فصل: تفسير الآيات رقم (26- 27)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


سورة التوبة

فصل في نزولها

هي مدنية باجماعهم، سوى الآيتين في آخرها‏:‏ ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 128‏]‏ فانها نزلت بمكة‏.‏ روى البخاري في «صحيحه» من حديث البراء قال‏:‏ آخر سورة نزلت ‏(‏براءة‏)‏‏.‏ وقد نُقل عن بعض العرب أنه سمع قارئاً يقرأ هذه السورة، فقال الأعرابي‏:‏ إني لأحسب هذه من آخر ما نزل من القرآن‏.‏ قيل له‏:‏ ومن أين علمت‏؟‏ فقال‏:‏ إني لأسمع عهوداً تُنْبَذُ ووصايا تُنَفَّذ‏.‏

فصل

واختلفوا في أول ما نزل من ‏(‏براءة‏)‏ على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن أول ما نزل منها قوله ‏{‏لقد نصركم الله في مواطن كثيرة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 25‏]‏ قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ ‏{‏انفروا خفافاً وثقالاً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 41‏]‏ قاله أبو الضحى، وأبو مالك‏.‏

والثالث‏:‏ ‏{‏إلاَّ تنصروه‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏ قاله مقاتل‏.‏ وهذا الخلاف إنما هو في أول ما نزل منها بالمدينة، فانهم قد قالوا‏:‏ نزلت الآيتان اللتان في آخرها بمكة‏.‏

فصل

ولها تسعة أسماء‏.‏

أحدها‏:‏ سورة التوبة‏.‏

والثاني‏:‏ براءة؛ وهذان مشهوران بين الناس‏.‏

والثالث‏:‏ سورة العذاب، قاله حذيفة‏.‏

والرابع‏:‏ المُقَشْقِشَة، قاله ابن عمر‏.‏

والخامس‏:‏ سورة البَحوث، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين، قاله المقداد بن الأسود‏.‏

والسادس‏:‏ الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، قاله ابن عباس‏.‏

والسابع‏:‏ المبعثِرة، لأنها بعثرت أخبار الناس، وكشفت عن سرائرهم، قاله الحارث بن يزيد، وابن إسحاق‏.‏

والثامن‏:‏ المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله قتادة‏.‏

والتاسع‏:‏ الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، قاله الزجاج‏.‏

فصل

وفي سبب امتناعهم من كتابة التسمية في أولها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ رواه ابن عباس قال‏:‏ قلت لعثمان بن عفان‏:‏ ما حملكم على أن عمدتم إلى ‏(‏الأنفال‏)‏ وهي من المثاني، وإلى ‏(‏براءة‏)‏ وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم»‏؟‏ فقال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه الشيء يدعو بعضَ مَن يكتب، فيقول‏:‏ ‏"‏ ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ‏"‏، وكانت ‏(‏الأنفال‏)‏ من أوائل ما نزل بالمدينة، و‏(‏براءة‏)‏ من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُبيِّن لنا أنها منها، فظننا أنها منها، فمن ثَمَّ قرنتُ بينهما ولم أكتب بينهما‏:‏ «بسم الله الرحمن الرحيم»‏.‏ وذُكر نحو هذا المعنى عن أُبَيِّ بن كعب‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والشبه الذي بينهما‏:‏ أن في ‏(‏الأنفال‏)‏ ذكر العهود، وفي ‏(‏براءة‏)‏ نقضها‏.‏ وكان قتادة يقول‏:‏ هما سورة واحدة‏.‏

والثاني‏:‏ رواه محمد بن الحنفية، قال‏:‏ قلت لأبي‏:‏ لِمَ لم تكتبوا في ‏(‏براءة‏)‏ «بسم الله الرحمن الرحيم»‏؟‏ فقال‏:‏ يا بنيَّ، إن ‏(‏براءة‏)‏ نزلت بالسيف وإن «بسم الله الرحمن الرحيم» أمانٌ‏.‏ وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال‏:‏ لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين‏.‏

والثالث‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كتب في صلح الحديبية «بسم الله الرحمن الرحيم» لم يقبلوها وردُّوها، فما ردها الله عليهم، قاله عبد العزيز بن يحيى المكي‏.‏

فصل

فأما سبب نزولها، فقال المفسرون‏:‏ أخذت العرب تنقض عهوداً بَنَتْها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بالقاء عهودهم إليهم، فأنزل ‏(‏براءة‏)‏ في سنة تسع، ‏"‏ فبعث رسول الله أبا بكر أميراً على الموسم ليقيم للناس الحج في تلك السنة، وبعث معه صدراً من ‏(‏براءة‏)‏ ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار، دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علياً فقال‏:‏ «اخرج بهذه القصة من صدر ‏(‏براءة‏)‏ وأذِّن في الناس بذلك» فخرج عليٌّ على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر، فرجع أبو بكر فقال‏:‏ يا رسول الله، أُنزِل في شأني شيء‏؟‏ قال‏:‏ «لا، ولكن لا يبلغ عني إلا رجل مني، أما ترضى أنك كنتَ صاحبي في الغار، وأنك صاحبى على الحوض‏؟‏» قال‏:‏ بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميراً على الحج، وسار علي ليؤذِّن ب ‏(‏براءة‏)‏ ‏"‏‏.‏ فصل

وفي عدد الآيات التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول ‏(‏براءة‏)‏ خمسة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ أربعون آية، قاله عليٌّ عليه السلام‏.‏ والثاني‏:‏ ثلاثون آية، قاله أبو هريرة‏.‏ والثالث‏:‏ عشر آيات، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ والرابع‏:‏ سبع آيات، رواه ابن جريج عن عطاء‏.‏ والخامس‏:‏ تسع آيات، قاله مقاتل‏.‏

فصل

فان توهَّم مُتَوهِّمٌ أن في أخذ ‏(‏براءة‏)‏ من أبي بكر، وتسليمها إلى عليٍّ، تفضيلاً لعليٍّ على أبي بكر، فقد جهل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجرى العرب في ذلك على عادتهم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وقد جرت عادة العرب في عقد عهدها ونقضها، أن يتولىَّ ذلك على القبيلة رجل منها، وجائز أن تقول العرب إذا تلا عليها نقضَ العهد مَن ليس من رهط النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هذا خلاف ما نعرف فينا في نقض العهود، فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم العلَّة بما فعل‏.‏ وقال عمرو ابن بحر‏:‏ ليس هذا بتفضيل لعليٍّ على أبي بكر، وإنما عاملهم بعادتهم المتعارفة في حَلِّ العقد، وكان لا يتولىَّ ذلك إلا السَّيِّدُ منهم، أو رجل من رهطه دَنِيّاً، كأخ، أو عم؛ وقد كان أبو بكر في تلك الحَجة الإمام، وعليٌّ يأتمُّ به، وأبو بكر الخطيب، وعليٌّ يسمع‏.‏ وقال أبو هريرة‏:‏ بعثني أبو بكر في تلك الحجة مع المؤذِّنين الذين بعثهم يؤذِّنون بمنى‏:‏ أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأذَّن معنا علي ب ‏(‏براءة‏)‏ وبذلك الكلام‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ بعث رسولُ الله علياً يؤذن بأربع كلمات‏:‏ ‏{‏ألا لا يحج بعد العام مشرك، ألا ولا يطوف بالبيت عريان، ألا ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ألا ومن كانت بينه وبين محمد مدَّة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله‏}‏‏.‏

فصل

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏1‏)‏‏}‏

فأما التفسير، فقوله تعالى‏:‏ ‏(‏براءة‏)‏ قال الفراء‏:‏ هي مرفوعة باضمار «هذه»، ومثلُهُ‏:‏ ‏{‏سورة أنزلناها‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 2‏]‏‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يقال بَرِئْتُ من الرجل والدَّيْن براءةً، وبرئتُ من المرض، وبرأتُ أيضاً أبرأُ بُرءاً، وقد رووا‏:‏ برأْتُ، أبرُؤ بروءاً‏.‏ ولم نجد في مالامه همزة‏:‏ فَعَلْتُ أفعل، إلا هذا الحرف‏.‏ ويقال‏:‏ بريت القلم، وكل شيء نحتَّه‏:‏ أبريه بَرْياً، غير مهموز‏.‏ وقرأ أبو رجاء، ومورق، وابن يعمر‏:‏ ‏(‏براءةً‏)‏ بالنصب‏.‏ قال المفسرون‏:‏ والبراءة هاهنا‏:‏ قطع الموالاة، وارتفاع العصمة‏.‏ وزوال الأمان‏.‏ والخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏إلى الذين عاهدتم‏}‏ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرادُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الذي كان يتولَّى المعاهدة، وأصحابُه راضون؛ فكأنهم بالرضا عاهدوا أيضاً؛ وهذا عام في كل من عاهد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هم ثلاثة أحياء من العرب‏:‏ خزاعة، وبنو مدلج، وبنو جذَيمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسيحوا في الأرض‏}‏ أي‏:‏ انطلقوا فيها آمنين لا يقع بكم مِنَّا مكروه‏.‏

