فصل: تفسير الآية رقم (138)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


تفسير الآية رقم ‏[‏136‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏136‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله‏}‏ في سبب نزولها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن عبد الله بن سلام، وأسداً، وأُسيداً ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلاماً، وسلمة، ويامين، وهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقالوا‏:‏ يا رسولا الله نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة، وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن مؤمني أهل الكتاب كان بينهم وبين اليهود كلام لما أسلموا، فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل‏.‏

وفي المشار إِليهم بقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم المسلمون، قاله الحسن، فيكون المعنى‏:‏ يا أيها الذين آمنوا بمحمد والقرآن اثبتوا على إِيمانكم‏.‏

والثاني‏:‏ اليهود والنصارى، قاله الضحاك، فيكون المعنى‏:‏ يا أيها الذين آمنوا بموسى، والتوراة، وبعيسى، والإِنجيل‏:‏ آمنوا بمحمد والقرآن‏.‏

والثالث‏:‏ المنافقون، قاله مجاهد، فيكون المعنى‏:‏ يا أيها الذين آمنوا في الظاهر بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والكتاب الذي نزَّل على رسوله‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ «نزِّل» على رسوله، والكتاب الذي أُنزل من قبل، مضمومتين‏.‏

وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ نَزَلَ على رسوله، والكتاب الذي أنْزَلَ مفتوحتين والمراد بالكتاب‏:‏ الذي نزل على رسوله القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل‏:‏ كل كتاب أنزل قبل القرآن، فيكون «الكتاب» هاهنا اسمَ جنس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏137‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ‏(‏137‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا ثم كفروا‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها في اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن عباس‏.‏ وروي عن قتادة قال‏:‏ آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا به بعد عوده، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد‏.‏

والثاني‏:‏ أنها في اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة، وكفروا بالإِنجيل، وآمن النصارى بالإِنجيل، ثم تركوه فكفروا به، ثم ازدادوا كفراً بالقرآن وبمحمد، رواه شيبان عن قتادة‏.‏ وروي عن الحسن قال‏:‏ هم قوم من أهل الكتاب، قصدوا تشكيك المؤمنين، فكانوا يظهرون بالإِيمان ثم الكفر، ثم ازدادوا كفراً بثبوتهم على دينهم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا من بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى والإِنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن‏.‏

والثالث‏:‏ أنها في المنافقين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، قاله مجاهد‏.‏ وروى ابن جريج عن مجاهد ‏{‏ثم ازدادوا كفراً‏}‏ قال‏:‏ ثبتوا عليه حتى ماتوا‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏لم يكن الله ليغفر لهم‏}‏ ما أقاموا على ذلك ‏{‏ولا ليهديهم سبيلاً‏}‏ أي‏:‏ لا يجعلهم بكفرهم مهتدين‏.‏ قال‏:‏ وإِنما علق امتناع المغفرة بكفر بعد كفر، لأن المؤمن بعد الكفر يُغفرُ له كفرُه، فاذا ارتدَّ طُولِبَ بالكفر الأول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏138‏]‏

‏{‏بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏138‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بشر المنافقين‏}‏ زعم مقاتل أنه لما نزلت المغفرة في ‏(‏سورة الفتح‏)‏ للنبي والمؤمنين قال عبد الله بن أُبيّ ونفر معه‏:‏ فما لنا‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏.‏

وقال غيره‏:‏ كان المنافقون يتولَّون اليهود، فأُلحِقوا بهم في التبشير بالعذاب‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معنى الآية‏:‏ اجعل موضع بشارتهم العذاب‏.‏ والعرب تقول‏:‏ تحيتك الضَّربُ، أي‏:‏ هذا بدلٌ لك من التحيّة‏.‏ قال الشاعر‏:‏

وخيلٍ قد دلفتُ لها بخيل *** تحيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وجيعُ

تفسير الآية رقم ‏[‏139‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ‏(‏139‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يتخذون الكافرين أولياء‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يتخذون اليهود أولياء في العون والنُّصرة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أيبتغون عندهم العزَّة‏}‏ أي‏:‏ القوة بالظهور على محمد وأصحابه، والمعنى‏:‏ أيتقون بهم‏؟‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أيبتغي المنافقون عند الكافرين العزة‏.‏ و«العزَّة» المنعة، وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم‏:‏ أرض عَزاز‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ «العزاز»‏:‏ الأرض التي لا تنبت‏.‏ فتأويل العزة‏:‏ الغلبة والشدة التي لا يتعلق بها إذلال‏.‏ قالت الخنساء‏:‏

كأن لم يكونوا حمىً يتّقى *** إِذْ الناس إِذ ذاك مَن عَزّ بزّا

أي‏:‏ من قوي وغَلَبَ سَلبَ‏.‏ ويقال‏:‏ قد استُعِزَّ على المريض، أي‏:‏ اشتد وجعه‏.‏ وكذلك قول الناس‏:‏ يَعزُّ عليّ أن يفعل، أي يشتد، وقولهم‏:‏ قد عزَّ الشيء‏:‏ إِذا لم يوجد، معناه‏:‏ صعب أن يوجد، والباب واحد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏140‏]‏

‏{‏وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ‏(‏140‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقد نُزِّل عليكم في الكتاب‏}‏ وقرأ عاصم، ويعقوب‏:‏ «نَزَّل» بفتح النون والزاي‏.‏ قال المفسّرون‏:‏ الذي نزل عليهم في النهي عن مجالستهم، قوله في ‏[‏الأنعام‏:‏ 68‏]‏ ‏{‏وإِذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم‏}‏ وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به، فنهى الله المسلمين عن مجالستهم‏.‏ وآيات الله‏:‏ هي القرآن‏.‏ والمعنى‏:‏ إِذا سمعتم الكفر بآيات الله، والاستهزاء بها، فلا تقعدوا معهم حتى يأخذوا في حديث غير الكفر، والاستهزاء‏.‏ ‏{‏إِنكم‏}‏ إِن جالستموهم على ما هم عليه من ذلك، فأنتم ‏{‏مثلهم‏}‏ وفي ماذا تقع المماثلة فيه، قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ في العصيان‏.‏ والثاني‏:‏ في الرضى بحالهم، لأن مُجالس الكافر غير كافر‏.‏ وقد نبّهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة، قال إِبراهيم النخعي‏:‏ إِن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضي الله بها، فتصيبُه الرحمة فتعمُّ من حوله، وإِن الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، فيعم من حوله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏141‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ‏(‏141‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يَتربّصون بكم‏}‏ قال أبو سليمان‏:‏ هذه الآية نزلت في المنافقين خاصة‏.‏ قال مقاتل‏:‏ كان المنافقون يتربصون بالمؤمنين الدوائِر، فإن كان الفتح، قالوا‏:‏ ألم نكن معكم‏؟‏ فاعطونا من الغنيمة‏.‏ وإِن كان للكافرين نصيب، أي‏:‏ دولةٌ على المؤمنين، قالوا للكفار‏:‏ ألم نستحوذ عليكم‏؟‏ قال المبرِّد‏:‏ ومعنى‏:‏ ألم نستحوذ عليكم‏:‏ ألم نغلبْكم على رأيكم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم‏.‏ «ونستحوذ» في اللغة، بمعنى‏:‏ نستولي، يقال‏:‏ حُذْت الإِبل، وحُزْتها‏:‏ إِذا استوليت عليها وجمعتها‏.‏ وقال غيره‏:‏ ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة‏؟‏ وقال ابن جريج‏:‏ ألم نبين لكم أنا على دينكم‏؟‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ونمنعكم من المؤمنين‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم‏.‏ والثاني‏:‏ بما نعلمكم من أخبارهم‏.‏

