فصل: تفسير الآيات رقم (6- 8)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 15‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏14‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أرسَلْنا نوحاً إِلى قومه‏}‏ في هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أُعلم أن الأنبياء قد ابتُلوا قبلَه، وفيها وعيد شديد لمن أقام على الشّرك، فانهم وإِن أُمهلوا، فقد أُمهل قوم نوح أكثر ثم أُخذوا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إِلاَّ خمسينَ عاماً‏}‏ اختلفوا في عُمُر نوح على خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ بُعث بعد أربعين سنة، وعاش في قومه ألف سنة إِلا خمسين عاماً يدعوهم، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنَّه لبث فيهم ألف سنة إِلا خمسين عاماً، وعاش بعد ذلك سبعين عاماً، فكان مبلغ عُمُره ألف سنة وعشرين سنة، قاله كعب الأحبار‏.‏

والثالث‏:‏ أنهُ بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة، فلبث فيهم ألف سنة إِلا خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة، قاله عون بن أبي شداد‏.‏

والرابع‏:‏ أنَّه لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ‏[‏ودعاهم ثلاثمائة سنة‏]‏ ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، قاله قتادة‏.‏ وقال وهب ابن منبِّه‏:‏ بُعث لخمسين سنة‏.‏

والخامس‏:‏ أنَّ هذه الآية بيَّنت مقدار عُمُره كلِّه، حكاه الماوردي‏.‏

فان قيل‏:‏ ما فائدة قوله ‏{‏إِلاَّ خمسينَ عاماً‏}‏، فهلاَّ قال‏:‏ تسعمائة وخمسين‏!‏

فالجواب‏:‏ أنَّ المراد به تكثير العدد، وذِكْر الألف أفخم في اللفظ، وأعظم للعدد‏.‏

قال الزجاج‏:‏ تأويل الاستثناء في كلام العرب‏:‏ التوكيد، تقول‏:‏ جاءني إِخوتك إِلا زيداً، فتؤكِّد أَنَّ الجماعة جاؤوا، وتنقص زيداً‏.‏ واستثناء نصف الشيء قبيح جداً لا تتكلَّم به العرب، وإِنما تتكلَّم بالاستثناء كما تتكلم بالنقصان، تقول‏:‏ عندي درهم ينقُص قيراطاً، فلو قلت‏:‏ ينقُص نصفه، كان الأَولى أن تقول‏:‏ عندي نصف درهم، ولم يأت الاستثناء في كلام العرب إِلاَّ قليل من كثير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأخذَهم الطُّوفان‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ الموت، روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏فأخذَهم الطُّوفان‏}‏ قال‏:‏ «الموت»‏.‏

والثاني‏:‏ المطر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ هو المطر الشديد‏.‏

والثالث‏:‏ الغرق، قاله الضحاك‏.‏

قال الزجاج‏:‏ الطُّوفان من كل شيء‏:‏ ما كان كثيراً مطيفاً بالجماعة كلِّها، فالغرق الذي يشتمل على المدن الكثيرة‏:‏ طوفان، وكذلك القتل الذريع، والموت الجارف‏:‏ طوفان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم ظالمون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ كافرون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلناها‏}‏ يعني السفينة، قال قتادة‏:‏ أبقاها الله آية للناس بأعلى الجُودِيّ‏.‏ قال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ وجائز أن يكون أراد‏:‏ الفعلة التي فعلها بهم من الغرق ‏{‏آية‏}‏، أي عِبرة ‏{‏للعالَمين‏}‏ ‏[‏بعدهم‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 18‏]‏

‏{‏وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏16‏)‏ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏17‏)‏ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِبراهيمَ‏}‏ قال الزجّاج‏:‏ هو معطوف على نوح، والمعنى‏:‏ أرسلنا إِبراهيم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلكم‏}‏ يعني عبادة الله ‏{‏خير لكم‏}‏ من عبادة الأوثان، ‏{‏إِن كنتم تَعْلَمون‏}‏ ما هو خير لكم مما هو شر لكم؛ والمعنى‏:‏ ولكنكم لا تعلمون‏.‏ ‏{‏إِنَّما تعبُدون مِنْ دون الله أوثاناً‏}‏ قال الفراء‏:‏ «انَّما» في هذا الموضع حرف واحد، وليست على معنى «الذي»، وقوله‏:‏ ‏{‏وتخلُقون إِفكاً‏}‏ مردود على «إِنما»، كقولك‏:‏ إِنما تفعلون كذا، وإِنما تفعلون كذا وقال مقاتل‏:‏ الأوثان‏:‏ الأصنام‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ واحدها وثن، وهو ما كان من حجارة أو جِصّ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتخلُقون إِفكاً‏}‏ وقرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل‏:‏ ‏{‏وتختلقون‏}‏ بزيادة تاءٍ‏.‏ ثم فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ تختلقون كذباً في زعمكم أنَّها آلهة‏.‏

والثاني‏:‏ تصنعون الأصنام؛ والمعنى‏:‏ تعبدون أصناماً أنتم تصنعونها‏.‏ ثم بيَّن عجزهم بقوله‏:‏ ‏{‏لا يملكون لكم رزقاً‏}‏ أي‏:‏ لا يقدرون على أن يرزقوكم ‏{‏فابتغوا عند الله الرِّزق‏}‏ أي‏:‏ فاطلبوا من الله، فانَّه القادر على ذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِن تكذِّبوا‏}‏ هذا تهديد لقريش ‏{‏فقد كذَّب أُمَمٌ مِنْ قبلكم‏}‏ والمعنى‏:‏ فأُهلكوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 23‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‏(‏19‏)‏ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏20‏)‏ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ‏(‏21‏)‏ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏22‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوا‏}‏ ‏[‏قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر ‏{‏يَرَواْ‏}‏‏]‏ بالياء وقرأ حمزة، والكسائي‏:‏ بالتاء‏.‏ ‏[‏وعن عاصم كالقراءتين‏]‏‏.‏ وعنى بالكلام كفار مكة ‏{‏كيف يُبْدِئ اللّهُ الخَلْق‏}‏ أي‏:‏ كيف يخلُقهم ابتداءً من نطفة، ثم من علقة، ثم من مُضغة إِلى أن يتم الخلق ‏{‏ثُمَّ يُعيده‏}‏ أي‏:‏ ثم هو يُعيده في الآخرة عند البعث‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ مجازه‏:‏ أولم يَرَوا كيف استأنف الله الخلق الأوَّل ثم يعيده‏.‏ وفيه لغتان‏:‏ أبدأ وأعاد، وكان مُبدئاً ومُعيداً، وبدأ وعاد، وكان بادئاً وعائداً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ ذلك على الله يسير‏}‏ يعني الخَلْق الأول والخَلْق الثاني‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ سِيروا في الأرض‏}‏ أي‏:‏ انظروا إِلى المخلوقات التي في الأرض، وابحثوا عنها هل تجدون لها خالقاً غير الله، فاذا علموا أنه لا خالق لهم سواه، لزمتهم الحجة في الإِعادة، وهو قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اللّهُ يُنشئ النشَّأة الآخرة‏}‏ أي‏:‏ ثم الله ينشئهم عند البعث نشأة أخرى‏.‏ وأكثر القراء قرؤوا‏:‏ ‏{‏النَّشْأة‏}‏ بتسكين الشين وترك المد‏.‏ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو‏:‏ ‏{‏النَّشاءَة‏}‏ بالمد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يعذِّب من يشاء‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنَّه في الآخرة بعد إِنشائهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنَّه في الدنيا‏.‏ ثم فيه خمسة أقوال حكاها الماوردي‏.‏

أحدها‏:‏ يعذِّب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة‏.‏

والثاني‏:‏ يعذِّب بسوء الخُلُق ويرحم بحُسْن الخُلُق‏.‏

والثالث‏:‏ يعذِّب بمتابعة البدعة، ويرحم بملازمة السُّنَّة‏.‏

والرابع‏:‏ يعذِّب بالانقطاع إِلى الدنيا، ويرحم بالإِعراض عنها‏.‏

والخامس‏:‏ يعذِّب من يشاء ببغض الناس له، ويرحم من يشاء بحبِّ الناس له‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِليه تُقْلَبون‏}‏ أي‏:‏ تُرَدُّون ‏{‏وما أنتم بمُعْجِزِين في الأرض‏}‏ فيه قولان حكاهما الزجاج‏.‏

أحدهما‏:‏ وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهلُ السماء بمعجزين في السماء‏.‏

والثاني‏:‏ وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا لو كنتم في السماء وقال قطرب‏:‏ هذا كقولك‏:‏ ما يفوتني فلان لا هاهنا ولا بالبصرة، أي‏:‏ ولا بالبصرة لو صار إِليها‏.‏ قال مقاتل‏:‏ والخطاب لكفار مكة؛ والمعنى‏:‏ لا تَسبقون الله حتى يجزيَكم بأعمالكم السيِّئة، ‏{‏وما لكم مِنْ دون الله مِنْ وليٍّ‏}‏ أي‏:‏ قريب ينفعكم ‏{‏ولا نصيرٍ‏}‏ يمنعكم من الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كفروا بآيات الله ولقائه‏}‏ أي‏:‏ بالقرآن والبعث ‏{‏أولئك يَئِسوا مِنْ رحمتي‏}‏ في الرحمة قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ الجنة، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ العفو والمغفرة، قاله أبو سليمان‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ وذلك في الآخرة عند رؤية العذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 25‏]‏

‏{‏فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏24‏)‏ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

ثم عاد الكلام إِلى قصة إِبراهيم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فما كان جوابَ قومه‏}‏ أي‏:‏ حين دعاهم إِلى الله ونهاهم عن الأصنام ‏{‏إِلاَّ أن قالوا اقتُلوه أو حرِّقوه‏}‏ وهذا بيان لسفه أحلامهم حين قابلوا احتجاجه عليهم بهذا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأنجاه الله‏}‏ المعنى‏:‏ فحرَّقوه فأنجاه الله ‏{‏مِنَ النَّار‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ في ذلك‏}‏ يشير إِلى إِنجائه إِبراهيم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال‏}‏ يعني إِبراهيم ‏{‏إِنَّما اتَّخذتم مِنْ دون الله أوثاناً مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو‏:‏ ‏{‏مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ‏}‏ بالرفع والإِضافة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏مَوَدَّةُ‏}‏ مرفوعة باضمار «هي»، كأنه قال‏:‏ تلك مَوَدةُ بينِكم، أي‏:‏ أُلفتكم واجتماعكم على الأصنام مَوَدَّةُ بينِكم؛ والمعنى‏:‏ إِنَّما اتخذتم هذه الأوثان لتتوادُّوا بها في الحياة الدنيا‏.‏ ويجوز أن تكون «ما» بمعنى الذي‏.‏