إن قال قائل‏:‏ هذه مخاطبة شاهد، والآية الأولى إخبار عن غائب، فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه جائز عند العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب‏.‏ قال عنترة‏:‏

شَطَّتْ مَزارُ العاشِقينَ فأصبَحتْ *** عَسِراً عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ

هذا قول أبي عبيدة‏.‏

والثاني‏:‏ أن في الكلام إضماراً، تقديره‏:‏ فقل لهم سيحوا في الارض، أي‏:‏ اذهبوا فيها، وأقبلوا، وأدبروا، وهذا قول الزجاج‏.‏

واختلفوا‏.‏ فيمن جُعلت له هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها أمان لأصحاب العهد، فمن كان عهده أكثر منها، حُطَّ إليها، ومن كان عهده أقل منها، رفع إليها، ومن لم يكن له عهد، فأجله انسلاخ المحرَّم خمسون ليلة، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ أنها للمشركين كافَّةً، مَنْ له عهد، ومَنْ ليس له عهد، قاله مجاهد، والزهري، والقرظي‏.‏

والثالث‏:‏ أنها أجل لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنه أقلَّ من أربعة أشهر، أو كان أمانه غير محدود؛ فأما من لا أمان له، فهو حرب، قاله ابن إِسحاق‏.‏

والرابع‏:‏ أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهد؛ فأما أرباب العهود، فهم على عهودهم إلى حين انقضاء مُددهم، قاله ابن السائب‏.‏ ويؤكده ما روي‏:‏ أن علياً نادى يومئذ‏:‏ ومَن كان بينه وبين رسول الله عهد، فعهده إلى مدَّته‏.‏ وفي بعض الألفاظ‏:‏ فأجله أربعة أشهر‏.‏ واختلفوا في مدة هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الأشهر الحرم، رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن أولها يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، قاله مجاهد، والسدي، والقرظي‏.‏

والثالث‏:‏ أنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأن هذه الآية نزلت في شوال، قاله الزهري‏.‏ قال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ وهذا أضعف الأقوال، لأنه لو كان كذلك، لم يجز تأخير إعلامهم به إلى ذي الحجة، إذ كان لا يلزمهم الأمر إلا بعد الإعلام‏.‏

والرابع‏:‏ أن أولها العاشر من ذي القعدة، وآخرها العاشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم، ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة، وفيها حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ «إن الزمان قد استدار» ذكره الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعلموا أنكم غير معجزي الله‏}‏ أي‏:‏ وإن أُجِّلْتُمْ هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن الله مخزي الكافرين‏}‏ قال الزجاج‏:‏ الأجود‏:‏ فتح ‏{‏أن‏}‏ على معنى‏:‏ اعلموا أن، ويجوز كسرها على الاستئناف، وهذا ضمان من الله نصرة المؤمنين على الكافرين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأذان من الله ورسوله‏}‏ أي‏:‏ إعلام؛ ومنه أَذان الصلاة‏.‏ وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعكرمة، والجحدري، وابن يعمر‏:‏ ‏{‏وَإِذْنٌ‏}‏ بكسر الهمزة وقصرها ساكنة الذال من غير ألف‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى الناس‏}‏ أي‏:‏ للناس‏.‏ يقال‏:‏ هذا إعلام لك، وإليك‏.‏ والناس هاهنا عامّ في المؤمنين والمشركين‏.‏ وفي يوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب، وابن الزبير، وأبو جحيفة، وطاووس، وعطاء‏.‏

والثاني‏:‏ يوم النحر، قاله أبو موسى الأشعري، والمغيرة ابن شعبة، وعبد الله ابن أبي أوفى، وابن المسيب، وابن جبير، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، والزهري، وابن زيد، والسدي في آخرين‏.‏ وعن علي، وابن عباس، كالقولين‏.‏

والثالث‏:‏ أنه أيام الحج كلُّها‏.‏ فعبَّر عن الأيام باليوم، قاله سفيان الثوري‏.‏ قال سفيان‏:‏ كما يقال‏:‏ يوم بعاث، ويوم الجمل، ويوم صفِّين يراد به‏:‏ أيام ذلك، لان كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً‏.‏ وعن مجاهد كالأقوال الثلاثة‏.‏

وفي تسميته بيوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه سمَّاه بذلك لأنه اتفق في سنة حج فيها المسلمون والمشركون، ووافق ذلك عيدَ اليهود والنصارى، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ أن الحج الأكبر‏:‏ هو الحج، والأصغر‏:‏ هو العمرة، قاله عطاء، والشعبي‏.‏

والثالث‏:‏ أن الحج الأكبر‏:‏ القِران، والأصغر‏:‏ الإفراد، قاله مجاهد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله بريء‏}‏ وقرأ الحسن، ومجاهد، وابن يعمر‏:‏ «إِن الله» بكسر الهمزة‏.‏ ‏{‏من المشركين‏}‏ أي‏:‏ من عهد المشركين، فحذف المضاف‏.‏ ‏{‏ورسولُه‏}‏ رفعٌ على الابتداء، وخبره مضمر على معنى‏:‏ ورسولُه أيضا بريء‏.‏ وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن يعمر، وزيد عن يعقوب‏:‏ «ورسولَه» بالنصب‏.‏ ثم رجع إلى خطاب المشركين بقوله‏:‏ ‏{‏فان تبتم‏}‏ أي‏:‏ رجعتم عن الشرك، ‏{‏وإن تولَّيتم‏}‏ عن الإيمان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا الذين عاهدتم من المشركين‏}‏ قال أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ فلما قرأ علي ‏(‏براءة‏)‏، قالت بنو ضمرة‏:‏ ونحن مثلهم أيضاً‏؟‏ قال‏:‏ لا، لأن الله تعالى قد استثناكم؛ ثم قرأ هذه الآية‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هم قوم كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ومدة، فأُمر أن يفي لهم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معنى الكلام‏:‏ وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوكم، فليسوا داخلين في البراءة مالم ينقضوا العهد‏.‏ قال القاضي أبو يعلى‏:‏ وفصل الخطاب في هذا الباب‏:‏ أنه قد كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين جميع المشركين عهد عامٌّ، وهو أن لا يُصدَّ أحدٌ عن البيت، ولا يُخافَ أحد في الشهر الحرام، فجعل الله عهدهم أربعة أشهر، وكان بينه وبين أقوام منهم عهود إلى آجال مسمَّاة، فأُمر بالوفاء لهم، وإتمام مدتهم إذا لم يُخش غدرهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاذا انسلخ الأشهر الحرم‏}‏ فيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الأربعة الأشهر التي جُعلت لهم فيها السياحة، قاله الحسن في آخرين‏.‏ فعلى هذا، سميت حُرُماً لأن دماء المشركين حرِّمت فيها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ أي‏:‏ مَن لم يكن له عهد ‏{‏حيث وجدتموهم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ في الحلِّ والحرم والأشهر الحرم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وخذوهم‏}‏ أي‏:‏ ائسروهم، والأخيذ‏:‏ الأسير ‏{‏واحصروهم‏}‏ أي‏:‏ احبسوهم؛ والحصر‏:‏ الحبس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ إن تحصَّنوا فاحصروهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واقعدوا لهم كل مرصد‏}‏ قال الأخفش‏:‏ أي على كل مرصد؛ فألقى «على» وأعمل الفعل، قال الشاعر‏:‏

نُغالي اللحمَ للأضيافِ نِيئاً *** ونُرخِصُه إذا نَضِجَ القُدُور

المعنى‏:‏ نغالي باللحم، فحذف الباء كما حذف «على»‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏كل مرصد‏}‏ ظرف، كقولك‏:‏ ذهبتُ مذهباً، فلستَ تحتاج أن تقول في هذه الآية إلا ما تقوله في الظروف، مثل‏:‏ خلف، وقُدّام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فان تابوا‏}‏ أي‏:‏ من شركهم‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأقاموا الصلاة وآتَوُا الزكاة‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ اعترفوا بذلك‏.‏ والثاني‏:‏ فعلوه‏.‏

