أُمته من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم اشتد عليه، فألقاها، قاله قتادة‏.‏ وفيه بُعد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لما رمى بالألواح فتحطمت، رُفع منها ستة أسباع، وبقي سُبع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأخذ برأس أخيه‏}‏ في ما أخذ به من رأسه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ لحيته وذؤابته‏.‏ والثاني‏:‏ شعر رأسه‏.‏ والثالث‏:‏ أُذنه‏.‏ وقيل‏:‏ إنما فعل به ذلك، لأنه توهم أنه عصى الله بمُقامه بينهم وتركِ اللحوق به، وتعريفِه ما أحدثوا بعده ليرجع إليهم فيتلافاهم ويردهم إلى الحق، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏ما منعك إذ رأيتهم ضلُّوا‏.‏ ألاَّ تتَّبعن‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 92، 93‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ابن أُمَّ‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم قال‏:‏ ‏{‏ابن أُمَّ‏}‏ نصباً‏.‏ وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر‏.‏ عن‏.‏ عاصم‏:‏ بكسر الميم، وكذلك في ‏[‏طه‏:‏ 94‏]‏ قال الزجاج‏:‏ من فتح الميم، فلكثرة استعمال هذا الاسم، ومن كسر، أضافه إلى نفسه بعد أن جعله اسماً واحداً، ومن العرب من يقول‏:‏ «يا ابن أمي» باثبات الياء‏.‏ قال الشاعر‏:‏

يَا ابْنَ أُمِّي ويَا شُقَيِّقَ نَفْسِي *** أنتَ خَلَّفْتَنِي لدهرٍ شديدِ

وقال أبو علي‏:‏ يحتمل أن يريد من فتح‏:‏ «يا ابن أم» أُمَّا، ويحذف الألف، ومن كسر «ابن أمي» فيحذف الياء‏.‏

فان قيل‏:‏ لم قال‏:‏ «يا ابن أمَّ» ولم يقل‏:‏ «يا ابن أب»‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن ابن عباس قال‏:‏ كان أخاه لأبيه وأُمه، وإنما قال له ذلك ليرفِّقه عليه‏.‏ قال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ والإِنسان عند ذكر الوالدة أرقُّ منه عند ذكر الوالد‏.‏ وقيل‏:‏ كان لأمه دون أبيه، حكاه الثعلبي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن القوم‏}‏ يعني‏:‏ عبدة العجل‏.‏ ‏{‏استضعفوني‏}‏ أي‏:‏ استذلُّوني‏.‏ ‏{‏فلا تُشمت بيَ الأعداء‏}‏ قرأ عبد الله بن عباس، ومالك بن دينار، وابن عاصم‏:‏ «فلا تَشْمَت» بتاء مفتوحة مع فتح الميم، «الاعداءُ» بالرفع‏.‏ وقرأ مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وأبو رجاء‏:‏ «فلا تَشْمِتْ» بفتح التاء وكسر الميم، «الأعداءَ» بالنصب‏.‏ وقرأ أبو الجوزاء، وابن أبي عبلة مثل ذلك، إلا أنهما رفعا «الأعداء» ويعني بالأعداء‏:‏ عبدة العجل‏.‏ ‏{‏ولا تجعلني‏}‏ في موجدتك وعقوبتك لي ‏{‏مع القوم الظالمين‏}‏ وهم عبدة العجل‏.‏ فلما تبين له عُذْرُ أخيه ‏{‏قال رب اغفر لي‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذلَّةُ في الحياة الدنيا‏}‏ فيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها الجزية، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ ما أمروا به من قتل أنفسهم، قاله الزجاج‏.‏ فعلى الأول يكون ما أُضيف إليهم من الجزية في حق أولادهم، لأن أولئك قُتلوا ولم يؤدّوا جزية‏.‏ قال عطية‏:‏ وهذه الآية فيما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتولِّيهم متخذي العجل ورضاهم به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك نجزي المفترين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ كذلك أُعاقب من اتخذ إلهاً دوني‏.‏ وقال مالك بن انس‏:‏ ما من مبتدع الا وهو يجد فوق رأسه ذلَّة، وقرأ هذه الاية‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلَّة تغشاه، قال‏:‏ وهي في كتاب الله تعالى، قالوا‏:‏ وأين هي‏؟‏ قال‏:‏ أوما سمعتم قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلَّة في الحياة الدنيا‏}‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة، قال‏:‏ كلا، أُتلوا ما بعدها‏:‏ ‏{‏وكذلك نجزي المفترين‏}‏ فهي لكل مفترٍ ومبتدع إلى يوم القيامة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏153‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏153‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين عملوا السيئات‏}‏ فيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها الشرك‏.‏ والثاني‏:‏ الشرك، وغيره من الذنوب‏.‏ ‏{‏ثم تابوا من بعدها‏}‏ يعني‏:‏ السيئات‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وآمنوا‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ آمنوا بالله، وهو يُخرَّج على قول من قال‏:‏ هي الشرك‏.‏

والثاني‏:‏ آمنوا بأن الله تعالى يقبل التوبة‏.‏ ‏{‏إن ربك من بعدها‏}‏ يعني‏:‏ السيئات‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏154‏]‏

‏{‏وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما سكت عن موسى الغضب‏}‏ وقرأ ابن عباس، وأبو عمران‏:‏ «سَكّت» بفتح السين وتشديد الكاف وبتاء بعدها، «الغضبَ» بالنصب‏.‏ وقرأ سعيد بن جبير، وابن يعمر، والجحدري‏:‏ «سُكِّت» بضم السين وتشديد الكاف مع كسرها‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، وطلحة‏:‏ «سَكَنَ» بنون‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «سكت» بمعنى‏:‏ سكن، يقال‏:‏ سكت يسكت سَكْتاً‏:‏ إذا سكن، وسكت يسكت سكْتاً وسكوتاً‏:‏ إذا قطع الكلام‏.‏ قال‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ المعنى‏:‏ ولما سكت موسى عن الغضب، على القلب، كما قالوا‏:‏ أدخلت القلنسوة في رأسي‏.‏ والمعنى‏:‏ أدخلت رأسي في القلنسوة، والأولى هو قول أهل العربية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أخذ الألواح‏}‏ يعني‏:‏ التي كان ألقاها‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وفي نسختها‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ وفيما بقي منها، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ وفيما نُسخ فيها، قاله ابن قتيبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذين هم لربهم يرهبون‏}‏ فيهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه عام في الذين يخافون الله، وهو معنى قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم أُمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو معنى قول قتادة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 155‏]‏

‏{‏وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ‏(‏155‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واختار موسى قومه‏}‏ المعنى‏:‏ اختار من قومه فحُذف «من»، تقول العرب‏:‏ اخترتك القوم، أي‏:‏ اخترتك من القوم، وأنشدوا‏:‏

مِنَّا الذي اخِتيرَ الرِّجَالَ سََمَاحةً *** وجُوداً إذا هبَّ الرِّياح الزَّعازعُ

هذا قول ابن قتيبة، والفراء، والزجاج‏.‏ وفي هذا الميقات أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الميقات الذي وَقَّتَهُ الله لموسى ليأخذ التوراة، أُمر أن يأتيَ معه بسبعين، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال نوف البِكَاليُّ‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ميقات وَقَّتَهُ الله تعالى لموسى، وأمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً ليدعو ربهم، فدعَوْا فقالوا‏:‏ اللهم أعطنا مالم تعط أحداً قبلنا، ولا تعطيه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك، وأخذتهم الرجفة؛ رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه ميقات وَقَّتَهُ الله لموسى، لأن بني إسرائيل قالوا له‏:‏ إن طائفة تزعم أن الله لا يكلمك، فخذ معك طائفة منا ليسمعوا كلامه فيؤمنوا فتذهب التهمة، فأوحى الله اليه ان أختر من خيارهم سبعين، ثم ارتقِ بهم على الجبل انت وهارون، واستخلف يوشع بن نون، ففعل ذلك، قاله وهب بن منبه‏.‏

والرابع‏:‏ أنه ميقات وَقَّتَهُ الله لموسى ليلقاه في ناس من بني إسرائيل، فيعتذر إليه من فِعْل عبدة العجل، قاله السدي‏.‏ وقال ابن السائب‏:‏ كان موسى لا يأتي إلا بإذن منه‏.‏

فأما الرجفة‏.‏ فهي‏:‏ الحركة الشديدة‏.‏ وفي سبب أخذها إياهم أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه ادعاؤهم على موسى قتل هارون؛ قاله علي بن أبي طالب‏.‏

والثاني‏:‏ اعتداؤهم في الدعاء وقد ذكرناه في رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم لم ينهَوْا عبدة العجل ولم يرضَوْا؛ نُقل عن ابن عباس‏.‏ وقال قتادة، وابن جريج‏:‏ لم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهَوْهم عن المنكر، ولم يزايلوهم‏.‏