وقرأ ابن عباس، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، وابن أبي عبلة‏:‏ ‏{‏مَوَدَّةٌ‏}‏ بالرفع ‏{‏بَيْنَكُمْ‏}‏ بالنصب‏.‏

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ ‏{‏مَوَدَّةً بَيْنَكم‏}‏ قال أبو علي‏:‏ المعنى‏:‏ اتَّخذتم الأصنام للمودَّة، و‏{‏بينَكم‏}‏ نصب على الظرف، والعامل فيه المودَّة‏.‏

وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم‏:‏ ‏{‏مَوَدَّةَ بَيْنِكُم‏}‏ بنصب ‏{‏مَوَدَّةَ‏}‏ مع الإِضافة، وهذا على الاتساع في جعل الظرف اسماً لِما أُضيف إِليه‏.‏

قال المفسرون‏:‏ معنى الكلام‏:‏ إِنَّما اتَّخذتموها لِتَتَّصِلَ المودَّة بينكم واللِّقاء والاجتماع عندها، وأنتم تعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، ‏{‏ثُمَّ يومَ القيامة يكفُر بعضُكم ببعض‏}‏ أي‏:‏ يتبرَّأ القادة من الأتباع ‏{‏ويَلعنُ بعضُكم بعضاً‏}‏ يلعن الأتباعُ القادةَ لأنَّهم زيَّنوا لهم الكفر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 30‏]‏

‏{‏فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏26‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏27‏)‏ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏28‏)‏ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏29‏)‏ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآمن له لوط‏}‏ أي‏:‏ صدَّق بابراهيم ‏{‏وقال‏}‏ يعني إِبراهيم ‏{‏إِنِّي مُهَاجِر إِلى ربِّي‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ إِلى رضى ربِّي‏.‏

والثاني‏:‏ إِلى حيث أمرني ربِّي، فهاجر من سواد العراق إِلى الشام وهجر قومه المشركين‏.‏ ‏{‏ووهَبْنا له إِسحاق‏}‏ بعد إِسماعيل ‏{‏ويعقوبَ‏}‏ من إِسحاق ‏{‏وجَعَلْنا في ذُرِّيَّته النُّبُوَّة والكتاب‏}‏ وذلك أن الله تعالى لم يبعث نبيّاً بعد إِبراهيم إِلاَّ مِنْ صُلبه ‏{‏وآتيناه أجره في الدُّنيا‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ الذِّكْر الحسن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ الثناء الحسن والولد الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ العافية والعمل الحسن والثناء، فلست تَلْقى أحداً من اهل الملَل إِلاَّ يتولاَّه، قاله قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أنه أُري مكانَه من الجنة، قاله السدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِنَّه في الآخرة لَمِنَ الصَّالحين‏}‏ قد سبق بيانه ‏[‏البقرة‏:‏ 130‏]‏‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ له هناك جزاء الصَّالحين غير منقوص من الآخرة بما أُعطي في الدنيا من الأجر‏.‏ وما بعد هذا قد سبق بيانه ‏[‏الأعراف‏:‏ 80‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏وتقطعون السبيل‏}‏ وفيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم كانوا يعترضون مَنْ مَرَّ بهم لعملهم الخبيث، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم كانوا إِذا جلسوا في مجالسهم يرمون ابن السبيل بالحجارة، فيقطعون سبيل المسافر، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ أنه قطع النسل للعدول عن النساء إِلى الرجال، حكاه الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتأتون في ناديكم المُنْكَر‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ النادي‏:‏ المجلس، والمُنْكَر يجمع الفواحش من القول والفعل‏.‏

وللمفسرين في المراد بهذا المُنْكَر أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم كانوا يَحْذِفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فذلك المنكر، روته أم هانئ بنت أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال عكرمة، والسدي‏:‏ كانوا يَحْذِفون كلَّ مَنْ مَرَّ بهم‏.‏

والثاني‏:‏ لَفُّ القميص على اليد، وجرُّ الإِزار، وحَلُّ الأزرارِ، والحذف والرمي بالبندق، ولعب الحمام، والصَّفير، في خصال أُخَر رواها ميمون بن مهران عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الضُّراط، رواه عروة عن عائشة، وكذلك فسَّره القاسم ابن محمد‏.‏

والرابع‏:‏ أنه إِتيان الرجال في مجالسهم، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد‏.‏

وهذه الآية ‏[‏تدل‏]‏ على أنه لا ينبغي للمجتمعين أن يتعاشروا إِلا على ما يقرِّب من الله عز وجل، ولا ينبغي ان يجتمعوا على الهزء واللعب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربِّ انْصُرْني‏}‏ أي‏:‏ بتصديق قولي في العذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 35‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ‏(‏31‏)‏ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏32‏)‏ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏33‏)‏ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏34‏)‏ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا مُهْلِكو أهلِ هذه القرية‏}‏ يعنون قرية لوط‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَنُنَجِّيَنَّه‏}‏ قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم‏:‏ ‏{‏لَنُنَجِّيَنَّه‏}‏ و‏{‏إِنَّا مُنَجُّوكَ‏}‏ بتشديد الحرفين، وخفَّفهما حمزة، والكسائي‏.‏ وروى أبوبكر عن عاصم‏:‏ ‏{‏لَنُنَجِّيَنَّه‏}‏ مشددة، و‏{‏إِنَّا مُنْجُوكَ‏}‏ مخففة ساكنة النون‏.‏ وقد سبق شرح ما أخللنا بذكره ‏[‏هود‏:‏ 77‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية رِجْزاً‏}‏ وهو الحَصْب والخسف‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد تَرَكْنا منها‏}‏ في المكني عنها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها الفَعْلة التي فعل بهم؛ فعلى هذا في الآية ثلاثة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ أنها الحجارة التي أدركت أوائل هذه الأُمَّة، قاله قتادة‏.‏ والثاني‏:‏ الماء الاسود على وجه الأرض، قاله مجاهد‏.‏ والثالث‏:‏ الخبر عما صُنع بهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنها القرية؛ فعلى هذا في المراد بالآية ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها آثار منازلهم الخَرِبة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن الآية في قريتهم إِلى الآن أن أساسها أعلاها وسقوفها أسفلها، حكاه أبو سليمان الدمشقي‏.‏

والثالث‏:‏ أن المعنى‏:‏ تركناها آية تقول‏:‏ إِن في السماء لآية، تريد أنها هي الآية، قاله الفراء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 37‏]‏

‏{‏وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏36‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وارجُوا اليومَ الآخِر‏}‏ قال المفسرون‏:‏ اخشَوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 40‏]‏

‏{‏وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ‏(‏38‏)‏ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ‏(‏39‏)‏ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعاداً وثمود‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ وأهلكنا عاداً وثموداً، لأن قبل هذا ‏{‏فأخذتْهم الرجفة‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقد تَبَيَّن لكم مِنْ مساكنهم‏}‏ أي‏:‏ ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجاز واليمن آية في هلاكهم، ‏{‏وكانوا مستبصِرِين‏}‏ قال الفراء‏:‏ أي‏:‏ ذوي بصائر‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أتوا ما أتوه وقد تبين لهم أن عاقبته عذابهم‏.‏ وقال غيره‏:‏ كانوا عند أنفسهم مستبصِرِين، يظنون أنهم على حق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كانوا سابِقِين‏}‏ أي‏:‏ ما كانوا يفوتون الله أن يفعل بهم ما يريد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكلاًّ أخذْنا بذنْبه‏}‏ أي‏:‏ عاقبْنا بتكذيبه ‏{‏فمنهم من أرسَلْنا عليه حاصباً‏}‏ يعني قوم لوط ‏{‏ومنهم من أخذتْه الصَّيحة‏}‏ يعني ثموداً وقوم شعيب ‏{‏ومنهم مَنْ خَسَفْنا به الأرض‏}‏ يعني قارون وأصحابه ‏{‏ومنهم من أغرقْنا‏}‏ يعني قوم نوح وفرعون ‏{‏وما كان الله لِيَظْلِمهم‏}‏ فيعذِّبهم على غير ذَنْب ‏{‏ولكنْ كانوا أنفسَهم يَظْلِمون‏}‏ بالإِقامة على المعاصي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 43‏]‏

‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏41‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏42‏)‏ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَثَلُ الذين اتَّخذوا من دون الله أولياءَ‏}‏ يعني الأصنام يتخذها المشركون أولياء يرجون نفعها ونصرها، فمَثَلهم في ضعف احتيالهم ‏{‏كَمَثَل العنكبوت اتَّخذتْ بيتاً‏}‏ قال ثعلب‏:‏ والعنكبوت أنثى، وقد يذكِّرها بعض العرب، قال الشاعر‏:‏

‏[‏على هَطَّالِهم منهم بُيوتٌ‏]‏ *** كأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَعْلَمُ ما يَدْعُون مِنْ دونه مِنْ شَيء‏}‏ أي‏:‏ هو عالِم بما عبدوه من دونه، لا يخفى عليه ذلك؛ والمعنى‏:‏ أنه يجازيهم على كفرهم‏.‏ ‏{‏وتلك الأمثال‏}‏ يعني أمثال القرآن التي شبّه بها أحوال الكفار؛ وقيل‏:‏ إِن «تلك» بمعنى «هذه» ‏{‏والعالِمون‏}‏‏:‏ الذين يعقلون عن الله عز وجل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 45‏]‏

‏{‏خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏44‏)‏ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏خَلَقَ اللّهُ السموات والأرض بالحقّ‏}‏ أي‏:‏ للحق، ولإِظهار الحق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمُنْكَر‏}‏ في المراد بالصلاة قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها الصلاة المعروفة، قاله الأكثرون‏.‏ وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَنْ لم تَنْهَهُ صلاتُه عن الحشاء والمُنْكَر، لم يزد من الله إلا بُعداً»‏.‏ والثاني‏:‏ أنّ المراد بالصلاة‏:‏ القرآن، قاله ابن عمر؛ ويدل على هذا قوله‏:‏ ‏{‏ولا تَجْهَر بِصَلاتك‏}‏ ‏[‏الاسراء‏:‏ 110‏]‏‏.‏ وقد شرحنا معنى الفحشاء والمنكر فيما سبق ‏[‏البقرة‏:‏ 168، النحل‏:‏ 90‏]‏‏.‏

وفي معنى هذه الآية للعلماء ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الإِنسان إِذا أدَّى الصلاة كما ينبغي وتدبَّر ما يتلو فيها، نهته عن الفحشاء والمنكر، هذا مقتضاها وموجبها‏.‏

