فصل: تفسير الآية رقم (107)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


تفسير الآية رقم ‏[‏103‏]‏

‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏103‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما جعل الله من بحيرة‏}‏ أي‏:‏ ما أوجب ذلك، ولا أمر به‏.‏

وفي «البحيرة» أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الناقة إِذا نُتِجَتْ خمسة أبطن نظروا إِلى الخامس، فإن كان ذكراً نحروه، فأكله الرجال والنساء، وإِن كان أنثى شقوا أُذنها، وكانت حراماً على النساء لا ينتفعن بها، ولا يذقن من لبنها، ومنافعها للرجال خاصة، فإذا ماتت، إشترك فيها الرجال والنساء، قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الناقة تلد خمس إِناث ليس فيهن ذكر، فيَعْمِدون إِلى الخامسة، فيَبْتِكُون أُذنها، قاله عطاء‏.‏

والثالث‏:‏ أنها ابنة السائِبة، قاله ابن إِسحاق، والفراء‏.‏ قال ابن إِسحاق‏:‏ كانت الناقة إِذا تابعت بين عشر إِناث، ليس فيهن ذكر، سُيِّبت، فإذا نُتِجَتْ بعد ذلك أُنثى، شقّت أُذنها، وسمّيت بحيرة، وخليت مع أُمها‏.‏

والرابع‏:‏ أنها الناقة كانت إِذا نُتِجَت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكراً بحروا أُذنها، أي‏:‏ شقُّوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، وإِذا لقيها لم يركبها، قاله الزجاج‏.‏ فأما «السائبة»، فهي فاعلة بمعنى‏:‏ مفعولة، وهي المسيّبة، كقوله‏:‏ ‏{‏في عيشة راضية‏}‏‏:‏ أي مرضيّة‏.‏ وفي السائِبة خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها التي تُسيّب من الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهراً، ولا يحلبون لها لبناً، ولا يجزُّون منها وبراً، ولا يحملون عليها شيئاً، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن الرجل كان يُسيّب من ماله ما شاء، فيأتي به خزنة الآلهة، فيطعمون ابن السبيل من ألبانِه ولحومه إِلا النساء، فلا يطعمونهن شيئاً منه إِلا أن يموت، فيشترك فيه الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ كانوا يهدون لآلهتهم الإِبل والغنم، ويتركونها عند الآلهة، فلا يشرب منها إِلا رجلٌ، فان مات منها شيءٌ أكله الرجال والنساء‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الناقة إِذا ولدت عشرة أبطن، كلهن إِناث، سيّبت، فلم تركب، ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إِلا ضيف أو ولدُها حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء، ذكره الفراء‏.‏

والرابع‏:‏ أنها البعير يُسيّب بنذر يكون على الرجل إِن سلمه الله تعالى من مرض، أو بلّغه منزله أن يفعل ذلك، قاله ابن قتيبة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ كان الرجل إِذا نذر لشيء من هذا، قال‏:‏ ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ولا تمنع من ماء ومرعى‏.‏

والخامس‏:‏ أنه البعير يحج عليه الحجة، فيُسيّب، ولا يستعمل شكراً لنجحها، حكاه الماوردي عن الشافعي‏.‏ وفي «الوصيلة» خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الشاة كانت إِذا نُتِجَت سبعة أبطن، نظروا إِلى السابع، فإن كان أُنثى، لم ينتفع النساء منها بشيء إِلا أن تموت، فيأكلها الرجال والنساء، وإِن كان ذكراً، ذبحوه، فأكلوه جميعاً، وإِن كان ذكراً وأُنثى، قالوا‏:‏ وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

وذهب إِلى نحوه ابن قتيبة، فقال‏:‏ إِن كان السابع ذكراً، ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإِن كان أُنثى، تركت في النعم، وإِن كان ذكراً وأُنثى، قالوا‏:‏ وصلت أخاها، فلم تذبح، لمكانها، وكانت لحومها حراماً على النساء، ولبن الأُنثى حراماً على النساء إِلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال والنساء‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإِبل بالأُنثى، ثم تثنّي بالأنثى، فكانوا يستبقونها لطواغيتهم، ويَدْعونها الوصيلة، أي‏:‏ وصلت إِحداهما بالأُخرى، ليس بينهما ذكر، رواه الزهري عن ابن المسيّب‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الشاة تنتج عشر إِناثٍ متتابعاتٍ في خمسة أبطن، فيدعونها الوصيلة، وما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإِناث، قاله ابن إِسحاق‏.‏

والرابع‏:‏ أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين عناقين، فإذا ولدت في سابعها عناقاً وجدياً، قيل‏:‏ وصلت أخاها، فجَرت مجرى السائبة، قاله الفراء‏.‏

والخامس‏:‏ أن الشاة كانت إِذا ولدت أُنثى، فهي لهم، وإِذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكراً وأُنثى، قالوا‏:‏ وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، قاله الزجاج‏.‏

وفي «الحام» ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الفحل، ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقولون‏:‏ قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم، ولا يحملُ عليه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، واختاره أبو عبيدة، والزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الفحل يولد لولده، فيقولون‏:‏ قد حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه، ولا يجزُّون وبره، ولا يمنعونه ماءً، ولا مرعى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الفراء، وابن قتيبة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إِناثٍ من بناته، وبنات بناته، قاله عطاء‏.‏

والرابع‏:‏ أنه الذي ينتج له سبع إِناث متواليات، قاله ابن زيد‏.‏

والخامس‏:‏ أنه الذي لصُلبه عشرة كلها تضرِب في الإِبل، قاله أبو روق‏.‏

والسادس‏:‏ أنه الفحل يضرب في إِبل الرجل عشر سنين، فيخلَّى، ويقال‏:‏ قد حمى ظهره، ذكره الماوردي عن الشافعي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والذي ذكرناه في البحيرة، والسائِبة، والوصيلة، والحام أثبت ما روينا عن أهل اللغة‏.‏ وقد أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لم يحرّم من هذه الأشياء شيئاً، وأن الذين كفروا افتروا على الله عز وجل‏.‏ قال مقاتل‏:‏ وافتراؤهم‏:‏ قولهم‏:‏ إِن الله حرَّمه، وأمرنا به‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأكثرهم لا يعقلون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ وأكثرهم، يعني‏:‏ الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من الرؤساء الذين حرموا، قاله الشعبي‏.‏

