فصل: تفسير الآية رقم (37)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


الجزء الرابع

سورة يونس

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏‏}‏

فأما قوله‏:‏ ‏{‏الر‏}‏ قرأ ابن كثير‏:‏ «الر» بفتح الراء‏.‏ وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ «الر» على الهجاء مكسورة‏.‏ وقد ذكرنا في أول سورة ‏(‏البقرة‏)‏ ما يشتمل على بيان هذا الجنس‏.‏ وقد خُصَّت هذه الكلمة بستة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ أن معناها‏:‏ أنا الله أرى، رواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ أنا الله الرحمن، رواه عطاء عن ابن عباس‏.‏ والثالث‏:‏ أنه بعض اسم من أسماء الله‏.‏ روى عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ «الار» و«حما» و«نا» حروف الرحمن‏.‏ والرابع‏:‏ أنه قَسَمٌ أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏ والخامس‏:‏ أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، وقتادة‏.‏ والسادس‏:‏ أنه اسم للسورة، قاله ابن زيد‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏تلك‏}‏ قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه بمعنى «هذه»، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره أبو عبيدة‏.‏ والثاني‏:‏ أنه على أصله‏.‏ ثم فيه ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أن الإِشارة إِلى الكتب المتقدمة من التوراة والإِنجيل، قاله مجاهد، وقتادة؛ فيكون المعنى‏:‏ هذه الأقاصيص التي تسمعونها، تلك الآيات التي وصفت في التوراة والإِنجيل‏.‏ والثاني‏:‏ أن الإِشارة إِلى الآيات التي جرى ذكرها، من القرآن، قاله الزجاج‏.‏ والثالث‏:‏ أن «تلك» إِشارة إِلى «الر» وأخواتها من حروف المعجم، أي‏:‏ تلك الحروف المفتتحة بها السُّوَر هي ‏{‏آيات الكتاب‏}‏ لأن الكتاب بها يتلى، وألفاظه إِليها ترجع، ذكره ابن الأنباري‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏الحكيم‏}‏ بمعنى المحكَم المبيَّن الموضَّح؛ والعرب قد تضع فعيلاً في معنى مُفْعَل؛ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ما لديَّ عتيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 23‏]‏ أي‏:‏ مُعَدٌّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 3‏]‏

‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أكان للناس عجباً‏}‏ سبب نزولها‏:‏ أن الله تعالى لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار ذلك، وقالوا‏:‏ الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فنزلت هذه الآية‏.‏ والمراد بالناس هاهنا‏:‏ أهل مكة، والمراد بالرجُل‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومعنى ‏{‏منهم‏}‏‏:‏ يعرفون نسبه، قاله ابن عباس، فأما الألِف فهي للتوبيخ والإِنكار‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ والاحتجاج عليهم في كونهم عجبوا من إِرسال محمد، محذوف هاهنا، وهو مبيَّن في قوله‏:‏ ‏{‏نحن قسمنا بينهم معيشتهم‏}‏ ‏[‏الزخرف 32‏]‏، أي‏:‏ فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة، فلا تنكروا تفضيل الله مَنْ شاء بالنبوة؛ وإنما حذفه هاهنا اعتماداً على ما بيَّنه في موضع آخر‏.‏ قال‏:‏ وقيل‏:‏ إِنما عجبوا من ذكر البعث والنشور، لأن الإِنذار والتبشير يتصلان بهما، فكان جوابهم في مواضع كثيرة تدل على كون ذلك، مثل قوله‏:‏ ‏{‏وهو أهون عليه‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يحييها الذي أنشأها أول مرة‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 79‏]‏‏.‏

وفي المراد بقوله‏:‏ ‏{‏قَدَم صدق‏}‏ سبعة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الثواب الحسن بما قدَّموا من أعمالهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وروى عنه أبو صالح قال‏:‏ عمل صالح يَقْدمون عليه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ما سبق لهم من السعادة في الذِّكر الأول، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ سابقة صدق‏.‏

والثالث‏:‏ شفيع صدق، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة، قاله الحسن‏.‏

والرابع‏:‏ سَلَفُ صدق تقدّموهم بالإِيمان، قاله مجاهد، وقتادة‏.‏

والخامس‏:‏ مقام صدق لا زوال عنه، قاله عطاء‏.‏

والسادس‏:‏ أن قدم الصِّدق‏:‏ المنزلة الرفيعة، قاله الزجاج‏.‏

والسابع‏:‏ أن القدم هاهنا‏:‏ مصيبة المسلمين بنبيِّهم صلى الله عليه وسلم وما يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته، ذكره ابن الأنباري‏.‏

فإن قيل‏:‏ لِم آثر القَدَم هاهنا على اليد، والعرب تستعمل اليد في موضع الإِحسان‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم، لأن العادة جارية بتقدُّم الساعي على قدميه، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يُتقدَّم فيه ولا يقع فيه تأخُّر، قال ذو الرمة‏:‏

لكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّها *** مع الحَسَب العادِيّ طَمَّتْ على البحر

فإن قيل‏:‏ ما وجه إِضافة القدم إِلى الصدق‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن ذلك مدح للقدم، وكل شيء أضفته إِلى الصدق، فقد مدحته؛ ومثله‏:‏ ‏{‏أدخلني مُدْخَل صدق وأخرجْني مخرج صدق‏}‏ ‏[‏الاسراء‏:‏ 80‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏في مقعد صدق‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وفي الكلام محذوف، تقديره‏:‏ أوحينا إِلى رجل منهم، فلما أتاهم الوحي ‏{‏قال الكافرون إِن هذا لسحر مبين‏}‏ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «لَساحر» بألف‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ «لَسحر» بغير ألف‏.‏ قال أبو علي‏:‏ قد تقدم قوله‏:‏ ‏{‏أن أوحينا إِلى رجل منهم‏}‏ فمن قال‏:‏ ساحر، أراد الرجل؛ ومن قال‏:‏ سحر، أراد الذي أُوحي، سحر، أي‏:‏ الذي تقولون أنتم فيه‏:‏ إِنه وحي، سحر‏.‏

قال الزجاج‏:‏ لما أنذرهم بالبعث والنشور، فقالوا‏:‏ هذا سحر، أخبرهم أن الذي خلق السموات والأرض قادر على بعثهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن ربكم الله‏}‏ وقد سبق تفسيره في ‏[‏الأعراف‏:‏ 54‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يدبِّر الأمر‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يقضيه‏.‏ وقال غيره‏:‏ يأمر به ويمضيه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مامن شفيع إِلا من بعد إِذنه‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا يشفع أحد إِلا أن يأذن له، قاله ابن عباس‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لم يَجْرِ للشفيع ذِكر قبل هذا، ولكنَّ الذين خوطبوا كانوا يقولون‏:‏ الأصنام شفعاؤنا‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ لا ثانيَ معه، مأخوذ من الشَّفْع، لأنه لم يكن معه أحد، ثم خلق الأشياء‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏إِلا من بعد إِذنه‏}‏ أي‏:‏ من بعد أمره أن يكون الخلق فكان، ذكره الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعبدوه‏}‏ قال مقاتل‏:‏ وحِّدوه‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ فاعبدوه وحده‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏تذكَّرون‏}‏ معناه‏:‏ تتَّعظون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إليه مرجعكم جميعاً‏}‏ أي‏:‏ مصيركم يوم القيامة ‏{‏وعْدَ الله حقاً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ «وَعْدَ الله» منصوب على معنى‏:‏ وعدكم الله وعداً، لأن قوله‏:‏ ‏{‏إِليه مرجعكم‏}‏ معناه‏:‏ الوعد بالرجوع، و«حقاً» منصوب على‏:‏ أحق ذلك حقاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنه يبدأ الخلق‏}‏ قرأه الأكثرون بكسر الألف‏.‏ وقرأت عائشة، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو العالية، والأعمش‏:‏ بفتحها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ من كسر، فعلى الاستئناف، ومن فتح، فالمعنى‏:‏ إِليه مرجعكم، لأنه يبدأ الخلق‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يبدأ الخلق ولم يكن شيئاً، ثم يعيده بعد الموت‏.‏ وأما القسط، فهو العدل‏.‏