والثاني‏:‏ أنها تنهاه ما دام فيها‏.‏

والثالث‏:‏ أن المعنى‏:‏ ينبغي أن تنهى الصلاةُ عن الفحشاء والمنكر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلذِكْرُ الله أكبر‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ولَذِكْرُ الله إِيَّاكم أكبرُ من ذِكْركم إِيَّاه، رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ ولَذِكْرُ الله أفضلُ من كل شيء سواه، وهذا مذهب أبي الدرداء، وسلمان، وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ ولَذِكْرُ الله في الصلاة أكبرُ ممََّا نهاك عنه من الفحشاء والمُنكَر، قاله عبد الله بن عون‏.‏

والرابع‏:‏ ولَذِكْرُ الله العبدَ- ما كان في صلاته- أكبرُ من ذِكْر العبدِ لله، قاله ابن قتيبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تُجادِلوا أهل الكتاب إِلاَّ بالَّتي هي أحسن‏}‏ في التي هي أحسن ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها لا إِله إلا الله، رواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الكفُّ عنهم إِذا بذلوا الجزية، فان أبَواْ قوتِلوا، قاله مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أنها القرآن والدُّعاء إِلى الله بالآيات والحُجج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَموا منهم‏}‏ وهم الذين نصبوا الحرب وأبَواْ أن يؤدُّوا الجزية، فجادِلوا هؤلاء بالسيف حتى يُسْلِموا أو يُعطوا الجزية ‏{‏وقولوا‏}‏ لِمَن أدَّى الجزية منهم إِذا أخبركم بشيء ممَّا في كتبهم ‏{‏آمَنَّا بالذي أُنْزل إِلينا وأُنْزل إِليكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏الآية‏]‏‏.‏ وقد روى أبو هريرة قال‏:‏ ‏"‏ كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم وقولوا آمنَّا بالذي أُنزل إِلينا وأُنزل إِليكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏» ‏"‏ ‏[‏الآية‏]‏‏.‏

فصل

واختُلف في نسخ هذه الآية على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها نُسخت بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قاتِلوا الذين لا يؤمِنون بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏وهم صاغرون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏ قاله قتادة، والكلبي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ثابتة الحكم، وهو مذهب ابن زيد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 49‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ‏(‏47‏)‏ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏48‏)‏ بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك‏}‏ أي‏:‏ وكما أنزلنا الكتاب عليهم، ‏{‏أنزَلْنا إِليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمِنون به‏}‏ يعني مؤمني أهل الكتاب ‏{‏ومِنْ هؤلاء‏}‏ يعني أهل مكة ‏{‏مَنْ يؤمِن به‏}‏ وهم الذين أسلموا ‏{‏وما يَجْحَد بآياتنا إِلاَّ الكافرون‏}‏ قال قتادة‏:‏ إِنَّما يكون الجَحْد بعد المعرفة‏.‏ قال مقاتل‏:‏ وهم اليهود‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنتَ تتلو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ مجازه‏:‏ ما كنت تقرأ قبله كتاباً، و«مِن» زائدة‏.‏ فأما الهاء في «قَبْله» فهي عائدة إِلى القرآن‏.‏ والمعنى‏:‏ ما كنتَ قارئاً قبل الوحي ولا كاتباً، وهكذا كانت صفته في التوراة والإِنجيل أنَّه أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وهذا يدلّ على ان الذي جاء به، من عند الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذاً لارتاب المُبْطِلون‏}‏ أي‏:‏ لو كنتَ قارئاً كاتباً لشكَّ اليهودُ فيكَ، ولقالوا‏:‏ ليست هذه صفته في كتابنا‏.‏ والمُبْطِلون‏:‏ الذين يأتون بالباطل، وفيهم هاهنا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ كفار قريش، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ كفار اليهود، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل هو آياتٌ بيِّناتٌ‏}‏ في المكنيِّ عنه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم، ثم في معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ بل وجْدانُ أهل الكتاب في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، وأنه أُمِّيٌّ، آياتٌ بيِّنات في صدورهم، وهذا مذهب ابن عباس، والضحاك، وابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ بل محمد ذو آيات بيِّنات في صدور الذين أوتوا العِلْم من أهل الكتاب، لأنَّهم يجدونه بنعته وصفته، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه القرآن، والذين أوتوا العلم‏:‏ المؤمنون الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملوه بعده‏.‏ وإِنما أُعطي الحفظ هذه الأمة، وكان مَنْ قبلهم لا يقرؤون كتابهم إِلاَّ نظراً، فاذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه سوى الأنبياء، وهذا قول الحسن‏.‏

وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ المشركون، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ كفار اليهود، قاله مقاتل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 52‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏50‏)‏ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏51‏)‏ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا‏}‏ يعني كفار مكة ‏{‏لولا أُنزل عليه آياتٌ مِنْ ربِّه‏}‏ قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم‏:‏ ‏{‏آياتٌ‏}‏ على الجمع‏.‏ وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ ‏{‏آيةٌ‏}‏ على التوحيد‏.‏ وإِنما أرادوا‏:‏ كآيات الأنبياء ‏{‏قُلْ إِنَّما الآياتُ عند الله‏}‏ أي‏:‏ هو القادر على إِرسالها، وليست بيدي‏.‏ وزعم بعض علماء التفسير أن قوله ‏{‏وإِنَّما أنا نذير مُبِين‏}‏ منسوخ بآية السيف‏.‏

ثم بيَّن اللّهُ عز وجل أن القرآن يكفي من الآيات التي سألوها بقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَكْفِهم أنَّا أَنزلنا عليكَ الكتاب‏}‏‏؟‏‏!‏ وذكر يحيى بن جعدة ‏"‏ أن ناساً من المسلمين أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فلمَّا نظر إِليها ألقاها وقال‏:‏ «كفى بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عمَّا جاء به نبيُّهم إِلى قوم غيرهم» ‏"‏، فنزلت‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَكْفِهم‏}‏ إِلى آخر الآية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ كفى بالله‏}‏ قال المفسرون‏:‏ لمَّا كذَّبوا بالقرآن نزلت‏:‏ ‏{‏قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً‏}‏ يَشهَد لي أنِّي رسوله، ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادةُ الله له‏:‏ إِثبات المعجزة له بانزال الكتاب عليه، ‏{‏والذين آمنوا بالباطل‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ بغير الله‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ بعبادة الشيطان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 55‏]‏

‏{‏وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏53‏)‏ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ‏(‏54‏)‏ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏55‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويستعجلونك بالعذاب‏}‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت في النَّضْر بن الحارث حين قال‏:‏ ‏{‏فأَمْطِرْ علينا حجارةً مِنَ السَّماء‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏‏.‏

وفي ‏[‏الأجل‏]‏ المسمى أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه يوم القيامة، قاله سعيد ابن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ أجل الحياة إِلى حين الموت، وأجل الموت إِلى حين البعث، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ مُدَّة أعمارهم، قاله الضحاك‏.‏

والرابع‏:‏ يوم بدر، حكاه الثعلبي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولَيَأْتِيَنَّهم‏}‏ يعني العذاب‏.‏ وقرأ معاذ القارئ، وأبو نهيك، وابن أبي عبلة‏:‏ ‏{‏ولَتَأْتِيَنَّهم‏}‏ بالتاء ‏{‏بغتةً وهم لا يَشْعُرون‏}‏ باتيانه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِنَّ جهنَّم لَمُحيطة بالكافرين‏}‏ أي‏:‏ جامعة لهم‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولُ ذُوقوا‏}‏ قرأ ابن كثير‏:‏ بالنون‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ بالياء‏.‏ فمن قرأ بالياء، أراد الملَك الموكَّل بعذابهم؛ ومن قرأ بالنون، فلأنَّ ذلك لمَّا كان بأمر الله تعالى جاز أن يُنسَب إِليه‏.‏ ومعنى ‏{‏ما كنتم تعملون‏}‏ أي‏:‏ جزاء ما عملتم من الكفر والتكذيب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 60‏]‏

‏{‏يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ‏(‏56‏)‏ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ‏(‏57‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ‏(‏58‏)‏ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏59‏)‏ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏60‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا عباديَ الذين آمنوا‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر‏:‏ ‏{‏يا عباديَ‏}‏ بتحريك الياء‏.‏ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ باسكانها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن أرضي واسعة‏}‏ وقرأ ابن عامر وحده‏:‏ ‏{‏أرضيَ‏}‏ بفتح الياء‏.‏ وفيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه خطاب لِمَن آمن ‏[‏مِنْ‏]‏ أهل مكة، قيل لهم‏:‏ ‏{‏إِن أرضي‏}‏ يعني المدينة ‏{‏واسعة‏}‏، فلا تجاوروا الظَّلَمة في أرض مكة، قاله أبو صالح عن ابن عباس؛ وكذلك قال مقاتل‏:‏ نزلت في ضُعفاء مُسْلِمي مكة، ‏[‏أي‏]‏‏:‏ إِن كنتم في ضيق بمكة من إِظهار الإِيمان، فارض المدينة واسعة‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ إِذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرجوا منها، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء‏.‏