والثاني‏:‏ لا يعقلون أن هذا التحريم من الشيطان، قاله قتادة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏104‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ‏(‏104‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذا قيل لهم‏}‏ يعني‏:‏ إِذا قيل لهؤلاء المشركين الذين حرَّموا على أنفسهم هذه الأنعام‏:‏ تعالوا إِلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرّمتهم على أنفسكم، قالوا‏:‏ ‏{‏حسبنا‏}‏ أي‏:‏ يكفينا ‏{‏ما وجدنا عليه آباءنا‏}‏ من الدين والمنهاج ‏{‏أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً‏}‏ من الدين ‏{‏ولا يهتدون‏}‏ له، أيتّبعونهم في خطئهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم‏}‏ في سبب نزولها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إِلى هَجَر، وعليهم المنذر بن ساوي يدعوهم إِلى الإسلام، فإن أبوا فليُؤدُّوا الجزية، فلما أتاه الكتاب، عرضه على مَن عنده من العرب واليهود والنصارى والمجوس، فأقرُّوا بالجزية، وكرهوا الإسلام، فكتب إِليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أما العرب فلا تقبل منهم إِلا الإسلام أو السّيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية» فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت العرب، وأعطى أهل الكتاب والمجوس الجزية، فقال منافقوا مكة‏:‏ عجباً لمحمدٍ يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، وقد قبل من مجوس هَجر، وأهل الكتاب الجزية، فهلاّ أكرههم على الإسلام، وقد ردَّها على إِخواننا من العرب، فشق ذلك على المسلمين، فنزلت هذه الآية ‏"‏، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الجزية إِلا من أهل الكتاب فلما أسلمت العرب طوعاً وكرهاً، قبلها من مجوس هَجَر، فطعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الآية‏.‏

والثاني‏:‏ أن الرجل كان إِذا أسلم، قالوا له سفهت آباءك وضللتهم، وكان ينبغي لك أن تنصرهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ومعنى الآية‏:‏ إِنما ألزمكم الله أمر أنفسكم، ولا يؤاخذكم بذنوب غيركم، وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف، لأن المؤمن إِذا تركه وهو مستطيع له، فهو ضالّ وليس بمهتدٍ‏.‏ وقال عثمان بن عفان‏:‏ لم يأت تأويلُها بعد‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ تأويلُها في آخر الزّمان‏:‏ قولوا ما قبل منكم، فإذا غلبتم، فعليكم أنفسكم‏.‏

وفي وقوله‏:‏ ‏{‏لا يضركم مَن ضلَّ إِذا اهتديتم‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لا يضركم من ضل بترك الأمر بالمعروف إِذا اهتديتم أنتم للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قاله حُذيفة بن اليمان، وابن المسيّب‏.‏

والثاني‏:‏ لا يضرُّكم من ضل من أهل الكتاب إِذا أدُّوا الجزية، قاله مجاهد‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏فينبئكم بما كنتم تعملون‏}‏ تنبيهٌ على الجزاء‏.‏

فصل

فعلى ما ذكرنا عن الزجاج في معنى الآية، هي محكمة، وقد ذهب قومٌ من المفسرين إِلى أنها منسوخة، ولهم في ناسخها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه آية السيف‏.‏

والثاني‏:‏ أن آخرها نسخ أولها‏.‏ روي عن أبي عبيد أنه قال‏:‏ ليس في القرآن آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه، وموضع المنسوخ منها إِلى قوله‏:‏ ‏{‏لا يضركم من ضل‏}‏ والناسخ‏:‏ قوله‏:‏ إِذا اهتديتم‏.‏ والهُدى هاهنا‏:‏ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ ‏(‏106‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم‏}‏ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس‏.‏ قال‏:‏ كان تميم الدّاري، وعدي بن بداء يختلفان إِلى مكة، فصحبهما رجلٌ من قريش من بني سهم، فمات بأرض ليس فيها أحد من المسلمين، فأوصى إِليهما بتركته، فلما قدما، دفعاها إِلى أهله، وكتما جاماً كان معه من فضة، وكان مخوَّصاً بالذهب، فقالا‏:‏ لم نره، فأُتي بهما إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستحلفهما بالله‏:‏ ما كتما، وخلى سبيلهما‏.‏ ثم إِن الجام وُجدَ عند قومٍ من أهل مكة، فقالوا‏:‏ ابتعناه من تميم الدّاري، وعدي بن بداء، فقام أولياء السهمي، فأخذوا الجام، وحلف رجلان منهم بالله‏:‏ إِن هذا الجام جام صاحبنا، وشهادتنا أحق مِن شهادتهما، وما اعتدينا، فنزلت هذه الآية، والتى بعدها‏.‏ قال مقاتل‏:‏ واسم الميِّت‏:‏ بُزيلُ بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، وكان تميم، وعدي نصرانيين، فأسلم تميم، ومات عديٌ نصرانياً‏.‏ فأما التفسير، فقال الفراء‏:‏ معنى الآية‏:‏ ليشهدكم اثنان إِذا حضر أحدكم الموت‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف «شهادة»، ويقوم «اثنان» مقامهما‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ معنى الآية‏:‏ ليشهدكم في سفركم إِذا حضركم الموت، وأردتم الوصيّة اثنان‏.‏ وفي هذه الشهادة ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الشهادة على الوصيّة التي ثبتت عند الحكام، وهو قول ابن مسعود، وأبي موسى، وشريح، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري، والجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أنها أيمان الوصي بالله تعالى إِذا ارتاب الورثة بهما، وهو قول مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أنها شهادة الوصيّة، أي حضورها، كقوله‏:‏ ‏{‏أم كنتم شهداء إِذ حضر يعقوب الموت‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 133‏]‏ جعل الله الوصي هاهنا اثنين تأكيداً، واستدل أرباب هذا القول بقوله‏:‏ ‏{‏فيقسمان بالله‏}‏ قالوا‏:‏ والشاهد لا يلزمه يمينٌ‏.‏ فأما «حضور الموت» فهو حضور أسبابه ومقدماته‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏حين الوصية‏}‏، أي‏:‏ وقت الوصية‏.‏ وفي قوله‏:‏ «منكم» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ من أهل دينكم وملتكم، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وشريح، وابن سيرين، والشعبي، وهو قول أصحابنا‏.‏