فإن قيل‏:‏ كيف خصَّ جزاء المؤمنين بالعدل، وهو في جزاء الكافرين عادل أيضاً‏؟‏

فالجواب‏:‏ أنه لو جمع الفريقين في القسط، لم يتبيَّن في حال اجتماعهما ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشرب من الحميم، ففصلهم من المؤمنين ليبيِّن ما يجزيهم به مما هو عدل أيضاً، ذكره ابن الأنباري‏.‏ فأما الحميم، فهو الماء الحارُّ‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ كل حار فهو حميم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 10‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏5‏)‏ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ‏(‏7‏)‏ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏8‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏9‏)‏ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي جعل الشمس ضياءً‏}‏ قرأ الأكثرون‏:‏ «ضياءً» بهمزة واحدة‏.‏ وقرأ ابن كثير‏:‏ «ضئاءً» بهمزتين في كل القرآن، أي‏:‏ ذات ضياء‏.‏ ‏{‏والقمر نوراً‏}‏ أي‏:‏ ذات نور‏.‏ ‏{‏وقدَّره منازلَ‏}‏ أي‏:‏ قدَّر له، فحذف الجار، والمعنى‏:‏ هيَّأ ويسَّر له منازل‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الهاء ترجع إِلى «القمر» لأنه المقدّر لعلم السنين والحساب‏.‏ وقد يجوز أن يعود إِلى الشمس والقمر، فحذف أحدهما اختصاراً‏.‏ وقال الفراء‏:‏ إن شئتَ جعلت تقدير المنازل للقمر خاصة، لأن به تُعلمَ الشهور‏.‏ وإن شئت جعلت التقدير لهما، فاكتفي بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله‏:‏ ‏{‏واللهُ ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوه‏}‏ ‏[‏التوبة 62‏]‏‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ منازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً من أول الشهر إلى ثماني وعشرين ليلة، ثم يستسرُّ‏.‏ وهذه المنازل، هي النجوم التي كانت العرب تنسب إِليها الأنواء، وأسماؤها عندهم‏:‏ الشِّرََطان، والبُطَيْن، والثُّرَيَّا، والدَّبَرَان، والهَقْعة، والهَنْعة، والذِّراع، والنَّثْرة، والطَّرْفُ، والجبهة، والزُّبْرة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسِّماك، والغَفْر، والزُّبَانَى، والإِكليل، والقلب، والشَّوْلَة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذَّابح، وسعد بُلَعْ، وسعد السُّعود، وسعد الأخبية، وفَرْغ الدَّلو المقدَّم، وفرغ الدلو المؤخَّر، والرِّشاء وهو الحوت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما خلق الله ذلك إِلا بالحق‏}‏ أي‏:‏ للحق، من إِظهار صنعه وقدرته والدليل على وحدانيته‏.‏ ‏{‏يفصِّل الآيات‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم‏:‏ «يفصِّل» بالياء‏.‏ وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «نفصِّل الآيات» بالنون، والمعنى‏:‏ نُبَيِّنُها‏.‏ ‏{‏لقوم يعلمون‏}‏ يستدلُّون بالأمارات على قدرته‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لآيات لقوم يتقون‏}‏ فيه قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ يتقون الشرك‏.‏ والثاني‏:‏ عقوبةَ الله‏.‏ فيكون المعنى‏:‏ إِن الآيات لمن لم يحمله هواه على خلاف ما وضح له من الحق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يرجون لقاءَنا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لا يخافون البعث‏.‏ ‏{‏ورضُوا بالحياة الدنيا‏}‏ اختاروا ما فيها على الآخرة‏.‏ ‏{‏واطمأنُّوا بها‏}‏ آثروها‏.‏ وقال غيره‏:‏ ركنوا إِليها، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة‏.‏ ‏{‏والذين هم عن آياتنا غافلون‏}‏ فيها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها آيات القرآن ومحمد، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ ما ذكره في أول السورة من صنعه، قاله مقاتل‏.‏ فأما قوله‏:‏ ‏{‏غافلون‏}‏ فقال ابن عباس‏:‏ مكذِّبون‏.‏ وقال غيره‏:‏ مُعْرِضون‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ وهؤلاء هم الكفار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما كانوا يكسبون‏}‏ قال مقاتل‏:‏ من الكفر والتكذيب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يهديهم ربهم بأيمانهم‏}‏ فيه أربعة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ يهديهم إِلى الجنة ثواباً بإيمانهم‏.‏ والثاني‏:‏ يجعل لهم نوراً يمشون به بإيمانهم‏.‏ والثالث‏:‏ يزيدهم هدى بإيمانهم‏.‏ والرابع‏:‏ يثيبهم بإيمانهم‏.‏ فأما الهداية، فقد سبقت لهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تجري من تحتهم الأنهار‏}‏ أي‏:‏ تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏دعواهم فيها‏}‏ أي‏:‏ دعاؤهم‏.‏ وقد شرحنا ذلك في أول ‏[‏الأعراف‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وفي المراد بهذا الدعاء قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه استدعاؤهم ما يشتهون‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ كلما اشتهى أهل الجنة شيئاً، قالوا‏:‏ ‏{‏سبحانك اللهم‏}‏ فيأتيهم ما يشتهون؛ فاذا طعموا، قالوا‏:‏ ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ فذلك آخر دعواهم‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ إِذا مرَّ بهم الطير يشتهونه، قالوا‏:‏ ‏{‏سبحانك اللهم‏}‏ فيأتيهم المَلَكُ بما اشتَهَوْا، فيسلِّم عليهم، فيردُّون عليه‏:‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وتحيتهم فيها سلام‏}‏‏.‏ فإذا أكلوا، حمِدوا ربهم؛ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين‏}‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم إِذا أرادوا الرغبة إِلى الله تعالى في دعاءٍ يدعونه به، قالوا‏:‏ ‏{‏سبحانك اللهم‏}‏، قاله قتادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتحيتهم فيها سلام‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أنها تحية بعضهم لبعض، وتحيَّة الملائكة لهم، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ أن الله تعالى يُحَيِّيهم بالسلام‏.‏ والثالث‏:‏ أن التحية‏:‏ المُلْك، فالمعنى‏:‏ مُلكهم فيها سالم، ذكرهما الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآخر دعواهم‏}‏ أي‏:‏ دعاؤهم وقولهم‏:‏ ‏{‏أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين‏}‏ قرأ أبو مجلز، وعكرمة، ومجاهد، وابن يعمر، وقتادة، ويعقوب‏:‏ «أنَّ الحمدَ لله» بتشديد النون ونصب الدال‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أعلم الله أنهم يبتدؤون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ يفتتحون كلامهم بالتوحيد، ويختمونه بالتوحيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو يعجِّلُ اللهُ للنَّاسِ الشرَّ‏}‏ ذكر بعضهم أنها نزلت في النضر بن الحارث حيث قال‏:‏ ‏{‏اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 8‏]‏‏.‏ والتعجيل‏:‏ تقديم الشيء قبل وقته‏.‏ وفي المراد بالآية قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ ولو يعجِّل الله للنَّاسِ الشرَّ إذا دَعَواْ على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم، واستعجلوا به، كما يعجِّل لهم الخير، لهلكوا، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ ولو يعجل الله للكافرين العذاب على كفرهم كما عجَّل لهم خير الدنيا من المال والولد، لعُجِّل لهم قضاء آجالهم ليتعجَّلوا عذاب الآخرة، حكاه الماوردي‏.‏ ويقوِّي هذا تمامُ الآية وسببُ نزولها‏.‏ وقد قرأ الجمهور‏:‏ «لقُضيَ إِليهم» بضم القاف «أجلُهم» بضم اللام‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ «لقَضَى» بفتح القاف «أجلَهم» بنصب اللام‏.‏ وقد ذكرنا في أول ‏[‏سورة البقرة‏:‏ 15‏]‏ معنى الطغيان والعمه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذا مسَّ الإِنسان الضرُّ‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على قولين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنها نزلت في أبي حذيفة، واسمه هاشم بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، قاله ابن عباس، ومقاتل‏.‏ والثاني‏:‏ أنها نزلت في عتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، قاله عطاء‏.‏ و«الضر» الجهد والشّدة‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لجنبه‏}‏ بمعنى «على»‏.‏ وفي معنى الآية قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ إِذا مسه الضر دعا على جنبه، أو دعا قاعداً، أو دعا قائماً، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ إِذا مسه الضر في هذه الأحوال، دعا، ذكره الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما كشفنا عنه ضُرَّه مَرَّ‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أعرض عن الدعاء، قاله مقاتل‏.‏ والثاني‏:‏ مَرَّ في العافية على ما كان عليه قبل أن يُبتلى، ولم يتَّعظ بما يناله، قاله الزجاج‏.‏ والثالث‏:‏ مَرَّ طاغياً على ترك الشكر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كأن لم يَدْعُنَا‏}‏ قال الزجاج‏:‏ «كأن» هذه مخففة من الثقيلة، المعنى‏:‏ كأنه لم يدعنا، قالت الخنساء‏:‏

