فصل: تفسير الآية رقم (46)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 41‏]‏

‏{‏قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ‏(‏37‏)‏ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏38‏)‏ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ‏(‏39‏)‏ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ‏(‏40‏)‏ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ‏(‏41‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال له صاحبه‏}‏ يعني‏:‏ المؤمن ‏{‏وهو يحاوره أكفرتَ بالذي خلقك من تراب‏}‏ يعني‏:‏ خلق أباك آدم ‏{‏ثم من نطفة‏}‏ يعني‏:‏ ما أنشئ هو منه، فلما شَكَّ في البعث كان كافراً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكنَّا هو الله ربِّي‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وقالون عن نافع‏:‏ «لكنَّ هو الله ربِّي»، باسقاط الألف في الوصل، وإِثباتها في الوقف‏.‏ وقرأ نافع في رواية المُسَيّبي بإثبات الألف وصلاً ووقفاً‏.‏ وأثبت الألف ابن عامر في الحالين‏.‏ وقرأ أبو رجاء‏:‏ «لكنْ» بإسكان النون خفيفة من غير ألف في الحالين‏.‏ وقرأ ابن يعمر‏:‏ «لكنَّ» بتشديد النون من غير ألف في الحالين‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ «لكنْ أنا هو اللهُ ربِّي» باسكان نون «لكنْ» وإِثبات «أنا»‏.‏ قال الفراء‏:‏ فيها ثلاث لغات‏:‏ لكنّا، ولكنّ، ولكنَّه بالهاء، أنشدني أبو ثروان‏:‏

وترْمينني بالطَّرْف أي أنت مذنب *** وتَقْلِيَننِي لكنّ إِيّاكِ لاَ أَقْلِي

وقال أبو عبيدة‏:‏ مجازه‏:‏ لكن أنا هو الله ربي، ثم حُذفت الألف الأولى، وأُدغمت إِحدى النونين في الأخرى فشدِّدت‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وهذه الألفُ تُحذف في الوصل، وتُثبت في الوقف، فأما من أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف، فهو على لغة من يقول‏:‏ أنا قمتُ، فأثبت الألف، قال الشاعر‏:‏

أنا سَيْفُ العَشِيرَة فاعْرِفُونِي *** ‏[‏حُمَيداً قد تَذَرَّيْتُ السَّناما‏]‏

وهذه القراءة جيدة، لأن الهمزة قد حذفت من «أنا»، فصار إِثبات الألف عوضاً من الهمزة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا إِذ دخلتَ جنتك‏}‏ أي‏:‏ وهلاّ؛ ومعنى الكلام التوبيخ‏.‏ قال الفراء‏:‏ ‏{‏ما شاء الله‏}‏ في موضع رفع، إِن شئت رفعته بإضمار هو، يريد‏:‏ ‏[‏هو‏]‏ ما شاء الله؛ وإن شئتَ أضمرتَ فيه‏:‏ ما شاء الله كان؛ وجاز طرح جواب الجزاء، كما جاز في قوله‏:‏ ‏{‏فإن استطعت أن تبتغيَ نفقاً في الأرض‏}‏ ‏[‏الانعام‏:‏ 35‏]‏، ليس له جواب، لأنه معروف‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لا قوَّة إِلا بالله‏}‏ الاختيار النصب بغير تنوين على النفي، كقوله‏:‏ ‏{‏لا ريب فيها‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 21‏]‏، ويجوز‏:‏ «لا قوة إِلا بالله» على الرفع بالابتداء، والخبر «بالله»، المعنى‏:‏ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إِلا بالله تعالى، ولا يكون له إِلا ما شاء الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن ترنِ‏}‏ قرأ ابن كثير‏:‏ «إِن ترني أنا» و«يؤتيني خيراً» بياء في الوصل والوقف‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو بياءٍ في الوصل‏.‏ وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، بحذف الياء فيهما وصلاً ووقفاً‏.‏ ‏{‏أنا أقَلَّ‏}‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «أنا أقَلُّ» برفع اللام‏.‏ قال الفراء‏:‏ «أنا» هاهنا عماد إِن نصبتَ «أقلَّ»، واسم إِذا رفعت «أقلُّ»، والقراءة بهما جائز‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فعسى ربِّي أن يؤتيَني خيراً من جنتك‏}‏ أي‏:‏ في الآخرة، ‏{‏ويرسلَ عليها حسباناً‏}‏ وفيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه العذاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والضحاك‏.‏ وقال أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ ناراً من السماء‏.‏

والثاني‏:‏ قضاءً من الله يقضيه، قاله ابن زيد‏.‏

والثالث‏:‏ مراميَ من السماء، واحدها‏:‏ حسبانة، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة قال النَّضْر ابن شُمَيل‏:‏ الحُسبان‏:‏ سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة تُنزع في القوس، ثم يرمي بعشرين منها دفعة، فعلى هذا القول يكون المعنى‏:‏ ويرسل عليها مراميَ من عذابه، إِما حجارة أو بَرَداً أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب‏.‏

والرابع‏:‏ أن الحسبان‏:‏ الحساب، كقوله‏:‏ ‏{‏الشمس والقمر بحسبان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 5‏]‏ أي‏:‏ بحساب، فيكون المعنى‏:‏ ويرسل عيها عذابَ حسابِ ما كسبت يداه، هذا قول الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتصبحَ صعيداً زَلَقاً أو يُصْبِحَ ماؤها غَوراً‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ الصعيد‏:‏ الأملس المستوي، والزَّلَق‏:‏ الذي تَزِلُّ عنه الأقدام، والغَور‏:‏ الغائر، فجعل المصدر صفة، يقال‏:‏ ماءٌ غَوْر، ومياه غَوْرٌ، ولا يثنَّى، ولا يجمع، ولا يؤنَّث، كما يقال‏:‏ رجلٌ نَوْمٌ، ورجلٌ صَوْمٌ، ورجلٌ فِطْر، ورجالٌ نَوْمُ، ‏[‏ونساءٌ نَوْمٌ‏]‏، ونساءٌ صَوْمٌ‏.‏ ويقال‏:‏ للنساء إِذا نُحْنَ‏:‏ نَوْح، والمعنى‏:‏ يذهب ماؤها غائراً في الأرض، أي‏:‏ ذاهباً فيها‏.‏ ‏{‏فلن تسطيع له طلباً‏}‏ فلا يبقى له أثر تطلبه به، ولا تناله الأيدي ولا الأَرْشية‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ «غَوْراً» إِذا غوَّر، فسقط المضاف، وخلَفه المضاف إِليه، والمراد بالطلب هاهنا‏:‏ الوصول، فقام الطلب مقامه لأنه سببه‏.‏ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو المتوكل‏:‏ «غُؤُورَاً» برفع الغين والواو ‏[‏الأولى‏]‏ جميعاً، ‏[‏وواو بعدها‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 44‏]‏