والثاني‏:‏ من عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضاً، قاله الحسن، وعكرمة، والزهري، والسدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو آخران من غيركم‏}‏ تقديره‏:‏ أو شهادة آخرين من غيركم‏.‏ وفي قوله‏:‏ «من غيركم» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ من غير ملتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأول‏.‏

والثاني‏:‏ من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضاً، قاله أرباب القول الثاني، وفي «أوْ» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ليست للتخيير، وإِنما المعنى‏:‏ أو آخران من غيركم إِن لم تجدوا منكم، وبه قال ابن عباس، وابن جبير، والثاني‏:‏ أنها للتخيير، ذكره الماوردي‏.‏

فصل

فالقائل بأن المراد بالآية شهادة مسلمين من القبيلة، أو من غير القبيلة لا يشك في إِحْكَامِ هذه الآية‏.‏

فأما القائل بأن المراد بقوله‏:‏»أو آخران من غيركم«أهل الكتاب إِذا شهدوا على الوصيّة في السفر، فلهم فيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها محكمة، والعمل على هذا باق، وهو قول ابن عباس، وابن المسيب، وابن جبير‏.‏ وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والثوري، وأحمد في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ أنها منسوخة بقوله‏:‏ ‏{‏وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم‏}‏ وهو قول زيد بن أسلم، وإِليه يميل أبوحنيفة، ومالك، والشافعي، قالوا‏:‏ وأهل الكفر ليسوا بعدول، والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن أنتم ضربتم في الأرض‏}‏ هذا الشرط متعلق بالشهادة، والمعنى‏:‏ ليشهدكم اثنان إِن أنتم ضربتم في الأرض، أي‏:‏ سافرتم‏.‏ ‏{‏فأصابتكم مصيبة الموت‏}‏ فيه محذوفٌ، تقديره‏:‏ وقد أسندتم الوصية إِليهما، ودفعتم إِليهما مالكم ‏{‏تحبسونهما من بعد الصلاة‏}‏ خطابٌ للورثة إِذا ارتابوا‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هذا من صلة قوله‏:‏»أو آخران من غيركم«، أي‏:‏ من الكفار‏.‏ فأما إِذا كانا مسلمين، فلا يمين عليهما‏.‏ وفي هذه الصلاة قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ صلاة العصر، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ وبه قال شريح، وابن جبير، وإِبراهيم، وقتادة، والشعبي‏.‏

والثاني‏:‏ من بعد صلاتهما في دينهما، حكاه السدي عن ابن عباس، وقال به‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس، وقال ابن قتيبة‏:‏ لأنه وقت يعظمه أهل الأديان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيقسمان بالله‏}‏ أي‏:‏ فيحلفان ‏{‏إِن ارتبتم‏}‏ أي‏:‏ شككتم يا أولياء الميت‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ إِذا قدم الموصى إِليهما بتركة المتوفي، فاتهمهما الوارث، استحلفا بعد صلاة العصر‏:‏ أنهما لم يسرقا، ولم يخونا‏.‏ فالشرط في قوله‏:‏ «إِن ارتبتم» متعلق بتحبسونهما، كأنه قال إِن إِرتبتم حبستموهما فاستحلفتموهما، فيحلفان بالله‏:‏ ‏{‏لا نشتري به‏}‏ أي‏:‏ بأيماننا، وقيل‏:‏ بتحريف شهادتنا، فالهاء عائدة على المعنى‏.‏ ‏{‏ثمناً‏}‏ أي‏:‏ عرضاً من الدنيا ‏{‏ولو كان ذا قربى‏}‏ أي‏:‏ ولو كان المشهود له ذا قرابة منا، وخصّ ذا القرابة، لميل القريب إِلى قريبه‏.‏ والمعنى‏:‏ لا نحابي في شهادتنا أحداً، ولا نميل مع ذي القربى في قول الزور ‏{‏ولا نكتم شهادة الله‏}‏ إِنما أُضيفت إِليه، لأمره بإقامتها، ونهيه عن كتمانها‏.‏ وقرأ سعيد بن جبير‏:‏ «ولا نكتم شهادةً» بالتنوين «الله» بقطع الهمزة وقصرها، وكسر الهاء، ساكنة النون في الوصل‏.‏ وقرأ سعيد بن المسيب، وعكرمة «شهادة» بالتنوين والوصل منصوبة الهاء‏.‏ وقرأ أبو عمران الجوني «شهادة» بالتنوين وإِسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة وقصرها مفتوحة الهاء‏.‏ وقرأ الشعبي، وابن السميفع «شهادة» بالتنوين وإِسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة، ومدّها، وكسر الهاء‏.‏ وقرأ أبوالعالية، وعمرو بن دينار مثله، إِلاّ أنهما نصبا الهاء‏.‏ واختلف العلماء لأي معنىً وجبت اليمين على هذين الشاهدين، على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ لكونهما من غير أهل الإسلام، روي هذا المعنى عن أبي موسى الأشعري‏.‏