فصل

واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن حكم الأسارى كان وجوبَ قتلهم، ثم نسخ بقوله‏:‏ ‏{‏فامّا منّاً بَعْدُ وإمّا فداءً‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 4‏]‏ قاله الحسن، وعطاء في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ بالعكس، وأنه كان الحكم في الأسارى، أنه لا يجوز قتلهم صبراً، وإنما يجوز المن أو الفداء بقوله‏:‏ ‏{‏فاما مَنَّاً بعدُ وإما فداءً‏}‏ ثم نُسخ بقوله ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ قاله مجاهد، وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أن الآيتين محكمتان، والأسير إذا حصل في يد الإمام، فهو مخيَّر، إن شاءَ مَنَّ عليه، وإن شاء فاداه، وإن شاء قتله صبراً، أيَّ ذلك رأى فيه المصلحة للمسلمين فعلَ، هذا قول جابر بن زيد، وعليه عامة الفقهاء، وهو قول الإمام أحمد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن أحد من المشركين استجارك‏}‏ قال المفسرون‏:‏ وإن أحد من المشركين الذين أمرتك بقتلهم استأمنك يبتغي أن يسمع القرآن وينظر فيما أُمر به ونُهي عنه، فأَجِرْه، ثم أبلغه الموضع الذي يأمن فيه‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم قوم لا يعلمون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ ذلك الذي أمرناك به من أن يُعرَّفوا ويُجاروا لجهلهم بالعلم‏.‏

والثاني‏:‏ ذلك الذي أمرناك به من ردِّه إلى مأمنه إذا امتنع من الإيمان، لأنهم قوم جهلة بخطاب الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كيف يكون للمشركين عهد‏}‏ أي‏:‏ لا يكون لهم ذلك ‏{‏إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام‏}‏ وفيهم ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم بنو ضمرة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قريش، قاله ابن عباس أيضاً‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فنكثوا وظاهروا المشركين‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم خزاعة، قاله مجاهد‏.‏ وذكر أهل العلم بالسِّيَر‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح سهيل بن عمرو في غزوة الحديبية، كتب بينه وبينه‏:‏ «هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكفُّ بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةً مكفوفةً، وأنَّه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنَّه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه ردَّه إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردُّوه، وأن محمداً يرجع عنَّا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا في قابل في أصحابه، فيقيم بها ثلاثاً، لا يدخل علينا بسلاح، إلا سلاح المسافر، السيوفَ في القُرب»‏.‏ فوثبتْ خزاعة‏.‏ فقالوا‏:‏ نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا‏:‏ نحن ندخل في عهد قريش وعقدها، ثم إن قريشاً أعانت بني بكر على خزاعة بالرجال والسلاح فبيَّتوا خزاعة ليلاً، فقتلوا منهم عشرين رجلاً‏.‏ ثم إن قريشاً ندمت على ما صَنَعَتْ، وعلموا أنَّ هذا نقضٌ للعهد والمدة التي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج قوم من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصابهم، فخرج إليهم وكانت غزاة الفتح‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ الإسلال‏:‏ السرقة، والإغلال‏:‏ الخيانة‏.‏ قال ابن الأعرابي‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأن بيننا عيبة مكفوفة‏}‏ مَثَل، أراد‏:‏ أنَّ صُلْحَنَا مُحْكَم مُسْتَوْثَقٌ منه، كأنه عيبة مشرجة‏.‏ وزعم بعض المفسرين أن قوله‏:‏ ‏{‏إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام‏}‏ نُسخ بقوله ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كيف وإن يظهروا عليكم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم، فحذف ذلك، لأنه قد سبق، قال الشاعر‏:‏

وخَبَّرُتماني أنَّما الموتُ بالقُرى *** فكيفَ وهذي هضبةٌ وقليبُ

أي‏:‏ فكيف مات وليس بقرية‏؟‏ ومثله قول الحطيئة‏:‏

فكيف ولم أَعْلَمْهُمُ خذلوكُمُ *** على مُعظَمٍ ولا أديمَكُمُ قَدُّوا

أي‏:‏ فكيف تلومونني على مدح قوم‏؟‏ واستغنى عن ذكر ذلك، لأنه قد جرى في القصيدة ما يدل على ما أضمر‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يظهروا‏}‏ يعني‏:‏ يقدروا ويظفروا‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏لا يرقبوا‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ لا يحفظوا‏.‏ والثاني‏:‏ لا يخافوا، قاله السدي‏.‏ والثالث‏:‏ لا يراعوا، قاله قطرب‏.‏

وفي الإلِّ خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه القرابة، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والسدي، ومقاتل، والفراء، وأنشدوا‏:‏

إنَّ الوشاة كثيرٌ إن أطعتهمُ *** لا يرقبون بنا إلاً ولا ذِمَمَا

وقال الآخر‏:‏

لعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيش *** كالِّ السَّقْبِ من رَأْلِ النَّعامِ

والثاني‏:‏ أنه الجوار، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الله تعالى، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة‏.‏

والرابع‏:‏ أنه العهد، رواه خصيف عن مجاهد، وبه قال ابن زيد، وأبو عبيدة‏.‏

والخامس‏:‏ أنه الحِلْف، قاله قتادة‏.‏ وقرأ عبد الله بن عمرو، وعكرمة، وأبو رجاء، وطلحة بن مصرّف‏:‏ ‏{‏إيلاً‏}‏ بياء بعد الهمزة‏.‏ وقرأ ابن السميفع، والجحدري‏:‏ ‏{‏ألاً‏}‏ بفتح الهمزة وتشديد اللام‏.‏ وفي المراد بالذمة ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها العهد، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ التذمم ممن لا عهد له، قاله أبو عبيدة، وأنشد‏:‏

لاَ يَرْقُبُوْنَ بِنَا إلاً ولا ذِمَمَا *** والثالث‏:‏ الأمان، قاله اليزيدي، واستشهد بقوله‏:‏ ‏{‏ويسعى بذمتهم أدناهم‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يرضونكم بأفواههم‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ يرضونكم بأفواههم في الوفاء، وتأبى قلوبهم إلا الغدر‏.‏

والثاني‏:‏ يرضونكم بأفواههم في العِدَة بالإيمان، وتأبى قلوبهم إلا الشرك‏.‏

والثالث‏:‏ يرضونكم بأفواههم في الطاعة، وتأبى قلوبهم إلا المعصية، ذكرهنَّ الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأكثرهم فاسقون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ خارجون عن الصِّدْق، ناكثون للعهد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 11‏]‏

‏{‏اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏9‏)‏ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ‏(‏10‏)‏ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً‏}‏ في المشار إليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قوم من اليهود، قاله أبو صالح‏.‏ فعلى الأول، آيات الله‏:‏ حججه‏.‏ وعلى الثاني‏:‏ هي آيات التوراة‏.‏ والثمن القليل‏:‏ ما حصَّلوه بدلاً من الآيات‏.‏ وفي وصفه بالقليل وجهان‏.‏

أحدهما‏:‏ لأنه حرام، والحرام قليل‏.‏ والثاني‏:‏ لأنه من عَرَض الدنيا الذي بقاؤه قليل‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏فصدوا عن سبيله‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ عن بيته، وذلك حين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية دخول مكة‏.‏ والثاني‏:‏ عن دينه يمنع الناس منه‏.‏ والثالث‏:‏ عن طاعته في الوفاء بالعهد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن نكثوا أيْمانهم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ نزلت في أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة ابن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله، فأُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسير إليهم فينصر خزاعة، وهم الذين همُّوا باخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأما النكث، فمعناه‏:‏ النقض‏.‏ والأَيمان هاهنا‏:‏ العهود‏.‏ والطعن في الدِّين‏:‏ أن يعاب، وهذا يوجب قتل الذميّ إذا طعن في الإسلام، لأن المأخوذ عليه أن لا يطعن فيه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقاتلوا أئمة الكفر‏}‏ قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ ‏{‏أئمة‏}‏ بتحقيق الهمزتين‏.‏ وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو‏:‏ بتحقيق الأولى وتليين الثانية‏.‏ والمراد بأئمة الكفر‏:‏ رؤوس المشركين وقادتهم‏.‏ ‏{‏إنهم لا أَيْمان لهم‏}‏ أي‏:‏ لا عهود لهم صادقة؛ هذا على قراءة من فتح الألف، وهم الأكثرون‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ «لا إِيمان لهم» بالكسر؛ وفيها وجهان ذكرهما الزجاج‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان، والثاني‏:‏ لا أمان لهم، تقول‏:‏ آمنته إيماناً، والمعنى‏:‏ فقد بطل أمانكم لهم بنقضهم‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏لعلهم ينتهون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ عن الشرك‏.‏ والثاني‏:‏ عن نقض العهود‏.‏