كَأَنْ لم يكونوا حِمىً يُتَّقَى *** إِذ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزَّا

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك زُيِّنَ للمسرفين‏}‏ المعنى‏:‏ كما زُيّن لهذا الكافر الدعاء عند البلاء، والإِعراض عند الرَّخاء، كذلك زُيّن للمسرفين، وهم المجاوزون الحدَّ في الكفر والمعصية، عملُهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أهلكنا القرون من قبلكم‏}‏ قال مقاتل‏:‏ هذا تخويف لكفار مكة‏.‏ والظلم هاهنا بمعنى الشرك‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وما كانوا ليؤمنوا‏}‏ قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه عائد على أهل مكة، قاله مقاتل‏.‏ والثاني‏:‏ على القرون المتقدمة، قاله أبو سليمان‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ ألزمهم الله ترك الإِيمان لمعاندتهم الحق وإِيثارهم الباطل‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ جائز أن يكون جعل جزاءهم الطبع على قلوبهم، وجائز أن يكون أعلم ما قد علم منهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك نجزي‏}‏ أي‏:‏ نعاقب ونهلك ‏{‏القوم المجرمين‏}‏ يعني المشركين من قومك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم جعلناكم خلائف‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ جعلناكم يا أُمة محمد خلائف، أي‏:‏ استخلفناكم في الأرض‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ما جَعَلَنا اللهُ خلائفَ إِلا لينظر إِلى أعمالنا، فأرُوا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏15‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على قولين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنها نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ أنها نزلت في مشركي مكة، قاله مجاهد، وقتادة‏.‏ والمراد بالآيات‏:‏ القرآن‏.‏ و«يرجون» بمعنى‏:‏ يخافون‏.‏ وفي علَّة طلبهم سوى هذا القرآن أو تبديله قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنهم أرادوا تغيير آية العذاب بالرحمة، وآية الرحمة بالعذاب، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ أنهم كرهوا منه ذكر البعث والنشور، لأنهم لا يؤمنون به، وكرهوا عيب آلهتهم، فطلبوا ما يخلوا من ذلك، قاله الزجاج‏.‏ والفرق بين تبديله والإِتيان بغيره، أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإِتيانُ بغيره قد يجوز أن يكون معه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما يكون لي‏}‏ حرَّك هذه الياء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأسكنها الباقون‏.‏ ‏{‏من تلقاءِ نفسي‏}‏ حرَّكها نافع، وأبو عمرو؛ وأسكنها الباقون، والمعنى‏:‏ من عند نفسي، فالمعنى‏:‏ أن الذي أتيتُ به، من عند الله، لا من عندي فأبدِّله‏.‏ ‏{‏إِني أخاف‏}‏ فتح هذه الياء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو‏.‏ ‏{‏إِن عَصَيْتُ ربي‏}‏ أي‏:‏ في تبديله أو تغييره ‏{‏عذاب يوم عظيم‏}‏ يعني في القيامة‏.‏

فصل

وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ما بيَّنَّا في نظيرتها في ‏[‏الأنعام‏:‏ 15‏]‏‏.‏ ومقصود الآيتين تهديد المخالفين؛ وأُضيف ذلك إِلى الرسول ليصعب الأمر فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 17‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏16‏)‏ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لو شاء الله ما تلوته عليكم‏}‏ يعني القرآن؛ وذلك أنه كان لا يُنزله عليّ، فيأمرني بتلاوته عليكم‏.‏ ‏{‏ولا أدراكم به‏}‏ أي‏:‏ ولا أعلمكم الله به‏.‏ قرأ ابن كثير‏:‏ «وَلأَدْرَاكم» بلام التوكيد من غير ألف بعدها، يجعلها لاماً دخلت على «أدراكم»‏.‏ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «أدريكم» بالإِمالة‏.‏ وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وشيبة بن نِصاح‏:‏ «ولا أدرأتُكم» بتاء بين الألف والكاف‏.‏ ‏{‏فقد لبثْتُ فيكم عُمُراً‏}‏ وقرأ الحسن، والأعمش‏:‏ «عُمْراً» بسكون الميم‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ وفي العمر ثلاث لغات‏:‏ عُمْر، وعُمُر، وعَمْر‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثِّكم بشيء من القرآن ‏{‏أفلا تعقلون‏}‏ أنه ليس من قِبَلي‏.‏ ‏{‏فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً‏}‏ يريد‏:‏ إِني لم أفْتَرِ على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكاً‏.‏ والمجرمون هاهنا‏:‏ المشركون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويعبدون من دون الله مالا يضرهم‏}‏ أي‏:‏ لا يضرهم إِن لم يعبدوه، ولا ينفعهم إِن عبدوه، قاله مقاتل، والزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون‏}‏ يعني المشركين‏.‏ ‏{‏هؤلاء‏}‏ يعنون الأصنام‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين‏.‏ وقد ذكرنا هذا المعنى في ‏[‏الأعراف‏:‏ 191‏]‏ عند قوله‏:‏ ‏{‏وهم يُخْلَقُون‏}‏‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏شفعاؤنا عند الله‏}‏ قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ شفعاؤنا في الآخرة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ومقاتل‏.‏ والثاني‏:‏ شفعاؤنا في إٍِصلاح معايشنا في الدنيا، لأنهم لا يُقِرُّون بالبعث، قاله الحسن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أتنبئون الله بمالا يعلم‏}‏ قال الضحاك‏:‏ أتخبرون الله أنَّ له شريكاً، ولا يعلم الله لنفسه شريكاً في السموات ولا في الأرض‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان الناس إِلا أُمةً واحدةً فاختلفوا‏}‏ قد شرحنا هذا في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏ وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين واحد موحِّدين، فاختلفوا وعبدوا الأصنام، فكان أول من بعث إِليهم نوح عليه السلام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا كلمة سبقت من ربك‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم، لقُضي بينهم بنزول العذاب، فكان ذلك فصلاً بينهم فيما فيه يختلفون من الدِّين‏.‏

والثاني‏:‏ أن الكلمة‏:‏ أن لكل أُمة أجلاً، وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على وقته‏.‏

والثالث‏:‏ أن الكلمة‏:‏ أنه لا يأخذ أحداً إلا بعد إِقامة الحجة عليه‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏لقضي بينهم‏}‏ قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ لقضي بينهم بإقامة الساعة‏.‏ والثاني‏:‏ بنزول العذاب على المكذبين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون‏}‏ يعني المشركين ‏{‏لولا‏}‏ أي‏:‏ هلاَّ ‏{‏أنزل عليه آية من ربه‏}‏ مثل العصا واليد وآيات الأنبياء‏.‏ ‏{‏فقل إِنما الغيب لله‏}‏ فيه قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أن سؤالكم‏:‏ لِمَ لم تنزل الآية‏؟‏ غيب، ولا يعلم علَّة امتناعها إِلا الله‏.‏

والثاني‏:‏ أن نزول الآية متى يكون‏؟‏ غيب، ولا يعلمه إِلا الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانتظروا‏}‏ فيه قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ انتظروا نزول الآية‏.‏ والثاني‏:‏ قضاء الله بيننا بإظهار المحقّ على المبطل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذا أذقنا الناس رحمة‏}‏ سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا سبع سنين، أتاه أبو سفيان، فقال‏:‏ ادع لنا بالخصب، فإن أخصبنا صدَّقناك، فدعا لهم، فسُقوا ولم يؤمنوا، ذكره الماوردي‏.‏ قال المفسرون‏:‏ المراد بالناس هاهنا‏:‏ الكفار‏.‏ وفي المراد بالرحمة والضراء ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أن الرحمة‏:‏ العافية والسرور، والضراء‏:‏ الفقر والبلاء، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ الرحمة‏:‏ الإِسلام، والضراء‏:‏ الكفر، وهذا في حق المنافقين، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ الرحمة‏:‏ الخصب، والضراء‏:‏ الجدب، قاله الضحاك‏.‏