والرابع‏:‏ أنهم طلبوا استماع الكلام من الله تعالى، فلما سمعوه قالوا‏:‏ ‏{‏لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 55‏]‏ قاله السدي، وابن إسحاق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال رب لو شئت أهلكتَهم من قبلُ وإيَّاي‏}‏ قال السدي‏:‏ قام موسى يبكي ويقول‏:‏ رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارهم ‏{‏لو شئتَ أهلكتهم من قبلُ وإياي‏}‏ قال الزجاج‏:‏ لو شئت أمتَّهم قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة‏.‏ وقيل‏:‏ لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا وإياي، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتُهْلِكُنا بما فعل السفهاء منا‏}‏ قال المبرِّد‏:‏ هذا استفهام استعطاف، أي‏:‏ لا تُهلكْنا‏.‏ وقال ابن الانباري‏:‏ هذا استفهام على تأويل الجحد، أراد‏:‏ لست تفعلُ ذلك‏.‏ ‏{‏والسفهاء‏}‏ هاهنا‏:‏ عبدة العجل‏.‏ وقال الفراء‏:‏ ظن موسى أنهم أُهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل‏.‏ وإنما أُهلكوا بقولهم‏:‏ ‏{‏أرنا الله جهرة‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هي إلا فتنتك‏}‏ فيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها الابتلاء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو العالية‏.‏

والثاني‏:‏ العذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أنت ولِّيُنَا‏}‏ أي‏:‏ ناصرنا وحافظنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏156- 158‏]‏

‏{‏وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏156‏)‏ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏157‏)‏ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏158‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واكتب لنا‏}‏ أي‏:‏ حقق لنا وأوجب ‏{‏في هذه الدنيا حسنة‏}‏ وهي‏:‏ الأعمال الصالحة ‏{‏وفي الآخرة‏}‏ المغفرة والجنة ‏{‏إنا هُدْنا إليك‏}‏ أي‏:‏ تبنا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وقتادة، والضحاك، والسدي‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ ومنه ‏{‏الذين هادوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 62‏]‏ كأنهم رجعوا من شيء إلى شيء‏.‏ وقرأ أبو وجزة السعدي‏:‏ «إنا هِدنا» بكسر الهاء‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ المعنى‏:‏ لا نتغيَّر؛ يقال هاد يهود ويهيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال عذابي أُصيبُ به من أشاء‏}‏ وقرأ الحسن البصري، والأعمش وأبو العالية‏:‏ «من أساء» بسين غير معجمة مع النصب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورحمتي وسعت كل شيء‏}‏ في هذا الكلام أربعة اقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن مخرجه عام، ومعناه خاص، وتأويله‏:‏ ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسأكتبها للذين يتقون‏}‏ قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن هذه الرحمة على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة، وتأويلها‏:‏ ورحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، البرَّ والفاجر، وفي الآخرة هي للمتقين خاصة، قاله الحسن، وقتادة‏.‏ فعلى هذا، معنى الرحمة في الدنيا للكافر‏:‏ أنه يُرزق ويُدفع عنه، كقوله في حق قارون‏:‏ ‏{‏وأحسنْ كما أحسن إليك‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 77‏]‏‏.‏

والثالث‏:‏ أن الرحمة‏:‏ التوبة، فهي على العموم، قاله ابن زيد‏.‏

والرابع‏:‏ أن الرحمة تَسَع كل الخلق، إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدِّر دخولهم فيها لوسعتهم، قاله ابن الانباري‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وسعت كل شيء في الدنيا‏.‏ ‏{‏فسأكتبها للذين يتقون‏}‏ في الآخرة‏.‏ قال المفسرون‏:‏ معنى ‏{‏فسأكتبها‏}‏؛ فسأوجبها‏.‏ وفي الذين يتقون قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المتقون للشرك، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ للمعاصي، قاله قتادة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ويؤتون الزكاة‏}‏ قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنها زكاة الأموال، قاله الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أن المراد بها‏:‏ طاعة الله ورسوله، قاله ابن عباس، والحسن، ذهبا إلى أنها العمل بما يزكِّي النفس ويطهِّرها‏.‏ وقال ابن عباس، وقتادة‏:‏ لما نزلت ‏{‏ورحمتي وسعت كل شيء‏}‏ قال إبليس‏:‏ أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله من إبليس، فقال‏:‏ ‏{‏فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآيتنا يؤمنون‏}‏ فقالت اليهود‏:‏ نحن نتَّقي، ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله منهم، وجعلها لهذه الأمة، فقال‏:‏ ‏{‏الذين يتبعون الرسول النبيَّ الأميَّ‏}‏ وقال نَوفٌ‏:‏ قال الله تعالى لموسى‏:‏ أجعل لكم الأرض طهوراً ومسجداً، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم، والمرأة، والحر، والعبد، والصغير، والكبير، فأخبر موسى قومه بذلك، فقالوا‏:‏ لا نريد أن نصليَ إلا في الكنائس والبِيَع، ولا أن تكون السكينة إلا في التابوت، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظراً، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فسأكتبها للذين يتقون‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏المفلحون‏}‏‏.‏ وفي هؤلاء المذكورين في قوله‏:‏ ‏{‏للذين يتقون ويؤتون الزكاة‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏المفلحون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتبعه، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي، وقتادة‏.‏ وفي تسميته بالأمي قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ لأنه لا يكتب‏.‏ والثاني‏:‏ لأنه من أُمَّ القرى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي يجدونه مكتوباً عندهم‏}‏ أي‏:‏ يجدون نعته ونبوَّته‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأمرهم بالمعروف‏}‏ قال الزجاج‏:‏ يجوز أن يكون مستأنَفاً، ويجوز أن يكون «يجدونه مكتوباً عندهم» أنه يأمرهم بالمعروف‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ المعروف‏:‏ مكارم الأخلاق، وصلة الارحام‏.‏ والمنكر‏:‏ عبادة الأوثان، وقطع الأرحام‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ المعروف‏:‏ الإيمان، والمنكر‏:‏ الشر‏.‏ وقال غيره‏:‏ المعروف‏:‏ الحق، لأن العقول تعرف صحته، والمنكر‏:‏ الباطل، لأن العقول تنكر صحته‏.‏

وفي الطيبات أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الحلال، والمعنى‏:‏ يُحل لهم الحلال‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ما كانت العرب تستطيبه‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الشحوم المحرَّمة على بني إسرائيل‏.‏

والرابع‏:‏ ما كانت العرب تحرِّمه من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام‏.‏

وفي الخبائث ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الحرام، والمعنى‏:‏ ويحرِّم عليهم الحرام‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ما كانت العرب تستخبثه ولا تأكله، كالحيات، والحشرات‏.‏

والثالث‏:‏ ما كانوا يستحلُّونه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويضع عنهم إصرهم‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «إِصرهم»‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ «آصارهم» ممدودة الألف على الجمع‏.‏ وفي هذا الإِصر قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ التشديد الذي كان عليهم من تحريم السبت، وأكل الشحوم والعروق، وغير ذلك من الأمور الشاقة، قاله قتادة‏.‏ وقال مسروق‏:‏ لقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب، فيصبح وقد كُتب على باب بيته‏:‏ إن كفارته أن تنْزِع عينيك فيْنزِعهُما‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والأغلال التي كانت عليهم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ ذِكر الأغلال‏:‏ تمثيل، ألا ترى أنك تقول‏:‏ جعلت هذا طوقاً في عنقك، وليس هناك طوق، إنما جعلت لزومه كالطوق‏.‏ والأغلال‏:‏ أنه كان عليهم أن لا يُقبَل منهم في القتل دية، وأن لا يعملوا في السبت، وأن يَقْرِضُوا ما أصاب جلودهم من البول‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالذين آمنوا به‏}‏ يعني‏:‏ بمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وعزَّروهُ‏}‏ وروى أبان «وعَزَروه» بتخفيف الزاي‏.‏ وفي المعنى قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ نصروه وأعانوه، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ عظَّموه، قاله ابن قتيبة‏.‏ والنور الذي أنزل معه‏:‏ القرآن، سماه نورا، لأن بيانه في القلوب كبيان النور في العيون‏.‏ وفي قوله «معه» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها بمعنى «عليه»‏.‏

والثاني‏:‏ بمعنى أُنزل في زمانه، قال قتادة‏.‏ أما نصره، فقد سُبقتم إليه، ولكن خيركم من آمن به واتبع النور الذي أُنزل معه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي يؤمن بالله وكلماته‏}‏ في الكلمات قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها القرآن، قاله ابن عباس‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كلماته‏:‏ آياته‏.‏

والثاني‏:‏ أنها عيسى بن مريم، قاله مجاهد، والسدي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏159- 159‏]‏

‏{‏وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ‏(‏159‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ يدعون إلى الحق‏.‏ والثاني‏:‏ يعملون به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبه يعدلون‏}‏ قال الزجاج‏:‏ وبالحق يحكمون‏.‏ وفي المشار إليهم بهذا ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام، قاله ابن عباس، والسدي‏.‏ والثاني‏:‏ أنهم مَن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ابن سلام وأصحابه، قاله ابن السائب‏.‏ والثالث‏:‏ أنهم الذين تمسكوا بالحق في زمن أنبيائهم، ذكره الماوردي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏160- 162‏]‏