‏{‏وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏42‏)‏ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ‏(‏43‏)‏ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ‏(‏44‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحيط بثمره‏}‏ أي‏:‏ أحاط اللهُ العذابَ بثمره، وقد سبق معنى الثمر‏.‏ ‏{‏فأصبح يقلِّب كفيه‏}‏ أي‏:‏ يضرب بيد على يد، وهذا فعل النادم، ‏{‏على ما أنفق فيها‏}‏ أي‏:‏ في جنته، و«في» هاهنا بمعنى «على»‏.‏ ‏{‏وهي خاوية‏}‏ أي‏:‏ خالية ساقطة ‏{‏على عروشها‏}‏ والعُروش‏:‏ السقوف، والمعنى‏:‏ أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدَّمت فصارت في قرارها، فصارت الحيطان كأنها على السقوف، ‏{‏ويقول يا ليتني لم أُشرك بربِّي أحداً‏}‏ فأخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما أنعم به عليه، وحقق ما أنذره ‏[‏به‏]‏ أخوه في الدنيا، ندم على شِركه حين لا تنفعة الندامة‏.‏ وقيل‏:‏ إِنما يقول هذا في القيامة‏.‏ ‏{‏ولم تكن له فئة‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم‏:‏ «ولم تكن» بالتاء‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف‏:‏ «ولم يكن» بالياء‏.‏ والفئة‏:‏ الجماعة ‏{‏ينصرونه‏}‏ أي‏:‏ يمنعونه من عذاب الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هنالك الوَلاية‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم‏:‏ «الوَلاية» بفتح الواو و‏{‏للهِ الحقِّ‏}‏ خفضاً‏.‏ وقرأ حمزة‏:‏ «الوِلاية» بكسر الواو، و«لله الحقِّ» بكسر القاف أيضاً‏.‏ وقرأ أبو عمرو بفتح الواو، ورفع «الحقُّ»، ووافقه الكسائيُّ في رفع القاف، لكنه كسر «الوِلاية»، قال الزجاج‏:‏ معنى الولاية في ‏[‏مثل‏]‏ تلك الحال‏:‏ تبيين نصرة وليِّ الله‏.‏ وقال غيره‏:‏ هذا الكلام عائد إِلى ما قبل قصة الرجلين‏.‏ فأما من فتح واو «الوَلاية» فإنه أراد الموالاة والنصرة، ومن كسر، أراد السلطان والملك على ما شرحنا في آخر ‏[‏الأنفال‏:‏ 72‏]‏‏.‏ فعلى قراءة الفتح، في معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم يتوَلَّون الله تعالى في القيامة، ويؤمنون به، ويتبرَّؤون مما كانوا يعبدون، قاله ابن قتيبة‏.‏

والثاني‏:‏ هنالك يتولَّى اللهُ أمرَ الخلائق، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين‏.‏ وعلى قراءة الكسر، يكون المعنى‏:‏ هنالك السُّلطان لله‏.‏ قال أبو علي‏:‏ من كسر قاف «الحقِّ»، جعله من وصف الله عزَّ وجلَّ، ومن رفعه جعله صفة للولاية‏.‏

فإن قيل‏:‏ لم نُعتت الولاية وهي مؤنثة بالحقِّ وهو مصدر‏؟‏ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري‏.‏

أحدهما‏:‏ أن تأنيثها ليس حقيقياً، فحُملت على معنى النصر؛ والتقدير‏:‏ هنالك النصر لله الحقُّ، كما حُملت الصيحة على معنى الصياح في قوله‏:‏ ‏{‏وأخذَ الذين ظلموا الصيحةُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 67‏]‏‏.‏

والثاني‏:‏ أن الحقَّ مصدر يستوي في لفظه المذكَّر والمؤنث والاثنان والجمع، فيقال‏:‏ قولك حق، وكلمتك حق، وأقوالكم حق‏.‏ ويجوز ارتفاع الحق على المدح للولاية، وعلى المدح لله تعالى بإضمار «هو»‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو خير ثواباً‏}‏ أي‏:‏ هو أفضل ثواباً ممن يُرجى ثوابه، وهذا على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وخير عُقبا‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي‏:‏ «عُقُباً» مضمومة القاف‏.‏ وقرأ عاصم، وحمزة‏:‏ «عُقْباً» ساكنة القاف‏.‏ قال أبو علي‏:‏ ما كان ‏[‏على‏]‏ «فُعُل» جاز تخفيفه، كالعُنُق، والطُّنُب، قال أبو عبيدة‏:‏ العُقُب، والعُقْب، والعُقْبى، والعاقبة، بمعنى، وهي الآخرة، والمعنى‏:‏ عاقبة طاعة الله خير من عاقبة طاعة غيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ‏(‏45‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واضرب لهم مَثَل الحياة الدنيا‏}‏ أي‏:‏ في سرعة نفادها وذهابها، وقيل‏:‏ في تصرُّف أحوالها، إِذ مع كلِّ فرحة تَرْحة، وهذا مفسر في سورة ‏[‏يونس‏:‏ 24‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏فأصبح هشيماً‏}‏‏.‏ قال الفراء‏:‏ الهشيم‏:‏ كل شيء كان رطباً فيبس‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الهشيم‏:‏ النبات الجافّ‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ الهشيم من النبت‏:‏ المتفتِّت، وأصله من هشمتُ الشيء‏:‏ إِذا كسرتَه، ومنه سمِّي الرجل هاشماً‏.‏ و‏{‏تذروه الرياح‏}‏ تنسفه‏.‏ وقرأ أُبيّ، وابن عباس، وابن أبي عبلة‏:‏ «تُذْرِيْهِ» برفع التاء وكسر الراء بعدها ياء ساكنة وهاء مكسورة‏.‏ وقرأ ابن مسعود كذلك، إِلا أنه فتح التاء‏.‏ والمقْتَدِر‏:‏ مُفْتَعِل، من قَدَرْتُ‏.‏ قال المفسرون ‏{‏وكان الله على كل شيء‏}‏ من الإِنشاء والإِفناء ‏{‏مقتدراً‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ‏(‏46‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏المالُ والبنونَ زينة الحياة الدنيا‏}‏ هذا ردٌّ على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يُتزيَّن به في الدنيا، ‏[‏لا‏]‏ مما ينفع في الآخرة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والباقيات الصالحات‏}‏ فيها خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها «سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر»؛ روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إِن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، وعن العدوِّ أن تجاهدوه، فلا تعجِزوا عن قول‏:‏ «سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، فقولوها، فإنَّهن الباقيات الصالحات» ‏"‏، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك‏.‏ وسئل عثمان بن عفان رضي الله عنه عن الباقيات الصالحات، فقال هذه الكلمات، وزاد فيها‏:‏ «ولا حول ولا قوَّة إِلا بالله»‏.‏ وقال سعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي مثله سواء‏.‏