وفي المراد بالمكر هاهنا أربعة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الاستهزاء والتكذيب، قاله مجاهد، ومقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الجحود والرد، قاله أبو عبيدة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه إِضافة النعم إِلى غير الله، فيقولون‏:‏ سُقينا بنوء كذا، قاله مقاتل بن حيان‏.‏

والرابع‏:‏ أن المكر‏:‏ النفاق، لأنه إِظهار الإِيمان وإِبطان الكفر، ذكره الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل الله أسرع مكراً‏}‏ أي‏:‏ جزاءً على المكر‏.‏ ‏{‏إنَّ رسلنا‏}‏ يعني الحفظة ‏{‏يكتبون ما تمكرون‏}‏ أي‏:‏ يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه‏.‏ وقرأ يعقوب إِلا رويساً وأبا حاتم، وأبان عن عاصم‏:‏ «يمكرون» بالياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 23‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏22‏)‏ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي يسيِّركم‏}‏ أي‏:‏ الله الذي هو أسرع مكراً، هو الذي يسيِّركم ‏{‏في البرِّ‏}‏ على الدواب، وفي البحر على السفن، فلو شاء انتقم منكم في البر أو في البحر‏.‏ وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر‏:‏ «ينشركم» بالنون والشين من النشر، وهو في المعنى مثل قوله‏:‏ ‏{‏وبثَّ منهما رجالاً كثيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 2‏]‏‏.‏ والفلك‏:‏ السفن‏.‏ قال الفراء‏:‏ الفلك تذكّر وتؤنث، وتكون واحدة وتكون جمعاً، قال تعالى هاهنا‏:‏ ‏{‏جاءتها‏}‏ فأنَّثَ، وقال في ‏[‏يس‏:‏ 41‏]‏ ‏{‏في الفلك المشحون‏}‏ فذكّر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجرين بهم‏}‏ عاد بعد المخاطبة لهم إِلى الإِخبار عنهم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ كل من أقام الغائب مقام مَن يخاطبه جاز أن يردَّه إِلى الغائب، قال الشاعر‏:‏

شَطَّتْ مَزارُ العاشقين فأصبحتْ *** عَسِراً علي طلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بريح طيبة‏}‏ أي‏:‏ ليِّنةٍ‏.‏ ‏{‏وفرحوا بها‏}‏ للينها‏.‏ ‏{‏جاءتها‏}‏ يعني الفلك‏.‏ قال الفراء‏:‏ وإِن شئتَ جعلتَها للريح، كأنك قلت‏:‏ جاءت الريحَ الطيبةَ ريحٌ عاصف، والعرب تقول‏:‏ عاصف وعاصفة، وقد عصفت الريح وأعصفت، والألف لغة لبني أسد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الريح العاصف‏:‏ الشديدة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ عصفت الريح، فهي عاصف وعاصفة، وأعصفت، فهي معصف ومعصفة‏.‏ ‏{‏وجاءهم الموج من كل مكان‏}‏ أي‏:‏ من كل أمكنة الموج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وظنوا‏}‏ فيه قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه بمعنى اليقين‏.‏ والثاني‏:‏ أنه التوهُّم‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏أحيط بهم‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ دَنوا من الهلكة‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ وأصل هذا أن العدوَّ إِذا أحاط ببلد، فقد دنا أهله من الهلكة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يقال لكل من وقع في بلاء‏:‏ قد أحيط بفلان، أي‏:‏ أحاط به البلاء‏.‏

والثاني‏:‏ أحاطت بهم الملائكة، ذكره الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏دَعَوُا اللهَ مخلصين له الدِّين‏}‏ دون أوثانهم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ تركوا الشرك، وأخلصوا لله الربوبية، وقالوا‏:‏ ‏{‏لئن أنجيتنا من هذه‏}‏ الريح العاصف ‏{‏لنكونن من الشاكرين‏}‏ أي‏:‏ الموحِّدين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يبغون في الأرض‏}‏ البغي‏:‏ الترامي في الفساد‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ يقال‏:‏ بغى الجرح‏:‏ إِذا ترامى إِلى فساد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يبغون في الأرض بالدعاء إِلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد‏.‏

‏{‏يا أيها الناس‏}‏ يعني أهل مكة‏.‏ ‏{‏إِنما بغيكم على أنفسكم‏}‏ أي‏:‏ جناية مظالمكم بينكم على أنفسكم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ عملكم بالظلم عليكم يرجع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏متاع الحياة الدنيا‏}‏ قرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وحفص، وأبان عن عاصم‏:‏ «متاعَ الحياة الدنيا» بنصب المتاع‏.‏ قال الزجاج‏:‏ مَن رفع المتاع، فالمعنى أن ما تنالونه بهذا البغي إِنما تنتفعون به في الدنيا، ومن نصب المتاع، فعلى المصدر‏.‏ فالمعنى‏:‏ تمتَّعون متاع الحياة الدنيا‏.‏ وقرأ أبو المتوكل، واليزيدي في اختياره، وهارون العتكي عن عاصم‏:‏ «متاعِ الحياة» بكسر العين‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏متاع الحياة الدنيا‏}‏ أي‏:‏ منفعة في الدنيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء‏}‏ هذا مثل ضربه الله للدنيا الفانية، فشببها بمطر نزل من السماء ‏{‏فاختلط به نبات الأرض‏}‏ يعني التفّ النبات بالمطر، وكثر ‏{‏مما يأكل الناس‏}‏ من الحبوب وغيرها ‏{‏والأنعام‏}‏ من المرعى‏.‏ ‏{‏حتى إِذا أخذت الأرض زخرفها‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ زينتها بالنبات‏.‏ وأصل الزخرف‏:‏ الذهب، ثم يقال للنقش والنَّوْر والزَّهر وكل شيء زُيِّن‏:‏ زخرف‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الزخرف‏:‏ كمال حسن الشيء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وازَّيَّنَتْ‏}‏ قرأه الجمهور «وازينت» بالتشديد‏.‏ وقرأ سعد ابن أبي وقاص، وأبو عبد الرحمن، والحسن، وابن يعمر‏:‏ بفتح الهمزة وقطعها ساكنة الزاي، على وزن‏:‏ وَأَفْعَلَتْ‏.‏ قال الزجاج‏:‏ من قرأ «وازَّيَّنَتْ» بالتشديد، فالمعنى‏:‏ وتزينت، فأدغمت التاء في الزاي، وأسكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل؛ ومن قرأ «وأزْينت» بالتخفيف على أفعلت، فالمعنى‏:‏ جاءت بالزينة‏.‏ وقرأ أُبَيٌّ، وابن مسعود‏:‏ «وتزيَّنَتْ»

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وظن أهلها‏}‏ أي‏:‏ أيقن أهل الأرض ‏{‏أنهم قادرون عليها‏}‏ أي‏:‏ على ما أنبتته، فأخبر عن الأرض، والمراد النبات، لأن المعنى مفهوم‏.‏ ‏{‏أتاها أمرنا‏}‏ أي‏:‏ قضاؤنا بإهلاكها ‏{‏فجعلناها حصيداً‏}‏ أي‏:‏ محصوداً لا شيء فيها‏.‏ والحصيد‏:‏ المقطوع المستأصَل‏.‏ ‏{‏كأن لم تَغْنَ بالأمس‏}‏ قال الزجاج‏:‏ لم تعمر‏.‏ والمغاني‏:‏ المنازل التي يعمُرها الناس بالنزول فيها‏.‏ يقال‏:‏ غَنينا بالمكان‏:‏ إِذا نزلوا به‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ «كأن لم يَغْنَ» بالياء، يعني الحصيد‏.‏ قال بعض المفسرين‏:‏ تأويل الآية‏:‏ أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب، حتى إِذا استتم ذلك عند صاحبه، وظن أنه ممتَّع بذلك، سلب عنه بموته، أو بحادثة تهلكه، كما أن الماء سبب لالتفاف النبات وكثرته، فإذا تزيَّنت به الأرض، وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك، أهلكه الله، فعاد ما كان فيها كأن لم يكن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله يدعو إِلى دار السلام‏}‏ يعني الجنة‏.‏ وقد ذكرنا معنى تسميتها بذلك عند قوله‏:‏ ‏{‏لهم دار السلام عند ربهم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 127‏]‏‏.‏ واعلم أن الله عمَّ بالدعوة، وخصَّ بالهداية من شاء، لأن الحكم له في خلقه‏.‏

وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ كتاب الله، رواه عليٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ الإِسلام، رواه النَّوَّاس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثالث‏:‏ الحق، قاله مجاهد، وقتادة‏.‏