وفي «لعل» قولان‏.‏

احدهما‏:‏ أنها بمعنى الترجِّي، المعنى‏:‏ ليرجى منهم الانتهاء، قاله الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أنها بمعنى «كي»، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 15‏]‏

‏{‏أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏13‏)‏ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ‏(‏14‏)‏ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏15‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا تقاتلون قوماً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هذا على وجه التوبيخ، ومعناه‏:‏ الحضّ على قتالهم‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وهذا نزل في نقض قريش عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عاهدهم بالحديبية حيث أعانوا على خزاعة‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وهمُّوا باخراج الرسول‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم أبو سفيان في جماعة من قريش، كانوا فيمن همَّ باخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة‏.‏

والثاني‏:‏ انهم قوم من اليهود، غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا عهده وهمَّوا بمعاونة المنافقين على إخراجه من المدينة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم بدؤوكم أول مرة‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ بدؤوكم باعانتهم على حلفائكم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ بالقتال يوم بدر، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتخشَونهم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه‏؟‏‏!‏ فمكروه عذاب الله أحق أن يُخشى إن كنتم مصدِّقين بعذابه وثوابه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويشف صدور قوم مؤمنين‏}‏ قال ابن عباس، ومجاهد‏:‏ يعني‏:‏ خزاعة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويُذْهِبْ غيظ قلوبهم‏}‏ أي‏:‏ كَربها، وَوجْدها بمعونة قريشٍ بني بكر عليها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويتوبُ الله على من يشاء‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هو مستأنف، وليس بجواب ‏{‏قاتِلوهم‏}‏ وفيمن عُنِي به قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ بنو خزاعة، والمعنى‏:‏ ويتوب الله على من يشاء من بني خزاعة، قاله عكرمة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه عام في المشركين كما تاب على أبي سفيان، وعكرمة، وسهيل‏.‏ ‏{‏والله عليم‏}‏ بنيَّات المؤمنين، ‏{‏حكيم‏}‏ فيما قضى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم حسبتم أن تُترَكوا‏}‏ في المخاطب بهذا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المؤمنون، خوطبوا بهذا حين شق على بعضهم القتال، قاله الأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قوم من المنافقين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج معه إلى الجهاد تعذيراً، قاله ابن عباس‏.‏ وإنما دخلت الميم في الاستفهام، لأنه استفهام معترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ‏.‏ قال الفراء‏:‏ ولو أُريد به الابتداء، لكان إما بالألف، أو ب «هل»، ومعنى الكلام‏:‏ أن تُتركوا بغير امتحان يبَين به الصادق من الكاذب‏.‏ ‏{‏ولمّا يعلم الله‏}‏ أي‏:‏ ولم تجاهدوا فيعلم الله وجود ذلك منكم؛ وقد كان يعلم ذلك غيباً، فأراد إظهار ما علم ليجازي على العمل‏.‏

فأما الوليجة، فقال ابن قتيبة‏:‏ هي البطانة من غير المسلمين، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلاً من المشركين وخليطاً ووادّاً، وأصله من الولوج‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ وكل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم فهو وليجة فيهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ‏(‏17‏)‏ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو‏:‏ «مسجد الله» على التوحيد، ‏{‏إنما يعمر مساجدَ الله‏}‏ على الجمع‏.‏ وقرأ عاصم، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ على الجمع فيهما‏.‏ وسبب نزولها‏:‏ أن جماعة من رؤساء قريش أُسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيَّروهم بالشِّرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبِّخُ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس‏:‏ مالكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا‏؟‏ فقالوا‏:‏ وهل لكم من محاسن‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، لنحن أفضل منكم أجراً؛ إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل في جماعة‏.‏

وفي المراد بالعِمارة قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ دخوله والجلوس فيه‏.‏ والثاني‏:‏ البناء له وإصلاحه؛ فكلاهما محظور على الكافر‏.‏ والمراد من قوله‏:‏ ‏{‏ما كان للمشركين‏}‏ أي‏:‏ يجب على المسلمين منعُهم من ذلك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وقوله ‏{‏شاهدين‏}‏ حال‏.‏ المعنى‏:‏ ما كانت لهم عمارته في حال إقرارهم بالكفر، ‏{‏أولئك حبطت أعمالهم‏}‏ لأن كفرهم أذهب ثوابها‏.‏

فان قيل‏:‏ كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر، وهم يعتقدون أنهم على الصواب‏؟‏ فعنه ثلاثة أجوبة‏.‏

أحدها‏:‏ أنه قول اليهودي‏:‏ أنا يهودي، وقول النصراني‏:‏ أنا نصراني، قاله السدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم ثبَّتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حق لا يخفى على مميِّز، فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالتصديق، وحرَّضوا على اتِّباعه، فلما آمنوا بهم وكذِّبوه، دلُّوا على كفرهم، وجرى ذلك مجرى الشهادة على أنفسهم بالكفر، لأن الشهادة هي تبيين وإظهار، ذكرهما ابن الأنباري‏.‏

فان قيل‏:‏ ما وجه قوله‏:‏ ‏{‏إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر‏}‏ ولم يذكر الرسول، والإيمانُ لا يتم إلا به‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن فيه دليلاً على الرسول، لقوله‏:‏ ‏{‏واقام الصلاة‏}‏ أي‏:‏ الصلاة التي جاء بها الرسول، قاله الزجاج‏.‏ فان قيل‏:‏ ‏{‏فعسى‏}‏ ترجّ، وفاعل هذه الخصال مهتد بلا شك‏.‏ فالجواب‏:‏ أن «عسى» من الله واجبة، قاله ابن عباس‏.‏ فان قيل‏:‏ قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات‏.‏ فالجواب‏:‏ أن المراد أنه من كان على هذه الصفات المذكورة، كان من أهل عمارتها، وليس المراد أن من عمرها كان بهذه الصفة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 22‏]‏

‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏19‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏20‏)‏ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ‏(‏21‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏22‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أجعلتم سقاية الحاج‏}‏ في سبب نزولها ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ رواه مسلم في «صحيحه» من حديث النعمان بن بشير قال‏:‏ كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل‏:‏ ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد ‏[‏الاسلام إلا‏]‏ أن أسقيَ الحاجَّ، وقال الآخر‏:‏ ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد ‏[‏الاسلام إلا‏]‏ أن أعْمُرَ المسجدَ الحرامَ، وقال آخر‏:‏ الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكني إذا صليت الجمعة، دخلت فاستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه، فنزلت هذه الآية‏.‏

والثاني‏:‏ أن العباس بن عبد المطلب قال يوم بدر‏:‏ لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نَعمُر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن المشركين قالوا‏:‏ عمارة بيت الله الحرام، والقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله، فنزلت هذه الآية، رواه عطية العوفي عن ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أن علياً والعباس وطلحة يعني سادن الكعبة افتخروا، فقال طلحة‏:‏ أنا صاحب البيت، بيدي مفتاحه، ولوأشاء بتُّ فيه‏.‏ وقال العباس‏:‏ أنا صاحب السقاية، والقائم عليها، ولو أشاء بتُّ في المسجد‏.‏ وقال علي‏:‏ ما أدري ما تقولون، لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، والشعبي، والقرظي‏.‏

والخامس‏:‏ أنهم لما أُمروا بالهجرة قال العباس‏:‏ أنا أسقي الحاج، وقال طلحة‏:‏ أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مجاهد‏.‏ هكذا ذكر مجاهد، وإنما الصواب عثمان بن طلحة، لأن طلحة هذا لم يسلم‏.‏