‏{‏وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏160‏)‏ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏161‏)‏ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ‏(‏162‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقطّعناهم‏}‏ يعني‏:‏ قوم موسى، يقول‏:‏ فرَّقناهم ‏{‏اثنتي عشرة أسباطاً‏}‏ يعني‏:‏ أولاد يعقوب، وكانوا اثنى عشر ولداً، فولد كل واحد منهم سبطاً، قال الفراء‏:‏ وإنما قال‏:‏ ‏{‏اثنتي عشرة‏}‏ والسبط ذكَر، لأن بعده «أُمما» فذهب بالتأنيث إلى الأمم، ولو كان «اثني عشر» لتذكير السبط، كان جائزاً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ وقطَّعناهم اثنتي عشرة فرقة، «أسباطاً» نعت «فرقة» كأنه يقول‏:‏ جعلناهم أسباطاً، وفرَّقناهم أسباطاً، فيكون «أسباطاً» بدلاً من «اثنتي عشرة» و«أُمماً» من نعت أسباط‏.‏ والأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل ليُفصل بين ولد إسماعيل وبين ولد إسحاق‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ الأسباط‏:‏ قبائل بني إسرائيل، واحدهم‏:‏ سبط، ويقال‏:‏ من أي سبط أنت أي‏؟‏ من أي قبيلة وجنس‏؟‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانبجست منه‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ انفجرت؛ يقال‏:‏ تبجَّس الماء، كما يقال‏:‏ تفجَّر؛ والقصة مذكورة في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 58- 60‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نغفرْ لكم خطاياكم‏}‏ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «نغفر لكم خطيئاتكم» بالتاء مهموزة على الجمع‏.‏ وقرأ أبو عمرو‏:‏ «نغفر لكم خطاياكم» مثل‏:‏ قضاياكم، ولا تاء فيها‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ «تُغفَر» بالتاء مضمومة «خطيئاتُكم» بالهمز وضم التاء، على الجمع، وافقه ابن عامر في «تُغفَر» بالتاء المضمومة، لكنه قرأ‏:‏ ‏{‏خطيئتُكم‏}‏ على التوحيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏163‏]‏

‏{‏وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏163‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واسألهم‏}‏ يعني‏:‏ أسباط اليهود، وهذا سؤال تقرير وتوبيخ يقرِّرهم على قديم كفرهم، ومخالفة أسلافهم الأنبياء، ويخبرهم بما لا يُعلم إلا بوحي‏.‏ وفي القرية خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها أيلة، رواه مُرّة عن ابن مسعود، وأبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها مَدْيَن، رواه عكرمة عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنها ساحل مدين، روي عن قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أنها طبرية، قاله الزهري‏.‏

والخامس‏:‏ أنها قرية يقال لها‏:‏ مقنا، بين مدين وعينونا، قاله ابن زيد‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏حاضرة البحر‏}‏ مجاورة البحر وبقربه وعلى شاطئه‏.‏ ‏{‏إذ يَعْدُون‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ يظلمون، يقال‏:‏ عدا فلان يعدو عُدْواناً وعَداءً وعَدْواً وعُُدّواً‏:‏ إذا ظلم وموضع ‏{‏إذ‏}‏ نصب، والمعنى‏:‏ سلهم عن وقت عَدْوِهم في السبت‏.‏ ‏{‏إذ تأتيهم حيتانهم‏}‏ في موضع نصب أيضاً ب ‏{‏يَعْدُونَ‏}‏ والمعنى‏:‏ سلهم إذ عَدَوْا في وقت الإتيان‏.‏ ‏{‏شُرَّعاً‏}‏ أي‏:‏ ظاهرة‏.‏ ‏{‏كذلك نبلوهم‏}‏ أي‏:‏ مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم بفسقهم‏.‏ ويحتمل على بعد أن يكون المعنى‏:‏ ‏{‏ويوم لا يسبتون لا تأتيهم‏}‏ كذلك، أي‏:‏ لا تأتيهم شُرَّعاً؛ ويكون ‏{‏نبلوهم‏}‏ مستأنفاً‏.‏ وقرأ الحسن، والأعمش، وأبان، والمفضل عن عاصم‏:‏ ‏{‏يُسبِتون‏}‏ بضم الياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏164‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏164‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قالت أُمَّةٌ منهم‏}‏ قال المفسرون‏:‏ افترق أهل القرية ثلاث فرق، فرقة صادت وأكلت، وفرقة نهت وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، وقالت للفرقة الناهية‏:‏ ‏{‏لم تعظون قوماً الله مهلكهم‏}‏ لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين، فقالت الفرقة الناهية‏:‏ ‏{‏معذرةٌ إلى ربكم‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ «معذرةُ» رفعاً، أي‏:‏ موعظتُنا إياهم معذرةٌ، والمعنى‏:‏ أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذراً إلى الله‏.‏ وقرأ حفص عن عاصم‏:‏ «معذرةً» نصباً، وذلك على معنى نعتذر معذرةً‏.‏ ‏{‏ولعلهم يتقون‏}‏ أي‏:‏ وجائز أن ينتفعوا بالموعظة فيتركوا المعصية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 167‏]‏

‏{‏فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏165‏)‏ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ‏(‏166‏)‏ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏167‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما نسوا ما ذكِّروا به‏}‏ يعني‏:‏ تركوا ما وُعظوا به ‏{‏أنجينا الذين ينهَوْن عن السوء‏}‏ وهم الناهون عن المنكر‏.‏ والذين ظلموا هم المعتدون في السبت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بعذاب بئيس‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ «بئيس» على وزن فعيل، فالهمزة بين الباء والياء‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ «بِيسٍ» بكسر الباء من غير همز‏.‏ وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه همز‏.‏ وروى خارجة عن نافع‏:‏ «بَيْسٍ» بفتح الباء من غير همز، على وزن «فَعْلٍ»‏.‏ وروى أبو بكر عن عاصم‏:‏ «بَيْأسٍ» على وزن «فَيْعَلٍ»‏.‏ وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأيوب‏:‏ «بَيْآسٍ» على وزن «فَيْعالٍ»‏.‏ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومعاذ القارئ‏:‏ «بَئِسٍ» بفتح الباء وكسر الهمزة من غير ياء على وزن «نَعِسٍ»‏.‏ وقرأ الضحاك، وعكرمة‏:‏ «بَيِّسٍ» بتشديد الياء مثل‏:‏ «قيِّم»‏.‏ وقرأ أبو العالية، وأبو مجلز‏:‏ «بَئِسَ» بفتح الباء والسين وبهمزة مكسورة من غير ياء ولا ألف على وزن «فَعِلَ»‏.‏ وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء‏:‏ «بائسٍ» بألف ومَدّة بعد الباء وبهمزة مكسورة بوزن «فاعِلٍ»‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ البئيس‏:‏ الشديد‏.‏ وأنشد‏:‏

حَنَقاً عَليَّ وما تَرَى *** لي فيِهمُ أثراً بَئيسَا

وقال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ بَئس يبأس بأساً، والعاتي‏:‏ الشديد الدخول في الفساد، المتمرد الذي لا يقبل موعظة‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ «فلما عتوا» أي‏:‏ تمردوا فيما نُهوا عنه، وقد ذكرنا في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 65‏]‏ قصة مسخهم‏.‏ وكان الحسن البصري يقول‏:‏ والله ما لحوم هذه الحيتان بأعظم عند الله من دماء قوم مسلمين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ تأذَّن ربك‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أعلم، قاله الحسن، وابن قتيبة‏.‏ وقال‏:‏ هو من آذنتك بالأمر‏.‏

وقال ابن الانباري‏:‏ «تأذن» بمعنى آذن؛ كما يقال‏:‏ تعلَّم أن فلاناً قائم، أي‏:‏ اعلم‏.‏ وقال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ أي‏:‏ أعلم أنبياء بني إسرائيل‏.‏ والثاني‏:‏ حتم، قاله عطاء‏.‏ والثالث‏:‏ وعد، قاله قطرب‏.‏ والرابع‏:‏ تألّى، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليبعثن عليهم‏}‏ أي‏:‏ على اليهود‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ على اليهود والنصارى بمعاصيهم‏.‏ ‏{‏من يسومهم‏}‏ أي‏:‏ يولِّيهم ‏{‏سوء العذاب‏}‏‏.‏ وفي المبعوث عليهم قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ العرب، كانوا يجبونهم الخراج، قاله سعيد بن جبير قال‏:‏ ولم يجْبِ الخراجَ نَبيٌ قط إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة، ثم أُمسك إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال السدي‏:‏ بعث الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم‏.‏ وفي سوء العذاب أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أخذ الجزية‏.‏ رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ المسكنة والجزية، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏ والثالث‏:‏ الخراج، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير‏.‏ والرابع‏:‏ أنه القتال حتى يُسلموا أو يُعطوا الجزية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏168‏]‏

‏{‏وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏168‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقطَّعناهم في الأرض أُمماً‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ فرَّقناهم فِرقاً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هم اليهود، ليس من بلد إلا وفيه منهم طائفة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هم بنو إسرائيل‏.‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ شتات أمرهم وافتراق كلمتهم‏.‏ ‏{‏منهم الصالحون‏}‏ وهم المؤمنون بعيسى ومحمد عليهما السلام‏.‏ ‏{‏ومنهم دون ذلك‏}‏ وهم الكفار‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ إنما كانوا على هذه الصفة قبل أن يُبعث عيسى، وقبل ارتدادهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبلوناهم‏}‏ أي‏:‏ اختبرناهم ‏{‏بالحسنات‏}‏ وهي‏:‏ الخير، والخصب، والعافية، ‏{‏والسيئات‏}‏ وهي‏:‏ الجدب، والشر، والشدائد؛ فالحسنات والسيئات تحث على الطاعة، أما النعم فطلب الازدياد منها، وخوف زوالها، والنقمُ فلكشفها، والسلامة منها‏.‏ ‏{‏لعلهم يرجعون‏}‏ أي‏:‏ لكي يتوبوا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏169‏]‏