والرابع‏:‏ المُخرِج من الضلالات والشُّبَه، قاله أبو العالية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذين أحسنوا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ قالوا‏:‏ لا إِله إِلا الله‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ الحسنى‏:‏ كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها، لأن العرب توقعها على الخَلَّة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها، فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغني عن نعتها، فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرَّف من جهتها، يدل على هذا قول امرئ القيس‏:‏

فلما تنازعنا الحديث وأسمحت *** هَصَرْتُ بغصنٍ ذي شماريخَ مَيَّالِ

فَصِرْنَا إِلى الحُسْنَى وَرَقَّ كَلامُنَا *** ورُضْتُ فذلَّت صَعْبَةً أيَّ إِذلالِ

أي‏:‏ إِلى الأمر المحبوب‏.‏ وهصرتُ بمعنى مددت‏.‏ والغصن كناية عن المرأة‏.‏ والباء مؤكدة للكلام، كما تقول العرب‏:‏ ألقى بيده إِلى الهلاك، يريدون‏:‏ ألقى يده‏.‏ والشماريخ كناية عن الذوائب‏.‏ ورضت، معناه‏:‏ أذللت‏.‏ ومن أجل هذا قال‏:‏ أي إِذلال، ولم يقل‏:‏ أي رياضة‏.‏

وللمفسرين في المراد بالحسنى خمسة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الجنة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال الأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الواحدة من الحسنات بواحدة، قاله ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ النصرة، قاله عبد الرحمن بن سابط‏.‏

والرابع‏:‏ الجزاء في الآخرة، قاله ابن زيد‏.‏ والخامس‏:‏ الأمنية، ذكره ابن الأنباري‏.‏ وفي الزيادة ستة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنها النظر إِلى الله عز وجل‏.‏ روى مسلم في «صحيحه» من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ الزيادة‏:‏ النظر إلى وجه الله عز وجل ‏"‏ وبهذا القول قال أبو بكر الصديق، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والسدي، ومقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أن الزيادة‏:‏ غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، رواه الحكم عن عليّ، ولا يصح‏.‏

والثالث‏:‏ أن الزيادة‏:‏ مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس، والحسن‏.‏

والرابع‏:‏ أن الزيادة‏:‏ مغفرة ورضوان، قاله مجاهد‏.‏

والخامس‏:‏ أن الزيادة‏:‏ أن ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به في القيامة، قاله ابن زيد‏.‏

والسادس‏:‏ أن الزيادة‏:‏ ما يشتهونه، ذكره الماوردي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يرهق‏}‏ أي‏:‏ لا يغشى ‏{‏وجوهَهُم قَتَرٌ‏}‏ وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش‏:‏ «قَتْر» باسكان التاء، وفيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه السواد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ سواد الوجوه من الكآبة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ القتر‏:‏ الغبرة التي معها سواد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه دخان جهنم، قاله عطاء‏.‏

والثالث‏:‏ الخزي، قاله مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ الغبار، قاله أبو عبيدة‏.‏

وفي الذلة قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ الكآبة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ الهوان، قاله أبو سليمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 27‏]‏

‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏26‏)‏ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كسبوا السيئات‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ عملوا الشرك‏.‏ ‏{‏جزاءُ سيِّئةٍ بمثلها‏}‏ في الآية محذوف، وفي تقديره قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن فيها إضمار «لهم»، المعنى‏:‏ لهم جزاءُ سيئة بمثلها، وأنشد ثعلب‏:‏

فإنْ سَأَل الوَاشُونَ عَنْه فَقُلْ لَهُم *** وَذَاكَ عَطَاءُ لِلوشَاةِ جَزِيْلُ

مُلِمٌّ بِلَيْلَى لمَّةً ثُمَّ إِنَّه *** لَهَاجِرُ لَيْلَى بَعْدَهَا فَمُطِيْلُ

أراد‏:‏ هو مُلَمٌّ، وهذا قول الفراء‏.‏

والثاني‏:‏ أن فيها إِضمار «منهم» المعنى‏:‏ جزاء سيئة منهم بمثلها، تقول العرب‏:‏ رأيت القوم صائم وقائم، أي‏:‏ منهم صائم وقائم، أنشد الفراء‏:‏

حتَّى إِذَا مَا أَضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ *** وَغُودِرَ البَقْل مَلْوِيٌ وَمَحْصُودُ

أي‏:‏ منه ملوي، وهذا قول ابن الأنباري‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ الباء زائدة هاهنا، و«من» في قوله‏:‏ ‏{‏من عاصم‏}‏ صلة، والعاصم‏:‏ المانع‏.‏ ‏{‏كأنما أغشيت وجوههم‏}‏ أي‏:‏ أُلبست ‏{‏قطعاً‏}‏ قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة‏:‏ «قِطَعَاً» مفتوحة الطاء، وهي جمع قطعة‏.‏ وقرأ ابن كثير، والكسائي، ويعقوب‏:‏ «قِطْعاً» بتسكين الطاء، قال ابن قتيبة‏:‏ وهو اسم ما قُطع‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ وإِنما قال‏:‏ «مُظلماً» ولم يقل‏:‏ «مُظلمة» لأن المعنى‏:‏ قطعاً من الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من «المظلم»، فلما صار نكرة، وهو من نعت الليل، نُصب على القَطْعِ؛ وقوم يسمُّون ما كان كذلك حالاً، وقوم قطعاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 29‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ‏(‏28‏)‏ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم نحشرهم جميعاً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يُجمع الكفار وآلهتهم‏.‏ ‏{‏ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم‏}‏ أي‏:‏ آلهتكم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «مكانكم» منصوب على الأمر، كأنهم قيل لهم‏:‏ انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم، والعرب تتوعَّد فتقول‏:‏ مكانك، أي‏:‏ انتظر مكانك، فهي كلمة جرت على الوعيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فزيَّلنا بينهم‏}‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «فزايلنا» بألف، قال ابن عباس‏:‏ فرَّقنا بينهم وبين آلهتهم‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ هو من زال يزول وأزلته‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ إِنما قال «فزيلنا» ولم يقل‏:‏ «فزلنا» لإرادة تكرير الفعل وتكثيره‏.‏

فإن قيل‏:‏ «كيف تقع الفرقة بينهم وهم معهم في النار، لقوله‏:‏ ‏{‏إِنكم وما تعبدون من دون الله حَصَب جهنم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 98‏]‏‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن الفرقة وقعت بتبّري كل معبود ممن عبده، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وقال شركاؤهم‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ آلهتهم، يُنْطِق الله الأوثان، فتقول‏:‏ ‏{‏ماكنتم إِيانا تعبدون‏}‏ أي‏:‏ لا نعلم بعبادتكم لنا، لأنه ما كان فينا روح، فيقول العابدون‏:‏ بلى قد عبدناكم، فتقول الآلهة‏:‏ ‏{‏فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إِن كنا عن عبادتكم لغافلين‏}‏ لا نعلم بها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏إِن كنا‏}‏ معناه‏:‏ ما كنا إِلا غافلين‏.‏

فإن قيل‏:‏ ما وجه دخول الباء في قوله‏:‏ ‏{‏فكفى بالله شهيداً‏}‏‏؟‏

فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها دخلت للمبالغة في المدح كما قالوا‏:‏ أَظْرِفْ بعبد الله، وأنبل بعبد الرحمن، وناهيك بأخينا، وحسبك بصديقنا، هذا قول الفراء وأصحابه‏.‏

والثاني‏:‏ أنها دخلت توكيداً للكلام، إِذ سقوطها ممكن، كما يقال‏:‏ خذ بالخطام، وخذ الخطام، قاله ابن الأنباري‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هنالك تبلو‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر‏:‏ «تبلو» بالباء‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وزيد عن يعقوب‏:‏ «تتلو» بالتاء‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «هنالك» ظرف، والمعنى‏:‏ في ذلك الوقت تبلو، وهو منصوب بتبلو، إِلا أنه غير متمكِّن، واللام زائدة، والأصل‏:‏ هناك، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف، والكاف للمخاطبة‏.‏ و«تبلو» تختبر، أي‏:‏ تعلم‏.‏ ومن قرأ «تتلو» بتاءين، فقد فسرها الأخفش وغيره‏:‏ تتلو من التلاوة، أي‏:‏ تقرأ‏.‏ وفسروه أيضاً‏:‏ تتبع كل نفس ما أسلفت‏.‏ ومثله قول الشاعر‏:‏