والثالث‏:‏ إِنَّ رزقي لكم واسع، قاله مطرف بن عبد الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فايَّايَ فاعبُدونِ‏}‏ أثبت فيها الياء يعقوب في الحالين، وحذفها الباقون‏.‏ قال الزجّاج‏:‏ أمرهم بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله إِلى حيث تتهيَّأُ لهم العبادة؛ ثم خوَّفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة، فقال‏:‏ ‏{‏كلُّ نَفْس ذائقةُ الموت‏}‏ المعنى‏:‏ فلا تُقيموا في دار الشِّرك خوفاً من الموت ‏{‏ثُمَّ إِلينا تُرْجَعون‏}‏ بعد الموت فنجزيَكم بأعمالكم، والأكثرون قرؤوا‏:‏ ‏{‏تُرْجَعون‏}‏ بالتاء على الخطاب؛ وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَنُبَوِّئَنَّهُمْ‏}‏ ‏[‏قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ ‏{‏لَنُبَوِّئَنَّهُمْ‏}‏ بالباء‏]‏، أي‏:‏ لَنُنْزِلَنَّهم‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، ‏[‏وخلف‏]‏‏:‏ ‏{‏لَنُثْوِيَنَّهُمْ‏}‏ بالثاء، ‏[‏وهو‏]‏ من‏:‏ ثويتُ بالمكان‏:‏ إِذا أقمت به قال الزجاج‏:‏ ‏[‏يقال‏]‏‏:‏ ثوى الرجل‏:‏ إِذا أقام، وأثويتُه‏:‏ إِذا أنزلتَه منزلاً يُقيم فيه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكأيِّن مِنْ دابَّة لا تحملُ رزقَها‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لمَّا أمرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إِلى المدينة، قالوا‏:‏ يا رسول الله، نخرُج إِلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال‏؟‏‏!‏ فمن يؤوينا ويطعمنا‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ ومعنى الآية‏:‏ كم مِنْ دابَّة لا ترفَعُ شيئاً لغدٍ، قال ابن عُيَيْنَةَ‏:‏ ليس شيءٌ يَخْبَأُ إِلا الإِنسانُ والفأرةُ والنملة‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏اللّهُ يرزُقُها‏}‏ أي‏:‏ حيثما توجهتْ ‏{‏وإِيَّاكم‏}‏ أي‏:‏ ويرزُقكم إِن هاجرتم إِلى المدينة ‏{‏وهو السَّميع‏}‏ لقولكم‏:‏ لا نجد ما نُنْفِق بالمدينة ‏{‏العليمُ‏}‏ بما في قلوبكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 63‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏61‏)‏ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏62‏)‏ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏63‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولَئن سألتَهم‏}‏ يعني كفار مكة، وكانوا يُقِرُّون بأنه الخالق والرَّازق؛ وإِنَّما أمَره أن يقول‏:‏ ‏{‏الحمدُ لله‏}‏ على إِقرارهم، لأن ذلك يُلزمهم الحُجَّة فيوجِب عليهم التوحيد ‏{‏بل أكثرُهم لا يَعْقِلون‏}‏ توحيد الله مع إِقرارهم بأنه الخالق‏.‏ والمراد بالأكثر‏:‏ الجميع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 66‏]‏

‏{‏وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏64‏)‏ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ‏(‏65‏)‏ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هذه الحياةُ الدُّنيا إِلا لَهْوٌ ولَعِبٌ‏}‏ والمعنى‏:‏ وما الحياةُ في هذه الدنيا إِلا غرور ينقضي عن قليل ‏{‏وإِنَّ الدَّار الآخرة‏}‏ يعني الجنة ‏{‏لَهِيَ الحَيَوانُ‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ اللام في ‏{‏لَهِيَ‏}‏ زائدة للتوكيد، والحيوان والحياة واحد؛ والمعنى‏:‏ لهي دارُ الحياة التي لا موتَ فيها، ولا تنغيص يشوبها كما يشوب الحياةَ الدُّنيا ‏{‏لو كانوا يَعْلَمون‏}‏ أي‏:‏ لو علموا لرغبوا عن الفاني في الباقي، ولكنهم لا يَعْلَمون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاذا رَكِبُوا في الفُلْك‏}‏ يعني المشركين ‏{‏دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِين له الدِّين‏}‏ أي‏:‏ أفردوه بالدُّعاء‏.‏ قال مقاتل‏:‏ والدِّين بمعنى التوحيد؛ والمعنى أنهم لا يَدْعُون مَنْ يَدْعُونه شريكاً له ‏{‏فلمَّا نَجَّاهم‏}‏ أي‏:‏ خلَّصهم من أهوال البحر، وأَفْضَوا ‏{‏إِلى البَرِّ إِذا هم يُشْرِكون‏}‏ في البَرّ، وهذا إِخبار عن عنادهم‏.‏ ‏{‏لِيَكْفُروا بِمَا آتيناهم‏}‏ هذه لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله‏:‏ ‏{‏اعْمَلوا ما شِئْتُم‏}‏ ‏[‏فُصِّلت‏:‏ 40‏]‏؛ والمعنى‏:‏ ليَجْحَدوا نِعْمة الله في إِنجائه إِيَّاهم ‏{‏ولِيَتَمَتَّعُوا‏}‏ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي باسكان اللام على معنى الأمر؛ والمعنى‏:‏ ليتمتعوا بباقي أعمارهم ‏{‏فسوف يَعْلَمون‏}‏ عاقبة كفرهم‏.‏ وقرأ الباقون بكسر اللام في ‏{‏لِيَتَمتَّعُوا‏}‏، فجعلوا اللاَّمين بمعنى «كي»، فتقديره‏:‏ لكي يكفُروا، ولكي يَتَمتَّعوا، فيكون معنى الكلام‏:‏ إِذا هم يُشْرِكون ليكفُروا ولِيتمتَّعوا، أي‏:‏ لا فائدة لهم في الإِشراك إِلاّ الكفر والتمتُّع بما يتمتَّعون به في العاجلة من غير نصيب لهم في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 69‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ‏(‏67‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ‏(‏68‏)‏ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَواْ‏}‏ يعني كفار مكة ‏{‏أنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً‏}‏ يعني مكة؛ وقد شرحنا هذا المعنى في ‏[‏القصص‏:‏ 57‏]‏ ‏{‏ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حولهم‏}‏ أي‏:‏ أن العرب يَسْبي بعضهم بعضاً وأهلُ مكة آمنون ‏{‏أفبالباطل‏}‏ وفيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ الشِّرك، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ الأصنام، قاله ابن السائب‏.‏

والثالث‏:‏ الشيطان، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُؤْمِنونَ‏}‏ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعاصم الجحدري‏:‏ ‏{‏تُؤْمِنونَ وبنِعمة الله تكفُرونَ‏}‏ بالتاء فيهما‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبنِعمة الله‏}‏ يعني‏:‏ محمداً والإِسلام؛ وقيل‏:‏ بانعام الله عليهم حين أطعمهم وآمنهم ‏{‏يكفُرون‏}‏، ‏{‏ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افترى على الله كَذِباً‏}‏ أي‏:‏ زعم أن له شريكاً وأنه أمر بالفواحش ‏{‏أو كذَّبَ بالحق لمَّا جاءه‏}‏ يعني محمداً والقرآن ‏{‏أليس في جهنم مثوىً للكافرين‏}‏‏؟‏‏!‏ وهذا استفهام بمعنى التقرير، كقول جرير‏:‏

ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا *** ‏[‏وأندى العالَمينَ بُطونَ راحِ‏]‏

‏{‏والذين جاهَدوا فينا‏}‏ أي‏:‏ قاتلوا أعداءنا لأجلنا ‏{‏لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا‏}‏ أي‏:‏ لَنُوَفّقَنَّهم لإِصابة الطريق المستقيمة؛ وقيل‏:‏ لَنَزِيدنَّهم هِدايَة ‏{‏وإِنَّ الله لَمَعَ المُحْسِنِينَ‏}‏ بالنُّصرة والعون‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد بالمُحْسِنِين‏:‏ الموحِّدين؛ وقال غيره‏:‏ يريد المجاهدين‏.‏ وقال ابن المبارك‏:‏ من اعتاصت عليه مسألة، فليسأل أهل الثُّغور عنها، لقوله‏:‏ ‏{‏لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا‏}‏‏.‏

سورة الروم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏الم ‏(‏1‏)‏ غُلِبَتِ الرُّومُ ‏(‏2‏)‏ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ‏(‏3‏)‏ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏4‏)‏ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غُلِبَتِ الرُّومُ‏}‏ ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أنه كان بين فارس والروم حرب فغلبت فارس الرُّومَ، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، فشقَّ ذلك عليهم، وفرح المشركون بذلك، لأنَّ فارس لم يكن لهم كتاب وكانوا يجحدون البعث ويعبُدون الأصنام، والرُّوم أصحاب كتاب، فقال المشركون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أُمِّيُونَ، وقد ظهر إِخواننا من أهل فارس على إِخوانكم من الرُّوم، فان قاتلتمونا لَنَظْهَرَنَّ عليكم، فنزلت هذه الآية، فخرج بها أبو بكر الصديق إِلى المشركين، فقالوا‏:‏ هذا كلام صاحبك، فقال‏:‏ اللّهُ أَنزل هذا، فقالوا لأبي بكر‏:‏ نراهنك على أن الروم لا تغلب فارس، فقال أبو بكر‏:‏ البِضْع ما بين الثلاث إِلى التسع، فقالوا‏:‏ الوسط من ذلك ست، فوضعوا الرِّهان، وذلك قبل أن يُحرَّم الرِّهان، فرجع أبو بكر إِلى أصحابه فأخبرهم، فلاموه وقالوا‏:‏ هلاَّ أقررتَها كما أقرَّها الله‏؟‏‏!‏ لو شاء أن يقول‏:‏ ستاً، لقال‏!‏ فلمَّا كانت سنة ست، لم تظهر الروم على فارس، فأخذوا الرهان، فلمَّا كانت سنة سبع ظهرت الرُّومُ على فارس‏.‏ وروى ابن عباس، قال‏:‏ ‏"‏ لمَّا نزلت‏:‏ ‏{‏آلم غُلِبَت الرُّومُ‏}‏ ناحب أبو بكر قريشاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا احتطتَ، فانَّ البِضْع ما بين السبع والتسع»، وذكر بعضهم أنهم ضربوا الأجَل خمس سنين، وقال بعضهم‏:‏ ثلاث سنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إِنما البِضْع ما بين الثلاث إِِلى التسع»، فخرج أبو بكر فقال لهم‏:‏ أُزايدُكم في الخطر وأَمُدُّ في الأجَل إِلى تسع سنين، ففعلوا، فقهرهم أبو بكر، وأخذ رهانهم ‏"‏ وفي الذي تولَّى وضع الرهان من المشركين قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أُبيُّ بن خلف، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أبو سفيان بن حرب، قاله السدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في أدنى الأرض‏}‏ وقرأ أُبيُّ بن كعب، والضحاك، وأبو رجاء، وابن السميفع‏:‏ ‏{‏في أَداني الأرض‏}‏ بألف مفتوحة الدال، أي‏:‏ أقرب الأرض أرض الروم إِلى فارس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وهي طرف الشام‏.‏

وفي اسم هذا المكان ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إِلى فارس، قاله مجاهد‏.‏