والثالث‏:‏ بصرفنا إِياكم عن الدخول في الإِيمان‏.‏ ومراد الكلام‏:‏ إِظهار المنّة من المنافقين على الكفار، أي‏:‏ فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالله يحكم بينكم يوم القيامة‏}‏ يعني المؤمنين والمنافقين‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد أنه أخّر عقاب المنافقين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة، روى يُسيْع الحضرمي عن علي بن أبي طالب أن رجلاً جاءه، فقال‏:‏ أرأيت قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً‏}‏ وهم يقاتلوننا ‏[‏فيظهرون ويقتلون‏]‏، فقال‏:‏ ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلاً‏.‏ هذا مروي عن ابن عباس، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن المراد بالسبيل‏:‏ الظهور عليهم، يعني‏:‏ أن المؤمنين هم الظاهرون، والعاقبة لهم، وهذا المعنى في رواية عكرمة، عن ابن عباس‏.‏ والثالث‏:‏ أن السبيل‏:‏ الحجة‏.‏ قال السدي‏:‏ لم يجعل الله عليهم حجة، يعني فيما فعلوا بهم من القتل والإِخراج من الديار‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ لما وعد الله المؤمنين أنه لا يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة، ولا المؤمنين مدخل المنافقين، لم يكن للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم‏:‏ أنتم كنتم أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏142‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏142‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن المنافقين يخادعون الله‏}‏ أي‏:‏ يعملون عمل المخادع‏.‏ وقيل‏:‏ يخادعون نبيّه، وهو خادعهم، أي‏:‏ مجازيهم على خداعهم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ لما أمر بقبول ما أظهروا، كان خادعاً لهم بذلك‏.‏ وقيل‏:‏ خداعه إِياهم يكون في القيامة بإطفاء نورهم، وقد شرحنا طرفاً من هذا في ‏(‏البقرة‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذا قاموا إِلى الصلاة قاموا كسالى‏}‏ أي‏:‏ متثاقلين‏.‏ و«كسالى»‏:‏ جمع كسلان، و«الكسل»‏:‏ التثاقل عن الأمر‏.‏ وقرأ أبو عمران الجوني‏:‏ «كسلى» بفتح الكاف، وقرأ ابن السميفع‏:‏ «كسلى»، بفتح الكاف من غير ألف‏.‏ وإنما كانوا هكذا، لأنهم يصلّون حذراً على دمائهم لا يرجون بفعلها ثواباً، ولا يخافون بتركها عقاباً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يراؤونَ الناس‏}‏ أي‏:‏ يصلُّون ليراهم الناس‏.‏ قال قتادة‏:‏ والله لولا الناس ما صلى المنافق‏.‏ وفي تسمية ذكرهم بالقليل ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه سُمّي قليلاً، لأنه غير مقبول، قاله علي رضي الله عنه، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ لأنه رياء، ولو كان لله، لكان كثيراً، قاله ابن عباس، والحسن‏.‏

والثالث‏:‏ أنه قليل في نفسه، لأنهم يقتصرون على ما يظهر، دون ما يخفى من القراءة والتسبيح، ذكره الماوردي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏143‏]‏

‏{‏مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ‏(‏143‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مذبذبين بين ذلك‏}‏ المذبذب‏:‏ المتردّد بين أمرين، وأصل التذبذب‏:‏ التحرّك، والاضطراب، وهذه صفة المنافق، لأنه محيّر في دينه لا يرجع إِلى اعتقاد صحيح‏.‏ قال قتادة‏:‏ ليسوا بالمشركين المصرّحين بالشرك، ولا بالمؤمنين المخلصين‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ ومعنى «بين ذلك»‏:‏ بين الاسلام والكفر، لم يظهروا الكفر فيكونوا إِلى الكفار، ولم يصدّقوا الإِيمان، فيكونوا إِلى المؤمنين‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ومَن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً إِلى الهدى‏.‏ وقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ مثل المنافق‏:‏ مثل الشاة العائِرة بين الغنمين تُعيرُ إِلى هذه مرةً، وإِلى هذه مرة، ولا تدري أيُّها تَتَّبع ‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏144‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏144‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تتخذوا الكافرين أولياء‏}‏ في المراد بالكافرين قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ اليهود، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ المنافقون، قال الزجاج‏:‏ ومعنى الآية‏:‏ لا تجعلوهم بطانتكم وخاصّتكم‏.‏

والسلطان‏:‏ الحجة الظاهرة، وإنما قيل للأمير‏:‏ سلطان، لأنه حجة الله في أرضه، واشتقاق السلطان‏:‏ من السليط‏.‏ والسَّليط‏:‏ ما يستضاء به، ومن هذا قيل للزيت‏:‏ السَّليط‏.‏ والعرب تؤنِّث السلطان وتذكِّره، تقول‏:‏ قضت عليك السلطان، وأمرتك السلطان، والتذكير أكثر، وبه جاء القرآن، فمن أنَّث، ذهب إِلى معنى الحجة، ومن ذكَّر، أراد صاحب السلطان‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ تقدير الآية‏:‏ أتريدون أن تجعلوا لله عليكم بموالاة الكافرين حجة بيِّنة تلزمكم عذابه، وتكسبكم غضبه‏؟‏

تفسير الآية رقم ‏[‏145‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ‏(‏145‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن المنافقين في الدرك الأسفل‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ بفتح الراء، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف‏:‏ بتسكين الراء‏.‏ قال الفراء‏:‏ وهي لغتان‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ جهنم أدراك، أي‏:‏ منازلٌ، وأطباق‏.‏ فكل منزل منها‏:‏ درك‏.‏ وحكى ابن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال‏:‏ الدركات‏:‏ مراق، بعضها تحت بعض‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ الدرج‏:‏ إِذا كان بعضها فوق بعضها، والدرك‏:‏ إِذا كان بعضها أسفل من بعض‏.‏ وقال ابن فارس‏:‏ الجنة درجات، والنار دركات‏.‏ وقال ابن مسعود في هذه الآية‏:‏ هم في توابيت من حديد مبهمة ‏[‏عليهم‏]‏‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ المبهمة‏:‏ التي لا أقفال عليها، يقال‏:‏ أمرٌ مبهمٌ‏:‏ إِذا كان ملتبساً لا يعرف معناه، ولا بابه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن تجد لهم نصيراً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ مانعاً من عذاب الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏146‏]‏

‏{‏إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏146‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا الذين تابوا‏}‏ قال مقاتل‏:‏ سبب نزولها‏:‏ أن قوماً قالوا عند ذكر مستقر المنافقين‏:‏ فقد كان فلان وفلان منافقين‏.‏ فتابوا، فكيف يُفْعَل بهم‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ إِلا الذين تابوا من النفاق ‏{‏وأصلحوا‏}‏ أعمالهم بعد التوبة ‏{‏واعتصموا بالله‏}‏ أي‏:‏ استمسكوا بدينه‏.‏ ‏{‏وأخلصوا دينهم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الإِسلام، وإِخلاصه‏:‏ رفع الشرك عنه، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه العمل، وإِخلاصه‏:‏ رفع شوائِب النفاق والرياء منه، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأولئك مع المؤمنين‏}‏ في ‏"‏ مع ‏"‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها على أصلها، وهو الاقتران‏.‏ وفي ماذا اقترنوا بالمؤمنين‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ في الولاية، قاله مقاتل‏.‏ والثاني‏:‏ في الدين والثواب، قاله أبو سليمان‏.‏

والثاني‏:‏ أنها بمعنى «مِن» فتقديره‏:‏ فأولئك من المؤمنين، قاله الفراء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏147‏]‏

‏{‏مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ‏(‏147‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما يفعل الله بعذابكم‏}‏ «ما» حرف استفهام، ومعناه‏:‏ التقرير، أي‏:‏ إِن الله لا يعذِّب الشاكر المؤمن، ومعنى الآية‏:‏ ما يصنع الله بعذابكم إِن شكرتم نعمه، وآمنتم به وبرسوله‏.‏ والإيمان مقدّم في المعنى وإِن أخِّر في اللفظ‏.‏ وروي عن ابن عباس أن المراد بالشكر‏:‏ التوحيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكان الله شاكراً عليماً‏}‏ أي‏:‏ للقليل من أعمالكم، عليماً بنياتكم، وقيل‏:‏ شاكراً، أي‏:‏ قابلاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏148‏]‏