قد جعلتْ دلويَ تَسْتَتْلِيني *** ولا أُريدُ تَبَعَ القريْنِ

أي‏:‏ تستتبعني، أي‏:‏ من ثقلها تستدعي اتباعي إِياها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورُدّوا‏}‏ أي‏:‏ في الآخرة ‏{‏إلى الله مولاهم الحق‏}‏ الذي يملك أمرهم حقاً، لا مَن جعلوا معه من الشركاء‏.‏ ‏{‏وضل عنهم‏}‏ أي‏:‏ زال وبطل ‏{‏ما كانوا يفترون‏}‏ من الآلهة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل مَنْ يرزقكم من السماء‏}‏ المطر، ومن الأرض النبات، ‏{‏أم من يملك السمع‏}‏ أي‏:‏ خَلْق السمع والأبصار‏.‏ وقد سبق معنى إِخراج الحي من الميت، والميت من الحي ‏[‏آل عمران‏:‏ 27‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يدبِّر الأمرَ‏}‏ أي‏:‏ أمر الدنيا والآخرة ‏{‏فسيقولون الله‏}‏ لأنهم خوطبوا بما لا يقدر عليه إِلا الله، فكان في ذلك دليل توحيده‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏أفلا تتقون‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أفلا تتَّعظون، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ تتقون الشرك، قاله مقاتل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فذلكم الله ربكم الحق‏}‏ قال الخطابي‏:‏ الحق هو المتحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده وكونه، فهو حق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأنَّى تُصْرَفون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ كيف تصرف عقولكم إِلى عبادة من لا يرزق ولا يحيى ولا يميت‏؟‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 35‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏33‏)‏ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏34‏)‏ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك حَقَّتْ كلمة ربك‏}‏ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ «كلمةُ ربك»، وفي آخر السورة كذلك‏.‏ وقرأ نافع، وابن عامر الحرفين «كلماتُ» على الجمع‏.‏

قال الزجاج‏:‏ الكاف في موضع نصب، أي‏:‏ مِثْل أفعالهم جازاهم ربك، والمعنى‏:‏ حق عليهم أنهم لا يؤمنون، وقوله‏:‏ ‏{‏أنهم لا يؤمنون‏}‏ بدل من ‏{‏كلمة ربك‏}‏‏.‏ وجائز أن تكون الكلمة حقت عليهم لأنهم لا يؤمنون، وتكون الكلمة ما وُعدوا به من العقاب‏.‏

وذكر ابن الأنباري في ‏{‏كذلك‏}‏ قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها إشارة إلى مصدر «تُصرفون»، والمعنى‏:‏ مثل ذلك الصرف حقت كلمة ربك‏.‏

والثاني‏:‏ أنه بمعنى هكذا‏.‏

وفي معنى «حقت» قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ وجبت‏.‏

والثاني‏:‏ سبقت‏.‏

وفي كلمته قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها بمعنى وعده‏.‏

والثاني‏:‏ بمعنى قضائه‏.‏ ومن قرأ «كلماتُ» جعل كل واحدة من الكلم التي توعِّدْوا بها كلمة‏.‏ وقد شرحنا معنى الكلمة في ‏[‏الأعراف‏:‏ 137 و158‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل الله يهدي للحق‏}‏ أي‏:‏ إِلى الحق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم من لا يَهِدِّي‏}‏ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع‏:‏ «يَهَدِّي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الأصل يهتدي، فأدغمت التاء في الدال، فطرحت فتحتها على الهاء‏.‏ وقرأ نافع إِلا ورشاً، وأبو عمرو‏:‏ «يَهْدِّي» بفتح الياء وإِسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو كان يُشِم الهاء شيئاً من الفتح‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي‏:‏ «يَهْدي» بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال‏.‏ قال أبو علي‏:‏ والمعنى‏:‏ لا يهدي غيرَه إِلا أن يُهدَى هو، ولو هُدي الصُّمُّ لم يهتد، ولكن لما جعلوها كمن يعقل، أجريت مجراه‏.‏ وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم‏:‏ «يِهِدِّي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وكذلك روى أبان وجبلة عن المفضل وعبد الوارث، قال الزجاج‏:‏ أتبعوا الكسرة الكسرة، وهي رديئة لثقل الكسرة في الياء‏.‏ وروى حفص عن عاصم، والكسائي عن أبي بكر عنه‏:‏ «يَهِدِّي» بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، قال الزجاج‏:‏ وهذه في الجودة كالمفتوحة الهاء، إِلا أن الهاء كُسرت لالتقاء الساكنين‏.‏ وقرأ ابن السميفع‏:‏ «يهتدي» بزيادة تاء‏.‏ والمراد بقوله‏:‏ ‏{‏أم من لا يهدِّي‏}‏ الصم ‏{‏إِلا أن يُهدى‏}‏‏.‏ وظاهر الكلام يدل على أن الأصنام إِن هديت اهتدت، وليست كذلك، لأنها حجارة لا تهتدي، إِلا أنهم لما اتخذوها آلهة، عبِّر عنها كما يعبَّر عمن يعقل، ووصفت صفةَ مَن يعقل وإِن لم تكن في الحقيقة كذلك؛ ولهذا المعنى قال في صفتها‏:‏ ‏{‏أمَّن‏}‏ لأنهم جعلوها كمن يعقل‏.‏ ولما أعطاها حقها في أصل وضعها، قال‏:‏ ‏{‏يا أبتِ لم تعبدُ مالا يسمع‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 42‏]‏‏.‏ وقال الفراء‏:‏ ‏{‏أمّن لا يهدي‏}‏ أي‏:‏ أتعبدون مالا يقدر أن ينتقل من مكانه إِلا أن يحوَّل‏؟‏ وقد صرف بعضهم الكلام إِلى الرؤساء والمضلِّين، والأول أصح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما لكم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هو كلام تام، كأنه قيل لهم‏:‏ أيُّ شيء لكم في عبادة الأوثان‏؟‏ ثم قيل لهم‏:‏ ‏{‏كيف تحكمون‏}‏ أي‏:‏ على أي حال تحكمون‏؟‏ وقال ابن عباس‏:‏ كيف تقضون لأنفسكم‏؟‏ وقال مقاتل‏:‏ كيف تقضون بالجَوْر‏؟‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يتَّبع أكثرهم‏}‏ أي‏:‏ كلهم ‏{‏إِلا ظناً‏}‏ أي‏:‏ ما يستيقنون أَنها آلهة، بل يظنون شيئاً فيتَّبعونه‏.‏ ‏{‏إِن الظن لا يغني من الحق شيئاً‏}‏ أي‏:‏ ليس هو كاليقين، ولا يقوم مقام الحق وقال مقاتل‏:‏ ظنهم بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئاً، وقال غيره‏:‏ ظنهم أنها تشفع لهم لا يغني عنهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هذا جواب قولهم‏:‏ ‏{‏ائت بقرآنٍ غيرِ هذا أو بدِّلْهُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 15‏]‏ وجواب قولهم‏:‏

‏{‏افتراه‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 4‏]‏‏.‏ قال الفراء‏:‏ ومعنى الآية‏:‏ ما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله، فجاءت «أن» على معنى ينبغي‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ يجوز أن تكون «أن» مع «يفترى» مصدراً، وتقديره‏:‏ وما كان هذا القرآن افتراءً‏.‏ ويجوز أن تكون «كان» تامة، فيكون المعنى‏:‏ ما نزل هذا القرآن، وما ظهر هذا القرآن لأن يفترى، وبأن يفترى، فتُنْصَب «أن» بفقد الخافض في قول الفراء، وتخفض بإضمار الخافض في قول الكسائي‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ معنى ‏{‏أن يفترى‏}‏ أي‏:‏ يضاف إِلى غير الله، أو يُختَلق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن تصديقَ الذي بين يديه‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنه تصديق الكتب المتقدمة، قاله ابن عباس‏.‏ فعلى هذا، إِنما قال‏:‏ ‏{‏الذي‏}‏ لأنه يريد الوحي‏.‏

والثاني‏:‏ ما بين يديه من البعث والنشور، ذكره الزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ تصديق النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين يدي القرآن، لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن، ذكره ابن الأنباري‏:‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتفصيل الكتاب‏}‏ أي‏:‏ وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أُمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرائض التي فرضها عليهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم يقولون افتراه‏}‏ في «أم» قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنها بمعنى الواو، قاله أبو عبيدة‏.‏