والثاني‏:‏ «أنها لا إِله إِلا الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا قوة إِلا بالله»، رواه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الصلوات الخمس، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، ومسروق، وإبراهيم‏.‏

والرابع‏:‏ الكلام الطيِّب، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏

والخامس‏:‏ هي جميع أعمال الحسنات، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وابن زيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خير عند ربِّك ثواباً‏}‏ أي‏:‏ أفضل جزاءً ‏{‏وخير أملاً‏}‏ أي‏:‏ خير مما تؤمِّلون، لأن آمالكم كواذب، وهذا أمل لا يكذب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 51‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ‏(‏47‏)‏ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ‏(‏48‏)‏ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ‏(‏49‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ‏(‏50‏)‏ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ‏(‏51‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم تُسَيَّر الجبال‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ «ويوم تُسَيَّر» بالتاء «الجبالُ» رفعاً‏.‏ وقرأ نافع‏.‏ وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «نُسَيِّرُ» بالنون «الجبالَ» نصباً‏.‏ وقرأ ابن محيصن‏:‏ «ويوم تَسِيْرُ» بفتح التاء وكسر السين وتسكين الياء «الجبالُ» بالرفع‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «ويوم» منصوب على معنى‏:‏ اذكر، ويجوز أن يكون منصوباً على‏:‏ والباقيات الصالحات خير يومَ تَسِيرُ الجبال‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ تُسيَّر الجبال عن وجه الأرض، كما يُسيَّر السحاب في الدنيا، ثم تكسّر فتكون في الأرض كما خرجت منها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وترى الأرض بارزة‏}‏ وقرأ عمرو بن العاص، وابن السميفع، وأبو العالية‏:‏ «وتُرى الأرضُ بارزةً» برفع التاء والضاد‏.‏ وقرأ أبو رجاء العطاردي كذلك، إِلا أنه فتح ضاد «الأرضَ»‏.‏

وفي معنى «بارزة» قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ ‏[‏ظاهرة‏]‏ فليس عليها شيء من جبل أو شجر أو بناءٍ، قاله الأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ بارزاً أهلها من بطنها، قاله الفراء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحشرناهم‏}‏ يعني المؤمنين والكافرين ‏{‏فلم نُغادِر‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ أي‏:‏ فلم نُخَلِّف، يقال‏:‏ غادرتُ كذا‏:‏ إِذا خلّفته، ومنه سمي الغَدِير، لأنه ماءٌ تُخَلِّفُه السيول‏.‏ وروى أبان‏:‏ «فلم تغادر» بالتاء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعُرضوا على ربك صفاً‏}‏ إِن قيل‏:‏ هذا أمر مستقبل، فكيف عُبِّر ‏[‏عنه‏]‏ بالماضي‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن ما قد علم الله وقوعه، يجري مجرى المعايَن، كقوله‏:‏ ‏{‏ونادى أصحاب الجنة‏}‏ ‏[‏الأعرف‏:‏ 43‏]‏‏.‏

وفي معنى قوله‏:‏ ‏{‏صفاً‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه بمعنى‏:‏ جميعاً، كقوله‏:‏ ‏{‏ثم ائتوا صفاً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 64‏]‏، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ وعُرضوا على ربِّك مصفوفين، هذا مذهب البَصريين‏.‏

والثالث‏:‏ أن المعنى‏:‏ وعُرضوا على ربِّك صفوفاً، فناب الواحد عن الجميع، كقوله‏:‏ ‏{‏ثم نُخْرِجُكم طفلاً‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 5‏]‏‏.‏

والرابع‏:‏ أنه لم يَغِبْ عن الله منهم أحد، فكانوا كالصف الذي تسهل الإِحاطة بجملته، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري‏.‏ وقد قيل‏:‏ إِن كلَّ أمة وزمرة صفٌّ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد جئتمونا‏}‏، فيه إِضمار «فيقال لهم»‏.‏

وفي المخاطبين بهذا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم الكُلّ‏.‏

والثاني‏:‏ الكُفار، فيكون اللفظ عامّاً، والمعنى خاصّاً‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كما خلقناكم أول مَرَّة‏}‏ مفسر في ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بل زعمتم‏}‏ خطاب الكفار خاصة، والمعنى‏:‏ زعمتم في الدنيا ‏{‏أن لن نجعل لكم موعداً‏}‏ للبعث، والجزاء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ووُضع الكتاب‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الكتاب الذي سُطِر فيه ما تعمل الخلائق قبل وجودهم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الحساب، قاله ابن السائب‏.‏

والثالث‏:‏ كتاب الأعمال، قاله مقاتل‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ وُضع كتاب أعمال العباد في أيديهم، فعلى هذا، الكتاب اسم جنس‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فترى المجرمين‏}‏ قال مجاهد‏:‏ ‏[‏هم‏]‏ الكافرون‏.‏ وذكر بعض أهل العلم أن كل مجرم ذُكر في القرآن، فالمراد به‏:‏ الكافر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مشفقين‏}‏ أي‏:‏ خائفين ‏{‏مما فيه‏}‏ من الأعمال السيئة ‏{‏ويقولون يا ويلتنا‏}‏ هذا قول كل واقع في هَلَكة‏.‏

وقد شرحنا هذا المعنى في قوله‏:‏ ‏{‏يا حسرتنا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 31‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يُغادِر صغيرةً ولا كبيرة إِلا أحصاها‏}‏ هذا على ظاهره في صغير الأمور وكبيرها؛ وقد روى عكرمة عن ابن عباس، قال‏:‏ الصغيرة‏:‏ التبسم، والكبيرة‏:‏ القهقهة‏.‏ وقد يُتوهَّم أن المراد بذلك صغائر الذنوب وكبائرها، وليس كذلك، إِذ ليس الضحك والتبسم، مجرَّدهما من الذنوب، وإِنما المراد أن التبسم من صغار الأفعال، والضحك فعل كبير، وقد روى الضحاك عن ابن عباس، قال‏:‏ الصغيرة‏:‏ التبسم والاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة‏:‏ القهقهة بذلك؛ فعلى هذا يكون ذنباً من الذنوب لمقصود فاعله، لا لنفسه‏.‏ ومعنى «أحصاها»‏:‏ عدَّها وأثبتها، والمعنى‏:‏ وُجدتْ مُحصاةً‏.‏ ‏{‏ووجدوا ما عملوا حاضراً‏}‏ أي‏:‏ مكتوباً مُثْبَتاً في الكتاب، وقيل‏:‏ رأوا جزاءه حاضراً‏.‏ وقال أبو سليمان‏:‏ الصحيح عند المحققين أن صغائر المؤمنين الذين وُعدوا العفو عنها إِذا اجتنبوا الكبائر، إِنما يعفى عنها في الآخرة بعد أن يراها صاحبها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يظلم ربك أحداً‏}‏ قال أبو سليمان‏:‏ لا تنقص حسنات المؤمن، ولا يزاد في سيئات الكافر‏.‏ وقيل‏:‏ إِن كان للكافر فِعل خير، كعتق رقبة، وصدقة، خُفِّف عنه به من عذابه، وإِن ظلمه مسلم، أخذ الله من المسلم، فصار الحق لله‏.‏