‏{‏لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ‏(‏148‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يحب لله الجهر بالسوء من القول‏}‏ في سبب نزولها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن ضيفاً تضيّف قوماً فأساؤوا قِراهُ فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكوا، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ ‏"‏ أن رجلاً نال من أبي بكر الصديق والنبيُّ صلى الله عليه وسلم حاضر، فسكت عنه أبو بكر مراراً، ثم ردّ عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئاً، حتى إِذا رددت عليه قمت‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ «إِن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه، ذهب الملك، وجاء الشيطان» ‏"‏ فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل‏.‏ واختلف القراء في قراءة ‏{‏إِلا مَن ظُلم‏}‏ فقرأ الجمهور بضم الظاء، وكسر اللام‏.‏ وقرأ عبد الله بن عمرو، والحسن، وابن المسيب، وأبو رجاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، بفتحهما‏.‏

فعلى قراءة الجمهور، في معنى الكلام ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ إِلا أن يدعو المظلوم على مَن ظلمه، فإن الله قد أرخص له، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ إِلا أن ينتصر المظلومُ من ظالمه، قاله الحسن، والسدي‏.‏

والثالث‏:‏ إِلا أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد‏.‏

وروى ابن جريج عنه قال‏:‏ إِلا أن يجهر الضيف بذم من لم يضيفه‏.‏ فأما قراءة مَن فتح الظاء، فقال ثعلب‏:‏ هي مردودة على قوله‏:‏ ‏{‏ما يفعل الله بعذابكم‏}‏ إِلا من ظلم‏.‏ وذكر الزجاج فيها قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ إِلا أن الظالم يجهر بالسوء ظلماً‏.‏

والثاني‏:‏ إِلا أن تجهروا بالسوء للظالم‏.‏ فعلى هذا تكون «إِلا» في هذا المكان استثناءً منقطعاً، ومعناها‏:‏ لكن المظلوم يجوز له أن يجهرَ لظالمه بالسوء‏.‏ ولكن الظالم قد يجهر بالسوء‏.‏ واجهروا له بالسوء‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ إِلا من ظلم، أي‏:‏ أقام على النفاق، فيجهر له بالسوء حتى يَنْزِع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكان الله سميعاً‏}‏ أي‏:‏ لما تجهرون به من سوء القول ‏{‏عليماً‏}‏ بما تخفون‏.‏ وقيل‏:‏ سميعاً لقوم المظلوم، عليماً بما في قلبه، فليتق الله، ولا يقل إِلا الحق‏.‏ وقال الحسن‏:‏ من ظُلِم، فقد رخّص له أن يدعو على ظالمه من غير أن يعتدي، مثل أن يقول‏:‏ اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏149‏]‏

‏{‏إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ‏(‏149‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تبدوا خيراً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد من أعمال البرِّ كالصيام والصدقة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إِن تبدوا خيراً بدلاً من السوء‏.‏ وأكثرهم على أن «الهاء» في «تخفوه» تعود إِلى الخير‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ تعود إِلى السوء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن الله كان عَفواً‏}‏ قال أبو سليمان‏:‏ أي‏:‏ لم يزل ذا عفوٍ مع قدرته، فاعفوا أنتم مع القدرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏150‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏150‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن الذين يكفرون بالله ورسلِه‏}‏ فيهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم اليهود كانوا يؤمنون بموسى، وعزير، والتوراة، ويكفرون بعيسى، والإِنجيل، ومحمد، والقرآن، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم اليهود والنصارى، آمَن اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإِنجيل وعيسى، وآمن النصارى بالإِنجيل وعيسى، وكفروا بمحمد والقرآن، قاله قتادة‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله‏}‏ أي‏:‏ يريدون أن يفرّقوا بين الإِيمان بالله، والإِيمان برسله، ولا يصح الإِيمان به والتكذيب برسله أو ببعضهم ‏{‏ويريدون أن يتخذوا بين ذلك‏}‏ أي‏:‏ بين إِيمانهم ببعض الرُسُلِ، وتكذيبهم ببعض ‏{‏سبيلاً‏}‏ أي‏:‏ مذهباً يذهبون إِليه‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ ديناً يدينون به‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏151- 152‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏151‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏152‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك هم الكافرون حقاً‏}‏ ذكر «الحق» هاهنا توكيداً لكفرهم إزالةً لتَوَهُّم مَن يتوهم أن إِيمانهم ببعضِ الرسلِ يزيل عنهم اسم الكفر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏153‏]‏

‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏153‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألك أهلُ الكتاب‏}‏ في سبب نزولها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم سألوه أن ينزِّل كتاباً عليهم خاصة، هذا قول الحسن، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن اليهود والنصارى أتوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ لا نُبايعك حتى تأتينا بكتابٍ من عند الله إِلى فلان أنك رسول الله، وإِلى فلان بكتاب أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن جريج‏.‏

والثالث‏:‏ أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً كما نزلت التوراة على موسى، هذا قول القرظي، والسدي‏.‏

وفي المراد بأهل الكتاب قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ اليهود والنصارى‏.‏ والثاني‏:‏ اليهود‏.‏

وفي المراد بأهل الكتاب المنزّل من السماء قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ كتاب مكتوب غير القرآن‏.‏

والثاني‏:‏ كتاب بتصديقه في رسالته، وقد بيّنا في ‏(‏البقرة‏)‏ معنى سؤالهم رؤية الله جهرة، واتخاذهم العجل‏.‏ و«البينات»‏:‏ الآيات التي جاء بها موسى‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف قال‏:‏ ثم اتخذوا العجل، و«ثم» تقتضي التراخي، والتأخر، أفكان اتخاذ العجل بعد قولهم‏:‏ «أرنا الله جهرة»‏؟‏ فعنه أربعة أجوبة ذكرهن ابن الأنباري‏.‏

أحدهن‏:‏ أن تكون «ثم» مردودة على فعلهم القديم، والمعنى‏:‏ وإِذْ وَعَدْنا موسى أربعين ليلة، فخالفوا أيضاً، ثم اتخذوا العجل‏.‏

والثاني‏:‏ أن تكون مقدمة في المعنى، مؤخّرة في اللفظ، والتقدير‏:‏ فقد اتخذوا العجل، ثم سألوا موسى أكبر من ذلك‏.‏ ومثله ‏{‏فأَلْقِهْ إِليهم ثم تولَّ عنهم فانظر ماذا يرجعون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 28‏]‏ المعنى‏:‏ فألقه إِليهم، ثم انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم‏.‏

والثالث‏:‏ أن المعنى، ثم كانوا اتخذوا العجل، فأضمر الكون‏.‏

والرابع‏:‏ أن «ثم» معناها التأخير في الإِخبار، والتقديم في الفعل، كما يقول القائِل‏:‏ شربت الماء، ثم أكلت الخبز، يريد‏:‏ شربت الماء ثم أخبركم أني أكلت الخبز بعد إِخباري بشرب الماء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فعفونا عن ذلك‏}‏ أي‏:‏ لم نستأصل عبدة العجل‏.‏ و«السلطان المبين»‏:‏ الحجّة البيّنة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ اليد والعصا‏.‏ وقال غيره‏:‏ الآيات التسع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏154‏]‏

‏{‏وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏154‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم‏}‏ أي‏:‏ بما أعطوا الله من العهد والميثاق‏:‏ ليعملُنَّ بما في التوراة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تعدوا في السبت‏}‏ قرأ نافع‏:‏ لا تعْدُّوا، بتسكين العين، وتشديد الدال، وروى عنه ورش «تَعَدُّوا» بفتح العين، وتشديد الدال‏.‏ وقرأ الباقون «تَعْدوا» خفيفة، وكلهم ضم الدال‏.‏ وقد ذكرنا هذا وغيره في ‏(‏البقرة‏)‏ و«الميثاق الغليظ»‏:‏ العهد المؤكّد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 155‏]‏

‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏155‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبما نقضهم ميثاقهم‏}‏ «ما» صلة مؤكّدة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والمعنى‏:‏ فبنقضهم ميثاقهم، وهو أن الله أخذ عليهم الميثاق أن يُبيّنوا ما أنزل عليهم مِن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره‏.‏ والجالب للباء العامل فيها، وقوله‏:‏ ‏{‏حرّمنا عليهم طيبات‏}‏ أي‏:‏ بنقضهم ميثاقهم، والأشياء التي ذكرت بعده حرّمنا عليهم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فبظلم‏}‏ بدلٌ من قوله‏:‏ ‏{‏فبما نقضهم‏}‏، وجعل الله جزاءهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم‏.‏ وقال ابن فارس‏:‏ الطبع‏:‏ الختم و‏[‏من ذلك‏]‏ طبع الله على قلب الكافر ‏[‏كأنه‏]‏ ختم ‏[‏عليه حتى لا يصل إِليه هدى ولا نور‏]‏ فلم يوفّق لخير، والطابع‏:‏ الخاتم يختم به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يؤمنون إِلا قليلاً‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ فلا يؤمن منهم إِلا القليل، وهم عبد الله بن سلام، وأصحابه، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ المعنى‏:‏ إِيمانهم قليل، وهو قولهم‏:‏ ربنا الله، قاله مجاهد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏156‏]‏

‏{‏وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ‏(‏156‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبكفرهم‏}‏ في إِعادة ذكر الكفر فائِدة‏.‏ وفيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه أراد‏:‏ وبكفرهم بمحمد والقرآن، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ وبكفرهم بالمسيح، وقد بشروا به، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏ فأما «البهتان» فهو في قول الجماعة‏:‏ قذفهم مريم بالزنى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏157- 158‏]‏

‏{‏وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ‏(‏157‏)‏ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏158‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقولهم إِنا قتلنا المسيح‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي باعترافهم بقتلهم إِيَّاه، وما قتلوه، يُعذَّبون عذابَ من قتل، لأنهم قتلوا الذي قتلوا على أنه نبي وفي قوله‏:‏ «رسول الله» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه من قول اليهود، فيكون المعنى‏:‏ أنه رسول الله على زعمه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه من قول الله، لا على وجه الحكاية عنهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن شُبّه لهم‏}‏ أي‏:‏ أُلقِي شبهُه على غيره‏.‏

وفيمن أُلقي عليه شبهه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه بعض من أراد قتله من اليهود‏.‏ روى أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ أن اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى، أدخله جبريل خوخة لها رَوزنة، ودخل وراءه رجل منهم، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج على أصحابه، قتلوه يظنونه عيسى، ثم صلبوه، وبهذا قال مقاتل، وأبو سليمان‏.‏

والثاني‏:‏ أنه رجُلٌ من أصحاب عيسى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس‏:‏ أن عيسى خرج على أصحابه لما أراد الله رفعه، فقال‏:‏ أيكم يُلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي‏؟‏ فقام شاب، فقال‏:‏ أنا، فقال‏:‏ اجلس، ثم أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى‏:‏ اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب‏:‏ أنا، فقال‏:‏ نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه‏.‏ وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِن الذين اختلفوا فيه‏}‏ في المختلفين قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا‏؟‏‏.‏

وفي سبب اختلافهم في ذلك قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم لما قتلوا الشخص المشبّه كان الشبه قد أُلقي على وجهه دون جسده، فقالوا‏:‏ الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قالوا‏:‏ إِن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا‏؟‏ وإِن كان هذا صاحبنا، فأين عيسى‏؟‏ يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي‏.‏

والثاني‏:‏ أن «الهاء» كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم‏:‏ هو ولد زنى، وقول بعضهم‏:‏ هو ساحر‏.‏

والثاني‏:‏ أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إِلى قتله، هل قتل أم لا‏؟‏ والثاني‏:‏ أنها ترجع إِليه، هل هو إِله أم لا‏؟‏ وفي هاء «منه» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إِلى قتله‏.‏

والثاني‏:‏ إِلى نفسه هل هو إِلهٌ، أم لغيرِ رشدة، أم هو ساحر‏؟‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما لهم به من علم إِلا اتباع الظن‏}‏ قال الزجاج‏:‏ «اتباع» منصوب بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول‏.‏ والمعنى‏:‏ ما لهم به من علم إِلا أنهم يتبعون الظن، وإِن رُفع جاز على أن يجعل علمهم اتباع الظن، كما تقول العرب‏:‏ تحيّتك الضّرب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما قتلوه‏}‏ في «الهاء» ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها ترجع إِلى الظن فيكون المعنى‏:‏ وما قتلوا ظنّهم يقيناً، هذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ترجع إِلى العلم، أي‏:‏ ما قتلوا ‏[‏العلم به‏]‏ يقيناً، تقول‏:‏ قتلته يقيناً، وقتلته علماً ‏[‏للرأي والحديث‏]‏ هذا قول الفراء، وابن قتيبة‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ وأصل هذا‏:‏ أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول‏:‏ فلم يكن علمهم بقتل المسيح علماً أحيط به، إِنما كان ظناً‏.‏

والثالث‏:‏ أنها ترجع إلى عيسى، فيكون المعنى‏:‏ وما قتلوا عيسى حقاً، هذا قول الحسن‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ اليقين مؤخر في المعنى، فالتقدير‏:‏ وما قتلوه، بل رفعه الله إِليه يقيناً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏159- 159‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ‏(‏159‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِن من أهل الكتاب إِلا ليؤمنن به‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ وما منهم أحد إِلا ليؤمنّن به، ومثله ‏{‏وإِن منكم إِلا واردها‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 71‏]‏‏.‏ وفي أهل الكتاب قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم اليهود، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ اليهود والنصارى، قاله الحسن، وعكرمة‏.‏ وفي هاء «به» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها راجعة إلى عيسى، قاله ابن عباس، والجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أنها راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة‏.‏ وفي هاء «موته» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إِلى المؤمِن‏.‏ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ ليس يهودي يموتُ أبداً حتى يؤمن بعيسى، فقيل لابن عباس‏:‏ إِن خرّ من فوق بيْت‏؟‏ قال‏:‏ يتكلم به في الهُويِّ قال‏:‏ وهي في قراءة أُبي‏:‏ «قبل موتهم»‏.‏

وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ يؤمن اليهودي قبل أن يموت، ولا تخرج روح النصراني حتى يشهد أن عيسى عبدٌ‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ لا تخرج روح اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ أنها تعود إِلى عيسى‏.‏ روى عطاء عن ابن عباس قال‏:‏ إِذا نزل إِلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني، ولا أحدٌ يعبد غير الله إِلا اتّبعه، وصدّقه، وشهد أنه روح الله، وكلمته، وعبده، ونبيّه‏.‏ وهذا قول قتادة، وابن زيد، وابن قتيبة، واختاره ابن جرير، وعن الحسن كالقولين‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هذا بعيدٌ، لعموم قوله‏:‏ ‏{‏وإِن من أهل الكتاب‏}‏، والذين يبقوْن حينئِذ شرذمة منهم، إِلا أن يكون المعنى‏:‏ أنهم كلهم يقولون‏:‏ إن عيسى الذي ينزل لقتل الدجّال نؤمن به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً‏}‏ قال قتادة‏:‏ يكون عليهم شهيداً أنه قد بلَّغ رسالات ربه، وأقرّ بالعبودية على نفسه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏160‏]‏

‏{‏فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ‏(‏160‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبظلم من الذين هادوا‏}‏ قال مقاتل‏:‏ حرّم الله على أهل التوراة الربا، وأن يأكلوا أموال الناس ظلماً، ففعلوا، وصدوا عن دين الله، وعن الإِيمان بمحمد عليه السلام، فحرّم الله عليهم ما ذكر في قوله‏:‏ ‏{‏وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظُفُرٍ‏}‏ ‏[‏الانعام‏:‏ 146‏]‏ عقوبة لهم‏.‏ قال أبو سليمان‏:‏ وظلمهم‏:‏ نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وما ذكر في الآيات قبلها‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏وبصدّهم عن سبيل الله‏}‏ قال‏:‏ صدّهم أنفسهم وغيرهم عن الحق‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ صدهم عن سبيل الله، يعني الإِسلام، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أي‏:‏ بالكذب على دين الله، وأخذ الرُّشى على حكم الله، وتبديل الكتب التي أنزلها الله ليستديموا المأكل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏161‏]‏