والثاني‏:‏ لوصيّةٍ وقعت بخط الميِّت وفَقَدَ ورثتُهُ بعضَ ما فيها، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ لأن الورثة كانوا يقولون‏:‏ كان مال ميِّتنا أكثر، فاستخانوا الشاهدين، قاله الحسن، ومجاهد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏107‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن عثر على أنهما استحقا إِثماً‏}‏ قال المفسرون‏:‏ لما نزلت الآية الأولى، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عديًّا وتميماً، فاستحلفهما عند المنبر‏:‏ أنهما لم يخونا شيئاً مما دفع إِليهما، فحلفا، وخلَّى سبيلهما، ثم ظهر الإِناء الذي كتماه، فرفعهما أولياء الميت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ‏{‏فإن عثر على أنهما استحقا إِثماً‏}‏ ومعنى «عثر»‏:‏ اطّلع أي‏:‏ إِن عثر أهل الميت، أو مَن يلي أمره، على أن الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا ‏{‏استحقا إِثماً‏}‏ لميلهما عن الاستقامة في شهادتهما ‏{‏فآخران يقومان مقامهما‏}‏ أي‏:‏ مقام هذين الخائنين ‏{‏من الذين استحق عليهم الأولَيان‏}‏‏.‏

قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي‏:‏ «استُحِق» بضم التاء، «الأولَيان» على التثنية‏.‏ وفي قوله ‏{‏من الذين استحق عليهم‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهما الذمّيان‏.‏

والثاني‏:‏ الوليّان فعلى الأول في معنى ‏{‏استحق عليهم‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ استحق عليهم الإِيصاء، قال ابن الأنباري‏:‏ المعنى‏:‏ من القوم الذين استحق فيهم الإِيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ من الذين استحقت الوصية أو الإِيصاء عليهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الظلم، والمعنى‏:‏ من الذين استحق عليهم ظلم الأولَيان، فحذف الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضاً‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما‏.‏

والرابع‏:‏ أنه الإثم، والمعنى‏:‏ استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «مِن» كقوله‏:‏ ‏{‏على الناس يستوفون‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 2‏]‏ أي‏:‏ منهم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ «على» بمعنى «في» كقوله‏:‏ ‏{‏على مُلك سليمان‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 102‏]‏ أي‏:‏ في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي‏.‏ وعلى هذه الأقوال مفعول «استُحق» محذوف مُقدّر‏.‏ وعلى القول الثاني في معنى ‏{‏استحق عليهم‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة‏.‏

والثاني‏:‏ جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج‏.‏

فأما «الأوليان» فقال الأخفش‏:‏ الأوليان‏:‏ اثنان، واحدهما‏:‏ الأولى، والجمع‏:‏ الأولون‏.‏ ثم للمفسرين فيهما قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «الأوليان» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البَدَلِ مما في «يقومان» والمعنى‏:‏ فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ لا يخلو الأوليان أن يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال‏:‏ فآخران يقومان مقامهما، هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في «يقومان»‏.‏ والتقدير‏:‏ فيقوم الأوليان‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن الأوليان‏:‏ هما الذّميان، والمعنى‏:‏ أنهما الأوليان بالخيانة، فعلى هذا يكون المعنى‏:‏ يقومان، إِلا من الذين استحق عليهم‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فليت لنا مِنْ ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً *** مُبَرَّدَةً باتَتْ على طهيان

أي‏:‏ بدلاً من ماء زمزم‏.‏ وروى قُرَّة عن ابن كثيرٍ، وحفصٍ وعاصمٍ‏:‏ «استحق» بفتح التاء والحاء «الأوليان» على التثنية، والمعنى‏:‏ استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول‏.‏

وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «استحق» برفع التاء، وكسر الحاء، «الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير‏:‏ من الأولين الذين استحق فيهم الإِثم، أي‏:‏ جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر‏.‏ ألا ترى أنه قد تقدم ‏{‏ذوا عدلٍ منكم‏}‏ على قوله‏:‏ ‏{‏أو آخران من غيركم‏}‏‏.‏ وروى الحلبي عن عبد الوارث «الأوَّلَين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهي تثنية‏:‏ أوَّل‏.‏ وقرأ الحسن البصري‏:‏ «استحق» بفتح التاء والحاء، «الأولون» تثنية «أوَّل» على البدل من قوله‏:‏ «فآخران» وقال ابن قتيبة‏:‏ أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرِّفنا كيف يشهد بالوصية عند حضور الموت، فقال‏:‏ ‏{‏ذوا عدل منكم‏}‏ أي‏:‏ عدلان من المسلمين ‏[‏تشهدونهما على الوصية‏]‏، وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، فقال‏:‏ ‏{‏أو آخران من غيركم‏}‏ أي‏:‏ من غير أهل دينكم، ‏[‏‏{‏إذا ضربتم في الأرض‏}‏ أي‏:‏ سافرتم ‏{‏فأصابتكم مصيبة الموت‏}‏ وتم الكلام‏.‏ فالعدلان من المسلمين للحضر والسفر خاصة إِن أمكن إِشهادهما في السفر‏]‏ والذميان في السفر خاصة إِذا لم يوجد غيرهما ‏[‏ثم قال‏]‏ ‏{‏تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إِن إرتبتم‏}‏ أراد‏:‏ تحبسونهما من بعد صلاة العصر إِن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم أن يكونا قد خانا، أو بدَّلا، فإذا حلفا، مضت شهادتهما‏.‏ فإن عثر ‏[‏بعد هذه اليمين‏]‏ أي‏:‏ ظهر على أنهما استحقا إِثماً، أي‏:‏ حنثا في اليمين بكذب ‏[‏في قول‏]‏ أو خيانة ‏[‏في وديعة‏]‏، فآخران، أي‏:‏ قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم الأوليان، وهما الوليان، يقال‏:‏ هذا الأولى بفلان، ثم يحذف من الكلام «بفلان»، فيقال‏:‏ هذا الأولى، وهذان الأوليان، و«عليهم» بمعنى‏:‏ «منهم»‏.‏ فيحلفان بالله‏:‏ لقد ظهرنا على خيانة الذميين، وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإِيماننا، فيرجع على الذّميين بما اختانا، وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك‏.‏ وقال غيره‏:‏ لشهادتنا، أي‏:‏ ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها كالشهادة على ما يحلفُ عليه أنه كذلك‏.‏