‏{‏فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏169‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فخلف من بعدهم‏}‏ أي‏:‏ من بعد الذين وصفناهم ‏{‏خَلْفٌ‏}‏ وقرأ الجوني، والجحدري‏:‏ «خَلَفٌ» بفتح اللام‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ الخَلَفُ والخَلَفُ واحد، وقوم يجعلون المحرَّك اللام، للصالح، والمسكَّن لغير الصالح‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ الخَلْفُ‏:‏ الرديء من الناس ومن الكلام، يقال‏:‏ هذا خَلْفٌ من القول‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ أكثر ما تستعمل العرب الخَلْفَ، باسكان اللام، في الرديء المذموم‏.‏ وتفتح اللام في الفاضل الممدوح‏.‏ وقد يوقع الخَلْفُ على الممدوح، والخلَفُ على المذموم، غير أن المختار ما ذكرناه‏.‏ وفي المراد بهذا الخَلْف ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ النصارى‏.‏

والثالث‏:‏ أن الخَلْفَ من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، والقولان عن مجاهد‏.‏

فان قيل‏:‏ الخَلْفُ واحد، فكيف قال‏:‏ «يأخذون» وكذلك قال في ‏[‏مريم‏:‏ 59‏]‏ «أضاعوا» فقد ذكر ابن الأنباري عنه جوابين‏.‏

أحدهما‏:‏ أن الخَلْف‏:‏ جمع خالف، كما أن الركب‏:‏ جمع راكب، والشَّرْب‏:‏ جمع شارب‏.‏

والثاني‏:‏ أن الخَلْف مصدر يكون للاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورثوا الكتاب‏}‏ أي‏:‏ انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى خلف، فيخرج في الكتاب ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه التوراة‏.‏ والثاني‏:‏ الإنجيل‏.‏ والثالث‏:‏ القرآن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأخذون عرض هذا الأدنى‏}‏ أي‏:‏ هذه الدنيا، وهو ما يعرض لهم منها‏.‏ وقيل‏:‏ سماه عرضاً، لقلة بقائه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يأخذون ما أحبوا من حلال أو حرام‏.‏ وقيل‏:‏ هو الرِّشوة في الحكم‏.‏ وفي وصفه بالأدنى قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه من الدُّنُوِّ‏.‏ والثاني‏:‏ أنه من الدناءة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سيُغفَرُ لنا‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ إنا لا نؤاخَذ، تمنِّياً على الله الباطلَ‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ذنْب يغفره الله لنا، تأميلاً لرحمة الله تعالى‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ لا يشبعهم شيء، فهم يأخذون لغير حاجة، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم أهل إصرار على الذنوب، قاله مجاهد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ وكّد الله عليهم في التوراة أن لا يقولوا على الله إلا الحق، فقالوا الباطل، وهو ما أوجبوا على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يتوبون منها، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ودرسوا ما فيه‏}‏ معطوف على «ورثوا»‏.‏ ومعنى «درسوا ما فيه»‏:‏ قرؤوه، فكأنه قال‏:‏ خالفوا على علم‏.‏ ‏{‏والدار الآخرة‏}‏ أي‏:‏ ما فيها من الثواب ‏{‏خير للذين يتقون أفلا يعقلون‏}‏ أن الباقي خير من الفاني‏.‏ قرأ ابن عامر، ونافع، وحفص عن عاصم‏:‏ بالتاء، والباقون‏:‏ بالياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏170‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ‏(‏170‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يُمسِّكون بالكتاب‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم‏:‏ ‏{‏يمسِّكون‏}‏ مشددة، وقرؤوا‏:‏ ‏{‏ولا تمسكوا بعصم الكوافر‏}‏ مخففة ‏[‏الممتحنة‏:‏ 10‏]‏ وقرأهما أبو عمرو بالتشديد‏.‏ وروى أبو بكر عن عاصم أنه خففهما‏.‏ ويقال‏:‏ مسَّكتُ بالشيء، وتمسّكت به، واستمسكت به، وامتسكت به‏.‏ وهذه الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب الذين حفظوا حدوده ولم يُحرِّفوه، منهم ‏[‏عبد الله‏]‏ بن سلام واصحابه‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ وخبر «الذين»‏:‏ «إنا» وما بعده، وله ضمير مقدر بعد «المصلحين» تأويله‏:‏ والذين يمسّكون بالكتاب إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، ولهذه العلة وَعَدَهُم حفظَ الأجر بشرطٍ، إذ كان منهم من لم يصلح‏.‏ قال‏:‏ وقال بعض النحويين‏:‏ المصلحون يرجعون على الذين، وتلخيص المعنى عنده‏:‏ والذين يمسِّكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجرهم، فأظهرت كنايتهم بالمصلحين، كما يقال‏:‏ عليٌّ لقيتُ الكسائي، وأبو سعيد رويت عن الخدري، يراد لقيتُهُ ورويت عنه‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فيارَبَّ لَيلى أنْتَ في كُلِّ مَوطِنٍ *** وَأنْتَ الذي في رَحْمِةِ الله أطْمَعُ

أراد في رحمته، فأظهر ضمير الهاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏171‏]‏

‏{‏وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏171‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ نتقنا الجبل فوقهم‏}‏ أي‏:‏ واذكر لهم إذ نتقنا الجبل، أي‏:‏ رفعناه‏.‏ قال مجاهد‏:‏ أُخرج الجبل من الأرض، ورفع فوقهم كالظُلَّة، فقيل لهم‏:‏ لتؤمنُنَّ أو ليقعنَّ عليكم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ نزلوا في أصل الجبل، فرُفع فوقهم، فقال‏:‏ لتأخُذُنَّ أمري، أو لأرمينكم به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وظنوا أنَّه واقع بهم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الظن المعروف‏.‏ والثاني‏:‏ أنه بمعنى اليقين‏.‏ وباقي الآية مفسر في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 63‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏172‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ‏(‏172‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ ربك من بني آدم‏}‏ روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان ‏"‏ ونعمان قريب من عرفة ذكره ابن قتيبة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذَّر، ثم كلَّمهم قِبَلاً وقال‏:‏ ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنَّا كُنَّا عن هذا غافلين‏}‏ ومعنى الآية‏:‏ وإذا أخذ ربكم من ظهور بني آدم‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏من ظهورهم‏}‏ بدل من ‏{‏بني آدم‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قال‏:‏ ‏{‏من ظهورهم‏}‏ ولم يقل من ظهر آدم، لأنه أخرج بعضهم من ظهور بعض، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم أنهم بنوه، وقد أُخرجوا من ظهره‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذُرِّيَّاتهم‏}‏ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «ذُرِّيَّتَهُم» على التوحيد‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ «ذُرِّيَّاتهِم» على الجمع‏.‏ قال أبو علي‏:‏ الذُّرِّية تكون جمعاً، وتكون واحداً‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأشهدهم على أنفسهم‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أشهدهم على أنفسهم باقرارهم، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ دلَّهم بخلقه على توحيده، قاله الزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ أنه أشهد بعضهم على بعض باقرارهم بذلك، قاله ابن جرير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألست بربكم‏}‏ والمعنى‏:‏ وقال لهم‏:‏ ألست بربكم‏؟‏ وهذا سؤال تقرير‏.‏ قالوا‏:‏ بلى شهدنا أنك ربنا‏.‏ قال السدي‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏شهدنا‏}‏ خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته‏.‏ أنهم شهدوا على إقرار بني آدم‏.‏ ويحسن الوقف على قوله «بلى» لأن كلام الذرية قد انقطع‏.‏ وزعم الكلبي ان الذرية لما قالت «بلى» قال الله للملائكة‏:‏ ‏{‏اشهدوا‏}‏ فقالوا‏:‏ ‏{‏شهدنا‏}‏‏.‏ وروى أبو العالية عن أُبَيِّ بن كعب قال‏:‏ جمعهم جميعاً، فجعلهم أزواجاً، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم، ثم قال‏:‏ ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى شهدنا‏}‏ أنك آلهنا‏.‏ قال‏:‏ فاني أُشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم ‏{‏أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين‏}‏ لم نعلم بهذا‏.‏ وقال السدي‏:‏ أجابته طائفة طائعين، وطائفة كارهين تقيةً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ان يقولوا‏}‏ قرأ أبو عمرو «أن يقولوا»، «أو يقولوا» بالياء فيهما‏.‏ وقرأ الباقون بالتاء فيهما‏.‏ قال أبو علي‏:‏ حجة أبي عمرو قوله‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ ربك‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قالوا بلى‏}‏، وحجة من قرأ بالتاء أنه قد جرى في الكلام خطاب ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى شهدنا‏}‏‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏يقولوا‏}‏ لئلا يقولوا، مثله‏:‏ ‏{‏أن تميد بكم‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 10‏]‏‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏إنا كنا‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه إشارة إلى الميثاق والإقرار‏.‏