والثاني؛ أذْرِعات وكَسْكَر، قاله عكرمة‏.‏

والثالث‏:‏ الأردنُّ وفلسطين، قاله السدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم‏}‏ يعني الروم ‏{‏مِنْ بَعْدِ غَلَبهم‏}‏ وقرأ أبو الدرداء، وأبو رجاء، وعكرمة، والأعمش‏:‏ ‏{‏غَلْبهم‏}‏ بتسكين اللام؛ أي‏:‏ من بعد غلبة فارس إِيَّاهم‏.‏ والغَلَب والغَلَبة لغتان، ‏{‏سيَغْلِبون‏}‏ فارس في ‏{‏بِضْع سنينَ‏}‏ في البِضْع تسعة أقوال قد ذكرناها في ‏[‏يوسف‏:‏ 42‏]‏ قال المفسرون‏:‏ وهي هاهنا سبع سنين، وهذا من علم الغيب الذي يدل على أن القرآن حق، ‏{‏لله الأمر مِنْ قَبْلُ ومن بعدُ‏}‏ أي‏:‏ من قبل ان تُغلَب الروم ومِنْ بَعْد ما غَلبت؛ والمعنى‏:‏ أن غَلَبة الغالب وخِذْلان المغلوب، بأمر الله وقضائه ‏{‏ويومَئذ‏}‏ يعني يوم غلبت الرومُ فارس ‏{‏يَفرح المؤمنون بنصر الله‏}‏ للروم‏.‏ وكان التقاء الفريقين في السنة السابعة من غَلَبة فارس إِيَّاهم، فغلبتْهم الرُّوم، وجاء جبريلُ يخبر بنصر الروم على فارس، فوافق ذلك يوم بدر، وقيل‏:‏ يوم الحديبية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏6‏)‏ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ‏(‏7‏)‏ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعْدَ الله‏}‏ أي‏:‏ وَعَدَ اللّهُ وَعْداً ‏{‏لا يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ‏}‏ أنَّ الرُّوم يَظهرون على فارس ‏{‏ولكنَّ أكثر النَّاس‏}‏ يعني كفار مكة ‏{‏لا يَعلمون‏}‏ ان الله لا يُخْلِف وعده في ذلك‏.‏

ثم وصف كفار مكة، فقال‏:‏ ‏{‏يَعْلَمون ظاهراً مِنَ الحياة الدُّنيا‏}‏ قال عكرمة‏:‏ هي المعايش‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يعلمون بنيان قصورها وتشقيق أنهارها‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يعلمون متى زرعهم و‏[‏متى‏]‏ حصادهم، ولقد بلغ واللّهِ مِنْ عِلْم أحدهم بالدنيا أنه ينقُر الدرهم بظُفره فيُخبرك بوزنه ولا يُحسن يصلِّي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم عن الآخرة هم غافلون‏}‏ لأنهم لا يؤمنون بها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وذِكْرهم ثانية يجري مجرى التوكيد، كما تقول‏:‏ زيد هو عالم، وهو أوكد من قولك‏:‏ زيد عالم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَتَفَكَّروا في أنفُسهم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ معناه‏:‏ أولم يتفكروا فيعلموا، فحذف ‏{‏فيعلموا‏}‏ لأن في الكلام دليلاً ‏[‏عليه‏]‏‏.‏ ومعنى ‏{‏إِلاَّ بالحقِّ‏}‏ إِلاَّ للحق، أي لإِقامة الحق ‏{‏وأجلٍ مسمّىً‏}‏ وهو وقت الجزاء ‏{‏وإِنَّ كثيراً من الناس بلقاء ربِّهم لَكافرون‏}‏ المعنى‏:‏ لكافرون بلقاء ربِّهم، فقدِّمت الباء، لأنها متصلة ب ‏{‏بكافرون‏}‏؛ وما اتصل بخبر «إِنَّ» جاز أن يقدَّم قبل اللام، ولا يجوز أن تدخل اللام بعد مضي الخبر من غير خلاف بين النحويين، لا يجوز أن تقول‏:‏ إِن زيداً كافرٌ لَبِالله، لأن اللام حَقُّها أن تدخل على الابتداء أو الخبر، أو بين الابتداء والخبر، لأنها تؤكِّد الجملة‏.‏ وقال مقاتل في قوله‏:‏ ‏{‏وأَجَلٍ مسمّىً‏}‏‏:‏ للسموات والأرض أَجَل ينتهيان إِليه، وهو يوم القيامة، ‏{‏وإِنَّ كثيراً مِنَ الناس‏}‏ يعني كفار مكة ‏{‏بِلِقاء ربِّهم‏}‏ أي‏:‏ بالبعث ‏{‏لَكافرون‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 11‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏9‏)‏ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏10‏)‏ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَسيروا في الأرض‏}‏ أي‏:‏ أَوَلَمْ يسافروا فينظروا مصارع الأُمم قبلهم كيف أُهلكوا بتكذيبهم فيعتَبروا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأثاروا الأرض‏}‏ أي‏:‏ قلبوها للزراعة، ومنه قيل للبقرة‏:‏ مثيرة‏.‏ وقرأ أُبيُّ بن كعب، ومعاذ القارئ، وأبو حيوة‏:‏ ‏{‏وآثَرُوا الأرض‏}‏ بمد الهمزة وفتح الثاء مرفوعة الراء، ‏{‏وعَمَرُوها أكثرَ مِمَّا عَمَرُوها‏}‏ أي‏:‏ أكثر من عِمارة أهل مكة، لطول أعمار أولئك وشدة قوَّتهم ‏{‏وجاءتهم رسُلُهم بالبيِّنات‏}‏ أي‏:‏ بالدَّلالات ‏{‏فما كان الله لِيَظْلِمهم‏}‏ بتعذيبهم على غير ذنب ‏{‏ولكن كانوا أنفُسَهم يَظْلِمون‏}‏ بالكفر والتكذيب؛ ودلَّ هذا على أنهم لم يؤمنوا فأُهلكوا‏.‏

ثم أخبر عن عاقبتهم فقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ كان عاقبةَ الذين أساؤوا السُّوأى‏}‏ يعني‏:‏ الخَلَّة السيِّئة؛ وفيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها العذاب، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ جهنم، قاله السدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن كذَّبوا‏}‏ قال الفراء‏:‏ معناه‏:‏ لأن كذَّبوا، فلمَّا أُلقيت اللامُ كان نصباً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم‏.‏ وقيل‏:‏ السُّوأى مصدر بمنزلة الإِساءَة؛ فالمعنى‏:‏ ثم كان التكذيب آخرَ أمرهم، أي‏:‏ ماتوا على ذلك، كأنَّ الله تعالى جازاهم على إِساءَتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب عقوبةً لهم‏.‏ وقال مكي بن أبي طالب النحوي‏:‏ ‏{‏عاقبةُ‏}‏ اسم كان، و‏{‏السُّوأى‏}‏ خبرها، و‏{‏أن كذَّبوا‏}‏ مفعول من أجله؛ ويجوز أن يكون ‏{‏السُّوأى‏}‏ مفعولة ب ‏{‏أساؤوا‏}‏، و‏{‏أن كذَّبوا‏}‏ خبر كان؛ ومن نصب «عاقبةَ» جعلها خبر «كان»، و«السُّوأى» اسمها، ويجوز أن يكون ‏{‏أن كذَّبوا‏}‏ اسمها‏.‏ وقرأ الأعمش‏:‏ «أساؤوا السُّوءُ» برفع «السُّوءُ»‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله يبدأ الخَلْق ثم يُعيدُه‏}‏ أي‏:‏ يخلُقهم أوّلاً، ثم يعيدهم بعد الموت أحياءً كما كانوا، ‏{‏ثُمَّ إِليه تُرْجَعون‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم‏:‏ ‏{‏تُرْجَعون‏}‏ بالتاء؛ فعلى هذا يكون الكلام عائداً من الخبر إِلى الخطاب وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ بالياء، لأن المتقدِّم ذِكْره غَيبة، والمراد بذِكر الرجوع‏:‏ الجزاءُ على الأعمال، والخَلْق بمعنى المخلوقين، وإِنما قال‏:‏ ‏{‏يُعِيده‏}‏ على لفظ الخَلْق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 16‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏12‏)‏ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ‏(‏13‏)‏ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ‏(‏14‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ‏(‏15‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُبْلِسُ المجرمون‏}‏ قد شرحنا الإِبلاس في ‏[‏الأنعام‏:‏ 44‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلمْ يكُن لهم من شركائهم‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏من‏]‏ أوثانهم التي عبدوها ‏{‏شفعاء‏}‏ في القيامة ‏{‏وكانوا بشركائهم كافرين‏}‏ يتبرَّؤون منها وتتبرَّأ منهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يومَئذ يتفرَّقون‏}‏ وذلك بعد الحساب ينصرف قوم إِلى الجنة، وقوم إِلى النار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهُم في روضة‏}‏ الرَّوضة‏:‏ المكان المخضرُّ من الأرض؛ وإِنَّما خصَّ الروضة، لأنها كانت أعجب الأشياء إِلى العرب؛ قال أبو عبيدة‏:‏ ليس شيءٌ عند العرب أحسنَ من الرياض المُعْشِبة ولا أطيبَ ريحاً، قال الأعشى‏:‏

مَا رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ *** خَضْرَاءُ جادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ

يَوْماً بأطْيَبَ مِنْها نَشْرَ رائحَةٍ *** وَلا بأحْسَنَ مِنْها إِذ دَنا الأُصُلُ

قال المفسرون‏:‏ والمراد بالروضة‏:‏ رياض الجنة‏.‏

وفي معنى ‏{‏يُحْبَرون‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ يُكْرَمون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ يَنْعَمون، قاله مجاهد، وقتادة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والحَبْرَة في اللغة‏:‏ كل نَغْمَةَ حسنَة‏.‏

والثالث‏:‏ يفرحون، قاله السدي‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ ‏{‏يُحْبَرون‏}‏‏:‏ يُسَرُّون، والحَبْرَة‏:‏ السُّرور‏.‏

والرابع‏:‏ أن الحَبْر‏:‏ السَّماع في الجنة، فاذا أخذ أهل الجنة في السماع، لم تبق شجرة إِلاَّ ورَّدت، قاله يحيى بن أبي كثير‏.‏ وسئل يحيى بن معاذ‏:‏ أيّ الأصوات أحسن‏؟‏ فقال‏:‏ مزامير أُنس، في مقاصير قُدس، بألحان تحميد، في رياض تمجيد ‏{‏في مَقْعَد صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 55‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأولئك في العذاب مُحْضَرون‏}‏ أي‏:‏ هم حاضرون العذاب أبداً لا يخفَّف عنهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 19‏]‏

‏{‏فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ‏(‏17‏)‏ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ‏(‏18‏)‏ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