قال المفسرون‏:‏ فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص، والمطّلب بن أبي وَداعة السهميان، فحلفا بالله، ودُفِعَ الإناء إِليهما وإِلى أولياء الميت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك أدنى‏}‏ أي‏:‏ ذلك الذي حكمنا به من ردّ اليمين، أَقرب إِلى إِتيان أهل الذّمّة بالشهادة على وجهها، أي‏:‏ على ما كانت، وأقرب أن يخافوا أن تردَّ أيمان أولياء الميت بعد أيْمانهم، فيحلفون على خيانتهم، فيفتضحوا، ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إِذا خافوا ذلك‏.‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أن تحلفوا كاذبين، أو تخونوا أمانةً، واسمعوا الموعظة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏109‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يجمع الله الرسل‏}‏ قال الزجاج‏:‏ نصب «يوم» محمول على قوله‏:‏ «واتقوا الله»‏:‏ واتقوا يوم جمعة للرسل‏.‏ ومعنى مسألته للرسل توبيخ الذين أُرسلوا إِليهم‏.‏ فأما قول الرسل‏:‏ ‏{‏لا علم لنا‏}‏ ففيه ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم طاشت عقولهم حين زفرت جهنم، فقالوا‏:‏ ‏{‏لا علم لنا‏}‏ ثم تُرَدُّ إِليهم عقولُهم، فينطلقون بحجتهم، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ ‏{‏لا علم لنا‏}‏ إِلاّ علمٌ أنت أعلم به منا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏ماذا أُجبتم‏}‏‏:‏ ماذا عملوا بعدكم، وأحدثوا، فيقولون‏:‏ ‏{‏لا علم لنا‏}‏ قاله ابن جريج، وفيه بُعْد‏.‏

والرابع‏:‏ أن المعنى‏:‏ ‏{‏لا علم لنا‏}‏ مع علمك، لأنك تعلم الغيب، ذكره الزجاج‏.‏

والخامس‏:‏ أن المعنى‏:‏ ‏{‏لا علم لنا‏}‏ كعلمك، إِذ كنت تعلم ما أظهر القوم وما أضمروا، ونحن نعلم ما أظهروا، ولا نعلم ما أضمروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا، هذا اختيار بن الأنباري‏.‏

والسادس‏:‏ ‏{‏لا علم لنا‏}‏ بجميع أفعالهم إِذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان بعد وفاتنا، وإِنما يستحق الجزاء بما تقع به الخاتمة، حكاه ابن الأنباري‏.‏ قال المفسرون‏:‏ إِذا ردَّ الأنبياء العلم إِلى الله أُبْلِسَتِ الأممُ، وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه، وأن الكل لا يخرجون عن قبضته‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏علام الغيوب‏}‏ قال الخطابي‏:‏ العلاَّم‏:‏ بمنزلة العليم، وبناء «فعَّال» بناء التكثير، فأما «الغيوب» فجمع غيب، وهو ما غاب عنك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏110‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ قال الله يا عيسى‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ معناه‏:‏ وإِذ يقول‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك‏}‏ في تذكيره النعم فائدتان‏.‏

إِحداهما‏:‏ إِسماع الأمم ما خصه به من الكرامة‏.‏

والثانية‏:‏ توكيد حجَّته على جاحده‏.‏ ومن نعمه على مريم أنه اصطفاها وطهرها، وأتاها برزقها من غير سبب‏.‏ وقال الحسن‏:‏ المراد بذكر النعمة‏:‏ الشكر‏.‏ فأما النعمة، فلفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع‏.‏ فإن قيل‏:‏ لم قال هاهنا‏:‏ ‏{‏فتنفخ فيها‏}‏ وفي ‏(‏آل عمران‏)‏ «فيه»‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنه جائِز أن يكون ذكر الطير على معنى الجميع، وأنَّث على معنى الجماعة، وجاز أن يكون «فيه» للطير، «وفيها» للهيأة، ذكره أبو علي الفارسي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن هذا إِلا سحرٌ مبين‏}‏ قرأ ابن كثير، وعاصم هاهنا، وفي ‏{‏هود‏}‏ و‏{‏الصف‏}‏ ‏{‏إِلا سحرٌ مبين‏}‏، وقرأ في ‏{‏يونس‏}‏ ‏{‏لَساحرٌ مبين‏}‏ بألف‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، الأربعة ‏{‏سحرٌ مبين‏}‏ بغير ألف، فمن قرأ «سحر» أشار إِلى ما جاء به، ومن قرأ «ساحر»، أشار إِلى الشخص‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

وفي الوحي إلى الحواريين قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه بمعنى الإِلهام، قاله الفراء‏.‏ وقال السدي‏:‏ قذف في قلوبهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه بمعنى الأمر، فتقديره‏:‏ أمرت الحواريين «وإِلى» صلة، قاله أبو عبيدة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏واشهد‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم يعنون الله تعالى‏.‏ والثاني‏:‏ عيسى عليه السلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بأننا مسلمون‏}‏ أي‏:‏ مخلصون للعبادة والتوحيد‏.‏ وقد سبق شرح ما أهمل هاهنا فيما تقدم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏112‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل يستطيع ربُّك‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ هل يقدر‏.‏ وقرأ الكسائي‏:‏ «هل تستطيع» بالتاء، ونصْب الرب‏.‏ قال الفراء‏:‏ معناه‏:‏ هل تقدر أن تسأل ربك‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ ولا يجوز لأحدٍ أن يتوهم أن الحواريين شكُّوا في قدرة الله، وإِنما هذا كما يقول الإنسان لصاحبه‏:‏ هل تستطيع أن تقوم معي، وهو يعلم أنه مستطيع، ولكنّه يريد‏:‏ هل يسهل عليك‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ المعنى‏:‏ هل يفعل ذلك بمسألتك إِيّاه‏.‏ وزعم بعضهم أنهم قالوا ذلك قبل استحكام إِيمانهم ومعرفتهم، فردَّ عليهم عيسى بقوله‏:‏ اتقوا الله، أن تنسبوه إِلى عجز، والأول أصح‏.‏ فأما «المائدة» فقال اللغويون‏:‏ المائدة‏:‏ كل ما كان عليه من الأخونة طعام، فإذا لم يكن عليه طعام، فليس بمائدة، والكأس‏:‏ كل إِناء فيه شراب، فإذا لم يكن فيه شراب، فليس بكأس، ذكره الزجاج‏.‏ قال الفراء‏:‏ وسمعت بعض العرب يقول للطبق الذي تهدى عليه الهدية‏:‏ هُوَ المُهْدَى، مقصور، ما دامت عليه الهدية، فإذا كان فارغاً رجع إِلى اسمه إِن كان طبقاً أو خواناً أو غير ذلك‏.‏ وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن لفظها فاعلة، وهي في المعنى مفعولة، مثل ‏{‏عيشة راضية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 21‏]‏‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ وهي من العطاء، والممتاد‏:‏ المفتعل المطلوب منه العطاء، قال الشاعر‏:‏