والثاني‏:‏ أنه إشارة إلى معرفة أنه الخالق‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وهذه الآية تذكير من الله تعالى بما أخذ على جميع المكلَّفين من الميثاق، واحتجاج عليهم لئلا يقول الكفار‏:‏ إنا كنا على هذا الميثاق غافلين لم نذكره، ونسيانهم لا يُسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى بذلك على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الصادق‏.‏ وإذا ثبت هذا بقول الصادق، قام في النفوس مقام الذِّكر، فالاحتجاج به قائم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏173‏]‏

‏{‏أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏173‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهم‏}‏ فاتبَّعنا منهاجهم على جهلٍ منَّا بآلهيتك ‏{‏أفتهلكنا بما فعل المبطلون‏}‏ في دعواهم أن معك إلهاً، فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا، إذ أذكرهم أخذ الميثاق على كل واحد منهم‏.‏ وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من أنه استنطق الذر، وركَّب فيهم عقولاً وأفهاماً عرفوا بها ما عرض عليهم‏.‏ وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية‏:‏ إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفاً‏.‏ ومعنى إشهادهم على أنفسهم‏:‏ اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم من الآيات والبراهين‏.‏ ولما عرفوا ذلك ودعاهم كلُّ ما يرون ويشاهدون إلى التصديق، كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهِدين على أنفسهم بصحته، كما قال‏:‏ ‏{‏شاهدين على أنفسهم بالكفر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 17‏]‏ يريدهم‏:‏ بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا نحن كفرة، كما يقول الرجل‏:‏ قد شهدتْ جوارحي بصدقك، أي‏:‏ قد عرفْته‏.‏ ومن هذا الباب قوله‏:‏ ‏{‏شهد الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 19‏]‏ أي‏:‏ بيَّن وأعلم‏.‏ وقد حكى نحو هذا القول ابن الأنباري، والأول أصح، لموافقة الآثار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏174‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏174‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك نُفَصِّل الآيات‏}‏ أي‏:‏ كما بينَّا في أخذ الميثاق الآيات، ليتدبَّرها العباد فيعملوا بموجبها‏.‏ ‏{‏ولعلهم يرجعون‏}‏ أي‏:‏ ولكي يرجعوا عمَّا هم عليه من الكفر إلى التوحيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏175‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ‏(‏175‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتل عليهم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هذا نسق على ما قبله، والمعنى‏:‏ أتل عليهم إذ أخذ ربك، ‏{‏واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا‏}‏ وفيه ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه رجل من بني إسرائيل، يقال له‏:‏ بلعم بن أبر، قاله ابن مسعود‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ بلعم بن باعوراء‏.‏ وروي عنه‏:‏ أنه بلعام بن باعور، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والسدي‏.‏ وروى العوفي عن ابن عباس أن بلعماً من أهل اليمن‏.‏ وروى عنه ابن أبي طلحة أنه من مدينة الجبَّارين‏.‏

والثاني‏:‏ أنه أُميَّة بن أبي الصلت، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وأبو روق، وزيد بن أسلم، وكان أمية قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسِل رسولاً، ورجا أن يكون هو، فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، حسده وكفر‏.‏

والثالث‏:‏ أنه أبو عامر الراهب، روى الشعبي عن ابن عباس قال الأنصار‏:‏ تقول هو الراهب الذي بُني له مسجد الشِّقاق، وروي عن ابن المسيب نحوه‏.‏

والرابع‏:‏ أنه رجل كان في بني اسرائيل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد، وكانت سمجة دميمة، فقالت‏:‏ ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله لها، فلما علمت أنه ليس في بني إسرائيل مثلها، رغبت عن زوجها وأرادت غيره، فلما رغبت عنه، دعا الله أن يجعلها كلبة نَبَّاحَةً، فذهبت منه فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا‏:‏ ليس بنا على هذا صبر أن صارت أمُّنا كلبةً نبَّاحة يعيِّرنا الناس بها، فادع الله أن يردَّها إلى الحال التي كانت عليها أولاً، فدعا الله، فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات الثلاث، رواه عكرمة عن ابن عباس، والذي روي لنا في هذا الحديث «وكانت سَمِجة» بكسر الميم، وقد روى سيبويه عن العرب أنهم يقولون‏:‏ رجل سَمْج‏:‏ بتسكين الميم، ولم يقولوا‏:‏ سَمِج؛ بكسرها‏.‏

والخامس‏:‏ أنه المنافق، قاله الحسن‏.‏

والسادس‏:‏ أنه كل من انسلخ من الحق بعد أن أُعطيَه من اليهود والنصارى والحنفاء، قاله عكرمة‏.‏ وفي الآيات خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه اسم الله الأعظم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ أنها كتاب من كتب الله عز وجل‏.‏ روى عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ هو بلعام، أوتي كتاباً فانسلخ منه‏.‏

والثالث‏:‏ أنه أوتي النُّبُوَّةَ، فَرَشاهُ قومه على أن يسكت، ففعل وتركهم على ما هم عليه، قاله مجاهد، وفيه بُعد، لأن الله تعالى لا يصطفي لرسالته إلا معصوماً عن مثل هذه الحال‏.‏

والرابع‏:‏ أنها حُجج التوحيد، وفهم أدلّته‏.‏

والخامس‏:‏ أنها العلم بكتب الله عز وجل، والمشهور في التفسير أنه بلعام، وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى عليه السلام غزا البلد الذي هو فيه، وكانوا كفاراً، وكان هو مجاب الدعوة، فقال ملكهم‏:‏ ادع على موسى، فقال‏:‏ إنه من أهل ديني، ولا ينبغي لي أن أدعوَ عليه، فأمر الملك أن تنحت خشبة لصَلبه، فلما رأى ذلك، خرج على أتان له ليدعوَ على موسى، فلما عاين عسكرهم، وقفت الأتان فضربها، فقالت‏:‏ لم تضربني، وهذه نار تتوقَّد قد منعتني أن أمشي‏؟‏ فارجع، فرجع إلى الملك فأخبره، فقال‏:‏ إما أن تدعو عليهم، وإما أن أصلبك، فدعا على موسى باسم الله الأعظم أن لا يدخل المدينة، فاستجاب الله له، فوقع موسى وقومه في التيه بدعائه، فقال موسى‏:‏ يا ربِّ بأي ذنب وقعنا في التيه‏؟‏ فقال‏:‏ بدعاء بلعم، فقال‏:‏ يا رب فكما سمعت دعاءه عليَّ، فاسمع دعائي عليه، فدعا اللهَ أن ينزع منه الاسم الأعظم، فنُزع منه‏.‏

وقيل‏:‏ إن بلعام أمر قومه أن يزيِّنوا النساء ويرسلوهنَّ في العسكر ليَفشو الزنا فيهم، فيُنصروا عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن موسى قتله بعد ذلك‏.‏ وروى السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه متبرِّعاً، فقال‏:‏ لا ترهبوا بني إسرائيل، فانكم إذا خرجتم لقتالهم، دعوتُ عليهم فهلكوا، فكان فيما شاء عندهم من الدنيا، وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا فيها، وكان نبيهم يوشع لا موسى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانسلخ منها‏}‏ أي‏:‏ خرج من العلم بها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأَتْبعه الشيطان‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ أدركه‏.‏ يقال‏:‏ اتبَّعتُ القوم‏:‏ إذا لحقتَهم، وتبعتُهم‏:‏ سرتُ في أثرهم‏.‏ وقرأ طلحة بن مصرِّف‏:‏ «فاتّبعه» بالتشديد‏.‏ وقال اليزيدي‏:‏ أتبْعه واتَّبعه‏:‏ لغتان‏.‏ وكأن «أتْبعه» خفيفة بمعنى‏:‏ قفاه، «واتَّبعه» مشددة‏:‏ حذا حذوه‏.‏ ولا يجوز أن تقول‏:‏ أتبْعناك، وأنت تريد‏:‏ اتَّبعناك، لأن معناها‏:‏ اقتدينا بك‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ تبع الرجل الشيء واتَّبعه بمعنى واحد‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن تَبِعَ هُدَايَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 38‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فاتبعهم فرعونُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 90‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكان من الغاوين‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ من الضالين، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ من الهالكين الفاسدين، قاله الزجاج‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏176‏]‏

‏{‏وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏176‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شئنا لرفعناه بها‏}‏ في هاء الكناية في «رفعناه» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها تعود إلى الإِنسان المذكور، وهو قول الجمهور؛ فيكون المعنى‏:‏ ولو شئنا لرفعنا منزلة هذا الإنسان بما علمناه‏.‏