ثم ذكر ما تُدْرَك به الجنة ويُتباعَد به من النار فقال‏:‏ ‏{‏فسُبحَانَ الله حين تُمْسُونَ‏}‏ قال المفسرون‏:‏ المعنى‏:‏ فصلُّوا لله حين تُمسون، أي‏:‏ حين تدخُلون في المساء ‏{‏وحين تُصْبِحونَ‏}‏ أي‏:‏ تدخُلون في الصباح، و‏{‏تُظْهِرونَ‏}‏ تدخُلون في الظهيرة، وهي وقت الزَّوال، ‏{‏وعشيّاً‏}‏ أي‏:‏ وسبِّحوه عشيّاً‏.‏ وهذه الآية قد جمعت الصلوات الخمس، فقوله‏:‏ ‏{‏حين تُمسون‏}‏ يعني ‏[‏به‏]‏ صلاة المغرب والعشاء، ‏{‏وحين تصبحون‏}‏ يعني به صلاة الفجر، ‏{‏وعشيّاً‏}‏ العصر، «وحين تُظْهِرونَ» الظُّهر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله الحمد في السموات والأرض‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يَحْمَده أهل السموات وأهل الأرض ويصلُّون له‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُخْرِجُ الحيَّ من الميِّت‏}‏ فيه أقوال قد ذكرناها في سورة ‏[‏آل عمران‏:‏ 27‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويُحيي الأرض بعد موتها‏}‏ أي‏:‏ يجعلها مُنْبِتة بعد أن كانت لا تُنْبِت، وتلك حياتها ‏{‏وكذلك تُخْرَجون‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ «تُخْرَجون» بضم التاء، وفتحها حمزة والكسائي؛ والمراد‏:‏ تخرجون يوم القيامة من الأرض، أي‏:‏ كما أحيا الأرض بالنبات يُحييكم بالبعث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 29‏]‏

‏{‏وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ‏(‏20‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏21‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ‏(‏22‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ‏(‏23‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏24‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ‏(‏25‏)‏ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ‏(‏26‏)‏ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏27‏)‏ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏28‏)‏ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومِنْ آياته‏}‏ أي‏:‏ من دلائل قدرته ‏{‏أنْ خلقكم من تراب‏}‏ يعني آدم، لأنه أصل البشر ‏{‏ثُمَّ إِذا أنتم بَشرٌ‏}‏ من لحم ودم، يعني ذريته ‏{‏تَنْتَشِرون‏}‏ أي‏:‏ تنبسطون في الأرض‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أنْ خَلَق لكم من أنفُسكم أزواجاً‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه يعني بذلك آدم، خلق حوَّاء من ضِلعه، وهو معنى قول قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ جعل لكم آدميَّات مثلكم، ولم يجعلهنَّ من غير جنسكم، قاله الكلبي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لتسكنُوا إِليها‏}‏ أي‏:‏ لتأووا إِلى الأزواج ‏{‏وجعل بينكم مودَّةً ورحمة‏}‏ وذلك أن الزوجين يتوادَّان ويتراحمان من غير رَحِم بينهما ‏{‏إِنَّ في ذلك‏}‏ الذي ذكره من صنعه ‏{‏لآياتٍ لقوم يتفكَّرون‏}‏ في قدرة الله وعظَمته‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واختلافُ ألسنتكم‏}‏ يعني اللغات من العربية والعجمية وغير ذلك ‏{‏وألوانِكم‏}‏ لأنَّ الخلق بين أسود وأبيض وأحمر، وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة‏.‏ وقيل‏:‏ المراد باختلاف الألسنة اختلاف النَّغَمات والأصوات، حتى إِنه لا يشتبه صوت أخوين من أب وأم والمراد باختلاف الألوان‏:‏ اختلاف الصُّوَر، فلا تشتبه صورتان مع التشاكل ‏{‏إِنَّ في ذلك لآيات للعالِمِين‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ‏[‏والكسائي‏]‏، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ ‏{‏للعالَمِين‏}‏ بفتح اللام‏.‏ وقرأ حفص عن عاصم‏:‏ ‏{‏للعالِمِين‏}‏ بكسر اللام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن آياته منامُكم بالليل والنهار‏}‏ أي‏:‏ نومكم‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ المنام من مصادر النَّوم، بمنزلة قام يقوم قِياماً ومَقاماً، وقال يقول مَقالاً، قال المفسرون‏:‏ وتقدير الآية‏:‏ منامكم بالليل ‏{‏وابتغاؤكم من فضله‏}‏ وهو طلب الرزق بالنهار ‏{‏إِنَّ في ذلك لآيات لقوم يسمعون‏}‏ سماع اعتبار ‏[‏وتذكُّر‏]‏ وتدبُّر‏.‏ ‏{‏ومن آياته يُريكم البرق‏}‏ قال اللغويون‏:‏ إِنَّما حذف «أنْ» لدلالة الكلام عليه، وأنشدوا‏:‏

‏[‏وما الدَّهْرُ إِلاَّ تارتان فتارةً *** أموتُ وأُخرى أبتغي العَيْش أكدحُ

ومعناه‏:‏ فتارة أموت فيها‏]‏، وقال طرفة‏:‏

ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى *** ‏[‏وأن أَشهد اللَّذَّاتِ هل أنتَ مُخْلِدي‏]‏

أراد‏:‏ أن أحضر‏.‏ وقد شرحنا معنى الخوف والطمع في رؤية البَرْق في سورة ‏[‏الرعد‏:‏ 12‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن تقوم السماء والأرض‏}‏ أي‏:‏ تدوما قائمتين ‏{‏بأمره‏}‏ ‏{‏ثم إِذا دعاكم دعوةً‏}‏ وهي نفحة إِسرافيل الأخيرة في الصُّور بأمر الله عز وجل ‏{‏من الأرض‏}‏ أي‏:‏ من قبوركم ‏{‏إِذا أنتم تخرُجون‏}‏ منها‏.‏ وما بعد هذا قد سبق بيانه ‏[‏البقرة‏:‏ 116، العنكبوت‏:‏ 19‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏وهو أهونُ عليه‏}‏ وفيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الإِعادة أهون عليه من البداية، وكُلُّ هيِّنٌ عليه، قاله مجاهد، وأبو العالية‏.‏

والثاني‏:‏ أن «أهون» بمعنى «هيِّن»، فالمعنى‏:‏ وهو هيِّن عليه، وقد يوضع «أفعل» في موضع «فاعل»، ومثله قولهم في الأذان‏:‏ الله أكبر، أي‏:‏ الله كبير، قال الفرزدق‏:‏

إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا *** بَيْتاً دعَائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ

وقال معن بن أوس المزني‏:‏

لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإِنِّي لأَوْجَلُ *** على أيِّنا تَغْدُوا المَنِيَّةُ أَوَّلُ

أي‏:‏ وإِنِّي لَوَجِل، وقال غيره‏:‏

أصبحتُ أمنحُك الصُّدودَ وإِنَّني *** قسماً إِليك مع الصُّدود لأَمْيَلُ

وأنشدوا أيضاً‏:‏

تَمَنَّى رِجالٌ أنْ أموتَ وإِنْ أمُتْ *** فَتِلكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بأَوْحَدِ

أي‏:‏ بواحد، هذا قول أبي عبيدة، وهو مروي عن الحسن، وقتادة‏.‏ و‏[‏قد‏]‏ قرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد‏:‏ ‏{‏وهو هَيِّن عليه‏}‏‏.‏

والثالث‏:‏ أنه خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم البعث أسهل من الابتداء في تقديرهم وحُكمهم، فمن قَدَرَ على الإِنشاء كان البعثُ أهونَ عليه، هذا اختيار الفراء، والمبرد، والزجاج، وهو قول مقاتل‏.‏ وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الهاء في «عليه» عائدة إِلى الله تعالى‏.‏

والرابع‏:‏ أن الهاء تعود على المخلوق، لأنه خلَقه نطفة ثم علقة ثم مضغة، ويوم القيامة يقول له كن فيكون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو اختيار قطرب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله المَثَلُ الأعلى‏}‏ قال المفسرون‏:‏ أي‏:‏ له الصِّفة العُليا ‏{‏في السماوات والأرض‏}‏ وهي أنَّه لا إِله غيره‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ضَرَبَ لكم مَثَلاً‏}‏ سبب نزولها أن أهل الجاهلية كانوا يلبُّون فيقولون‏:‏ لبيك لا شريك لك إِلا شريكاً هو لك تملكُه وما ملك، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ بيَّن لكم أيها المشركون شَبَهاً، وذلك الشَّبه ‏{‏من أنفُسكم‏}‏، ثم بيَّنه فقال‏:‏ ‏{‏هل لكم ممَّا ملكت أيمانُكم‏}‏ أي‏:‏ من عبيدكم ‏{‏من شركاءَ فيما رزقناكم‏}‏ من المال والأهل والعبيد، أي‏:‏ هل يشارككم عبيدكم في أموالكم ‏{‏فأنتم فيه سواءٌ‏}‏ أي‏:‏ أنتم وشركاؤكم من عبيدكم سواءٌ ‏{‏تخافونهم كخِيفتكم أنفُسكم‏}‏ أي‏:‏ كما تخافون أمثالكم من الأحرار، وأقرباءكم كالآباء والأبناء‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ تخافونهم أن يَرِثوكم كما يَرِث بعضكم بعضاً‏؟‏ وقال غيره‏:‏ تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشركاء‏؟‏ والمعنى‏:‏ هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويَه في التصرُّف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيرَه من الشركاء الأحرار‏؟‏‏!‏ فاذا لم ترضَواْ ذلك لأنفسكم، فلم عَدَلتم بي من خَلْقي مَنْ هو مملوك لي‏؟‏‏!‏ ‏{‏كذلك‏}‏ أي‏:‏ كما بيَّنَّا هذا المَثَل ‏{‏نفصِّل الآيات لقوم يَعْقِلون‏}‏ عن الله‏.‏ ثم بيَّن أنَّهم إِنَّما اتَّبعوا الهوى في إِشراكهم، فقال‏:‏ ‏{‏بل اتَّبع الذين ظلموا‏}‏ أي‏:‏ أشركوا بالله ‏{‏أهواءهم بغير عِلْم فمن يَهدي مَن أضلَّ اللّهُ‏}‏ وهذا يدل على أنهم إِنما أشركوا باضلال الله إِيَّاهم ‏{‏وما لهم من ناصرين‏}‏ أي‏:‏ مانعين من عذاب الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 38‏]‏

‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏30‏)‏ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏31‏)‏ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ‏(‏32‏)‏ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ‏(‏33‏)‏ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏34‏)‏ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ‏(‏35‏)‏ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ‏(‏36‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏37‏)‏ فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأقم وجهك‏}‏ قال مقاتل‏:‏ أخلص دينك الإِسلام ‏{‏للدِّين‏}‏ أي‏:‏ للتوحيد‏.‏ وقال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ استقم بدينك نحو الجهة التي وجَّهك الله إِليها‏.‏ وقال غيره‏:‏ سدِّد عملك، والوجه‏:‏ ما يُتَوجَّه إِليه، وعمل الإِنسان ودينه‏:‏ ما يتوجَّه إِليه لتسديده وإِقامته‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حنيفاً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏الحنيف‏}‏‏:‏ الذي يميل إِلى الشيء ولا يرجع عنه، كالحَنَف في الرِّجل، وهو ميلها إِلى خارجها خِلْقة، لا يقدر الأحنف أن يردَّ حَنَفه وقوله‏:‏ ‏{‏فطرةَ الله‏}‏ منصوب، بمعنى‏:‏ اتَّبِع فطرةَ الله، لأن معنى ‏{‏فأقم وجهك‏}‏‏:‏ اتَّبِع الدِّين القيِّم، واتَّبع فطرة الله، أي‏:‏ دين الله‏.‏ والفطرة‏:‏ الخِلْقة التي خَلَق اللّهُ عليها البشر‏.‏ وكذلك قوله عليه السلام‏:‏ «كل مولود يولد على الفطرة»، أي‏:‏ على الإِيمان بالله‏.‏ وقال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏فطرة الله التي فطر الناسَ عليها‏}‏ قال‏:‏ الإِسلام، وكذلك قال قتادة‏.‏ والذي أشار إِليه الزجاج أصح، وإِليه ذهب ابن قتيبة، فقال‏:‏ فرقُ ما بيننا وبين أهل القَدَر في هذا الحديث، أن الفطرة عندهم‏:‏ الإِسلام، والفطرة عندنا‏:‏ الإِقرار بالله والمعرفة به، لا الإِسلام، ومعنى الفطرة‏:‏ ابتداء الخِلقة، والكل أقرُّوا حين قوله‏:‏ ‏{‏ألستُ بربِّكم قالوا بلى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏ ولستَ واجداً أحداً إِلا وهو مُقِرّ بأنَّ له صانعاً ومدبِّراً وإِن عبد شيئاً دونه وسمَّاه بغير اسمه؛ فمعنى الحديث‏:‏ إِن كل مولود في العالَم على ذلك العهد وذلك الإِقرار الأول، وهو الفطرة، ثم يهوِّد اليهودُ أبناءهم، أي يعلِّمونهم ذلك، وليس الإِقرار الأول ممَّا يقع به حُكم ولا ثواب؛ وقد ذكر نحو هذا أبو بكر الأثرم، واستدل عليه بأن الناس أجمعوا على أنه لا يرث المسلُم الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ، ثم أجمعوا على أن اليهوديَّ إِذا مات له ولد صغير ورثه، وكذلك النصراني والمجوسي، ولو كان معنى الفطرة الإِسلام، ما ورثه إِلا المسلمون، ولا دفن إِلا معهم؛ وإِنما أراد بقوله عليه السلام‏:‏ «كل مولود يولد على الفطرة» أي‏:‏ على تلك البداية التي أقرُّوا له فيها بالوحدانية حين أخذهم مِن صُلْب آدم، فمنهم من جحد ذلك بعد إِقراره‏.‏ ومثل هذا الحديث حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «قال الله عز وجل‏:‏ إِني خَلقتُ عبادي حنفاء»، وذلك أنه لم يدعُهم يوم الميثاق إِلاَّ إِلى حرف واحد، فأجابوه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تبديل لَخِلْق الله‏}‏ لفظه لفظ النفي، ومعناه النهي؛ والتقدير‏:‏ لا تبدِّلوا خَلْق الله‏.‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه خِصاء البهائم، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

والثاني‏:‏ دين الله، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي في آخرين‏.‏ وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك الدِّينُ القيِّم‏}‏ يعني التوحيد المستقيم ‏{‏ولكنَّ أكثر الناس‏}‏ يعني كفار مكة ‏{‏لا يَعْلَمون‏}‏ توحيد الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُنِيبِين إِليه‏}‏ قال الزجاج‏:‏ زعم جميع النحويين أن معنى هذا‏:‏ فأقيموا وجوهكم منيبين، لأن مخاطَبة النبي صلى الله عليه وسلم تدخل معه فيها الأُمَّة ومعنى ‏{‏منيبين‏}‏‏:‏ راجعين إِليه في كل ما أمر، فلا يخرجون عن شيء من أمره‏.‏ وما بعد هذا قد سبق تفسيره ‏[‏البقرة‏:‏ 3، الأنعام‏:‏ 159‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏وإِذا مَسَّ الناسَ ضُرٌّ دَعَواْ ربَّهم مُنِيبِين إِليه ثم إِذا أذاقهم منه رحمةً‏}‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه القحط، والرحمة‏:‏ المطر‏.‏

والثاني‏:‏ أنه البلاء، والرحمة‏:‏ العافية، ‏{‏إِذا فريق منهم‏}‏ وهم المشركون‏.‏ والمعنى‏:‏ إِن الكل يلتجؤون إِليه في شدائدهم، ولا يلتفت المشركون حينئذ إِلى أوثانهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَكفُروا بما آتيناهم‏}‏ قد شرحناه في آخر ‏[‏العنكبوت‏:‏ 67‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتَمتَّعوا‏}‏ خطاب لهم بعد الإِخبار عنهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم أنزَلْنا عليهم‏}‏ أي‏:‏ على هؤلاء المشركين ‏{‏سُلطاناً‏}‏ أي‏:‏ حُجَّة وكتاباً من السماء ‏{‏فهو يتكلَّم بما كانوا به يُشْرِكون‏}‏ أي‏:‏ يأمرهم بالشِّرك‏؟‏‏!‏ وهذا استفهام إِنكار، معناه‏:‏ ليس الأمر كذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذا أذقنا الناس‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني كفار مكة ‏{‏رحمةً‏}‏ وهي المطر‏.‏ والسيِّئة‏:‏ الجوع والقحط‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ الرحمة‏:‏ النعمة، والسيِّئة المصيبة‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وهذا الفرح المذكور هاهنا، هو فرح البطر، الذي لا شُكر فيه، والقنوط‏:‏ اليأس من فضل الله، وهو خلاف وصف المؤمن، فانه يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة؛ وقد شرحناه في بني ‏[‏إِسرائيل‏:‏ 26‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ يعني إِعطاء الحق ‏{‏خير‏}‏ أي‏:‏ أفضل من الإِمساك ‏{‏للذين يريدون وجه الله‏}‏ أي‏:‏ يطلُبون بأعمالهم ثواب الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 40‏]‏

‏{‏وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ‏(‏39‏)‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما آتيتم من رِباً‏}‏ في هذه الآية أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الرِّبا هاهنا‏:‏ أن يُهدي الرجل للرجل الشيء يقصِد أن يُثيبه عليه أكثر من ذلك، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، ‏[‏والضحاك‏]‏، وقتادة، والقرظي‏.‏ قال الضحاك‏:‏ فهذا ليس فيه أجر ولا وزر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ذلك الذي لا يَقبله الله ولا يَجزي به، وليس فيه وِزْر‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الرِّبا المحرَّم، قاله الحسن البصري‏.‏

والثالث‏:‏ أن الرجل يُعطي قرابته المال ليصير به غنيّاً، لا يقصد بذلك ثواب الله تعالى، قاله إِبراهيم النخعي‏.‏

والرابع‏:‏ أنه الرجل يُعطي من يخدمه لأجل خدمته، لا لأجل الله تعالى، قاله الشعبي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَرْبُوَ في أموال الناس‏}‏ وقرأ نافع، ويعقوب‏:‏ ‏[‏‏{‏لتَرْبوْ‏}‏‏]‏ بالتاء وسكون الواو، أي‏:‏ ‏[‏في‏]‏ اجتلاب أموال الناس، واجتذابها ‏{‏فلا يربو عند الله‏}‏ أي‏:‏ لا يزكو ولا يضاعَف، لأنكم قصدتم زيادة العِوَض، ولم تقصُدوا القُربة‏.‏

‏{‏وما آتيتم من زكاة‏}‏ أي‏:‏ ما أَعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، إِنما تريدون بها ما عند الله، ‏{‏فأولئك هم المُضْعِفُونَ‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ الذين يجدون التضعيف والزيادة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أي ذوو الأضعاف من الحسنات، كما يقال‏:‏ رجل مُقْوٍ، أي‏:‏ صاحب قُوَّة، ومُوسِر‏:‏ صاحب يسار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 43‏]‏

‏{‏ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏41‏)‏ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ‏(‏42‏)‏ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ظَهَر الفسادُ في البَرِّ والبحر‏}‏ في هذا الفساد أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ نقصان البَرَكة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ ارتكاب المعاصي، قاله أبو العالية‏.‏

والثالث‏:‏ الشِّرك، قاله قتادة، والسدي‏.‏

والرابع‏:‏ قحط المطر، قاله عطية‏.‏

فأما البَرّ‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ البَرُّ‏:‏ البرِّيَّة التي ليس عندها نهر‏.‏

وفي البحر قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه ما كان من المدائن والقرى على شطِّ نهر، قاله ابن عباس‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ لا أقول‏:‏ بحرُكم هذا، ولكن كل قرية عامرة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ المراد بالبَرِّ‏:‏ أهل البوادي، وبالبحر‏:‏ أهل القرى‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المراد بالبحر‏:‏ مدن البحر التي على الأنهار، وكل ذي ماءٍ فهو بحر‏.‏

والثاني‏:‏ أن البحر‏:‏ الماء المعروف‏.‏ قال مجاهد‏:‏ ظهور الفساد في البر‏:‏ قتل ابن آدم أخاه، وفي البحر‏:‏ مَلِك جائر يأخذ كل سفينة غصباً‏.‏ وقيل لعطيَّة‏:‏ أيّ فساد في البحر‏؟‏ فقال‏:‏ إِذا قلَّ المطر قل الغَوص‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما كسبتْ أيدي الناس‏}‏ أي‏:‏ بما عملوا من المعاصي ‏{‏لِيُذيقَهم‏}‏ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، وابن محيصن، وروح ‏[‏عن يعقوب‏]‏، وقنبل عن ابن كثير‏:‏ ‏{‏لِنُذيقَهم‏}‏ بالنون ‏{‏بعضَ الذي عَمِلوا‏}‏ أي‏:‏ جزاء بعض أعمالهم؛ فالقحط جزاءٌ، ونقصان البركة جزاءٌ، ووقوع المعصية منهم جزاءٌ معجَّل لمعاصيهم أيضاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لعلَّهم يَرجِعونَ‏}‏ في المشار إِليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم الذين أُذيقوا الجزاءَ، ثم في معنى رجوعهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ يرجعون عن المعاصي، قاله أبو العالية‏.‏