ثم إِن الله تعالى أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يذكِّر هؤلاء المتكبِّرين عن مجالسة الفقراء قصةَ إِبليس وما أورثه الكِبْر، فقال‏:‏ ‏{‏وإِذ قلنا‏}‏ أي‏:‏ اذكر ذلك‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏كان من الجن‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه من الجن حقيقة، لهذا النص؛ واحتج قائلو هذا بأن له ذريةً وليس للملائكة ذريةٌ وأنه كَفَرَ، والملائكة رسل الله، فهم معصومون من الكفر‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كان من الملائكة، وإِنما قيل‏:‏ «من الجن»، لأنه كان من قَبِيلٍ من الملائكة يقال لهم‏:‏ الجن، قاله ابن عباس؛ وقد شرحنا هذا في ‏[‏البقرة‏:‏ 34‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ففسق عن أمر ربه‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ خرج عن طاعة ربه، تقول العرب‏:‏ فسَقت الرُّطَبة من قشرها‏:‏ إِذا خرجت منه، قاله الفراء، وابن قتيبة‏.‏

والثاني‏:‏ أتاه الفسق لما أُمر فعصى، فكان سبب فسقه عن أمر ربه، قال الزجاج‏:‏ وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وهو الحق عندنا‏.‏

والثالث‏:‏ ففسق عن ردِّ أمر ربِّه، حكاه الزجاج عن قطرب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفتتخذونه وذُرّيَّته أولياء من دوني‏}‏ ‏[‏أي‏]‏‏:‏ توالونهم بالاستجابة لهم‏؟‏‏!‏ قال الحسن، وقتادة‏:‏ ذريته‏:‏ أولاده، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم‏.‏ قال مجاهد‏:‏ ذريته‏:‏ الشياطين، ومن ذريته زَلَنْبُور صاحب راية إِبليس بكل سوق، وثبْر، وهو صاحب المصائب، والأعور صاحب الرياء، ومِسْوَط صاحب الأخبار يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس، فلا يوجد لها أصل، وداسم صاحب الإِنسان إِذا دخل بيته ولم يسلِّم ولم يذكر اسم الله، فهو يأكل معه إِذا أكل‏.‏

قال بعض أهل العلم‏:‏ إِذا كانت خطيئة الإِنسان في كِبْر فلا تَرْجُه، وإِن كانت في شهوة فارجه، فإن معصية إِبليس كانت بالكِبْر، ومعصية آدم بالشهوة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بئس للظالمين بدلاً‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ بئس الاتخاذ للظالمين بدلاً‏.‏

والثاني‏:‏ بئس الشيطان‏.‏

والثالث‏:‏ بئس الشيطان والذرِّيَّة، ذكرهنَّ ابن الأنباري‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أشهدتُهم خَلْق السموات والأرضِ‏}‏ وقرأ أبو جعفر، وشيبة‏:‏ «ما أشهدناهم» بالنون والألف‏.‏

وفي المشار إِليهم أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ إِبليس وذريته‏.‏

والثاني‏:‏ الملائكة‏.‏

والثالث‏:‏ جميع الكفار‏.‏

والرابع‏:‏ جميع الخلق؛ والمعنى‏:‏ إِني لم أشاورهم في خلقهن؛ وفي هذا بيان للغَناء عن الأعوان، وإِظهار كمال القدرة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا خَلْقَ أنفسهم‏}‏ أي‏:‏ ما أشهدت بعضَهم خَلْقَ بعض، ولا استعنت ببعضهم على إِيجاد بعض‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنتُ مُتَّخذَ المضِلِّين‏}‏ ‏[‏يعني‏:‏ الشياطين‏]‏ ‏{‏عَضُداً‏}‏ أي‏:‏ أنصاراً وأعواناً‏.‏ والعَضُد يستعمل كثيراً في معنى العون، لأنه قِوام ‏[‏اليد‏]‏، قال الزجاج‏:‏ والاعتضاد‏:‏ التقوِّي وطلب المعونة، يقال‏:‏ اعتضدت بفلان، أي‏:‏ استعنت به‏.‏

وفي ما نفى اتخاذهم عضداً فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الولايات، والمعنى‏:‏ ما كنت لأولي المضلِّين، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خَلْق السموات والأرض، قاله مقاتل‏.‏ وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر‏:‏ «وما كنتَ» بفتح التاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 53‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ‏(‏52‏)‏ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ‏(‏53‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم يقول‏}‏ وقرأ حمزة‏:‏ «نقول» بالنون، يعني‏:‏ يوم القيامة ‏{‏نادوا شركائيَ‏}‏ أضاف الشركاء إِليه على زعمهم، والمراد‏:‏ نادوهم لدفع العذاب عنكم، أو الشفاعة لكم، ‏{‏الذين زعمتم‏}‏ أي‏:‏ زعمتموهم شركاء ‏{‏فَدَعَوْهم فلم يستجيبوا لهم‏}‏ أي‏:‏ لم يجيبوهم، ‏{‏وجعلنا بينهم‏}‏ في المشار إِليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المشركون والشركاء‏.‏

والثاني‏:‏ أهل الهدى وأهل الضلالة‏.‏

وفي معنى ‏{‏مَوْبقاً‏}‏ ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ مَهْلِكاً، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ مَهْلِكاً بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال‏:‏ أَوبَقتْه ذنوبُه، ‏[‏أي‏:‏ أهلكتْه‏]‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ‏[‏المعنى‏]‏‏:‏ جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي‏:‏ يهلكهم، فالمَوْبق‏:‏ المهلك، يقال‏:‏ وَبِق، يَيْبَقُ، ويابَق، وبَقاً، ووَبَق، يَبِق، وُبُوقاً، فهو وابق؛ وقال الفراء‏:‏ جعلنا تواصُلهم في الدنيا مَوْبِقاً، أي‏:‏ مَهْلِكاً لهم في الآخرة، فالبَيْن، على هذا القول، بمعنى التواصل، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد تَقَطَّع بينُكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏ على قراءة من ضمن النون‏.‏

والثاني‏:‏ أن المَوْبِق‏:‏ وادٍ عميق يُفرَّق به بين أهل الضلالة وأهل الهدى، قاله عبد الله بن عمرو‏.‏

والثالث‏:‏ أنه وادٍ في جهنم، قاله أنس بن مالك، ومجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ أن معنى المَوْبِق‏:‏ العدواة، قاله الحسن‏.‏