والثاني‏:‏ أنها تعود إلى الكفر بالآيات، فيكون المعنى‏:‏ لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بآياتنا، وهذا المعنى مروي عن مجاهد‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ لو شئنا لحُلْنا بينه وبين المعصية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكنه أخلد إِلى الأرض‏}‏ أي‏:‏ ركن إلى الدنيا وسكن‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ أخلد وخلد، والأول أكثر في اللغة‏.‏ والأرض هاهنا‏:‏ عبارة عن الدنيا، لأن الدنيا هي الأرض بما عليها‏.‏ وفي معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه رَكَن إلى أهل الدنيا، ويقال‏:‏ إنه أرضى امرأته بذلك، لأنها حملته عليه، وقيل‏:‏ أرضى بني عمِّه وقومَه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ركن إلى شهوات الدنيا، وقد بُيِّن ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏واتَّبع هواه‏}‏ والمعنى‏:‏ أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ كان هواه مع قومه‏.‏ وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذا مالوا عن العلم إلى الهوى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث‏}‏ معناه‏:‏ أن هذا الكافر، إن زجرتَه لم ينزجر، وإن تركتَه لم يهتد، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب، فانه إن طُرد وحُمل عليه بالطرد كان لاهثاً، وإن تُرك وربض كان أيضاً لاهثاً، والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة؛ فالمعنى‏:‏ فمثله كمثل الكلب لاهثاً، وإنما شبهه بالكلب اللاهث، لأنه أخسُّ الأمثال على أخس الحالات وأبشعها‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ كل لاهث إنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب، فانه يلهث في حال راحته وحال كلاله، فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، فقال‏:‏ إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، أو تركته على حاله رابضاً لهث‏.‏ قال المفسرون‏:‏ زُجِرَ في منامه عن الدعاء على بني اسرائيل فلم ينزجر، وخاطبتْه أتانه فلم ينته، فضُرب له هذا المثل ولسائر الكفار؛ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏ذلك مثل القوم الذين كذَّبوا بآياتنا‏}‏ لأن الكافر إن وعظته فهو ضال وإن تركتَه فهو ضال؛ وهو مع إرسال الرسل إليه كمن لم يأته رسول ولا بيِّنة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقصص القصص‏}‏ قال عطاء‏:‏ قَصَصَ الذين كفروا وكذَّبوا أنبياءهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏177- 178‏]‏

‏{‏سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ‏(‏177‏)‏ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏178‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ساء مثلاً‏}‏ يقال‏:‏ ساء الشيء يسوء‏:‏ إذا قَبُح، والمعنى‏:‏ ساء مثلاً مثل القوم، فحُذِف المضاف، فنُصب «مثلاً» على التمييز‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنفسَهم كانوا يظلمون‏}‏ أي‏:‏ يضُرُّون بالمعصية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏179‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏(‏179‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد ذرأنا‏}‏ أي‏:‏ خلقنا‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ ومنه ذرية الرجل، إنما هي الخلق منه، ولكن همزها يتركه أكثر العرب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لجهنم‏}‏ هذه اللام يسميها بعض أهل المعاني لام العاقبة، كقوله‏:‏ ‏{‏ليكون لهم عدواً وحزناً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 8‏]‏ ومثله قول الشاعر‏:‏

أمْوالُنَا لِذَوِي المِيْرَاثِ نَجْمَعُهَا *** وَدُوْرُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيْها

ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعزِّيه بموت ابنه، فقال‏:‏

تعزَّ أمِيْرَ المؤمنينَ فإنَّه *** لِما قَدْ تَرَى يُغْذَى الصَّغِيْرُ ويُوْلَدُ

وقد أخبر الله عز وجل في هذه الآية بنفاذ عِلمه فيهم أنهم يصيرون إليها بسبب كفرهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لهم قلوب لا يفقهون بها‏}‏ لمّا أعرض القوم عن الحق والتفكر فيه، كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يُبصر ولم يسمع‏.‏ وقال محمد بن القاسم النحوي‏:‏ أراد بهذا كله أمر الآخرة، فانهم يعقلون أمر الدنيا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك كالأنعام‏}‏ شبَّههم بالأنعام لأنها تسمع وتبصر، ولا تعتبر، ثم قال‏:‏ ‏{‏بل هم أضل‏}‏ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم أكثرهم أنه معاند، فيُقدِم على النار، ‏{‏أولئك هم الغافلون‏}‏ عن أمر الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏180‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏180‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله الأسماء الحسنى‏}‏ سبب نزولها‏:‏ أن رجلاً دعا الله في صلاته، ودعا الرحمنَ، فقال أبو جهل‏:‏ أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً، فما بال هذا يدعو اثنين‏؟‏ فأنزل الله هذه الآية، قاله مقاتل‏:‏ فأما الحسنى، فهي تأنيث الأحسن‏.‏ ومعنى الآية أن أسماء الله حسنى، وليس المراد أن فيها ما ليس بحسن‏.‏ وذكر الماوردي أن المراد بذلك ما مالت إليه النفوس من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فادعوه بها‏}‏ أي‏:‏ نادوه بها، كقولك‏:‏ يا الله يا رحمن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذروا الذين يُلْحِدُون في أسمائه‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر‏:‏ ‏{‏يُلحِدُون‏}‏ بضم الياء، وكذلك في ‏[‏النحل‏:‏ 103‏]‏ و‏[‏السجدة‏]‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 40‏]‏‏.‏ وقرأ حمزة‏:‏ «يَلحَدون» بفتح الحاء والياء فيهن، ووافقه الكسائي، وخلف في ‏[‏النحل‏:‏ 103‏]‏‏.‏ قال الاخفش‏:‏ أَلْحَد ولَحَدَ‏:‏ لغتان، فمن قرأ بهما أراد الأخذ باللغتين، فكأن الإلحاد‏:‏ العدول عن الاستقامة، وقال ابن قتيبة‏:‏ يجورون عن الحق ويعدلون؛ ‏[‏فيقولون اللات والعزى ومناة وأشباه ذلك‏]‏ ومنه لَحْدُ القبر، لأنه في جانب‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ولا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسمِّ به نفسه، فيقول‏:‏ يا جواد، ولا يقول‏:‏ يا سخي، ويقول‏:‏ يا قوي، ولا يقول‏:‏ يا جلْد، ويقول‏:‏ يا رحيم، ولا يقول‏:‏ يا رفيق، لأنه لم يصف نفسه بذلك‏.‏ قال أبو سليمان الخطابي‏:‏ ودليل هذه الآية أن الغلط في أسمائه والزيغ عنها إلحادٌ، ومما يُسمع على ألسنة العامة قولهم‏:‏ يا سبحانُ، يا برهانُ، وهذا مهجور مستهجن لا قدوة فيه، وربما قال بعضهم‏:‏ يا رب طه ويس‏.‏ وقد أنكر ابن عباس على رجل قال‏:‏ يا رب القرآن‏.‏ وروي عن ابن عباس أن إلحادهم في أسمائه أنهم سمَّوا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فاشتقوا اللات من الله، والعزَّى من العزيز، ومناة من المنَّان‏.‏

فصل

والجمهور على أن هذه الآية محكمة، لأنها خارجة مخرج التهديد، كقوله‏:‏ ‏{‏ذرني ومن خلقت وحيداً‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 11‏]‏، وقد ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية القتال، لأن قوله‏:‏ ‏{‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏}‏ يقتضي الإِعراض عن الكفار، وهذا قول ابن زيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏181‏]‏