والثاني‏:‏ يرجعون إِلى الحق، قاله إِبراهيم‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم الذين يأتون بعدهم؛ فالمعنى‏:‏ لعلَّه يرجع مَنْ بعدَهُم، قاله الحسن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل سِيروا في الأرض‏}‏ أي‏:‏ سافِروا ‏{‏فانظروا كيف كان عاقبةُ الذين مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ الذين كانوا قبلكم؛ والمعنى‏:‏ انظروا إِلى مساكنهم وآثارهم ‏{‏كان أكثرهم مشركين‏}‏ المعنى‏:‏ فأُهلكوا بشِركهم‏.‏ ‏{‏فأقَم وجهك للدِّين‏}‏ أي‏:‏ أَقم قصدك لاتِّباع الدِّين ‏{‏القيّمِ‏}‏ وهو الإِسلام المستقيم ‏{‏مِنْ قَبْلِ أن يأتيَ يومٌ لا مَرَدَّ له من الله‏}‏ يعني‏:‏ ‏[‏يوم‏]‏ القيامة لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم، لأن الله تعالى قد قضى كونه ‏{‏يَومَئِذٍ يَصَّدَّعون‏}‏ أي‏:‏ يتفرَّقون إِلى الجنة والنار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏من كَفَرَ فعليه كُفره‏}‏ أي‏:‏ جزاء كفره ‏{‏ومن عمل صالحاً فلأنفُسهم يَمْهَدُونَ‏}‏ أي‏:‏ يُوَطِّئُون‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يسوُّون المضاجع في القبور، قال أبو عبيدة‏:‏ «مَنْ» يقع على الواحد والاثنين والجمع من المذكَّر والمؤنَّث، ومجازها هاهنا مجاز الجميع، و‏{‏يَمْهَد‏}‏ بمعنى يكتسب ويعمل ويستعدّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 47‏]‏

‏{‏لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ‏(‏45‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏46‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن آياته أن يُرْسِل الرياح مبشِّراتٍ‏}‏ تبشِّر بالمطر ‏{‏ولِيُذيقكم مِنْ رحمته‏}‏ وهو الغيث والخصب ‏{‏ولِتَجريَ الفُلْكُ‏}‏ في البحر بتلك الرياح ‏{‏بأمره‏}‏ ‏{‏ولِتَبتغوا‏}‏ بالتجارة في البحر ‏{‏مِنْ فَضله‏}‏ وهو الرزق؛ وكلُّ هذا بالرياح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجاؤوهم بالبيِّنات‏}‏ أي‏:‏ بالدلالات على صِدقهم ‏{‏فانتقمنا من الذين أَجرموا‏}‏ أي‏:‏ عذَّبْنا الذين كذَّبوهم ‏{‏وكان حَقّاً علينا‏}‏ أي‏:‏ واجباً هو أوجبه على نفسه ‏{‏نصرُ المؤمنين‏}‏ إِنجاؤهم مع الرُّسل من عذاب المكذِّبين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 57‏]‏

‏{‏اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ‏(‏48‏)‏ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ‏(‏49‏)‏ فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏50‏)‏ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ‏(‏51‏)‏ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ‏(‏52‏)‏ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏53‏)‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ‏(‏54‏)‏ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ‏(‏55‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏56‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُرْسِلُ الرِّياح‏}‏ وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، والنخعي، وطلحة بن مصرِّف، والأعمش‏:‏ ‏{‏يُرْسِلُ الرِّيح‏}‏ بغير ألف‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتُثير سحاباً‏}‏ أي‏:‏ تُزعجه ‏{‏فيَبْسُطُهُ‏}‏ الله ‏{‏في السماء كيف يشاء‏}‏ إِن شاء بسطه مسيرة يوم أو يومين أو أقل أو أكثر ‏{‏ويجعلُه كِسَفاً‏}‏ أي‏:‏ قِطعاً متفرِّقة‏.‏ والأكثرون فتحوا سين ‏{‏كِسَفاً‏}‏؛ وقرأ أبو رزين، وقتادة، وابن عامر، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة‏:‏ بتسكينها؛ قال أبو علي‏:‏ يمكن أن يكون مثل سِدْرَة وسِدَر، فيكون معنى القراءتين واحداً ‏{‏فتَرى الوَدْق يخرُج مِن خِلاَله‏}‏ وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية‏:‏ ‏{‏مِن خَلَلِه‏}‏؛ وقد شرحناه في ‏[‏النور43‏]‏ ‏{‏فاذا أَصاب به‏}‏ أي‏:‏ بالوَدْق؛ ومعنى ‏{‏يَستبشِرون‏}‏ يفرحون بالمطر، ‏{‏وإِن كانوا مِنْ قَبْلِ أن يُنَزَّل عليهم‏}‏ المطر ‏{‏مِنْ قَبْله‏}‏ وفي هذا التكرير ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه للتأكيد كقوله‏:‏ ‏{‏فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 30‏]‏، قاله الأخفش في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ أن «قَبْل» الأولى للتنزيل، والثانية للمطر، قاله قطرب‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ والمعنى‏:‏ مِنْ قَبْل نزول المطر، مِنْ قَبْل المطر، وهذا مثلما يقول القائل‏:‏ آتيك من قبل أن تتكلم، من قبل ان تطمئن في مجلسك، فلا تُنكَر الإِعادة، لاختلاف الشيئين‏.‏

والثالث‏:‏ أن الهاء في قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ قبْله‏}‏ ترجع إِلى الهُدى وإِن لم يتقدَّم له ذِكْر، فيكون المعنى‏:‏ كانوا يقنَطنون من قبل نزول المطر، من قبل الهُدى، فلمَّا جاء الهُّدى والإِسلام زال القُنوط، ذكره ابن الأنباري عن أبي عُمر الدُّوري وأبي جعفر بن قادم‏.‏ والمبلسون‏:‏ الآيسون وقد سبق الكلام في هذا ‏[‏الأنعام‏:‏ 44‏]‏‏.‏

‏{‏فانظُر إِلى آثار رحمة الله‏}‏ قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ ‏{‏إِلى أَثَر‏}‏‏.‏ وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم‏:‏ ‏{‏إِلى آثار‏}‏ على الجمع، والمراد بالرحمة هاهنا المطر، وأثرها‏:‏ النبت؛ والمعنى‏:‏ انظر إِلى حسن تأثيره في الأرض ‏{‏كيف يُحيي الارض‏}‏ أي‏:‏ كيف يجعلها تُنبت بعد أن لم يكن فيها نبت‏.‏ وقرأ عثمان بن عفان، وأبو رجاء، وأبو عمران الجوني، وسليمان التيمي‏.‏ ‏{‏كيف تُحْيِي‏}‏ بتاء مرفوعة مكسورة الياء ‏{‏الأرضَ‏}‏ بفتح الضاد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولَئن أَرسلْنا ريحاً‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ ريحاً‏]‏ باردة مُضِرَّة، والريح إِذا أتت على لفظ الواحد أُريدَ بها العذاب، ولهذا ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند هبوب الريح‏:‏ «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» ‏"‏ ‏{‏فرأوه مُصْفَرّاً‏}‏ يعني النبت، والهاء عائدة إِلى الأثر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ فرأَوُا النبت قد اصفرّ وجفَّ ‏{‏لظلُّوا مِنْ بَعده يكفُرونَ‏}‏ ومعناه‏:‏ لَيَظَلُّنّ، لأن معنى الكلام الشرط والجزاء، فهم يستبشرون بالغيث، ويكفرون إِذا انقطع عنهم الغيث وجفَّ النبت‏.‏ وقال غيره‏:‏ المراد برحمة الله‏:‏ المطر‏.‏ و‏{‏ظلُّوا‏}‏ بمعنى صاروا ‏{‏من بعده‏}‏ أي‏:‏ من بعد اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النِّعمة‏.‏

وما بعد هذا مفسَّر في سورة ‏[‏النمل‏:‏ 80، 81‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏اللّهُ الذي خلقكم من ضَعْف‏}‏ وقد ذكرنا الكلام فيه في ‏[‏الأنفال‏:‏ 66‏]‏، قال المفسرون‏:‏ المعنى‏:‏ خلقكم من ماءٍ ذي ضَعف، وهو المنيّ ‏{‏ثُمَّ جَعل مِنْ بَعْد ضَعْف‏}‏ يعني ضعف الطفولة قوَّة الشباب، ثُمَّ جَعل مِن بَعْد قوَّة الشباب ضعف الكِبَر، وشيبةً، ‏{‏يخلُق ما يشاء‏}‏ أي‏:‏ من ضعف وقوَّة وشباب وشَيبة ‏{‏وهو العليم‏}‏ بتدبير خلقه ‏{‏القدير‏}‏ على ما يشاء‏.‏

‏{‏ويوم تقوم الساعة‏}‏ قال الزجاج‏:‏ الساعة في القرآن على معنى الساعة التي تقوم فيها القيامة، فلذلك لم تُعرف أيّ ساعة هي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُقسِم المجرِمون‏}‏ أي‏:‏ يَحْلِف المشركون ‏{‏ما لَبِثوا‏}‏ في القبور ‏{‏غيرَ ساعةٍ كذلك كانوا يؤفَكون‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ يقال‏:‏ أُفِكَ الرجلُ‏:‏ إِذا عُدِل به عن الصِّدق، فالمعنى أنهم قد كذَّبوا في هذا الوقتِ كما كَذَّبوا في الدنيا‏.‏ وقال غيره‏:‏ أراد الله تعالى أن يفضحهم يوم القيامة بين المؤمنين، فحلفوا على شيء يبَين للمؤمنين كذبُهم فيه، ويستدلُّون على كذبهم في الدنيا‏.‏ ثم ذكر إِنكار المؤمنين عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏وقال الذين أُوتوا العِلْم والإِيمانَ‏}‏ وفيهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم الملائكة‏.‏

والثاني‏:‏ المؤمنون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد لَبِثتم في كتاب الله إِلى يوم البعث‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن فيه تقديماً وتأخيراً، تقديره‏:‏ وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإِيمان بالله، قاله ابن جريج في جماعة من المفسرين‏.‏

والثاني‏:‏ أنه على نظمه‏.‏ ثم في معناه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لقد لَبِثتم في عِلْم الله، قاله الفراء‏.‏

والثاني‏:‏ لقد لَبِثتم في خَبَر الكتاب، قاله ابن قتيبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهذا يومُ البعث‏}‏ أي‏:‏ اليوم الذي كنتم تُنْكِرونه ‏{‏ولكنَّكم كنتم لا تَعْلَمون‏}‏ في الدنيا أنه يكون‏.‏ ‏{‏فيومَئذ لا يَنْفَعُ الذين ظَلَموا معذرتُهم‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ ‏{‏لا تَنْفَعُ‏}‏ بالتاء‏.‏ وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ بالياء، لأن التأنيث غير حقيقي‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ لا يُقْبَلُ من الذين أشركوا عُذر ولا توبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا هُمْ يُسْتَعْتَبون‏}‏ أي‏:‏ لا يُطلب منهم العتبى والرجوعُ في الآخرة‏.‏