والخامس‏:‏ أنه المَحْبِس، قاله الربيع بن أنس‏.‏

والسادس‏:‏ أنه المَوْعِد، قاله أبو عبيدة‏.‏

قال ابن الأنباري‏:‏ إِن قيل‏:‏ لم قال‏:‏ «مَوْبِقاً» ولم يقل‏:‏ «مُوبِقاً»، بضم الميم، إِذ كان معناه عذاباً مُوبقاً‏؟‏

فالجواب‏:‏ أنه اسم موضوع لمَحْبِس في النار، والأسماء لا تؤخذ بالقياس، فيُعلم أن «مَوْبِقاً»‏:‏ مَفْعِل، من أوبقه الله‏:‏ إِذا أهلكه، فتنفتح الميم، كما تنفتح في «مَوْعِد» و«مَوْلِد» و«مَحْتِد» إِذا سمّيت الشخوص بهنَّ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورأى المجرمون النار‏}‏ أي‏:‏ عاينوها وهي تتغيَّظ حنقاً عليهم‏.‏ والمراد بالمجرمين‏:‏ الكفار‏.‏ ‏{‏فَظَنُّوا‏}‏ أي‏:‏ أيقنوا ‏{‏أنهم مُواقِعُوها‏}‏ أي‏:‏ داخلوها‏.‏ ومعنى المواقعة‏:‏ ملابسة الشيء بشدَّة ‏{‏ولم يجدوا عنها مَصْرِفا‏}‏ أي‏:‏ مَعْدِلاً؛ والمَصْرِف‏:‏ الموضع الذي يُصْرَف إِليه، وذلك أنها أحاطت بهم من كل جانب، فلم يقدروا على الهَرَب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 55‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ‏(‏54‏)‏ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ‏(‏55‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد صَرَّفْنا في هذا القرآن‏}‏ قد فسرناه في ‏[‏بني إِسرائيل‏:‏ 41‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكان الإِنسان أكثر شيء جدلاً‏}‏ فيمن نزلت قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه النَّضْر بن الحارث، وكان جِداله في القرآن، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أُبيّ بن خلف، وكان جِداله في البعث حين أتى بعظم قد رَمَّ، فقال‏:‏ أيقدر الله على إِعادة هذا‏؟‏‏!‏ قاله ابن السائب‏.‏ قال الزجاج‏:‏ كل ما يعقل من الملائكة والجن يجادل، والإِنسان أكثر هذه الأشياء جدلاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما منع الناسَ أن يؤمنوا‏}‏ قال المفسرون‏:‏ يعني‏:‏ أهل مكة ‏{‏إِذ جاءهم الهدى‏}‏ وهو‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، والإِسلام ‏{‏إِلا أن تأتيَهم سُنَّةُ الأوَّلِين‏}‏ وهو‏:‏ أنهم إِذا لم يؤمنوا عذِّبوا‏.‏

وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ما منعهم من الإيمان إِلا طلب أن تأتيهم سُنَّة الأولين، قاله الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ وما منع الشيطانُ الناس أن يؤمنوا إِلا لأَن تأتيهم سُنَّة الأولين، أي‏:‏ منعهم رُشْدَهُم لكي يقع العذاب بهم، ذكره ابن الأنباري‏.‏

والثالث‏:‏ ما منعهم إِلا أنِّي قد قدَّرت عليهم العذاب‏.‏ وهذه الآية فيمن قُتل ببدر وأُحُد من المشركين، قاله الواحدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يأتيَهم العذاب‏}‏ ذكر ابن الأنباري في «أو» ‏[‏هاهنا‏]‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها بمعنى الواو‏.‏

والثاني‏:‏ أنها لوقوع أحد الشيئين، إِذ لا فائدة في بيانه‏.‏

والثالث أنها دخلت للتبعيض، أي‏:‏ أن بعضهم يقع به هذا، وهذه الأقوال الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أو كصيِّب من السماء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 19‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُبُلاً‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر‏:‏ «قِبَلاً» بكسر القاف وفتح الباء‏.‏ وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «قُبُلاً» بضم القاف والباء‏.‏ وقد بيَّنّا عِلَّة القراءتين في ‏[‏الأنعام‏:‏ 111‏]‏‏.‏ وقرأ أُبيّ ابن كعب، وابن مسْعود‏:‏ «قَبِيلاً» بوزن فَعِيل‏.‏ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو المتوكل «قَبَلاً» بفتح القاف من غير ياء، قال ابن قتيبة‏:‏ أراد استئنافاً‏.‏

فإن قيل‏:‏ إِذا كان المراد بسُنَّة الأولين العذاب، فما فائدة التكرار بقوله‏:‏ ‏{‏أو يأتيَهم العذاب‏}‏‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن سُنَّة الأولين أفادت عذاباً مبهماً يمكن أن يتراخى وقته، وتختلف أنواعه، وإِتيان العذاب قُبُلاً أفاد القتل يوم بدر‏.‏ قال مقاتل‏:‏ «سُنَّة الأولين»‏:‏ عذاب الأمم السالفة؛ «أو يأتيَهم العذاب قِبَلاً»، أي‏:‏ عِياناً قتلاً بالسيف يوم بدر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 59‏]‏

‏{‏وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ‏(‏56‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ‏(‏57‏)‏ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ‏(‏58‏)‏ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ‏(‏59‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويجادل الذين كفروا بالباطل‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد‏:‏ المستهزئين والمقتسمين وأتباعهم‏.‏ وجدالُهم بالباطل‏:‏ أنهم ألزموه أن يأتيَ بالآيات على أهوائهم ‏{‏ليُدْحِضُوا به الحق‏}‏ أي‏:‏ ليُبْطِلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ جدالُهم‏:‏ قولُهم‏:‏ ‏{‏أإِذا كُنّا عظاماً ورُفاتاً‏}‏ ‏[‏الإسراء 49‏]‏، ‏{‏أإِذا ضللنا في الأرض‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 10‏]‏، ونحو ذلك ليبطلوا به ما جاء في القرآن من ذِكْر البعث والجزاء‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ومعنى «ليُدْحِضوا»‏:‏ ليُزِيلوا ويذهبوا، يقال‏:‏ مكان دَحْض، أي‏:‏ مَزَلٌّ لا يثبت فيه قدم ولا حافر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتَّخَذُوا آياتي‏}‏ يعني القرآن‏.‏ ‏{‏وما أُنْذِروا‏}‏ أي‏:‏ خُوِّفوا به من النار والقيامة ‏{‏هُزُواً‏}‏ أي‏:‏ مهزوءاً به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أظلم‏}‏ قد شرحنا هذه الكلمة في ‏[‏البقرة‏:‏ 114‏]‏‏.‏ و‏{‏ذُكِّر‏}‏ بمعنى‏:‏ وُعِظ‏.‏ وآياتُ ربِّه‏:‏ القرآن، وإِعراضُه عنها‏:‏ تهاونُه بها‏.‏ ‏{‏ونسي ما قدَّمت يداه‏}‏ أي‏:‏ ما سلف من ذنوبه؛ وقد شرحنا ما بعد هذا في ‏[‏الأنعام‏:‏ 21‏]‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏وإِن تدعُهم إِلى الهُدى‏}‏ وهو‏:‏ الإِيمان والقرآن ‏{‏فلن يهتدوا‏}‏ هذا إِخبار عن عِلْمه فيهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وربُّك الغفور ذو الرحمة‏}‏ إِذ لم يعاجلهم بالعقوبة‏.‏ ‏{‏بل لهم موعد‏}‏ للبعث والجزاء ‏{‏لن يجدوا من دونه موئلا‏}‏ قال الفراء‏:‏ الموئل‏:‏ المنجى، وهو الملجأ في المعنى، لأن المنجى ملجأٌ‏.‏ والعرب تقول‏:‏ إِنه لَيُوائل إِلى موضعه، أي‏:‏ يذهب إِلى موضعه، قال الشاعر‏:‏

لاوَاءَلَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها *** للعامِرِيّيْن، وَلمْ تُكْلَمِ

يريد‏:‏ لا نجت نفسك، وأنشد أبو عبيدة للأعشى‏:‏

وَقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ *** وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ مَايَئِلُ

أي‏:‏ ما ينجو‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ الموئل‏:‏ الملجِأ‏.‏ يقال‏:‏ وأل فلان إِلى كذا‏:‏ إِذا لجأ‏.‏

فإن قيل‏:‏ ظاهر هذه الآية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله، ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته‏.‏

فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ ‏[‏أن‏]‏ الرحمة هاهنا بمعنى النعمة، ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ولا كافر‏.‏ فأما الرحمة التي هي الغفران والرضى، فليس للكافر فيها نصيب‏.‏

والثاني‏:‏ أن رحمة الله محظورة على الكفار يوم القيامة، فأما في الدنيا، فإنهم ينالون منها العافية والرزق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتلك القرى‏}‏ يريد‏:‏ التي قصصنا عليكَ ذِكْرها، والمراد‏:‏ أهلها، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏أهلكناهم‏}‏ والمراد‏:‏ قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب‏.‏ قال الفراء‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏لَمّا ظَلَموا‏}‏ معناه‏:‏ بعدما ظَلَموا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا لمهلكهم‏}‏ قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام؛ قال الزجاج‏:‏ وفيه وجهان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن يكون مصدراً، فيكون المعنى‏:‏ وجعلنا لإِهلاكهم‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكون وقتاً، فالمعنى‏:‏ لوقت هلاكهم‏.‏

وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام، وهو مصدر مثل الهلاك‏.‏ وقرأ حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام، ومعناه‏:‏ لوقت إِهلاكهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 65‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ‏(‏60‏)‏ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ‏(‏61‏)‏ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏(‏62‏)‏ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏(‏63‏)‏ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا ‏(‏64‏)‏ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ‏(‏65‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذ قال موسى لفتاه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏، الآية، سبب خروج موسى عليه السلام في هذا السفر، ما روى ابن عباس عن أُبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إِن موسى قام خطيباً في بني إِسرائيل، فسئل‏:‏ أي الناس أعلم‏؟‏ فقال‏:‏ أنا، فعتب الله عز وجل عليه إِذ لم يَرُدَّ العِلْم إِليه، فأوحى الله إِليه أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك؛ قال موسى‏:‏ يا رب فكيف لي به‏؟‏ قال‏:‏ تأخذ معك حوتاً فتجعله في مِكتل، فحيثما فقَدتَ الحوت فهو ثَمَّ‏.‏ فانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إِذا أتيا الصخرة، وضعا رؤؤسهما فناما، واضطرب الحوت في المِكْتَل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سَرَباً، وأمسك الله عن الحوت جِرْيَةَ الماء، فصار عليه مثل الطاق‏.‏ فلما استيقظ نسي صاحبُه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إِذا كان من الغد قال موسى لفتاه‏:‏ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نَصَباً، قال‏:‏ ولم يجد موسى النَّصَب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال فتاه‏:‏ ‏{‏أرأيت إِذ أوينا إِلى الصخرة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏عجبا‏}‏، قال‏:‏ فكان للحوت سَرَباً، ولموسى ولفتاه عجباً، فقال موسى‏:‏ ‏{‏ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصاً‏}‏ قال‏:‏ رجعا يقصّان آثارهما حتى انتهيا إِلى الصخرة، فاذا هو مسجَّىً بثوب، فسلَّم عليه موسى، فقال الخضر‏:‏ وأنّى بأرضك السلام‏!‏ مَنْ أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا موسى، قال موسى‏:‏ بني إِسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ نعم أتيتك لتعلِّمني مما علِّمت رُشْداً، قال‏:‏ إِنك لن تستطيع معي صبراً يا موسى، إِني على عِلْم مِنْ عِلْم الله لا تعلمُه علَّمَنِيه، وأنت على عِلْم من عِلْم الله علَّمَكهُ لا أعلمه؛ فقال موسى‏:‏ ستجدني إِن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً؛ فقال له الخضر‏:‏ فإن اتَّبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحْدِث لك منه ذِكْراً، فانطلقا يمشيان على الساحل، فمرَّت سفينة فكلَّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نَوْلٍ؛ فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إِلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقَدوم، فقال له موسى‏:‏ قوم قد حملونا بغير نَوْل عمدتَ إِلى سفينتهم ‏{‏فخرقتها لتُغْرِقَ أهلها‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏عُسْراً‏}‏‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كانت الأُولى من موسى نسياناً»، وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر‏:‏ ما عِلْمي وعِلْمك من عِلم الله تعالى إِلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إِذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى‏:‏ ‏{‏أقتلت نفساً زكية‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏يريد أن ينقضَّ‏}‏ فقال الخضر بيده ‏[‏هكذا‏]‏، فأقامه، فقال موسى‏:‏ قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيِّفونا ‏{‏لو شئتَ لاتَّخذتَ عليه أجراً‏}‏ ‏!‏ ‏{‏قال هذا فراق بيني وبينك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏"‏

هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين»، وقد ذكرنا إِسناده في كتاب «الحدائق» فآثرنا الاختصار هاهنا‏.‏

فأما التفسير، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذ قال موسى‏}‏ المعنى‏:‏ واذكر ذلك‏.‏ وفي موسى قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه موسى بن عمران، قاله الأكثرون‏.‏ ويدل عليه ما روي في «الصحيحين» من حديث سعيد بن جبير قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ إِن نَوْفاً البِكاليّ يزعم أن موسى بني إِسرائيل هو موسى صاحب الخضر، قال‏:‏ كذب عدو الله، أخبرني أُبيّ بن كعب‏.‏‏.‏‏.‏ فذكر الحديث الذي قدمناه آنفاً‏.‏

والثاني‏:‏ أنه موسى بن ميشا، قاله ابن إِسحاق، وليس بشيء، للحديث الصحيح الذي ذكرناه‏.‏ فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف‏.‏ وإِنما سمي فتاه، لأنه كان يلازمه، ويأخذ عنه العلم، ويخدمه‏.‏