والسادس‏:‏ أن علياً قال للعباس‏:‏ ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ ألستُ في أفضلَ من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام‏؟‏ فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مُرَّة الهَمْداني، وابن سيرين‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ومعنى الآية‏:‏ أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله‏؟‏ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه‏.‏ قال الحسن‏:‏ كان يُنبذ زبيبٌ، فيسقُون الحاج في الموسم وقال ابن عباس‏:‏ عمارة المسجد‏:‏ تجميره، وتخليقه، فأخبر الله أن أفعالهم تلك لا تنفعهم مع الشرك، وسماهم ظالمين لشركهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أعظم درجةً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هو منصوب على التمييز‏.‏ والمعنى‏:‏ أعظم من غيرهم درجة‏.‏ والفائز‏:‏ الذي يظفر بأمنيته من الخير‏.‏ فأما النعيم، فهو لين العيش، والمقيم‏:‏ الدائم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء‏}‏ في سبب نزولها‏:‏ خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه لما أُمر المسلمون بالهجرة، جعل الرجل يقول لأهله‏:‏ إنا قد أُمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك، ومنهم من يتعلق به عياله وزوجته، فيقولون‏:‏ نَنْشُدك الله أن تدعنا إلى غير شيء، فيرقُّ قلبه، فيجلس معهم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لما أمر الله المؤمنين بالهجرة، قال المسلمون‏:‏ يا نبي الله، إن نحن اعتزلنا مَنْ خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه لما قال العباس‏:‏ أنا أسقي الحاج، وقال طلحة‏:‏ أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، نزلت هذه الآية والتي قبلها، هذا قول قتادة، وقد ذكرناه عن مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ أن نفراً ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ولايتهم، وأنزل هذه الآية، قاله مقاتل‏.‏

والخامس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالجهاز لنصرة خزاعة على قريش، قال أبو بكر الصديق‏:‏ يا رسول الله، نعاونهم على قومنا‏؟‏ فنزلت هذه الآية، ذكره أبو سليمان الدمشقي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إن كان آباؤكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في الذين تخلَّفوا مع عيالهم بمكة ولم يهاجروا، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن علي بن أبي طالب قدم مكة، فقال لقوم‏:‏ ألا تهاجرون‏؟‏ فقالوا‏:‏ نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن سيرين‏.‏

والثالث‏:‏ أنه لما نزلت الآية التي قبلها، قالوا‏:‏ يا رسول الله، إن نحن اعتزلنا مَنْ خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسرين في هذه الآية، وذكره بعضهم في الآية الأولى كما حكيناه عن ابن عباس‏.‏ فأما العشيرة، فهم الأقارب الأدنون‏.‏ وروى أبو بكر عن عاصم‏:‏ «وعشيراتُكم» على الجمع‏.‏ قال أبو علي‏:‏ وجهه أن كل واحد من المخاطَبين له عشيرة، فاذا جمعت قلت‏:‏ عشيراتكم؛ وحجة من افرد‏:‏ أن العشيرة واقعة على الجمع، فاستغنى بذلك عن جمعها‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ لا تكاد العرب تجمع عشيرة‏:‏ عشيرات، إنما يجمعونها على عشائر‏.‏ والاقتراف بمعنى الاكتساب‏.‏ والتربص‏:‏ الانتظار‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏حتى يأتيَ الله بأمره‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه فتح مكة، قاله مجاهد، والأكثرون‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ إن كان المُقام في أهاليكم، وكانت الأموال التي اكتسبتموها ‏{‏وتجارةٌ تخشون كسادها‏}‏ لفراقكم بلدكم ‏{‏ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم‏}‏ من الهجرة، فأقيموا غير مُثابين حتى تُفتح مكة، فيسقط فرض الهجرة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه العقاب، قاله الحسن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد نصركم الله في مواطن كثيرة‏}‏ أي‏:‏ في أماكن‏.‏ قال الفراء‏:‏ وكل جمع كانت فيه ألف قبلها حرفان وبعدها حرفان لم يُجْرَ، مثل صوامع، ومساجد‏.‏ وجُريَ ‏{‏حنين‏}‏ لأنه اسم لمذكَّر، وهو وادٍ بين مكة والطائف، وإذا سمَّيتَ ماءً أو وادياً أو جبلاً باسم مذكَّر لا علَّة فيه، أجريته، من ذلك‏:‏ حنين، وبدر، وحِراء، وثَبِير، ودابِق‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ أن الله عز وجل أعلمهم أنهم إنما يغلبون بنصر الله لا بكثرتهم‏.‏ وفي عددهم يوم حنين أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم كانوا ستة عشر ألفاً، رواه عطاء عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ عشرة آلاف، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ كانوا اثني عشر ألفاً، قاله قتادة، وابن زيد، وابن إسحاق، والواقدي‏.‏

والرابع‏:‏ أحد عشر ألفا وخمسمائة، قاله مقاتل‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فقال ذلك اليوم سلمة بن سلامة بن وقش، وقد عجب لكثرة الناس‏:‏ لن نُغلَب اليوم من قِلَّة، فساء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كلامُه، ووُكلِوا إلى كلمة الرجل، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغن عنكم شيئاً‏}‏ وقال سعيد بن المسيب‏:‏ القائل لذلك‏:‏ أبو بكر الصديق‏.‏ وحكى ابن جرير أن القائل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ بل العباس‏.‏ وقيل‏:‏ رجل من بني بكر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وضاقت عليكم الأرض بما رحبت‏}‏ أي‏:‏ برحبها‏.‏ قال الفراء‏:‏ والباء هاهنا بمنزلة «في» كما تقول‏:‏ ضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها‏.‏

الإشارة إلى القصة

قال أهل العلم بالسيرة، لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، تآمر عليه أشراف هوازن وثقيف، فجاؤوا حتى نزلوا أوطاس، وأجمعوا المسير إليه، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما التقَوا أعجبتهم كثرتُهم فهُزموا‏.‏

وقال البراء بن عازب‏:‏ لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فأقبلوا بالسهام، فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وبعضهم يقول‏:‏ ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جماعة من أصحابه منهم‏:‏ أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث‏.‏

وبعضهم يقول‏:‏ لم يبق معه سوى العباس وأبي سفيان، ‏"‏ فجعل النبي يقول للعباس‏:‏ «نادِ‏:‏ يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة» فنادى، وكان صيِّتاً، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنَّت إلى أولادها، يقولون‏:‏ يا لبيك، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم، فقال‏:‏ «الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، انا ابن عبد المطلب» ثم قال للعباس‏:‏ «ناولني حَصَيات» فناوله، فقال‏:‏ «شاهت الوجوه» ورمى بها، وقال‏:‏ «انهزموا وربِّ الكعبة» فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا‏.‏ وقيل‏:‏ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاً من تراب، فرماهم به فانهزموا‏.‏ وكانوا يقولون‏:‏ ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه بالتراب ‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 27‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ‏(‏26‏)‏ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أنزل الله سكينته‏}‏ أي‏:‏ بعد الهزيمة‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ هي فَعِليةٌ من السكون، وأنشد‏:‏

لِلّهِ قَبْرٌ غَالَها ماذا يُجِنُّ *** لقد أَجَنَّ سكينةً وَوَقارا

وكذلك قال المفسرون‏:‏ الأمن والطمأنينة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزل جنوداً لم تروها‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ الملائكة‏.‏ وفي عددهم يومئذ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ستة عشر ألفاً، قاله الحسن‏.‏ والثاني‏:‏ خمسة آلاف، قاله سعيد ابن جبير‏.‏ والثالث‏:‏ ثمانية، قاله مجاهد، يعني‏:‏ ثمانية آلاف‏.‏ وهل قاتلت الملائكة يومئذ، أم لا‏؟‏ فيه قولان‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وعذَّب الذين كفروا‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ بالقتل، قاله ابن عباس، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ بالقتل والهزيمة، قاله ابن أبزى، ومقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ بالخوف والحذر ذكره الماوردي‏.‏

والرابع‏:‏ بالقتل، والأسر، وسبي الأولاد، وأخذ الأموال، ذكره بعض ناقلي التفسير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء‏}‏ أي‏:‏ يوفِّقه للتوبة من الشرك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏28‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما المشركون نجس‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ معناه‏:‏ قذر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال لكل شيء مستقذَر‏:‏ نجَسٌ‏.‏ وقال الفراء‏:‏ لا تكاد العرب تقول‏:‏ نِجْسٌ، إلا وقبلها رِجْسٌ، فاذا أفردوها، قالوا‏:‏ نَجَس‏.‏