والثاني‏:‏ بمعنى بل، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأتوا بسورةٍ مثلِهِ‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ فأتوا بسورة مثلِ سورة منه، فذكر المِثْلَ لأنه إِنما التمس شبه الجنس، ‏{‏وَادْعُوا مَنِ اسْتطعتم‏}‏ ممن هو في التكذيب مثلكم ‏{‏إِن كنتم صادقين‏}‏ أنه اختلقه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى‏:‏ بما لم يحيطوا بعلم ما فيه ذِكْر الجنة والنار والبعث والجزاء‏.‏

والثاني‏:‏ بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به، لأنهم شاكّون فيه‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ولمَّا يأتهم تأويله‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ تصديق ما وُعدوا به من الوعيد‏.‏ والتأويل‏:‏ ما يؤول إِليه الأمر‏.‏

والثاني‏:‏ ولم يكن معهم عِلم تأويله، قاله الزجاج‏.‏

قيل لسفيان بن عيينة‏:‏ يقول الناس‏:‏ كل إِنسان عدوُّ ما جهل، فقال‏:‏ هذا في كتاب الله‏.‏ قيل‏:‏ أين‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه‏}‏‏.‏

وقيل للحسين بن الفضل‏:‏ هل تجد في القرآن‏:‏ من جهل شيئاً عاداه‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، في موضعين‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِذْ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إِفك قديم‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 11‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومنهم من يؤمن به‏}‏ في المشار إِليهم قولان‏:‏

أحدهما‏.‏ أنهم اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ قريش، قاله مقاتل بن سليمان‏.‏

وفي هاء «به» قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إِلى محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ إِلى القرآن، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏

وهذه الآية تضمنت الإِخبار عما سبق في علم الله، فالمعنى‏:‏ ومنهم مَنْ سيؤمن به‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ منهم من يعلم أنه حق فيصدِّق به ويعاند فيظهر الكفر‏.‏ ‏{‏ومنهم من لا يؤمن به‏}‏ أي‏:‏ يشكُّ ولا يصدِّق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وربك أعلم بالمفسدين‏}‏ قال عطاء‏:‏ يريد المكذبين، وهذا تهديد لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِن كذبوك فقل لي عملي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ نسختها آية السيف؛ وليس هذا بصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومنهم من يستمعون إِليك‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ في يهود المدينة، كانوا يأتون رسول الله ويستمعون القرآن فيعجبون ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء، فنزلت هذه الآية‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نزلت في المستهزئين، كانوا يستمعون إِلى النبي صلى الله عليه وسلم للاستهزاء والتكذيب، فلم ينتفعوا، فنزلت فيهم هذه الآية، والقولان مرويَّان عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت في مشركي قريش؛ قاله مقاتل‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ظاهرهم ظاهر من يستمع، وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم‏.‏ ‏{‏ولو كانوا لا يعقلون‏}‏ أي‏:‏ ولو كانوا مع ذلك جهالاً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ يريد أنهم شرٌّ من الصم، لأن الصم لهم عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومنهم من ينظر إليك‏}‏ قال ابن عباس؛ يريد‏:‏ متعجبين منك‏.‏ ‏{‏أفأنت تهدي العمي‏}‏ يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ومنهم من يُقبل عليك بالنظر، وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك كالأعمى‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى حججك على نُبُوَّتك، ولكن الله قد سلبه التوفيق‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ و«لو» في الآيتين بمعنى «إذا»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن الله لا يظلم الناس شيئاً‏}‏ لما ذكر الذين سبق القضاء عليهم بالشقاوة، أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم، لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء، وهم إِذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم بذلك، لأن الفعل منسوب إِليهم، وإِن كان بقضاء الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكنَّ الناس‏}‏ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف‏:‏ «ولكنِ الناسُ» بتخفيف النون وكسرها، ورفع الاسم بعدها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم نحشرهم‏}‏ وقرأ حمزة‏:‏ «يحشرهم» بالياء‏.‏ قال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ هم المشركون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ كأن لم يلبثوا في قبورهم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ في الدنيا، قاله مقاتل‏.‏ قال الضحاك‏:‏ قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم، فصار كالساعة من النهار، لهول ما استقبلوا من القيامة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يتعارفون بينهم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ إِذا بعثوا من القبور تعارفوا، ثم تنقطع المعرفة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وفي معرفة بعضهم بعضاً، وعِلم بعضهم بإضلال بعض، التوبيخُ لهم، وإِثباتُ الحجة عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ إِذا تعارفوا وبَّخ بعضهم بعضاً، فيقول هذا لهذا‏:‏ أنت أضللتني، وكسَّبتني دخول النار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد خسر الذين كذَّبوا‏}‏ هو من قول الله تعالى، لا مِن قولهم، والمعنى‏:‏ خسروا ثواب الجنة إِذْ كذَّبوا بالبعث ‏{‏وما كانوا مهتدين‏}‏ من الضلالة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 47‏]‏

‏{‏وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ‏(‏46‏)‏ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِمّا نرينَّك بعض الذي نَعِدُهُمْ‏}‏ قال المفسرون‏:‏ كانت وقعة بدر مما أراه الله في حياته من عذابهم‏.‏ ‏{‏أو نتوفينَّك‏}‏ قبل أن نريَك ‏{‏فإلينا مرجعهم‏}‏ بعد الموت، والمعنى‏:‏ إِن لم ننتقم منهم عاجلاً، انتقمنا آجلاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم الله شهيد على ما يفعلون‏}‏ من الكفر والتكذيب‏.‏ قال الفراء‏:‏ «ثم» هاهنا عطف، ولو قيل‏:‏ معناها‏:‏ هناك الله شهيد، كان جائزاً‏.‏ وقال غيره‏:‏ «ثم» هاهنا بمعنى الواو‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «ثَمَّ الله شهيد» بفتح الثاء، يراد به‏:‏ هنالك الله شهيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا جاء رسولهم قضي بينهم‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ إِذا جاء في الدنيا بعد الإِذن له في دعائهم، قضي بينهم بتعجيل الانتقام منهم، قاله الحسن‏.‏ وقال غيره‏:‏ إِذا جاءهم في الدنيا، حُكم عليهم عند اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية‏.‏

والثاني‏:‏ إِذا جاء يوم القيامة، قاله مجاهد‏.‏ وقال غيره‏:‏ إِذا جاء شاهداً عليهم‏.‏

والثالث‏:‏ إِذا جاء في القيامة وقد كذَّبوه في الدنيا، قاله ابن السائب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قضي بينهم بالقسط‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ بين الأمَّة، فأثيب المحسن وعوقب المسيء‏.‏

والثاني‏:‏ بينهم وبين نبيهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد‏}‏ في القائلين هذا قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ الأمم المتقدمة، أخبر عنهم باستعجال العذاب لأنبيائهم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم المشركون الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم، قاله أبو سليمان‏.‏

وفي المراد بالوعد قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ العذاب، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ قيام الساعة‏.‏ ‏{‏إِن كنتم صادقين‏}‏ أنت وأتباعك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 52‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏49‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏50‏)‏ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏51‏)‏ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أملك لنفسي ضراً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قد ذكرت تفسيرها في آيتين من ‏(‏الأعراف 34 و188‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن أتاكم عذابه بياتاً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ البيات‏:‏ كل ما كان بليل‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ماذا‏}‏ في موضع رفع من جهتين‏.‏ إِحداهما‏:‏ أن يكون «ذا» بمعنى الذي، المعنى‏:‏ ما الذي يستعجل منه المجرمون‏؟‏ ويجوز أن يكون «ماذا» اسماً واحداً، فيكون المعنى‏:‏ أي شيء يستعجل منه المجرمون‏؟‏ والهاء في «منه» تعود على العذاب‏.‏ وجائز أن تعود على ذكر الله تعالى، فيكون المعنى‏:‏ أي شيء يستعجل المجرمون من الله تعالى‏؟‏ وعودها على العذاب أجود، لقوله‏:‏ ‏{‏أثم إِذا ما وقع آمنتم به‏}‏‏.‏ وذكر بعض المفسرين أن المراد بالمجرمين‏:‏ المشركون، وكانوا يقولون‏:‏ نكذب بالعذاب ونستعجله، ثم إِذا وقع العذاب آمنا به؛ فقال الله تعالى موبِّخاً لهم‏:‏ ‏{‏أثمَّ إِذا ما وقع آمنتم به‏}‏ أي‏:‏ هنالك تؤمنون فلا يُقبل منكم الإِيمان، ويقال لكم‏:‏ الآن تؤمنون‏؟‏ فأضمر‏:‏ تؤمنون به مع ‏{‏آلآن وقد كنتم به تستعجلون‏}‏ مستهزئين، وهو قوله‏:‏ ‏{‏ثم قيل للذين ظلموا‏}‏ أي‏:‏ كفروا، عند نزول العذاب ‏{‏ذوقوا عذاب الخلد‏}‏، لأنه إِذا نزل بهم العذاب، أفضوا منه إِلى عذاب الآخرة الدائم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏

‏{‏وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويستنبؤنك‏}‏ أي‏:‏ ويستخبرونك‏.‏ ‏{‏أحق هو‏}‏ يعنون البعث والعذاب‏.‏ ‏{‏قل إِي‏}‏ المعنى‏:‏ نعم ‏{‏وربي‏}‏، وفتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو‏.‏ وإِنما أقسم مع إِخباره تأكيداً‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ «إِي» بمعنى «بل» ولا تأتي إِلا قبل اليمين صلة لها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أنتم بمعجزين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ بسابقين‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ لستم ممن يُعجز أن يجازى على كفره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 56‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏54‏)‏ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏55‏)‏ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو أن لكل نفس ظلمت‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أشركَتْ‏.‏ ‏{‏ما في الأرض لافتدت به‏}‏ عند نزول العذاب‏.‏ ‏{‏وأسرُّوا النَّدَامةَ‏}‏ يعني‏:‏ الرؤساء أخفوها من الأتباع‏.‏ ‏{‏وقُضِيَ بينهم‏}‏ أي‏:‏ بين الفريقين‏.‏ وقال آخرون منهم أبو عبيدة والمفضل‏:‏ «أسرُّوا الندامة» بمعنى أظهروا، لأنه ليس بيوم تَصَنُّعٍ ولا تصبُّرٍ، والإِسرار من الأضداد؛ يقال‏:‏ أسررت الشيء، بمعنى‏:‏ أخفيته‏.‏ وأسررته‏:‏ أظهرته، قال الفرزدق‏:‏

ولما رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه *** أسرَّ الحروريُّ الذي كان أضمرا

يعني‏:‏ أظهر‏.‏ فعلى هذا القول‏:‏ أظهروا الندامة عند إِحراق النار لهم، لأن النار ألهتهم عن التصنع والكتمان‏.‏ وعلى الأول‏:‏ كتموها قبل إِحراق النار إِياهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا إِن وعد الله حق‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ما وعد أولياءه من الثواب، وأعداءه من العقاب‏.‏ ‏{‏ولكن أكثرهم‏}‏ يعني المشركين ‏{‏لا يعلمون‏}‏

تفسير الآية رقم ‏[‏57‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني قريشاً‏.‏ ‏{‏قد جاءتكم موعظةٌ‏}‏ يعني القرآن‏.‏ ‏{‏وشفاءٌ لما في الصدور‏}‏ أي‏:‏ دواء لداء الجهل‏.‏ ‏{‏وهدىً‏}‏ أي‏:‏ بيان من الضلالة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل بفضل الله وبرحمته‏}‏ فيه ثمانية أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أن فضل الله‏:‏ الإِسلام، ورحمته‏:‏ القرآن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وهلال بن يساف‏.‏ وروي عن الحسن، ومجاهد في بعض الرواية عنهما، وهو اختيار ابن قتيبة‏.‏

والثاني‏:‏ أن فضل الله‏:‏ القرآن، ورحمته‏:‏ أن جعلهم من أهل القرآن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال أبو سعيد الخدري، والحسن في رواية‏.‏

والثالث‏:‏ أن فضل الله‏:‏ العلم، ورحمته‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أن فضل الله‏:‏ الإِسلام، ورحمته‏:‏ تزيينه في القلوب، قاله ابن عمر‏.‏

والخامس‏:‏ أن فضل الله‏:‏ القرآن، ورحمته‏:‏ الإِسلام، قاله الضحاك، وزيد بن أسلم، وابنه، ومقاتل‏.‏

والسادس‏:‏ أن فضل الله ورحمته‏:‏ القرآن، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، واختاره الزجاج‏.‏

والسابع‏:‏ أن فضل الله‏:‏ القرآن، ورحمته‏:‏ السُّنَّة، قاله خالد بن معدان‏.‏

والثامن‏:‏ فضل الله، التوفيق، ورحمته‏:‏ العصمة، قاله ابن عيينة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبذلك فليفرحوا‏}‏ وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو مجلز، وقتادة، وأبو العالية، ورويس عن يعقوب‏:‏ «فلتفرحوا» بالتاء‏.‏ وقرأ الحسن، ومعاذ القارئ، وأبو المتوكل مثل ذلك، إِلا أنهم كسروا اللام‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران‏:‏ «فبذلك فافرحوا»‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ بذلك الفضل والرحمة‏.‏ ‏{‏هو خير مما يجمعون‏}‏ أي‏:‏ مما يجمع الكفار من الأموال‏.‏ وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ورويس‏:‏ «تجمعون» بالتاء‏.‏ وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله‏:‏ ‏{‏بفضل الله‏}‏ خبر لاسم مضمر، تأويله‏:‏ هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله ورحمته، فبذلك التطوّل من الله فليفرحوا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق‏}‏ قال المفسرون‏:‏ هذا خطاب لكفار قريش، كانوا يحرِّمون ما شاؤوا، ويُحلُّون ما شاؤوا‏.‏ و‏{‏أنزل‏}‏ بمعنى خلق‏.‏ وقد شرحنا بعض مذاهبهم فيما كانوا يفعلون من البحيرة والسائبة وغير ذلك في ‏[‏المائدة‏:‏ 103‏]‏ و‏[‏الأنعام‏:‏ 139‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل آلله أذن لكم‏}‏ أي‏:‏ في هذا التحليل والتحريم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ظن الذين يفترون على الله الكذب‏}‏ في الكلام محذوف، تقديره‏:‏ ما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم، ‏{‏إن الله لذو فضل على الناس‏}‏ حين لم يعجِّل عليهم بالعقوبة ‏{‏ولكن أكثرهم لا يشكرون‏}‏ تأخير العذاب عنهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏61‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تكون في شأن‏}‏ أي‏:‏ في عمل من الأعمال، وجمعه‏:‏ شؤون‏.‏ ‏{‏وما تتلو منه‏}‏ في هاء الكناية قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها تعود إِلى الشأن‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معنى الآية‏:‏ أي وقت تكون في شأن من عبادة الله، وما تلوت من الشأن من قرآن‏.‏

والثاني‏:‏ أنها تعود إِلى الله تعالى، فالمعنى‏:‏ وما تلوت مِنَ الله، أي‏:‏ من نازل منه من قرآن، ذكره جماعة من العلماء‏.‏ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته داخلون فيه، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏ولا تعملون من عمل‏}‏ قال ابن الأنباري‏:‏ جمع في هذا، ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأوَّلين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذ تُفيضون فيه‏}‏ الهاء عائدة على العمل‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ تفيضون بمعنى تأخذون فيه‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ تنتشرون فيه، يقال‏:‏ أفاض القوم في الحديث‏:‏ إِذا انتشروا فيه وخاضوا‏.‏ ‏{‏وما يعزب‏}‏ معناه‏:‏ وما يبعد‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ ما يبعد ولا يغيب‏.‏ وقرأ الكسائي «يعزِب» بكسر الزاي هاهنا وفي ‏[‏سبأ‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وقد بيّنا «مثقال ذرة» في سورة ‏[‏النساء‏:‏ 40‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا أصغر من ذلك ولا أكبر‏}‏ قرأ الجمهور بفتح الراء فيهما‏.‏ وقرأ حمزة، وخلف، ويعقوب، برفع الراء فيهما‏.‏ قال الزجاج‏:‏ مَنْ قرأ بالفتح، فالمعنى‏:‏ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرَّةٍ، ولا مثقالَ أصغرَ من ذلك ولا أكبر، والموضع موضع خفض، إِلا أنه فُتح لأنه لا ينصرف‏.‏ ومن رفع، فالمعنى‏:‏ وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر‏.‏ ويجوز رفعه على الابتداء، فيكون المعنى‏:‏ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ‏{‏إِلا في كتاب مبين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هو اللوح المحفوظ‏.‏