ومعنى ‏{‏لا أبرح‏}‏‏:‏ لا أزال‏.‏ وليس المراد به‏:‏ لا أزول، لأنه إِذا لم يُزل لم يقطع أرضاً، فهو مثل قولك‏:‏ ما برحت أناظر عبد الله، أي‏:‏ ما زلت، قال الشاعر‏:‏

إِذا أنتَ لم تبرحْ تؤدِّي أمانَةً *** وتحملُ أخرى أفرحتْك الودائعُ

أي‏:‏ أثقلتك، والمعنى‏:‏ لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، أي‏:‏ ملتقاهما، وهو الموضع الذي وعده الله بلقاء الخَضِر فيه، قال قتادة‏:‏ بحر فارس، وبحر الروم، فبحر الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق‏.‏

وفي اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ إِفريقية، قاله أُبيّ بن كعب‏.‏

والثاني‏:‏ طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو أمضيَ حُقُباً‏}‏ وقرأ أبو رزين، والحسن، وأبو مجلز، وقتادة، والجحدري، وابن يعمر‏:‏ «حُقْباً» بإسكان الكاف‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ الحُقُب‏:‏ الدَّهر، والحِقَب‏:‏ السِّنون، واحدتها حِقْبة، ويقال‏:‏ حُقْبٌ وحُقُب، كما يقال‏:‏ قُفْل وقُفُل، وهُزْؤ وهُزُؤ، وكُفْؤ وكُفُؤ، وأُكْل وأُكُل، وسُحْت وسُحُت، ورُعْب ورُعُب، ونُكْر ونُكُر، وأُذْن وأُذُن، وسُحْق وسُحُق، وبُعْد وبُعُد، وشُغْل وشُغُل، وثُلْث وثُلُث، وعُذْر وعُذُر، ونُذْر ونُذُر، وعُمْر وعُمُرُ‏.‏

وللمفسرين في المراد بالحُقُب هاهنا ثمانية أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الدَّهر، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ ثمانون سنة، قاله عبد الله بن عمرو، وأبو هريرة‏.‏

والثالث‏:‏ سبعون ألف سنة، قاله الحسن‏.‏

والرابع‏:‏ سبعون سنة، قاله مجاهد‏.‏

والخامس‏:‏ سبعة عشر ألف سنة، قاله مقاتل بن حيان‏.‏

والسادس‏:‏ أنه ثمانون ألف سنة، كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا‏.‏

والسابع‏:‏ أنه سنة بلغة قيس، ذكرهما الفراء‏.‏

والثامن‏:‏ الحُقُب عند العرب وقت غير محدود، قاله أبو عبيدة‏.‏ ومعنى الكلام‏:‏ لا أزال أَسيرُ، ولو احتجت أن أسير حُقُباً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما بلغا‏}‏ يعني‏:‏ موسى وفتاه ‏{‏مَجْمَعَ بَيْنِهِما‏}‏ يعني‏:‏ البحرين ‏{‏نسيا حوتهما‏}‏ وكانا قد تزوَّدا حوتاً مالحاً في زَبيل فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إِلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتلَ، فأصاب الحوتَ بللُ البحر‏.‏

وقيل‏:‏ توضأ يوشع من عين الحياة فانتضخ على الحوت الماءُ، فعاش، فتحرك في المِكْتَل، فانسرب في البحر، وقد كان قيل لموسى‏:‏ تزوَّدْ حوتاً مالحاً، فاذا فقَدته وجدتَ الرجل‏.‏ وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر قد مضى لحاجة، فعزم فتاه أن يخبره بما جرى فنسي‏.‏ وإِنما قيل‏:‏ «نسيا حوتهما» توسعاً في الكلام، لأنهما جميعاً تزوَّداه، كما يقال‏:‏ نسي القوم زادهم، وإِنما نسيه أحدهم‏.‏ قال الفراء‏:‏ ومثله قوله‏:‏ ‏{‏يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 22‏]‏، وإِنما يخرج ذلك من الملح، لا من العذب‏.‏ وقيل‏:‏ نسي يوشع أن يحمل الحوت، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء، فلذلك أُضيف النسيان إِليهما‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتخذ سبيله في البحر سرباً‏}‏ أي‏:‏ مسلكاً ومذهباً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ جعل الحوت لا يمسُّ شيئاً من البحر إِلا يبس حتى يكون صخرة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ جعل لا يسلك طريقاً إِلا صار الماء جامداً‏.‏ وقد ذكرنا في حديث أُبيّ بن كعب أن الماء صار مثل الطاق على الحوت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما جاوزا‏}‏ ذلك المكان الذي ذهب فيه الحوت، أصابهما ما يصيب المسافر من النَّصَب، فدعا موسى بالطعام، فقال‏:‏ ‏{‏آتنا غداءنا‏}‏ وهو الطعام الذي يؤكل بالغداة‏.‏ والنَّصَب‏:‏ الإِعياءِ‏.‏ وهذا يدل على إِباحة إِظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإِنسانَ من الأذى والتعب، ولا يكون ذلك شكوى‏.‏ ‏{‏قال‏}‏ يوشع لموسى ‏{‏أرأيتَ إِذ أوينا إِلى الصخرة‏}‏ أي‏:‏ حين نزلنا هناك ‏{‏فإني نسيتُ الحوت‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ نسيتُ أن أخبرك خبر الحوت‏.‏

والثاني‏:‏ نسيت حمل الحوت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أنسانيه‏}‏ قرأ الكسائي‏:‏ «أنسانيه» باماله السين ‏[‏مع كسر الهاء‏]‏‏.‏ وقرأ ابن كثير‏:‏ «أنسانيهي» بإثبات ياء في الوصل بعد الهاء‏.‏ وروى حفص عن عاصم‏:‏ «أنسانيهُ إِلا» بضم الهاء ‏[‏في الوصل‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتخذ سبيله في البحر عجباً‏}‏ الهاء في السبيل ترجع إِلى الحوت‏.‏ وفي المُتَّخِذ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الحوت، ثم في المخبر عنه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الله عز وجل، ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ فاتخذ سبيله في البحر يُري عجباً، ويُحدث عجباً‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏واتخذ سبيله في البحر‏}‏، قال‏:‏ اعجبوا لذلك عجباً، وتنَّبهوا لهذه الآية‏.‏

والثالث‏:‏ أن إِخبار الله تعالى انقطع عند قوله‏:‏ «في البحر» فقال موسى‏:‏ عجباً، لِما شوهد من الحوت‏.‏ ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري‏.‏