وفي المراد بكونهم نجساً ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم أنجاس الأبدان، كالكلب والخنزير، حكاه الماوردي، عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز‏.‏ وروى ابن جرير عن الحسن قال‏:‏ من صافحهم فليتوضأ‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجنابة، وإن لم تكن أبدانهم أنجاساً، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه لما كان علينا اجتنابهم كما تجتنب الأنجاسُ، صاروا بحكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يقربوا المسجد الحرام‏}‏ قال أهل التفسير‏:‏ يريد‏:‏ جميع الحرم ‏{‏بعد عامهم هذا‏}‏ وهو سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي حج فيها أبو بكر وقرئت ‏{‏براءة‏}‏‏.‏ وقد أخذ أحمد رضي الله عنه بظاهر الآية، وأنه يحرم عليهم دخول الحرم، وهو قول مالك، والشافعي‏.‏ واختلفت الرواية عنه في دخولهم غير المسجد الحرام من المساجد، فروي عنه المنع أيضاً إلا لحاجة، كالحرم، وهو قول مالك‏.‏ وروي عنه جواز ذلك، وهو قول الشافعي‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز لهم دخول المسجد الحرام، وسائر المساجد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن خفتم عيلة‏}‏ وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، والشعبي، وابن السميفع‏:‏ «عايلة»‏.‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ لما نزلت ‏{‏إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا‏}‏ شقَّ على المسلمين، وقالوا‏:‏ مَنْ يأتينا بطعامنا‏؟‏ وكانوا يَقْدَمون عليهم بالتجارة، فنزلت‏:‏ ‏{‏وإن خفتم عيلة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال الأخفش‏:‏ العيلة‏:‏ الفقر‏.‏ يقال‏:‏ عال يعيل عَيْلة‏:‏ إذا افتقر‏.‏ وأعال إعالة فهو يُعيل‏:‏ إذا صار صاحب عيال‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ العَيْلة هاهنا‏:‏ مصدر عالَ فلانٌ إذا افتقر، وأنشد‏:‏

وما يَدري الفقيرُ متى غِناه *** وما يَدري الغنيُّ متى يَعيل

وللمفسرين في قوله‏:‏ ‏{‏وإنْ‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها للشرط، وهو الأظهر‏.‏

والثاني‏:‏ أنها بمعنى «وإذْ»، قاله عمرو بن فايد‏.‏ قالوا‏:‏ وإنما خاف المسلمون الفقر، لأن المشركين كانوا يحملون التجارات إليهم، ويجيئون بالطعام وغيره‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه أنزل عليهم المطر عند انقطاع المشركين عنهم، فكثر خيرهم، قاله عكرمة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه أغناهم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب، قاله قتادة، والضحاك‏.‏

والثالث‏:‏ أن أهل نجد، وجُرَشَ، وأهل صنعاء أسلموا، فحملوا الطعام إلى مكة على الظَّهْرِ، فأغناهم الله به، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله عليم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏عليم‏}‏ بما يصلحكم ‏{‏حكيم‏}‏ فيما حكم في المشركين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله‏}‏ قال المفسرون‏:‏ نزلت في اليهود والنصارى‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ومعناها‏:‏ لا يؤمنون بالله إيمان الموحِّدين، لأنهم أقرُّوا بأنه خالقُهم، وأنَّه له ولد، وكذلك إيمانهم بالبعث لأنهم لا يقرُّون بأنَّ أهل الجنة يأكلون ويشربون‏.‏ وقال الماوردي‏:‏ إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بحقوقه، وهم لا يقرُّون بها، فكانوا كمن لا يُقِرُّ به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسولُهُ‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ يعني‏:‏ الخمر والخنزير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يدينون دين الحق‏}‏ في الحق قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه اسم الله، فالمعنى‏:‏ دين الله، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه صفة للدين، والمعنى‏:‏ ولا يدينون الدِّينَ الحقَّ؛ فاضاف الاسم إلى الصفة‏.‏ وفي معنى ‏{‏يدينون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه بمعنى الطاعة، والمعنى‏:‏ لا يطيعون الله طاعةَ حقٍّ، قاله أبو عبيدة‏.‏ والثاني‏:‏ أنه من دان الرجل يدين كذا‏:‏ إذا التزمه‏.‏ ثم في جملة الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ لا يدخلون في دين محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه ناسخ لما قبله‏.‏

والثاني‏:‏ لا يعملون بما في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يعطوا الجزية‏}‏ قال ابن الأنباري‏:‏ الجزية‏:‏ الخراج المجعول عليهم، سميت جزية لانها قضاء لما عليهم؛ أُخذ من قولهم‏:‏ جَزى يَجْزي‏:‏ إذا قضى؛ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَجْزِي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏ وقوله‏:‏ «ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدَك»‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏عن يدٍ‏}‏ ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ عن قهر، قاله قتادة، والسدي‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ عن قهر وذُلٍّ‏.‏

والثاني‏:‏ أنه النقد العاجل، قاله شريك، وعثمان بن مقسم‏.‏

والثالث‏:‏ أنه إعطاء المبتدئ بالعطاء، لا إعطاء المكافئ، قاله ابن قتيبة‏.‏

والرابع‏:‏ أن المعنى‏:‏ عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم‏.‏

والخامس‏:‏ عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم، حكاهما الزجاج‏.‏

والسادس‏:‏ يؤدُّونَها بأيديهم، ولا ينفذونها مع رسلهم، ذكره الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم صاغرون‏}‏ الصاغر‏:‏ الذليل الحقير‏.‏

وفي ما يُكَلَّفونه من الفعل الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن يمشوا بها مُلَبَّبين، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ أن لا يُحمدوا على إعطائهم، قاله سلمان الفارسي‏.‏ والثالث‏:‏ أن يكونوا قياماً والآخذ جالساً، قاله عكرمة‏.‏ والرابع‏:‏ أن دفع الجزية هو الصغار‏.‏ والخامس‏:‏ أن إجراء أحكام الإسلام عليهم هو الصغار‏.‏

فصل

واختُلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار، فالمشهور عن أحمد‏:‏ أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي‏.‏ ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد‏:‏ أنه من سُبي من أهل الأديان من العرب والعجم، فالعرب إن أسلموا، وإلا السيف، وأولئك إن أسلموا، وإلا الجزية؛ فظاهر هذا أن الجزية تؤخذ من الكل، إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط، وهو قول أبي حنيفة، ومالك‏.‏

فصل

فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية، فهم أهل القتال‏.‏ فأما الزَّمِنُ، والأعمى والمفلوج، والشيخ الفاني، والنساء، والصبيان، والراهب الذي لا يخالط الناس، فلا تؤخذ منهم‏.‏

فصل

فأما مقدارها، فقال أصحابنا‏:‏ على الموسر‏:‏ ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط‏:‏ أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتمل‏:‏ اثنا عشر، وهو قول أبي حنيفة‏.‏ وقال مالك‏:‏ على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعون درهماً، وسواء في ذلك الغني والفقير‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ على الغني والفقير دينار‏.‏ وهل تجوز الزيادة والنقصان مما يؤخذ منهم‏؟‏ نقل الأثرم عن أحمد‏:‏ أنها تزاد وتنقَص على قدر طاقتهم، فظاهر هذا‏:‏ أنها على اجتهاد الإمام ورأيه‏.‏ ونقل يعقوب بن بختان‏:‏ أنه لا يجوز للامام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد‏.‏