إِلى أمير المؤمنين الممتادِ *** وَمَادَ زيدٌ عَمْراً‏:‏ إِذا أعطاه‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والأصل عندي في «مائدة» أنها فاعلةٌ من‏:‏ ماد يميد‏:‏ إِذا تحرّك، فكأنها تميد بما عليها‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ المائدة‏:‏ الطعام، من‏:‏ مادني يميدني، كأنها تميد الآكلين، أي‏:‏ تعطيهم، أو تكون فاعلة بمعنى‏:‏ مفعول بها، أي‏:‏ ميد بها الآكلون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتقوا الله إِن كنتم مؤمنين‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ اتقوه أن تسألوه البلاء، لأنها إِن نزلت وكذّبتم، عُذبتم، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أن تسألوه ما لم تسأله الأُمم قبلكم، ذكره أبو عبيد‏.‏

والثالث‏:‏ أن تشكُّوا في قدرته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏113‏]‏

‏{‏قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا نريد أن نأكل منها‏}‏ هذا اعتذار منهم بيّنوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه‏.‏ وفي إِرادتهم للأكل منها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم أرادوا ذلك للحاجة، وشدة الجوع، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ ليزدادوا إِيماناً، ذكره ابن الأنباري‏.‏

والثالث‏:‏ للتبرك بها، ذكره الماوردي‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وتطمئن قلوبنا‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ تطمئن إِلى أن الله تعالى قد بعثك إِلينا نبياً‏.‏

والثاني‏:‏ إِلى أن الله تعالى قد إختارنا أعواناً لك‏.‏

والثالث‏:‏ إِلى أن الله تعالى قد أجابك‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ قال لهم عيسى‏:‏ هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم لا تسألونه شيئاً إِلا أعطاكم‏؟‏ فصاموا، ثم سألوا المائدة‏.‏ فمعنى‏:‏ ‏{‏ونعلم أن قد صدقتنا‏}‏ في أنّا إِذا صمنا ثلاثين يوماً لم نسأل الله شيئاً إِلا أعطانا‏.‏ وفي هذا العلم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه علمٌ يحدث لهما لم يكن، وهو قول مَن قال‏:‏ كان سؤالهم قبل استحكام معرفتهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه زيادة علم إِلى علم، ويقين إِلى يقين، وهو قول مَن قال‏:‏ كان سؤالهم بعد معرفتهم‏.‏ وقرأ الأعمش‏:‏ «وتعلم» بالتاء، والمعنى‏:‏ وتعلم القلوب أن قد صدقتنا‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏من الشاهدين‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ من الشاهدين لله بالقدرة، ولك بالنبّوة‏.‏

والثاني‏:‏ عند بني إِسرائيل إِذا رجعنا إِليهم، وذلك أنهم كانوا مع عيسى في البرِيّة عند هذا السؤال‏.‏

والثالث‏:‏ من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدنا من الآيات الدالة على أنك نبي‏.‏

والرابع‏:‏ من الشاهدين لك عند الله بأداء ما بعثت به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏114‏]‏

‏{‏قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏114‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا‏}‏ وقرأ ابن محيصن، وابن السميفع، والجحدري‏:‏ «لأولانا وأخرانا» برفع الهمزة، وتخفيف الواو، والمعنى‏:‏ يكون اليوم الذي نزلت فيه عيداً لنا، نعظِّمه نحن ومن بعدنا، قاله قتادة، والسدي‏.‏ وقال كعب‏:‏ أُنزلت عليهم يوم الأحد، فاتخذوه عيداً‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ عيداً، أي‏:‏ مجمعاً‏.‏ قال الخليل بن أحمد‏:‏ العيد‏:‏ كل يوم يجمع، كأنهم عادوا إِليه‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ سُمِّيَ عيداً للعودِ من الترح إِلى الفرح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآية منك‏}‏ أي‏:‏ علامة منك تدل على توحيدك، وصحة نبوة نبيك‏.‏ وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن، والضحاك «وأنه منك» بفتح الهمزة، وبنون مشدَّدة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وارزقنا‏}‏ قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ ارزقنا ذلك من عندك‏.‏

والثاني‏:‏ ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إِجابتك لنا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏115‏]‏