‏{‏وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ‏(‏181‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وممن خلقنا أمة يهدون بالحق‏}‏ أي‏:‏ يعملون به، ‏{‏وبه يعدلون‏}‏ أي‏:‏ وبالعمل به يعدلون‏.‏ وفيمن أُريد بهذه الآية أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون باحسان من هذه الأمة، قاله ابن عباس‏.‏ وكان ابن جريج‏:‏ يقول‏:‏ ذُكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «هذه أُمتي، بالحق يأخذون ويعطون ويقضون» وقال قتادة‏:‏ بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تلا هذه الآية قال‏:‏ «هذه لكم وقد أعطي القومُ مثلها» ثم يقرأ‏:‏ ‏{‏ومن قوم موسى أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 159‏]‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم من جميع الخلق، قاله ابن السائب‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم الأنبياء‏.‏ والرابع‏:‏ أنهم العلماء‏.‏ ذكر القولين الماوردي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏182- 183‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏182‏)‏ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ‏(‏183‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كذَّبوا بآياتنا‏}‏ قال أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ هم أهل مكة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت في المستهزئين من قريش‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سنستدرجهم‏}‏ قال الخليل بن أحمد‏:‏ سنطوي أعمارهم في اغترار منهم‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ الاستدراج‏:‏ أن يُتدرج إلى الشيء في خُفية قليلاً قليلاً ولا يُهجم عليه، وأصله‏:‏ من الدَّرَجة، وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مَرقاة مرقاة؛ ومنه‏:‏ دَرَجَ الكتابَ‏:‏ إذا طواه شيئاً بعد شيء؛ ودرج القوم‏:‏ إذا ماتوا بعضُهم في إثر بعض‏.‏ وقال اليزيدي‏:‏ الاستدراج‏:‏ أن يأتيه من حيث لا يعلم‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ هو ان يذيقهم من بأسه قليلاً قليلاً من حيث لا يعلمون، ولا يباغتهم به ولا يجاهرهم‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ سنأخذهم قليلاً قليلاً من حيث لا يحتسبون؛ وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعم ما يغتبطهم به ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرَّتهم أغفل ما يكونون‏.‏ قال الضحاك‏:‏ كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏من حيث لا يعلمون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ من حيث لا يعلمون بالاستدراج‏.‏ والثاني‏:‏ بالهلكة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأُملي لهم‏}‏ الإملاء‏:‏ الإمهال والتأخير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن كيدي متين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ إن مَكري شديد‏.‏ وقال ابن فارس‏:‏ الكيد‏:‏ المكر؛ فكل شيء عالجته فأنت تَكيدُه‏.‏ قال المفسرون‏:‏ مكر الله وكيده‏:‏ مجازاة أهل المكر والكيد على نحو ما بينا في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ و‏[‏آل عمران‏:‏ 54‏]‏ من ذِكر الاستهزاء والخداع والمكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏184- 186‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏184‏)‏ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ‏(‏185‏)‏ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏186‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جِنَّة‏}‏ سبب نزولها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علا على الصفا ليلة، ودعا قريشاً فخذاً فخذاً‏:‏ يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذَّرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم‏:‏ إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوِّت حتى الصباح، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، وقتادة‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جِنة، أي‏:‏ جنون، فحثَّهم على التفكر في أمره ليعلموا أنه بريء من الجنون‏.‏ ‏{‏إن هو‏}‏ أي‏:‏ ما هو ‏{‏إلا نذير‏}‏ أي‏:‏ مخوِّف ‏{‏مبين‏}‏ يبيِّن طريق الهدى‏.‏ ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال‏:‏ ‏{‏أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض‏}‏ ليستدلوا على أن لها صانعاً مدبراً؛ وقد سبق بيان الملكوت في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 75‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم‏}‏ قرأ ابن مسعود، وأبيٌّ والجحدري‏:‏ «آجالهم»‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ أولم ينظروا في الملكوت وفيما خلق الله من الأشياء كلِّها، وفي أنْ عسى أن تكون آجالهم قد قربت فيهلِكوا على الكفر، ويصيروا إلى النار ‏{‏فبأي حديث بعده يؤمنون‏}‏ يعني القرآن وما فيه من البيان‏.‏ ثم ذكر سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال‏:‏ ‏{‏من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر‏:‏ «ونذرهم» بالنون والرفع‏.‏ وقرأ أبو عمرو‏:‏ بالياء والرفع‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي‏:‏ «ويذرْهُم» بالياء مع الجزم خفيفة‏.‏ فمن قرأ بالرفع، استأنف، ومن جزم «ويذرْهم» عطفَ على موضع الفاء‏.‏ قال سيبويه‏:‏ وموضعها جزْم؛ فالمعنى‏:‏ من يضلل الله يَذَرْه؛ وقد سبق في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ معنى الطغيان والعَمَه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏187‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏187‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة‏}‏ في سبب نزولها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن قوماً من اليهود قالوا‏:‏ يا محمد، أخبرنا متى الساعة‏؟‏ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن قريشاً قالت‏:‏ يا محمد، بيننا وبينك قرابة، فبيِّن لنا متى الساعة‏؟‏ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة‏.‏ وقال عروة‏:‏ الذي سأله عن الساعة عتبة بن ربيعة‏.‏ والمراد بالساعة هاهنا‏:‏ التي يموت فيها الخلق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أيان مرساها‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ أي‏:‏ متى مُرساها‏؟‏ أي‏:‏ منتهاها‏.‏ ومرسا السفينة‏:‏ حيث تنتهي‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ ‏{‏أيّان‏}‏‏:‏ بمعنى‏:‏ متى؛ و«متى» بمعنى‏:‏ أيّ حين، ونرى أن أصلها أيّ أوانٍ، فحذفت الهمزة ‏[‏والواو‏]‏، وجعل الحرفان واحداً، ومعنى الآية‏:‏ متى ثبوتها‏؟‏ يقال‏:‏ رسا في الأرض، أي‏:‏ ثبت، ومنه قيل للجبال‏:‏ رواسي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ومعنى الكلام‏:‏ متى وقوعها‏؟‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند ربي‏}‏ أي‏:‏ قد استأثر بعلمها ‏{‏لا يُجَلِّيها‏}‏ أي‏:‏ لا يظهرها في وقتها ‏{‏إلا هو‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثقلت في السموات والأرض‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ثَقُل وقوعها على أهل السموات والأرض، قاله ابن عباس، ووجهه أن الكلَّ يخافونها، محسنهم ومسيئهم‏.‏

والثاني‏:‏ عظُم شأنها في السموات والأرض، قاله عكرمة، ومجاهد، وابن جريج‏.‏

والثالث‏:‏ خفي أمرها، فلم يُعلم متى كونها، قاله السدي‏.‏

والرابع‏:‏ أن «في» بمعنى «على» فالمعنى‏:‏ ثقلت على السموات والأرض، قاله قتادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تأتيكم إلا بغتة‏}‏ أي‏:‏ فجأة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كأنك حَفِيٌّ عنها‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه من المقدَّم والمؤخَّر، فتقديره‏:‏ يسألونك عنها كأنك حفي، أي‏:‏ بَرٌّ بهم، كقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان بي حفياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 47‏]‏‏.‏ قال العوفي عن ابن عباس، وأسباط عن السدي‏:‏ كأنك صديق لهم‏.‏

والثاني‏:‏ كأنك حفي بسؤالهم، مجيب لهم‏.‏ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ كأنك يعجبك سؤالهم‏.‏ وقال خصيف عن مجاهد‏:‏ كأنك تحبُّ أن يسألوك عنها‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ كأنك فَرِح بسؤالهم‏.‏

والثالث‏:‏ كأنك عالم بها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ابن زيد، والفراء‏.‏

والرابع‏:‏ كأنك استحفيت السؤال عنها حتى علمتها، قاله ابن ابي نجيح عن مجاهد‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ كأنك سؤول عنها‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ كأنك معنيٌّ بطلب علمها‏.‏ وقال ابن الانباري‏:‏ فيه تقديم وتأخير، تقديره‏:‏ يسألونك عنها كأنك حفيٌّ بها، والحفيُّ في كلام العرب‏:‏ المعنيُّ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند الله‏}‏ أي‏:‏ لا يعلمها إلا هو ‏{‏ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ قال مقاتل في آخرين‏:‏ المراد بالناس هاهنا‏:‏ أهل مكة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لا يعلمون‏}‏ قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ لا يعلمون أنها كائنة، قاله مقاتل‏.‏ والثاني‏:‏ لا يعلمون أن هذا مما استأثر الله بعلمه، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏188‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏188‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضَراً‏}‏ سبب نزولها‏:‏ أن أهل مكة قالوا‏:‏ يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو، فتشتري فتربح، وبالأرض التي تريد أن تُجدب، فترتحل عنها إلى ما قد أخصب‏؟‏ فنزلت هذه الآية، روي عن ابن عباس‏.‏ وفي المراد بالنفع والضر قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه عامّ في جميع ما ينفع ويضر، قاله الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أن النفع‏:‏ الهدى، والضَّر‏:‏ الضلالة، قاله ابن جريج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما شاء الله‏}‏ أي‏:‏ إلا ما أراد أن أملكه بتمليكه إياي؛ ومن هو على هذه الصفة فكيف يعلم علم الساعة‏؟‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو كنت أعلم الغيب‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ لو كنت أعلم بجدب الأرض وقحط المطر قبل كون ذلك لهيَّأت لسنة الجدب ما يكفيها، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ لو كنت أعلم ما أربح فيه إذا اشتريته لاستكثرت من الخير، قاله الضحاك عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، قاله مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ لو كنت أعلم ما أسأل عنه من الغيب لأَجبت عنه‏.‏ ‏{‏وما مسني السوء‏}‏ أي‏:‏ لم يلحقني تكذيب، قاله الزجاج‏.‏ فأما الغيب‏:‏ فهو كل ما غاب عنك‏.‏ ويخرج في المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه العمل الصالح‏.‏ والثاني‏:‏ المال‏.‏ والثالث‏:‏ الرزق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما مسنيَ السوء‏}‏ فيه أربعة اقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الفقر، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ أنه كل ما يسوء، قاله ابن زيد‏.‏ والثالث‏:‏ الجنون، قاله الحسن‏.‏ والرابع‏:‏ التكذيب، قاله الزجاج‏.‏ فعلى قول الحسن، يكون هذا الكلام مبتدأ، والمعنى‏:‏ وما بي من جنون إنما أنا نذير، وعلى باقي الأقوال يكون متعلقاً بما قبله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏189- 190‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏189‏)‏ فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏190‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي خلقكم من نفس واحدة‏}‏ يعني بالنفس‏:‏ آدم، وبزوجها‏:‏ حواء‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏ليسكن إليها‏}‏ ليأنس بها ويأوي إليها‏.‏ ‏{‏فلما تغشَّاها‏}‏ أي‏:‏ جامعها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وهذا أحسن كناية عن الجماع‏.‏ والحمل، بفتح الحاء‏:‏ ما كان في بطن، أو أخرجتْه شجرة‏.‏ والحمل، بكسر الحاء‏:‏ ما يُحمل‏.‏ والمراد بالحمل الخفيف‏:‏ الماء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمرَّتْ به‏}‏ أي‏:‏ استمرَّت به، قعدت وقامت ولم يُثقلها‏.‏ وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك‏:‏ «فاستمرت به»‏.‏ وقرأ أُبَيُّ بن كعب، والجوني‏:‏ «استمارَّت به» بزيادة ألف‏.‏ وقرأ عبد الله ابن عمرو، والجحدري‏:‏ «فمارَّت به» بألف وتشديد الراء‏.‏ وقرأ أبو العالية، وأيوب، ويحيى بن يعمر‏:‏ «فَمَرَتْ به» خفيفة الراء، أي‏:‏ شكّت وتمارت أحملت، أم لا‏؟‏ ‏{‏فلما أثقلت‏}‏ أي‏:‏ صار حملها ثقيلاً‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ صارت ذا ثقل‏.‏ يقال‏:‏ أثمرنا، أي‏:‏ صرنا ذوي ثمر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏دعَوا الله ربهما‏}‏ يعني آدم وحواء ‏{‏لئن آتيتنا صالحاً‏}‏ وفي المراد بالصالح قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الإنسان المشابه لهما، وخافا أن يكون بهيمة، هذا قول الأكثرين‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الغلام، قاله الحسن، وقتادة‏.‏