فصل

ووقت وجوب الجزية‏:‏ آخر الحول، وبه قال الشافعي‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ تجب في أول الحول‏.‏ فأما إذا دخلت سنة في سنة، فهل تسقط جزية السنة الماضية‏؟‏ عندنا لا تسقط‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ تسقط‏.‏ فأما إذا أسلم، فانها تسقط بالإسلام‏.‏ فأما إن مات؛ فكان ابن حامد يقول‏:‏ لا تسقط‏.‏ وقال القاضي أبو يعلى‏:‏ يَحتمل أن تسقط‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 31‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏30‏)‏ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود عزير ابن الله‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وابو عمرو، وابن عامر، وحمزة‏:‏ «عزيرُ ابن الله» بغير تنوين‏.‏ وقرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب، وعبد الوارث عن أبي عمرو‏:‏ منوّناً‏.‏ قال مكي بن أبي طالب‏:‏ من نوَّن عزيراً رفعه على الابتداء، و«ابن» خبره‏.‏ ولا يحسن حذف التنوين على هذا من «عزير» لالتقاء الساكنين‏.‏ ولا تحذف ألف «ابن» من الخط، ويكسر التنوين لالتقاء الساكنين‏.‏ ومن لم ينون «عزيراً» جعله أيضاً مبتدأ، و«ابن» صفة له، فيُحذف التنوينُ على هذا استخفافاً لالتقاء الساكنين، ولأن الصفة مع الموصوف كالشيء الواحد، وتحذف ألف «ابن» من الخط، والخبر مضمر تقديره‏:‏ عزير بن الله نبيُّنا وصاحبنا‏.‏ وسبب نزولها‏:‏ أن سلاَم بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ كيف نتَّبِعُكَ وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله‏؟‏ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس‏.‏ وقال ابن عمر، وابن جريج‏:‏ إن القائل لذلك فنحاص‏.‏ فأما العزير‏:‏ فقال شيخنا أبو منصور اللغوي‏:‏ هو اسم أعجمي معرب، وإن وافق لفظ العربية، فهو عِبراني، كذا قرأته عليه‏.‏ وقال مكي بن أبي طالب‏:‏ العزير عند كل النحويين‏:‏ عربي مشتق من قوله يعزِّروه‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إنما قالوا ذلك، لأنهم لما عملوا بغير الحق، أنساهم الله التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا عزير اللهَ تعالى، فعاد إليه الذي نُسخ من صدروهم، ونزل نور من السماء فدخل جوفه، فأذَّن في قومه فقال‏:‏ قد آتاني الله التوراة؛ فقالوا‏:‏ ما أُوتيها إلا لأنه ابن الله‏.‏ وفي رواية أخرى عن ابن عباس‏:‏ أن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس، وقتل من قرأ التوراة، كان عزير غلاماً، فتركه‏.‏ فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ثم بعثه الله تعالى إلى بني اسرائيل، فقال‏:‏ أنا عزير، فكذَّبوه وقالوا‏:‏ قد حدَّثنا آباؤنا أن عزيراً مات ببابل، فان كنتَ عزيراً فأملل علينا التوراة، فكتبها لهم؛ فقالوا هذا ابن الله‏.‏

وفي الذين قالوا هذا عن عزير ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم جميع بني اسرائيل، روي عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ طائفة من سلفهم، قاله الماوردي‏.‏

والثالث‏:‏ جماعة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ فنحاص وحده، وقد ذكرناه عن ابن عمر وابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ الذين ذكرناهم في أول الآية عن ابن عباس‏.‏

فان قيل‏:‏ إن كان قولَ بعضهم، فلِمَ أُضيف إلى جميعهم‏؟‏ فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن إيقاع اسم الجماعة على الواحد معروف في اللغة، تقول العرب‏:‏ جئت من البصرة على البغال، وإن كان لم يركب إلا بغلاً واحداً‏.‏

والثاني‏:‏ أن من لم يقله، لم ينكره‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالت النصارى المسيح ابن الله‏}‏ في سبب قولهم هذا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لكونه ولد من غير ذكَر‏.‏

والثاني‏:‏ لأنه أحيى الموتى، وأبرأ الكُمْةَ والبُرص وقد شرحنا هذا المعنى في ‏[‏المائدة‏:‏ 110‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك قولهم بأفواههم‏}‏ إن قال قائل‏:‏ هذا معلوم، فما فائدته‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن المعنى‏:‏ أنه قول بالفم لا بيانَ فيه، ولا برهانَ، ولا تحته معنى صحيح‏.‏ قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يضاهون‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ من غير همز‏.‏ وقرأ عاصم‏:‏ «يضاهئون»‏.‏ قال ثعلب‏:‏ لم يتابع عاصماً أحد على الهمز‏.‏ قال الفراء‏:‏ وهي لغة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «يضاهون» يشابهون قولَ من تقدَّمَهم من كَفَرتِهم، فانما قالوه اتباعاً لمتقدِّميهم‏.‏ وأصل المضاهاة في اللغة‏:‏ المشابهة، والأكثر ترك الهمز؛ واشتقاقه من قولهم‏:‏ امرأة ضهياء، وهي التي لا ينبت لها ثدي‏.‏ وقيل‏:‏ هي التي لا تحيض، والمعنى‏:‏ أنها قد أشبهت الرجال‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ يقال‏:‏ ضاهَيت، وضاهأت، إذا شبَّهتَ‏.‏ وفي ‏{‏الذين كفروا‏}‏ هاهنا ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم عبدة الأوثان، والمعنى‏:‏ أن أولئك قالوا‏:‏ الملائكة بنات الله، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم اليهود، فالمعنى‏:‏ أن النصارى في قولهم المسيح ابن الله شابهوا اليهود في قولهم عزير ابن الله، قاله قتادة، والسدي‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم أسلافهم، تابعوهم في أقوالهم تقليداً، قاله الزجاج، وابن قتيبة‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏قاتلهم الله‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن معناه‏:‏ لعنهم الله، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ قتلهم الله، قاله أبو عبيدة‏.‏

والثالث‏:‏ عاداهم الله، ذكره ابن الأنباري‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أنى يؤفكون‏}‏ أي‏:‏ من أين يصرفون عن الحق‏؟‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتخذوا أحبارهم‏}‏ قد سبق في ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏ معنى الأحبار والرهبان‏.‏ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية، فقال‏:‏ ‏"‏ أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئاً استحلُّوهْ، واذا حرموا عليهم شيئاً حرّموه ‏"‏ فعلى هذا المعنى‏:‏ إنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا‏:‏ إنهم أرباب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمسيحَ ابن مريم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ اتخَذوه رباً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريدون أن يطفئوا نور الله‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يخمدوا دين الله بتكذيبهم، يعني‏:‏ أنهم يكذبون به ويُعرضون عنه يريدون إبطاله بذلك‏.‏ وقال الحسن وقتادة‏:‏ نور الله‏:‏ القرآن والإسلام‏.‏ فأما تخصيص ذلك بالأفواه، فلما ذكرنا في الآية قبلها‏.‏ وقيل‏:‏ إن الله تعالى لم يذكر قولاً مقروناً بالأفواه والألسن إلا وهو زور‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويأبى الله إلا أن يُتمَّ نُورَه‏}‏ قال الفراء‏:‏ إنما دخلت «إلا» هاهنا، لأن في الإباء طرفاً من الجحد، ألا ترى أن «أبيت» كقولك‏:‏ «لم أفعل»، «ولا أفعل» فكأنه بمنزلة قولك‏:‏ ما ذهب إلا زيد، قال الشاعر‏:‏

فَهَلْ لِيَ أُمٌّ غيرُها إن تركتُها *** أبى الله إلا أن أكُون لَها ابنما

وقال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره‏.‏ قال مقاتل‏:‏ «يتم نوره» أي‏:‏ يظهر دينه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي أرسل رسوله‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏بالهدى‏}‏، وفيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه التوحيد‏.‏ والثاني‏:‏ القرآن‏.‏ والثالث‏:‏ تبيان الفرائض‏.‏ فأما دين الحق، فهو الإسلام‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ليظهرَه‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن الهاء عائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى‏:‏ ليعلّمه شرائع الدِّين كلَّها، فلا يخفى عليه منها شيء، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنها راجعة إلى الدين‏.‏ ثم في معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ليظهر هذا الدين على سائر الملل‏.‏ ومتى يكون ذلك‏؟‏ فيه قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ عند نزول عيسى عليه السلام، فانه يتبعه أهل كل دين، وتصير المللُ واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدَّوا الجزية، قاله أبو هريرة، والضحاك‏.‏ والثاني‏:‏ أنه عند خروج المهدي، قاله السدي‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن إظهار الدِّين إنما هو بالحجج الواضحة، وإن لم يدخل الناس فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏34‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن كثيراً من الأحبار‏}‏ الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى‏.‏ وفي الباطل أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الظلم، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ الرشا في الحكم، قاله الحسن‏.‏ والثالث‏:‏ الكذب، قاله أبو سليمان‏.‏ والرابع‏:‏ أخذه من الجهة المحظورة، قاله القاضي أبو يعلى‏.‏ والمراد‏:‏ أخذ الأموال، وإنما ذكر الأكل، لأنه معظم المقصود من المال‏.‏ وفي المراد بسبيل الله هاهنا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الحق والحكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يكنزون الذهب والفضة‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت عامّة في أهل الكتاب والمسلمين، قاله أبو ذر، والضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ أنها خاصَّة في أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان‏.‏

والثالث‏:‏ أنها في المسلمين، قاله ابن عباس، والسدي‏.‏

وفي الكنز المستحقّ عليه هذا الوعيد ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه مالم تؤدَّ زكاته‏.‏ قال ابن عمر‏:‏ كل مال أُدِّيتْ زكاتُه وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل مال لا تؤدَّى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً على وجه الأرض، وإلى هذا المعنى‏:‏ ذهب الجمهور‏.‏ فعلى هذا، معنى الإنفاق‏:‏ إخراج الزكاة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ما زاد على أربعة آلاف، روي عن علي بن أبي طالب أنه‏:‏ قال أربعة آلاف نفقة، وما فوقها كنز‏.‏