‏{‏قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏115‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال اللهُ إِني منزِّلها عليكم‏}‏ قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر «منزِّلها» بالتشديد، وقرأ الباقون خفيفة‏.‏ وهذا وعدٌ بإجابة سؤال عيسى‏.‏ واختلف العلماء‏:‏ هل نزلت، أم لا‏؟‏ على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها نزلت، قاله الجمهور، فروى وهب بن منبِّه عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال‏:‏ لما رأى عيسى أنهم قد جدّوا في طلبها لبس جُبَّة من شعر، ثم توضأ، واغتسل، وصفَّ قدميه في محرابه حتى استويا، وألصق الكعب بالكعب، وحاذى الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطأطأ رأسه خضوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت تسيل دموعه على خده، وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض من دموعه حيال وجهه، ثم رفع رأسه إِلى السماء، فقال‏:‏ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء فبينما عيسى كذلك، هَبَطَتْ علينا مائدةٌ من السماء، سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من تحتها، وغمامة من فوقها، وعيسى يبكي ويتضرَّع، ويقول‏:‏ إِلهي اجعلها سلامةً، لا تجعلها عذاباً، حتى استقرَّت بين يديه، والحواريون من حوله، فأقبل هو وأصحابه حتى قعدوا حولها، وإِذا عليها منديلٌ مغطَّى، فقال عيسى‏:‏ أيكم أوثق بنفسه وأقل بلاءً عند ربه فليأخذ هذا المنديل، وليكشف لنا عن هذه الآية‏.‏ قالوا‏:‏ يا روح الله أنت أولانا بذلك، فاكشف عنها، فاستأنف وضوءاً جديداً، وصلى ركعتين، وسأل ربه أن يأذن له بالكشف عنها، ثم قعد إِليها، وتناول المنديل، فإذا عليها سمكة مشوية، ليس فيها شوك، وحولها من كل البقل ما خلا الكرَّاث، وعند رأسها الخل، وعند ذنبها الملح، وحولها خمسة أرغفةٍ، على رغيف تمر، وعلى رغيف زيتون، وعلى رغيف خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين‏:‏ يا روح الله أمِن طعام الدنيا هذا، أمِّن طعام الجنة‏؟‏ فقال عيسى‏:‏ سبحان الله أما تنتهون‏!‏ ما أخوفني عليكم‏.‏ قال شمعون‏:‏ لا وإِله بني إِسرائيل ما أردت بهذا سوءاً‏.‏ قال عيسى‏:‏ ليس ما ترون عليها من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إِنما هو شيءٌ ابتدعه الله، فقال له‏:‏ «كن» فكان أسرع من طرفة عين، فقال الحواريون‏:‏ يا روح الله إِنما نريد أن ترينا في هذه الآية آية، فقال‏:‏ سبحان الله‏!‏ ما اكتفيتم بهذه الآية‏؟‏‏!‏ ثم أقبل على السمكة فقال‏:‏ عودي بإذن الله حيةً طريةً، فعادت تضطرب على المائدة، ثم قال‏:‏ عودي كما كنت، فعادت مشوية، فقال‏:‏ يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها، فقال‏:‏ معاذ الله بل يأكل منها مَن سألها، فلما رأوا امتناعه، خافوا أن يكون نزولها عقوبة، فلما رأى عيسى ذلك دعا لها الفقراء والزَّمنى واليتامى، فقال‏:‏ كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، ليكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على غيركم، فأكل منها ألف وسبعمائة إِنسان، يصدرون عنها شباعاً وهي كهيئتها حين نزلت، فصحَّ كل مريض، واستغنى كل فقير أكل منها، ثم نزلت بعد ذلك عليهم، فازدحموا عليها، فجعلها عيسى نوباً بينهم، فكانت تنزل عليهم أربعين يوماً، تنزل يوماً وتغبُّ يوماً، وكانت تنزل عند ارتفاع الضحى، فيأكلون منها حتى إِذا قالوا، ارتفعت إِلى السماء وهم ينظرون إِلى ظلها في الأرض‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كانت تنزل عليهم بكرةً وعشية، حيث كانوا‏.‏ وقال غيره‏:‏ نزلت يوم الأحد مرتين‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت غدوة وعشية يوم الأحد، فلذلك جعلوه عيداً‏.‏ وفي الذي كان على المائدة ثمانية أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه خبز ولحم، روي عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ نزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً ‏"‏‏.‏ والثاني‏:‏ أنها سمكة مشوية، وخمس أرغفة، وتمر، وزيتون، ورمان‏.‏ وقد ذكرناه عن سلمان‏.‏

والثالث‏:‏ ثمرٌ من ثمار الجنة، قاله عمار بن ياسر، وقال قتادة‏:‏ ثمرٌ من ثمار الجنة، وطعامٌ من طعامها‏.‏

والرابع‏:‏ خبزٌ، وسمكٌ، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي‏.‏

والخامس‏:‏ قطعةٌ من ثريد، رواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏

والسادس‏:‏ أنه أنزل عليها كل شيء إِلا اللحم، قاله سعيد بن جبير‏.‏

والسابع‏:‏ سمكةٌ فيها طعم كلِّ شيءٍ من الطعام، قاله عطية العوفي‏.‏

والثامن‏:‏ خبز أرز وبقل، قاله ابن السائِب‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنها لم تنزل، روى قتادة عن الحسن أن المائِدة لم تنزل، لأنه لما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يكفر بعدُ منكم فاني أٌعذبه عذاباً لا أُعذبه أحداً من العالمين‏}‏ قالوا‏:‏ لا حاجة لنا فيها‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال‏:‏ أُنزلت مائدة عليها ألوانٌ من الطعام، فعرضها عليهم، وأخبرهم أنه العذاب إِن كفروا، فأبوها فلم تنزل‏.‏ وروى ليث عن مجاهد قال‏:‏ هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لخلقه، لينهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه، ولم ينزل عليهم شيء، والأول أصح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يكفر بعد منكم‏}‏ أي‏:‏ بعد إِنزال المائدة‏.‏

وفي العذاب المذكور قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه المسخ‏.‏ والثاني‏:‏ جنسٌ من العذاب لم يعذَّب به أحد سواهم‏.‏

قال الزجاج‏:‏ ويجوز أن يعجل لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة‏.‏ وفي «العالمين» قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه عام‏.‏ والثاني‏:‏ عالمو زمانهم‏.‏ وقد ذكر المفسرون أن جماعة من أصحاب المائدة مسخوا‏.‏ وفي سبب مسخهم ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم أمروا أن لا يخونوا، ولا يدَّخِروا، فخانوا وادخروا، فمسخوا قردةً وخنازير، رواه عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ أن عيسى خصَّ بالمائدة الفقراء، فتكلم الأغنياء بالقبيح من القول، وشكَّكوا الناس فيها، وارتابوا، فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم، مسخهم الله خنازير، قاله سلمان الفارسي‏.‏