شرح السبب في دعائهما

ذكر أهل التفسير أن إبليس جاء حواء، فقال‏:‏ ما يدريك ما في بطنكِ، لعله كلب أو خنزير أو حمار؛ وما يدريك من أين يخرج، أيشق بطنك أم يخرج من فيك، أو من منخريك‏؟‏ فأحزنها ذلك، فدعوا الله حينئذ، فجاء إبليس‏:‏ فقال‏:‏ كيف تجدينك‏؟‏ قالت‏:‏ ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال‏:‏ أفرأيت إن دعوت الله، فجعله إنساناً مثلك، ومثل آدم، أتسمينه باسمي‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فلما ولدته سويَّاً، جاءها إبليس فقال‏:‏ لم لا تُسمِّينه بي كما وعدتني‏؟‏ فقالت‏:‏ وما اسمك‏؟‏ قال‏:‏ الحارث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فسمته‏:‏ عبد الحارث، وقيل‏:‏ عبد شمس برضى آدم، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء‏}‏ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم‏:‏ «شركاء» بضم الشين والمدّ، جمع شريك‏.‏ وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «شِركاً» مكسورة الشين على المصدر، لا على الجمع‏.‏ قال أبو علي‏:‏ من قرأ «شِرْكاً» حذف المضاف، كأنه أراد‏:‏ جعلا له ذا شِرك، وذوي شريك؛ فيكون المعنى‏:‏ جعلا لغيره شِركاً، لأنه إذا كان التقدير‏:‏ جَعلا له ذوي شرك، فالمعنى‏:‏ جعلا لغيره شركاً، وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ «شركاء»‏.‏ وقال غيره‏:‏ معنى «شركاء» شريكاً، فأوقع الجمع موقع الواحد كقوله‏:‏ ‏{‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏ والمراد بالشريك‏:‏ إبليس، لأنهما أطاعاه في الاسم، فكان الشرك في الطاعة، لا في العبادة؛ ولم‏.‏

يقصدا أن الحارثَ ربُّهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما؛ وقد يُطلَق العبد على من ليس بمملوك‏.‏

قال الشاعر‏:‏

وإني لَعبدُ الضَّيف ما دَامَ ثَاوياً *** وما فيَّ إلا تِلْكَ مَنْ شِيْمَةِ العَبْدِ

وقال مجاهد‏:‏ كان لا يعيش لآدم ولد، فقال الشيطان‏:‏ إذا وُلد لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فأطاعاه في الاسم، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏جعلا له شركاء فيما آتاهما‏}‏ هذا قول الجمهور، وفيه قول ثان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ ما أشرك آدم، إن أول الآية لَشكر، وآخرها مَثَل ضربه الله لمن يعبده في قوله‏:‏ ‏{‏جعلا له شركاء فيما آتاهما‏}‏‏.‏ وروى قتادة عن الحسن قال‏:‏ هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوَّدوهم ونصَّروهم‏.‏ وروي عن الحسن، وقتادة قالا‏:‏ الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏جعلا له شركاء‏}‏ عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم، لا إلى آدم وحواء‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير راجع إلى الولد الصالح، وهو السليم الخلْق، فالمعنى‏:‏ جعل له ذلك الولدُ شركاء‏.‏ وإنما قيل‏:‏ ‏{‏جعلا‏}‏ لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأُنثى‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء‏.‏ فتأويل الآية‏:‏ فلما آتاهما صالحاً جعل أولادُهُما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال‏:‏ ‏{‏وسأل القرية‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وذهب السدي إلى أن قوله‏:‏ ‏{‏فتعالى الله عما يشركون‏}‏ في مشركي العرب خاصة، وأنها مفصولة عن قصة آدم وحواء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏191‏]‏

‏{‏أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ‏(‏191‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أيشركون ما لا يخلق شيئاً‏}‏ قال ابن زيد‏:‏ هذه لآدم وحواء حيث سمّيا ولدهما عبد شمس، والشمس لا تخلق شيئاً‏.‏ وقال غيره‏:‏ هذا راجع إلى الكفار حيث أشركوا بالله الاصنام، وهي لا تخلق شيئاً وقوله‏:‏ ‏{‏وهم يُخلَقون‏}‏ أي‏:‏ وهي مخلوقة‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ وإنما قال‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وهم يُخلَقون‏}‏ لأن ‏{‏ما‏}‏ تقع على الواحد والاثنين والجميع؛ وإنما قال‏:‏ ‏{‏وهم‏}‏ وهو يعني الأصنام، لأن عابديها أدّعَوا أنها تعقل وتميِّز، فأجريت مجرى الناس، فهو كقوله‏:‏ ‏{‏رأيتهم لي ساجدين‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 4‏]‏ وقوله ‏{‏يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 18‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وكل في فلك يسبحون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 40‏]‏، قال الشاعر‏:‏

تمزَّزْتُها والدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ *** إذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دنَوْا فتصوَّبُوا

وأنشد ثعلب لعبدة بن الطبيب‏:‏

إذْ أشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعُو بَعْضَ أُسْرَتِه *** لَدَى الصَّبَاحِ وَهُمْ قَوْمٌ مَعَازِيْلُ

لمّا جعله يدعو، جعل الدِّيَكَة قوماً، وجعلهم معازيل، وهم الذين لا سلاح معهم، وجعلهم أُسرة؛ وأسرة الرجل‏:‏ رهطه وقومه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏192‏]‏

‏{‏وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ‏(‏192‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يستطيعون لهم نصراً‏}‏ يقول‏:‏ إن الأصنام لا تستطيع نصر مَنْ عبدها، ولا تمنع مِن نفسها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏193‏]‏

‏{‏وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ‏(‏193‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تدعوهم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إلى الأصنام، فالمعنى‏:‏ وإن دعوتم أيها المشركون أصنامكم إلى سبيل رشاد لا يتبعوكم، لأنهم لا يعقلون‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ترجع إلى الكفار، فالمعنى‏:‏ وإن تدع يا محمد هؤلاء المشركين إلى الهدى، لا يتَّبعوكم، فدعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء، لأنهم لا ينقادون إلى الحق‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ «لا يَتْبعوكم» بسكون التاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏194- 196‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏194‏)‏ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ‏(‏195‏)‏ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ‏(‏196‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين تدعون من دون الله‏}‏ يعني الأصنام ‏{‏عبادٌ أمثالكم‏}‏ في أنهم مسخَّرون مذلَّلون لأمر الله‏.‏ وإنما قال «عباد» وقال‏:‏ ‏{‏فادعوهم‏}‏، وإن كانت الأصنام جماداً، لما بيَّنا عند قوله‏:‏ ‏{‏وهم يُخلقون‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فليستجيبوا لكم‏}‏ أي‏:‏ فليجيبوكم ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ أنَّ لكم عندهم نفعاً وثواباً‏.‏ ‏{‏ألهم أرجل يمشون بها‏}‏ في المصالح ‏{‏أم لهم أيد يبطشون بها‏}‏ في دفع ما يؤذي‏.‏ وقرأ أبو جعفر «يبطُشون» بضم الطاء هاهنا وفي ‏[‏القصص‏:‏ 19‏]‏ و‏[‏الدخان‏:‏ 16‏]‏‏.‏ ‏{‏أم لهم أعين يبصرون بها‏}‏ المنافع من المضار ‏{‏أم لهم آذان يسمعون بها‏}‏ تضرعكم ودعاءكم‏؟‏ وفي هذا تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين، وتوبيخ لهم حيث عبدوا مَنْ هم أفضل منه‏.‏ ‏{‏قل ادعوا شركاءكم‏}‏ قال الحسن‏:‏ كانوا يخوِّفونه بآلهتهم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ادعوا شركاءكم‏}‏، ‏{‏ثم كيدوني‏}‏ أنتم وهم ‏{‏فلا تنظرون‏}‏ أي‏:‏ لا تؤخِّروا ذلك‏.‏ وكان ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، يقرؤون‏:‏ ‏{‏ثم كيدون‏}‏ بغير ياء في الوصل والوقف‏.‏ وقرأ أبو عمرو، ونافع‏:‏ في رواية ابن حماد بالياء في الوصل‏.‏ وروى ورش، وقالون، والمسيِّبي‏:‏ بغير ياء في الوصل، ولا وقف‏.‏ فأما ‏{‏تنظرون‏}‏ فأثبت فيها الياء يعقوب في الوصل والوقف‏.‏ ‏{‏إن وَليِّيَ الله‏}‏ أي‏:‏ ناصري ‏{‏الذي نزَّل الكتاب‏}‏ وهو القرآن، أي‏:‏ كما أيَّدني بانزال الكتاب ينصرني‏.‏