والثالث‏:‏ ما فضل عن الحاجة، وكان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام ثم نُسخ بالزكاة‏.‏

فان قيل‏:‏ كيف قال ‏{‏ينفقونها‏}‏ وقد ذكر شيئين‏؟‏ فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ يرجع إلى الكنوز والأموال‏.‏

والثاني‏:‏ أنه يرجع إلى الفضة، وحذُف الذهب‏.‏ لأنه داخل في الفضة، قال الشاعر‏:‏

نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راضٍ والرأي مختلفُ

يريد‏:‏ نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ، ذكر القولين الزجاج‏.‏

وقال الفراء‏:‏ إن شئت اكتفيت بأحد المذكورين، كقوله‏:‏ ‏{‏ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 112‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضَّوا إليها‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 11‏]‏، وأنشد‏:‏

إني ضمنت لمن أتاني ما جَنَى *** وأبى وكان وكنت غير غَدورِ

ولم يقل‏:‏ غدورين، وإنما اكتفى بالواحد لاتفاق المعنى‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصروا، فخبَّروا عن أحدهما استغناء بذلك، وتحقيقاً؛ لمعرفة السامع بأن الآخر قد شاركه، ودخل معه في ذلك الخبر، وأنشد‏:‏

فمن يك أمسى بالمدينة رحْلُهُ *** فاني وقيَّارٌ بها لغريب

والنصب في‏:‏ «قيار» أجود، وقد يكون الرفع‏.‏ وقال حسان بن ثابت‏:‏

إنَّ شرخَ الشبابِ والشَّعَرَ الأس *** ودَ مالم يُعَاصَ كان جُنُونا

ولم يقل‏:‏ يعاصيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يحمى عليها في نار جهنم‏}‏ أي‏:‏ على الأموال‏.‏ قال ابن مسعود‏:‏ والله ما من رجل يُكوى بكنز، فيوضعُ دينار على دينار ولا درهم على درهم، ولكن يوسَّع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على حدته‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هي حيَّة تنطوي على جنبيه وجبهته، فتقول‏:‏ أنا مالك الذي بخلت به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا ما كنزتم‏}‏ فيه محذوف تقديره‏:‏ ويقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ‏{‏فذوقوا ما كنتم تكنزون‏}‏ أي‏:‏ عذاب ذلك‏.‏

فان قيل‏:‏ لم خصَّ الجباه والجنوب والظهور من بقية البدن‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن هذه المواضع مجوَّفة، فيصل الحر إلى أجوافها، بخلاف اليد والرجل‏.‏ وكان أبو ذرٍّ يقول‏:‏ بشر الكنَّازين بكيّ في الجباه وكيّ في الجنوب وكيٍّ في الظهور، حتى يلتقي الحرُّ في أجوافهم‏.‏ وجواب آخر‏:‏ وهو أن الغنيَّ إذا رأى الفقير، انقبض؛ وإذا ضمه وإياه مجلس، ازورّ عنه ووِّلاه ظهره، قاله أبو بكر الوراق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن عدة الشهور عند الله‏}‏ قال المفسرون‏:‏ نزلت هذه الآية من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله، فربما وقع حجهم في رمضان، وربما وقع في شوال، إلى غير ذلك؛ وكانوا يستحلُّون المحرَّم عاماً، ويحرِّمون مكانه صفر، وتارة يحرِّمون المحرَّم ويستحلُّون صفر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أعلم الله عز وجل أن عدد شهور المسلمين التي تُعُبِّدوا بأن يجعلوه لسنتهم‏:‏ اثنا عشر شهراً على منازل القمر؛ فجعل حجهم وأعيادهم على هذا العدد، فتارة يكون الحج والصوم في الشتاء، وتارة في الصيف، بخلاف ما يعتمده أهل الكتاب، فانهم يعملون على أن السنة ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوماً وبعض يوم‏.‏ وجمهور القراء على فتح عين ‏{‏اثنا عشر‏}‏‏.‏ وقرأ أبو جعفر‏:‏ اثنا عشر، وأحد عْشر، وتسعة عْشر، بسكون العين فيهن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في كتاب الله‏}‏ أي‏:‏ في اللوح المحفوظ‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ في الإمام الذي عند الله، كتبه‏:‏ ‏{‏يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم‏}‏ وفيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون‏.‏ وقال القاضي أبو يعلى‏:‏ إنما سماها حُرُماً‏:‏ لمعنيين‏.‏ أحدهما‏:‏ تحريم القتال فيها، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك أيضاً‏.‏ والثاني‏:‏ لتعظيم انتهاك المحارم فيها أشدَّ من تعظيمه في غيرها، وكذلك تعظيم الطاعات فيها‏.‏

والثاني‏:‏ انها الأشهُر التي أُجِّل المشركون فيها للسياحة، ذكره ابن قتيبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك الدِّين القيِّم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ذلك القضاء المستقيم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي، قاله ابن قتيبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تظلموا فيهن أنفسَكم‏}‏ اختلفوا في كناية «فيهنَّ» على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها تعود على الاثني عشر شهراً، قاله ابن عباس‏.‏ فعلى هذا يكون المعنى‏:‏ لا تجعلوا حرامها حلالاً، ولا حلالها حراماً، كفعل أهل النسيء‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ترجع إلى الأربعة الحرم، وهو قول قتادة، والفراء؛ واحتج بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة‏:‏ لثلاث ليال خَلَوْنَ، وأيام خلون، فاذا جُزتَ العشَرة قالوا خلتْ ومضتْ، ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة‏:‏ هُنَّ، وهؤلاء، فاذا جزتَ العشرة، قالوا‏:‏ هي، وهذه؛ إرادةَ أن تُعرف سمة القليل من الكثير‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ العرب تعيد الهاء والنون على القليل من العدد، والهاء والألف على الكثير منه؛ والقلَّة‏:‏ ما بين الثلاثة إلى العشرة، والكثرة‏:‏ ما جاوز العشرة‏.‏ يقولون‏:‏ وجهتُ إليك أكبُشاً فاذبحْهُنَّ، وكباشاً فاذبحها فلهذا قال‏:‏ ‏{‏منها أربعة حرم‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏فلا تظلموا فيهن‏}‏ لأنه يعني‏:‏ بقوله‏:‏ ‏{‏فيهن‏}‏ الأربعة‏.‏ ومن قال من المفسرين‏:‏ إنه يعني بقوله‏:‏ ‏{‏فيهن‏}‏ الاثني عشر، فانه ممكن؛ لأن العرب ربما جعلت علامة القليل للكثير، وعلامة الكثير للقليل، وعلى قول من قال‏:‏ ترجع ‏{‏فيهن‏}‏ إلى الأربعة، يُخرَّج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه المعاصي، فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر، أن شأن المعاصي يعظُم فيها أشدَّ من تعظيمه في غيرها، وذلك لفضلها على ما سواها، كقوله‏:‏ ‏{‏وجبريل وميكال‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 98‏]‏ وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة، وقوله‏:‏ ‏{‏فاكهة ونخل ورمَّان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 68‏]‏ وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة، وقوله‏:‏ ‏{‏فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 197‏]‏ وإن كان منهياً عنه في غير الحج، وكما أُمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأموراً بالمحافظة على غيرها، هذا قول الأكثرين‏.‏

والثاني‏:‏ أن المراد بالظلم فيهنَّ فعل النسيء‏:‏ وهو تحليل شهر محرَّم، وتحريم شهر حلال، قاله ابن اسحاق‏.‏

والثالث‏:‏ أنه البداية بالقتال فيهن، فيكون المعنى‏:‏ فلا تظلموا أنفسكم بالقتال فيهن إلا أن تُبدَؤوا بالقتال، قاله مقاتل‏.‏

والرابع‏:‏ أنه ترك القتال فيهن، فيكون المعنى‏:‏ فلا تظلموا فيهن أنفسكم بترك المحاربة لعدوِّكم، قاله ابن بحر، وهو عكس قول مقاتل‏.‏ والسرُّ في أن الله تعالى عظَّم بعض الشهور على بعض، ليكون الكفُّ عن الهوى فيها ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها تدريجاً للنفس إلى فراق مألوفها المكروه شرعاً‏.‏