‏{‏وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏161‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأعتدنا‏}‏ أي‏:‏ أعددنا للكافرين، يعني اليهود‏.‏ وقيل‏:‏ إِنما قال «منهم»، لأنه علم أن قوماً منهم يؤمنون، فيأمنون العذاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏162‏]‏

‏{‏لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏162‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكن الراسخون في العلم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هذا استثناء لمؤمني أهل الكتاب، فأما الراسخون، فهم الثّابتون في العلم‏.‏ قال أبو سليمان‏:‏ وهم عبد الله بن سلام، ومَن آمَن معه، والذين آمنوا من أهل الإِنجيل ممّن قَدِمَ مع جعفر من الحبشة، والمؤمنون، يعني أصحاب رسول الله‏.‏ فأما قوله‏:‏ ‏{‏والمقيمين الصلاة‏}‏ فهم القائمون بأدائها كما أُمروا‏.‏

وفي نصب «المقيمين» أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه خطأٌ من الكاتب، وهذا قول عائشة، وروي عن عثمان بن عفان أنه قال‏:‏ إِن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها‏.‏ وقد قرأ ابن مسعود، وأُبيّ وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري‏:‏ «والمقيمون الصلاة» بالواو‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ قول من قال إِنه خطأ، بعيدٌ جداً، لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة، والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئاً يُصلِحُه غيرهم‏؟‏‏!‏ فلا ينبغي أن ينسب هذا إِليهم‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ حديثُ عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئاً فاسداً، ليُصلحه من بعده‏.‏

والثاني‏:‏ أنه نسقٌ على «ما» والمعنى‏:‏ يؤمنون بما أنزل إِليك، وبالمقيمين الصلاة، فقيل‏:‏ هم الملائكة، وقيل‏:‏ الأنبياء‏.‏

والثالث‏:‏ أنه نسقٌ على الهاء والميم من قوله ‏{‏منهم‏}‏ فالمعنى‏:‏ لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إِليك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وهذا رديء عند النحويين، لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إِلا في الشّعر‏.‏

والرابع‏:‏ أنه منصوبٌ على المدح، فالمعنى‏:‏ اذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة‏.‏ وأنشدوا‏:‏

لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ *** سُمُّ العُداة وآفةُ الجُزْرِ

النازلين بكلِّ معترَكٍ *** والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ

وهذا على معنى‏:‏ اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك‏:‏ مررت بزيد الكريمِ، إن أردت أن تخلصَه من غيره، فالخفض هو الكلام، وإِن أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت‏:‏ بزيد الكريمَ، كأنك قلت‏:‏ اذكر الكريم، وإِن شئت رفعت على معنى‏:‏ هو الكريمُ‏.‏ وتقول‏:‏ جاءني قومك المطعمين في المحْل، والمغيثون في الشدائِد على معنى‏:‏ اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا القول اختيار الخليل، وسيبويه‏.‏ فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار هذا القول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏163‏]‏

‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏163‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أوحينا إِليك‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ قال عدي بن زيد، وسُكين‏:‏ يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشرٍ من شيءٍ بعد موسى، فنزلت هذه الآية‏.‏ وقد ذكرنا في «آل عمران» معنى الوحي، وذكر هنالك‏.‏

وإِسحاق‏:‏ أعجمي، وإِن وافق لفظ العربي، يقال‏:‏ أسحقه الله يسحقه إِسحاقاً، ويعقوب‏:‏ أعجمي‏.‏ فأما اليعقوب، وهو ذكر الحجل وهي القبج فعربي، كذلك قرأته على شيخنا أبي منصور اللغوي‏.‏ وأيوب‏:‏ أعجمي، ويونس‏:‏ اسم أعجمي‏.‏ قال أبو عبيدة، يقال‏:‏ يُونُس ويُونِس بضم النون وكسرها، وحكى أبو زيد الأنصاري عن العرب همزة مع الكسرة والضمّة والفتحة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ يونس بضم النون من غير همز لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول‏:‏ يؤنس بالهمز، وبعض بني عُقيل يقول‏:‏ يونس بفتح النون من غير همز‏.‏ والمشهور في القراءة يونُس برفع النون من غير همز‏.‏ وقد قرأ ابن مسعود، وقتادة، ويحيى بن يعمر، وطلحة‏:‏ يؤنِس بكسر النون مهموزاً‏.‏ قرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران، والجحدري‏:‏ يُونَس بفتح النون من غير همز‏.‏ وقرأ أبو المتوكل‏:‏ يؤنس بفتح النون مهموزاً‏.‏ وقرأ أبو السّماك العدوي‏:‏ يونِس بكسر النون من غير همز‏.‏ وقرأ عمرو بن دينار برفع النون مهموزاً‏.‏ وهارون‏:‏ اسمٌ أعجمي، وباقي الأنبياء قد تقدم ذكرهم‏.‏ فأما الزبور، فأكثر القرّاء على فتح الزَاي، وقرأ أبو رزين، وأبو رجاء، والأعمش، وحمزة بضم الزاي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ فمن فتح الزاي، أراد‏:‏ كتاباً، ومن ضم، أراد‏:‏ كتُباً‏.‏ ومعنى ذكر «داود» أي‏:‏ لا تنكروا تفضيل محمد بالقرآن، فقد أعطى الله داود الزبور‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ كأنَّ حمزة جعل كتاب داود أنحاء، وجعل كلَّ نحو زبراً، ثم جمع، فقال‏:‏ زُبُوراً‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ الزَّبُور فَعُول بمعنى مفعول، كما تقول‏:‏ حلوب وركوب بمعنى‏:‏ محلوب ومركوب، وهو من قولك‏:‏ زبرت الكتاب أزبره زبراً‏:‏ إِذا كتبته، قال‏:‏ وفيه لغة أخرى الزُبور بضم الزاي، كأنه جمع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏164‏]‏

‏{‏وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ‏(‏164‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكلّم الله موسى تكليماً‏}‏ تأكيد كلّم بالمصدر يدل على أنه سمع كلام الله حقيقة‏.‏ روى أبو سليمان الدمشقي، قال‏:‏ سمعت إِسماعيل بن محمد الصفّار يقول‏:‏ سمعت ثعلبا يقول‏:‏ لولا أن الله تعالى أكّد الفعل بالمصدر، لجاز أن يكون كما يقول أحدنا للآخر‏:‏ قد كلمتُ لك فلاناً بمعنى‏:‏ كتبت إِليه رقعة، أو بعثت إِليه رسولاً، فلما قال‏:‏ تكليماً لم يكن إِلا كلاماً مسموعاً من الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏165‏]‏

‏{‏رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏165‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لئلا يكون للناس على الله حجة‏}‏ أي‏:‏ لئلا يحتجوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأن هذه الأشياء إِنما تجب بالرُسُلِ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏166‏]‏

‏{‏لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏166‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكن الله يشهد‏}‏ في سبب نزلها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن النبي عليه السلام دخل على جماعة من اليهود، فقال‏:‏ ‏"‏ إِني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله ‏"‏، فقالوا‏:‏ ما نعلم ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ سألنا عنك اليهود، فزعموا أنهم لا يعرفونك، فائتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن السائب‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الشاهد‏:‏ المبيِّن لما يشهد به، فالله عز وجل بيَّن ذلك، ويعلم مع إِبانته أنه حق‏.‏ وفي معنى ‏{‏أنزله بعلمه‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنزله وفيه علمه، قاله الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أنزله من علمه، ذكره أبو سليمان الدمشقي‏.‏

والثالث‏:‏ أنزله إِليك بعلمٍ منه أنك خيرته من خلقه، قاله ابن جرير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والملائكة يشهدون‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ يشهدون أنَّ الله أنزله‏.‏