والثالث‏:‏ أن الذين شاهدوا المائدة، ورجعوا إِلى قومهم، فأخبروهم، فضحك بهم من لم يشهد، وقالوا‏:‏ إِنما سحر أعينكم، وأخذ بقلوبكم، فمن أراد الله به خيراً، ثبت على بصيرته، ومن أراد به فتنة، رجع إِلى كفره‏.‏ فلعنهم عيسى، فأصبحوا خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا، قاله ابن عباس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏116‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏116‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذ قال الله يا عيسى بن مريم‏}‏ في زمان هذا القول قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه يقول له يوم القيامة، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ أنه قاله له حين رفعه إِليه، قاله السدي، والأول أصح‏.‏

وفي إِذْ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها زائِدة، والمعنى‏:‏ وقال الله، قاله أبو عبيدة‏.‏

والثاني‏:‏ أنها على أصلها، والمعنى‏:‏ وإِذ يقوله الله له، قاله ابن قتيبة‏.‏

والثالث‏:‏ أنها بمعنى‏:‏ «إِذا»، كقوله‏:‏ ‏{‏ولو ترى إِذ فزعوا‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 51‏]‏ والمعنى‏:‏ إِذا‏.‏ قال أبو النجم‏:‏

ثم جزاكَ الله عنِّي إِِذ جزى *** جنَّاتِ عَدْنٍ في السموات العلا

ولفظ الآية لفظ الاستفهام، ومعناها التوبيخ لِمن ادّعى ذلك على عيسى‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ وإِنما قال‏:‏ «إِلهين»، لأنهم إِذ أشركوا فعل ذكر مع فعل أنثى ‏[‏غُلِّب فعل الذكر‏]‏ ذكَّروهما‏.‏ فإن قيل‏:‏ فالنصارى لم يتخذوا مريم إلهاً، فكيف قال الله تعالى ذلك فيهم‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنهم لما قالوا‏:‏ لم تلد بشراً، وإِنما ولدت إِلهاً، لزمهم أن يقولوا‏:‏ إِنها من حيث البعضية بمثابة مَن ولدته، فصاروا بمثابة من قاله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال سبحانك‏}‏ أي‏:‏ براءة لك من السوء ‏{‏ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق‏}‏ أي‏:‏ لست أستحق العبادة، فأدعو الناس إِليها‏.‏ وروى عطاء بن السائب عن ميسرة قال‏:‏ لما قال الله تعالى لعيسى‏:‏ ‏{‏أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله‏}‏ رُعِد كل مَفْصِل منه حتى وقع مخافة أن يكون قد قاله، وما قال‏:‏ إِني لم أقل، ولكنه قال‏:‏ ‏{‏إِن كنت قلته فقد علمته‏}‏ فإن قيل‏:‏ ما الحكمة في سؤال الله تعالى له عن ذلك وهو يعلم أنه ما قاله‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنه تثبيت للحجة على قومه، وإِكذاب لهم في ادّعائهم عليه أنه أمرهم بذلك، ولإِنه إِقرارٌ من عيسى بالعجز في قوله‏:‏ ‏{‏ولا أعلم ما في نفسك‏}‏ وبالعبودية في قوله‏:‏ ‏{‏أن اعبدوا الله ربي وربكم‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك‏}‏ قال الزجاج‏:‏ تعلم ما أُضمره، ولا أعلم ما عندك علمُه، والتأويل‏:‏ تعلم ما أعلم وأنا لا أعلم ما تعلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏117‏]‏

‏{‏مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏117‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن اعبدوا الله‏}‏ قال مقاتل‏:‏ وحِّدوه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكنتُ عليهم شهيداً‏}‏ أي‏:‏ على ما يفعلون ما كنت مقيماً فيهم، ‏[‏وقوله‏]‏ ‏{‏فلما توفيتني‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ بالرفع إِلى السماء‏.‏

والثاني‏:‏ بالموت عند انتهاء الأجل‏.‏ و«الرقيب» مشروحٌ في سورة ‏{‏النساء‏}‏، و«الشهيد» في ‏(‏آل عمران‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏118‏]‏

‏{‏إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏118‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تعذبهم فإنهم عبادك‏}‏ قال الحسن، وأبو العالية‏:‏ إِن تعذبهم، فبإقامتهم على كفرهم، وإِن تغفر لهم، فبتوبة كانت منهم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ علم عيسى أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم‏:‏ ‏{‏إِن تعذبهم‏}‏ أي‏:‏ إِن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك، وأنت العادل فيهم، لأنك قد أوضحت لهم الحق، فكفروا، وإِن تغفر لهم، أي‏:‏ وإِن تغفر لمن أقلع منهم، وآمَن، فذلك تفضّل منك، لأنه قد كان لك أن لا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز، لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ معنى الكلام‏:‏ لا ينبغي لأحدٍ أن يعترض عليك، فإن عذبتهم، فلا اعتراض عليك، وإِن غفرت لهم- ولست فاعلاً إِذا ماتوا على الكفر- فلا اعتراض عليك‏.‏ وقال غيره‏:‏ العفو لا ينقص عزّك، ولا يخرج من حكمك‏.‏ وقد روى أبو ذر قال‏:‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام ليلةٍ بآيةٍ يردِّدها‏:‏ ‏{‏إِن تعذبهم فإنهم عبادك، وإِن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏119- 120‏]‏

‏{‏قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏119‏)‏ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏120‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم‏}‏ قرأ الجمهور برفع اليوم، وقرأ نافع بنصبه على الظرف‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ قال الله هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويجوز أن يكون على معنى‏:‏ قال الله هذا الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع الصادقين صدقهم‏.‏ والمراد باليوم‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وإِنما خصّ نفع الصدق به، لأنه يوم الجزاء‏.‏ وفي هذا الصدق قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة‏.‏

والثاني‏:‏ صدقهم في الآخرة ينفعهم هنالك‏.‏ وفي هذه الآية تصديقٌ لعيسى فيما قال‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رضي الله عنهم‏}‏ أي‏:‏ بطاعتهم، ‏{‏ورضوا عنه‏}‏ بثوابه‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لله ملك السموات والأرض‏}‏ تنبيهٌ على عبودية عيسى، وتحريضٌ على تعليق الآمال بالله وحده‏.‏