والثاني‏:‏ يشهدون بصدقك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بالله شهيداً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ «الباء» دخلت مؤكِّدة‏.‏ والمعنى‏:‏ اكتفوا بالله في شهادته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏167‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏167‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله‏}‏ قال مقاتل وغيرُهُ‏:‏ هُم اليهود كفروا بمحمد، وصدُّوا الناس عن الإِسلام‏.‏ قال أبو سليمان‏:‏ وكان صدُّهم عن الإِسلام قولهم للمشركين ولأتباعهم‏:‏ ما نجد صفة محمد في كتابنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏168- 169‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ‏(‏168‏)‏ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏169‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن الذين كفروا وظلموا‏}‏ قال مقاتل وغيره‏:‏ هم اليهود أيضاً كفروا بمحمد والقرآن‏.‏ وفي الظلم المذكور هاهنا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الشرك، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه جحدهم صفة محمد النبي صلى الله عليه وسلم في كتابهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لم يكن الله ليغفر لهم‏}‏ يريد من مات منهم على الكفر‏.‏ وقال أبو سليمان‏:‏ لم يكن الله ليستر عليهم قَبيح فعالهم، بل يفضحهم في الدنيا، ويعاقبهم بالقتل والجلاء والسّبي، وفي الآخرة بالنار ‏{‏ولا ليَهديهم طريقاً‏}‏ ينجون فيه‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ طريقاً إِلى الهدى ‏{‏وكان ذلك على الله يسيراً‏}‏ يعني كان عذابهم على الله هينا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏170‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏170‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ الكلام عامّ، وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ أراد المشركين‏.‏ ‏{‏قد جاءكم الرسول بالحق‏}‏ أي‏:‏ بالهدى، والصدق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآمنوا خيراً لكم‏}‏ قال الزجاج عن الخليل وجميع البصريين‏:‏ إنه منصوبٌ بالحمل على معناه، لأنك إِذا قلت‏:‏ انته خيراً لك، وأنت تدفعه عن أمرٍ فتدخله في غيره، كان المعنى‏:‏ انته وأتِ خيراً لك، وادخل في ما هو خير لك، وأنشد الخليل، وسيبويه قول عمر بن أبي ربيعة‏:‏

فواعديه سَرْحَتَيْ مالك *** أَوِ الرُّبا بينهما أسهَلا

كأنه قال‏:‏ إِيتي مكاناً أسهل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِن تكفروا فان لله ما في السماوات والأرض‏}‏ أي‏:‏ هو غني عنكم، وعن إِيمانكم، ‏{‏وكان الله عليماً‏}‏ بما يكون من إِيمان أو كفر ‏{‏حكيماً‏}‏ في تكليفكم مع علمه بما يكون منكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏171‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏171‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم‏}‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت في نصارى نجران، السّيد والعاقِب، ومَن معهما‏.‏ والجمهور على أن المراد بهذه الآية‏:‏ النصارى‏.‏ وقال الحسن‏:‏ نزلت في اليهود والنصارى‏.‏ والغلو‏:‏ الإفراط ومجاوزة الحد، ومنه غلا السّعر، وقال الزجاج‏:‏ الغلو‏:‏ مجاوزة القدر في الظلم‏.‏ وغلو النصارى في عيسى‏:‏ قول بعضهم‏:‏ هو الله، وقول بعضهم‏:‏ هو ابن الله، وقول بعضهم‏:‏ هو ثالث ثلاثة‏.‏ وعلى قول الحسن غلو اليهود فيه قولهم‏:‏ إنه لغير رشدة‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ لا تغلوا في دينكم بالزيادة في التشدّد فيه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا على الله إِلا الحق‏}‏ أي‏:‏ لا تقولوا إِن الله له شريك أو ابن أو زوجة‏.‏ وقد ذكرنا معنى «المسيح» و«الكلمة» في ‏{‏آل عمران‏}‏‏.‏

وفي معنى ‏{‏وروح منه‏}‏ سبعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه روح ٌمن أرواح الأبدان‏.‏ قال أبيّ بن كعب‏:‏ لما أخذ الله الميثاق على بني آدم كان عيسى روحاً من تلك الأرواح، فأرسله إِلى مريم، فحملت به‏.‏

والثاني‏:‏ أن الروح النفخ، فسُمّي روحاً، لأنه حدث عن نفخة جبريل في درع مريم‏.‏ ومنه قول ذي الرمّة‏:‏

وَقُلتُ لهُ ارْفعهَا إِليك وأحْيِها *** بروحِك واقْتَتْه لها قيتَةً قدْرَا

هذا قول أبي رَوق‏.‏

والثالث‏:‏ أن معنى ‏{‏وروحٌ منه‏}‏ إِنسان حيٌ باحياء الله له‏.‏

والرابع‏:‏ أن الروح‏:‏ الرحمة، فمعناه‏:‏ ورحمة منه، ومثله ‏{‏وأيدهم بروح منه‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 22‏]‏‏.‏

والخامس‏:‏ أن الروح هاهنا جبريل‏.‏ فالمعنى‏:‏ ألقاها الله إلى مريم، والذي ألقاها روحٌ منه‏.‏ ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو سليمان الدمشقي‏.‏

والسادس‏:‏ أنه سمّاه روحاً، لأنه يحيا به الناس كما يحيون بالأرواح، ولهذا المعنى‏:‏ سمي القرآن روحاً، ذكره القاضي أبو يعلى‏.‏

والسابع‏:‏ أن الروح‏:‏ الوحي أوحى الله إلى مريم يبشرها به، وأوحى إِلى جبريل بالنفخ في درعها، وأوحى إِلى ذات عيسى أن‏:‏ كن فكان‏.‏ ومثله‏:‏ ‏{‏ينزل الملائكة بالروح من أمره‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 2‏]‏ أي‏:‏ بالوحي، ذكره الثعلبي‏.‏

فأما قوله‏:‏ «منه» فانه إِضافة تشريفٍ، كما تقول‏:‏ بيت الله، والمعنى من أمره، ومما يقاربها قوله‏:‏ ‏{‏وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 13‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا ثلاثة‏}‏ قال الزجاج‏:‏ رفعه بإضمار‏:‏ لا تقولوا آلهتُنا ثلاثة ‏{‏إِنما الله إِله واحد‏}‏ أي‏:‏ ما هو إِلا إِلهٌ واحد ‏{‏سبحانه‏}‏ ومعنى «سبحانه»‏:‏ تبرئته مِن أن يكون له ولد‏.‏ قال أبو سليمان‏:‏ ‏{‏وكفى بالله وكيلاً‏}‏ أي‏:‏ قيّما على خلقه، مدبراً لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏172‏]‏

‏{‏لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ‏(‏172‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله‏}‏ سبب نزولها‏:‏ «أن وفد نجران وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ يا محمد لَمْ تذكر صاحبنا‏؟‏ قال‏:‏ ومن صاحبكم‏؟‏ قالوا عيسى، قال‏:‏ وأي شيءٍ أقول له‏؟‏ هو عبد الله، قالوا‏:‏ بل هو الله، فقال‏:‏ إِنه ليس بعار عليه أن يكون عبداً لله، قالوا‏:‏ بلى، فنزلت هذه الآية»، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معنى يستنكف‏:‏ يأنَف، واصله في اللغة من نكفت الدمع‏:‏ إِذا نحيته باصبُعِكَ من خدّك‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فبانوا فلولا ما تذكَّرُ منهم *** من الحِلْفِ لم يُنكَفْ لعينيك مَدْمعُ

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الملائكة المقربون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هم حملة العرش‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏173‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏173‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيوفيهم أجورهم‏}‏ أي‏:‏ ثواب أعمالهم ‏{‏ويزيدهم من فضله‏}‏ مضاعفة الحسنات‏.‏ وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏فيوفيهم أجورهم‏}‏ قال‏:‏ يدخلون الجنة، ويزيدهم من فضله‏:‏ الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إِليهم المعروف في الدنيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏174‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ‏(‏174‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد جاءكم برهانٌ من ربكم‏}‏ في البُرهان ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الحجة، قاله مجاهد، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ القرآن، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قاله سفيان الثوري‏.‏ فأما النور المبين، فهو القرآن، قاله قتادة، وإنما سمّاه نوراً، لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء بالنور‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏175‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏175‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعتصموا به‏}‏ أي‏:‏ استمسكوا‏.‏ وفي «هاء» به قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها تعود إلى النور وهو القرآن، قاله ابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ تعود إِلى الله تعالى‏:‏ قاله مقاتل‏.‏ وفي «الرحمة» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها الجنة، قاله ابن عباس، ومقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نفس الرحمة، والمعنى‏:‏ سيرحمهم، قاله أبو سليمان‏.‏ وفي «الفضل» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الرزق في الجنة، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الإِحسان، قاله أبو سليمان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويهديهم إِليه صراطاً مستقيماً‏}‏ أي‏:‏ يوفقهم لإِصابة الطريق المستقيم‏.‏ وقال ابن الحَنفية‏:‏ الصراط المستقيم‏:‏ دين الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏176‏]‏

‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يستفتونك‏}‏ في سبب نزولها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها نزلت في جابر بن عبد الله‏.‏ روى أبو الزبير ‏"‏ عن جابر قال‏:‏ مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني هو وأبو بكر ‏[‏وهما ماشيان‏]‏ فوجدني قد أُغمي علي، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صبَّ علي من وَضوئه، فأفقت، وقلت‏:‏ يا رسول الله كيف أصنع في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي ولد‏؟‏ فلم يجبني بشيء، ثم خرج وتركني، ثم رجع إِليّ وقال‏:‏ يا جابر لا أراك ميتاً من وجعك هذا، وإِن الله عز وجل قد أنزل في أخواتك، وجعل لهن الثلثين، فقرأ عليَّ هذه الآية‏:‏ ‏{‏يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة‏}‏ ‏"‏ فكان جابر يقول‏:‏ أنزلت هذه الآية فيَّ‏.‏

والثاني‏:‏ أن الصحابة أهمّهم بيان شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول قتادة‏.‏ وقال سعيد بن المسيب‏:‏ ‏"‏ سأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نورث الكلالة‏؟‏ فقال‏:‏ «أوليس قد بيّن الله تعالى ذلك، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وإِن كان رجل يورث كلالة‏}‏» فأنزل الله عز وجل ‏{‏يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة‏}‏ ‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن امرُؤٌ هلك‏}‏ أي‏:‏ مات ‏{‏ليس له ولد‏}‏ يريد‏:‏ ولا والِد‏:‏ فاكتفى بذكر أحدهما، ويدلُ على المحذوف أنَّ الفتيا في الكلالة، وهي مَن ليس له ولد ولا والد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله أُخت‏}‏ يريد من أبيه وأُمه ‏{‏فلها نصف ما ترك‏}‏ عند انفرادها ‏{‏وهو يرثها‏}‏ أي‏:‏ يستغرق ميراث الأُخت إِذا لم يكن لها ولد ولا والد، وهذا هو الأخ من الأب والأم، أو من الأب ‏{‏فان كانتا اثنتين‏}‏ يعني‏:‏ أُختين وسئل الأخفش ما فائدة قوله «اثنتين» و«كانتا» لا يُفسّر إِلا باثنتين‏؟‏ فقال‏:‏ أفادت العدد العاري عن الصفة، لأنه يجوز في «كانتا» صغيرتين، أو حرتين، أو صالحتين، أو طالحتين، فلما قال‏:‏ «اثنتين» فاذا اطلاق العدد على أي وصف كانتا عليه‏.‏ ‏{‏فلهما الثلثان‏}‏ من تركة أخيهما الميت ‏{‏وإِن كانوا‏}‏ يعني المخلفين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يبيّن الله لكم أن تضلوا‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ لئلا تضلوا‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن لا تضلوا، فأضمرت لا‏.‏ والثاني‏:‏ كراهية أن تضلوا، وهو قول البصريين‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ أن تضلوا في شأن المواريث‏.‏

سورة المائدة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ اختلفوا في المخاطبين بهذا على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المؤمنون من أُمتنا، وهذا قول الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم أهل الكتاب، قاله ابن جريج‏.‏ «والعقود»‏:‏ العهود، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي، والجماعة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ «العقود»‏:‏ أوكد العهود‏.‏

واختلفوا في المراد بالعهود هاهنا على خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها عهود الله التي أخذها على عباده فيما أحلّ وحرّم، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنها عهود الدين كلها، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ أنها عهود الجاهلية، وهي الحِلْفُ الذي كان بينهم، قاله قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أنها العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من الإِيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن جريج، وقد ذكرنا عنه أن الخطاب للكتابيين‏.‏

والخامس‏:‏ أنها عقود الناس بينهم، من بيع، ونكاح، أو عقد الإِنسان على نفسه من نذر، أو يمين، وهذا قول ابن زيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحلت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ في بهيمة الأنعام ثلاثة أقاويل‏.‏

أحدها‏:‏ أنها أجنّة الأنعام التي توجد ميتة في بطون أُمهاتها إِذا ذبحت الأُمهات، قاله ابن عمر، وابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الإِبل، والبقر، والغنم، قاله الحسن، وقتادة، والسدي‏.‏

وقال الربيع‏:‏ هي الأنعام كلها‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ هي الإِبل، والبقر، والغنم، والوحوش كلها‏.‏

والثالث‏:‏ أنها وحش الأنعام كالظباء، وبقر الوحش، روي عن ابن عباس، وأبي صالح‏.‏ وقال الفراء‏:‏ بهيمة الأنعام بقر الوحش، والظباء، والحمر الوحشيّة‏.‏

قال الزجاج‏:‏ وإِنما قيل لها بهيمة، لأنها أبهمت عن أن تميّز، وكل حي لا يميّز فهو بهيمة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا ما يتلى عليكم‏}‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ هي الميتة وسائِر ما في القرآن تحريمه‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ المتلو علينا من المحظور الآية التي بعدها، وهي قوله‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غير محلي الصيد‏}‏ قال أبو الحسن الأخفش‏:‏ أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، فانتصب على الحال‏.‏ وقال غيره‏:‏ المعنى‏:‏ أُحلت لكم بهيمة الأنعام غير مستحلي اصطيادها، وأنتم حرم، قال الزجاج‏:‏ الحرم‏:‏ المحرومون، وواحد الحرم‏:‏ حرام، يقال‏:‏ رجل حرام، وقومٌ حرمٌ‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فقلت لها فيئي إِليك فإنني *** حرامٌ وإِني بعد ذاك لبيبُ

أي‏:‏ ملبّ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِن الله يحكم ما يريد‏}‏ أي‏:‏ الخلق له يحل ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ما يريد على مَن يريد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تحلوا شعائر الله‏}‏ في سبب نزولها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ‏"‏ أن شريح بن ضبيعة أتى المدينة، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ إِلام تدعو‏؟‏ فقال‏:‏ «إِلى شهادة أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله»، فقال‏:‏ إِن لي أُمراء خلفي أرجع إِليهم أشاورهم، ثم خرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم» فمر شريح بسرح لأهل المدينة، فاستاقه، فلما كان عام الحُديبية، خرج شريح إِلى مكة معتمراً، ومعه تجارة، فأراد أهل السّرح أن يغيروا عليه كما أغار عليهم، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ‏"‏، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ وقال السدي‏:‏ اسمه الحُطَمُ ابن هند البكري‏.‏ قال‏:‏ ولما ساق السَّرح جعل يرتجز‏:‏

قدْ لَفَّها الليل بسوّاقٍ حُطَم *** ليس براعي إِبل ولا غنم

ولا بجزّارٍ على ظَهْرِ وضم *** باتوا نيَاما وابنُ هندٍ لم ينم

بات يُقاسِيهَا غلامٌ كالزَّلَمْ *** خَدلَّجُ الساقين ممسوحُ القدم

والثاني‏:‏ أن ناساً من المشركين جاؤوا يؤمون البيت يوم الفتح مهلّين بعمرة، فقال المسلمون‏:‏ لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم، فنزل قوله ‏{‏ولا آمّين البيت الحرام‏}‏‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ وشعائِر الله‏:‏ ما جعله الله علماً لطاعته‏.‏

وفي المراد بها هاهنا سبعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها مناسك الحج، رواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏ وقال الفراء‏:‏ كانت عامّة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بينهما، فقال الله تعالى‏:‏ لا تستحلوا ترك ذلك‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ما حرم الله تعالى في حال الإحرام، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ دين الله كله، قاله الحسن‏.‏

والرابع‏:‏ حدود الله، قاله عكرمة، وعطاء‏.‏

والخامس‏:‏ حَرمُ الله، قاله السدي‏.‏

والسادس‏:‏ الهدايا المشعرة لبيت الله الحرام، قاله أبو عبيدة، والزجاج‏.‏

والسابع‏:‏ أنها أعلام الحرم، نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين إِذا أرادوا دخول مكة، ذكره الماوردي، والقاضي أبو يعلى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الشهر الحرام‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لا تُحِلُّوا القتال فيه‏.‏

وفي المراد بالشهر الحرام ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه ذو القَعدة، قاله عكرمة، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن المراد به الأشهر الحرم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ كان جنادة بن عوف يقوم في سوق عكاظ كلَّ سنة فيقول‏:‏ ألا إِني قد أحللت كذا، وحرّمت كذا‏.‏

والثالث‏:‏ أنه رجب، ذكره ابن جرير الطبري‏.‏ والهدي‏:‏ كل ما أهدي إِلى بيت الله تعالى من شيءٍ‏.‏ وفي القلائد قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها المقلَّدات مِن الهدي، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ما كان المشركون يقلدون به إِبلهم وأنفسهم في الجاهلية، ليأمنوا به عدوّهم، لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إِلا في الأشهر الحُرُم، فمن لقوة مقلِّداً نفسه، أو بعيره، أو مشعراً بُدُنَهُ أو سائِقاً هدياً لم يُتعرض له‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ كانَ مَن أراد أن يسافر في غير الأشهر الحُرُم، قلد بعيره من الشعر والوبر، فيأمَن حيثُ ذهب‏.‏ وروى مالك بن مِغوَل عن عطاء قال‏:‏ كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، فيأمنون به إِذا خرجوا من الحرم، فنزلت هذه الآية‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كان الرجل في الجاهلية إِذا خرج من بيته يريد الحج تقلّد من السَّمُرِ فلم يَعرِض له أحد، وإِذا رجع تقلَّد قلادة شعر، فلم يعرض له أحد‏.‏

وقال الفراء‏:‏ كان أهل مكة يُقلّدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يُقلّدون بالوبر والشعر‏.‏ وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ لا تستحلّوا المقلَّدات من الهدي‏.‏

والثاني‏:‏ لا تستحلوا أصحاب القلائد‏.‏

والثالث‏:‏ أن هذا نهيٌ للمؤمنين أن ينزعوا شيئاً من شجر الحرم، فيتقلّدوه كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم، رواه عبد الملك عن عطاء، وبه قال مطرف، والربيع بن أنس‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا آمّين البيت الحرام‏}‏ «الآمّ»‏:‏ القاصد، و«البيت الحرام»‏:‏ الكعبة، والفضل‏:‏ الربح في التجارة، والرضوان من الله يطلبونه في حجّهم على زعمهم‏.‏ ومثله قوله‏:‏ ‏{‏وانظر إِلى إِلهك الذي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 97‏]‏ وقيل‏:‏ ابتغاء الفضل عام، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حللتم فاصطادوا‏}‏ لفظُه لفظُ الأمر، ومعناه الإِباحة نظيره ‏{‏فاذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 10‏]‏ وهو يدلُ على إِحرامٍ متقدّم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يجْرمنكم‏}‏ وروى الوليد عن يعقوب «يجرمنْكم» بسكون النون، وتخفيفها‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لا يحملنكم، وقال غيره‏:‏ لا يدخلنكم في الجُرم، كما تقول‏:‏ آثمتُه، أي‏:‏ أدخلته في الإثم‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ لا يكسبنكم يقال‏:‏ فلان جارمُ أهله، أي‏:‏ كاسُبهم، وكذلك جريمتهم‏.‏ وقال الهُذلي‏:‏ ووصف عقاباً‏:‏

جريمةَ ناهضٍ في رأس نِيْقٍ *** تَرَى لِعظَامِ ما جَمَعَتْ صَليبا

والناهض‏:‏ فرخها، يقول‏:‏ هي تكسب له، وتأتيه بقوته‏.‏ و«الشنآن»‏:‏ البغض، يقال‏:‏ شنئته أشنؤه‏:‏ إِذا أبغضته‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ «الشنآن»‏:‏ البغض، و«الشنآن» بتسكين النون‏:‏ البغيض‏.‏ واختلف القراء في نون الشنآن، فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ بتحريكها، وأسكنها ابن عامر، وروى حفص عن عاصم تحريكها، وأبو بكر عنه تسكينها، وكذلك اختُلف عن نافع‏.‏

قال أبو علي‏:‏ «الشَّنآن»، قد جاء وصفاً، وقد جاء اسماً، فمن حرّك، فلأنه مصدر، والمصدر يكثر على فَعَلان، نحو النَّزَوان، ومن سكَّن، قال‏:‏ هو مصدر، وقد جاء المصدر على فَعْلان، تقول‏:‏ لويته دينَه لَيَّانًا، فالمعنى في القراءتين واحد، وإِن اختلف اللفظان‏.‏ واختلفوا في قوله‏:‏ ‏{‏أن صدوكم‏}‏ فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح، فمن فتح جعل الصّد ماضياً، فيكون المعنى من أجل أن صدوكم، ومن كسرها، جعلها للشرط، فيكون الصّد مترقَّباً‏.‏ قال أبو الحسن الأخفش‏:‏ وقد يكون الفعل ماضياً مع الكسر، كقوله‏:‏

‏{‏إِن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 77‏]‏ وقد كانت السرقة عندهم قد وقعت، وأنشد أبو علي الفارسي‏:‏

إِذا ما انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْني لئيمةٌ *** وَلَمْ تَجِدي من أن تُقِرِّي بها بُدّا

‏[‏فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، والجزاء إِنما يكون بالمستقبل، فيكون المعنى‏:‏ إِن ننتسب لا تجدني مولود لئيمة‏]‏‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ وقراءة مَن فتح الألف أبيَن، لأن هذه السورة نزلت بعد الحديبية، وقد كان الصدّ تقدّم‏.‏

فعلى هذا في معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ولا يحملنكم بغض أهل مكة أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا فيه، فتقاتلوهم، وتأخذوا أموالهم إِذا دخلتموه، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ لا يحملنكم بغض أهل مكة، وصدّهم إِياكم أن تعتدوا بإتيان ما لا يحل لكم من الغارة على المعتمرين من المشركين، على ما سبق في نزول الآية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البر والتقوى‏}‏ قال الفراء‏:‏ لِيُعِن بعضكم بعضاً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ البرّ ما أُمرت به، و«التقوى»‏:‏ ترك ما نُهيت عنه‏.‏ فأمّا«الإثم»‏:‏ فالمعاصي‏.‏ والعدوان‏:‏ التّعدّي في حدود الله، قاله عطاء‏.‏

فصل

اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها محكمة، روي عن الحسن أنه قال‏:‏ ما نسخ من المائدة شيء، وكذلك قال أبو ميسرة في آخرين قالوا‏:‏ ولا يجوز استحلال الشعائر، ولا الهدي قبل أوان ذبحه‏.‏ واختلفوا في «القلائد» فقال قوم‏:‏ يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ينحر، وقال آخرون‏:‏ كانت الجاهلية تقلِّد من شجر الحرم، فقيل لهم‏:‏ لا تستحلُّوا أخذ القلائد من الحرم، ولا تصدوا القاصدين إِلى البيت‏.‏

والثاني‏:‏ أنها منسوخة، وفي المنسوخ منها أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن جميعها منسوخ، وهو قول الشعبي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها وردت في حق المشركين كانوا يقلِّدون هداياهم، ويظهرون شعائِر الحج من الاحرام والتلبية، فنُهي المسلمون بهذه الآية عن التعرّض لهم، ثم نسخ ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ وهذا قول الأكثرين‏.‏

والثالث‏:‏ أن الذي نُسخ قوله‏:‏ ‏{‏ولا آمّين البيت الحرام‏}‏ نسخه قوله‏:‏ ‏{‏فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 38‏]‏ روي عن ابن عباس، وقتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أن المنسوخ منها‏:‏ تحريم الشهر الحرام، وآمّون البيت الحرام‏:‏ إِذا كانوا مشركين‏.‏ وهدي المشركين‏:‏ إِذا لم يكن لهم من المسلمين أمان، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