والثاني‏:‏ ‏[‏أن‏]‏ المُخْبِر عن الحوت يوشع، وصف لموسى ما فعل الحوت‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن المتخِذ موسى، اتخذ سبيل الحوت في البحر عجباً، فدخل في المكان الذي مَرَّ فيه الحوت، فرأى الخَضِر‏.‏ وروى عطية عن ابن عباس قال‏:‏ رجع موسى إِلى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، حتى انتهى به إِلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ يعني‏:‏ موسى ‏{‏ذلك ما كُنَّا نبغي‏}‏ أي‏:‏ ذلك الذي نطلب من العلامة الدَّالة على مطلوبنا‏.‏ قرأ ابن كثير‏:‏ «نبغي» بياء في الوصل والوقف‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو، والكسائي، بياء في الوصل‏.‏ وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، بحذف الياء في الحالين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فارتدا على آثارهما‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ رجعا في الطريق الذي سلكاه، يقصَّان الأثر والقَصَص‏:‏ اتِّباع الأثر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوجدا عبداً من عبادنا‏}‏ يعني الخضر‏.‏

وفي اسمه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ اليسع، قاله وهب، ومقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ الخَضِر بن عاميا‏.‏

والثالث‏:‏ أرميا بن حلفيا، ذكرهما ابن المنادي‏.‏

والرابع‏:‏ بليا بن ملكان، ذكره علي بن أحمد النيسابوري‏.‏

فأما تسميته بالخضر، ففيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرَّت، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ والفروة‏:‏ الأرض اليابسة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كان إِذا جلس اخضرَّ ما حوله، قاله عكرمة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ كان إِذا صلى اخضرَّ ما حوله‏.‏ وهل كان الخضر نبياً، أم لا‏؟‏ فيه قولان، ذكرهما أبو بكر بن الأنباري، وقال‏:‏ كثير من الناس يذهب إِلى أنه كان نبيّاً، وبعضهم يقول‏:‏ كان عبداً صالحاً‏.‏ واختلف العلماء هل هو باقٍ إِلى يومنا هذا، على قولين حكاهما الماوردي، وكان الحسن يذهب إِلى أنه مات، وكذلك كان ابن المنادي من أصحابنا يقول، ويقبِّح قول من يرى بقاءه، ويقول‏:‏ لا يثبت حديث في بقائه‏.‏ وروى أبو بكر النقاش أن محمد بن إِسماعيل البخاري سئل عن الخضر وإِلياس‏:‏ هل هما في الأحياء‏؟‏ فقال‏:‏ كيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد‏؟‏‏!‏ ‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏آتيناه رحمة من عندنا‏}‏ في هذه الرحمة ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها النبوَّة، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ الرِّقة والحُنُوُّ على من يستحقه، ذكره ابن الأنباري‏.‏

والثالث‏:‏ النِّعمة، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلَّمناه من لدنا‏}‏ أي‏:‏ من عندنا ‏{‏علماً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أعطاه عِلْماً من عِلْم الغيب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 69‏]‏

‏{‏قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‏(‏66‏)‏ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏67‏)‏ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ‏(‏68‏)‏ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏(‏69‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن تعلِّمني‏}‏ قرأ ابن كثير‏:‏ «تعلمني مما» بإثبات الياء في الوصل والوقف‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو بياء في الوصل‏.‏ وقرأ ابن عامر، وعاصم بحذف الياء في الحالين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مما عُلِّمْتَ رشداً‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «رُشداً» بضم الراء، ‏[‏وَإسكان الشين‏]‏ خفيفة‏.‏ وقرأ أبو عمرو‏:‏ «رَشَداً» بفتح الراء والشين‏.‏ وعن ابن عامر بضمهما‏.‏ والرُّشْد، والرَّشَد‏:‏ لغتان، كالنُّخْل والنَّخَل، والعُجْم والعَجَم، والعُرْب والعَرَب، والمعنى‏:‏ أن تعلمني عِلْماً ذا رشد‏.‏ وهذه القصة قد حرَّضت على الرحلة في طلب العلم، واتِّباع المفضول للفاضل طلباً للفضل، وحثَّت على الأدب والتواضع للمصحوب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنك لن تستطيع معي صبراً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لن تصبر على صنعي، لأني علمت من غيب علم ربي‏.‏

وفي هذا الصبر وجهان‏.‏

أحدهما‏:‏ على الإِنكار‏.‏

والثاني‏:‏ عن السؤال‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكيف تصبر على ما لم تحط به خُبْراً‏}‏ الخُبْر‏:‏ عِلْمك بالشيء؛ والمعنى‏:‏ كيف تصبر على أمر ظاهره مُنْكر، وأنت لا تعلم باطنه‏؟‏‏!‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ستجدني إِن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً‏}‏ قال ابن الأنباري‏:‏ نفي العصيان منسوق على الصبر‏.‏ والمعنى‏:‏ ستجدني صابراً ولا أعصي إِن شاء الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 78‏]‏

‏{‏قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏70‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ‏(‏71‏)‏ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏72‏)‏ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏(‏73‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ‏(‏74‏)‏ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏75‏)‏ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ‏(‏76‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏(‏77‏)‏ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏78‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تسألني‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «فلا تسألْني» ساكنة اللام‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ «فلا تسأَلَنِّي» مفتوحة اللام مشددة النون‏.‏ وقرأ ابن عامر في رواية الداجوني‏:‏ «فلا تسألَنِّ عن شيء» بتحريك اللام من غير ياء، والنون مكسورة‏.‏ والمعنى‏:‏ لا تسألني عن شيء مما أفعله ‏{‏حتى أحدث لك منه ذِكْراً‏}‏ أي‏:‏ حتى أكون أنا الذي أُبيِّنه لك، لأن عِلْمه قد غاب عنك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خرقها‏}‏ أي‏:‏ شقَّها‏.‏ قال المفسرون‏:‏ قلع منها لوحاً، وقيل‏:‏ لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه وأنكر عليه ما فعل بقوله‏:‏ ‏{‏أخرقتَها لتُغرق أهلَها‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر‏:‏ «لتُغرِق» بالتاء «أهلَها» بالنصب‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ «ليَغرَق» بالياء «أهلُها» برفع اللام‏.‏ ‏{‏لقد جئتَ شيئاً إِمراً‏}‏ وفيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ منكراً، قاله مجاهد‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ عظيماً من المنكر‏.‏

والثاني‏:‏ عجباً، قاله قتادة، وابن قتيبة‏.‏

والثالث‏:‏ داهية، قاله أبو عبيدة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تؤاخذني بما نسيتُ‏}‏ في هذا النسيان ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه على حقيقته، وأنه نسي، روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أن الأولى كانت نسياناً من موسى» ‏"‏‏.‏ والثاني‏:‏ أنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، قاله أُبيّ بن كعب، وابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه بمعنى التَّرك، فالمعنى‏:‏ لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه، ذكره ابن الأنباري‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تُرهقني‏}‏ قال الفراء‏:‏ لا تُعجلني‏.‏ وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج‏:‏ لا تُغْشِني‏.‏ قال أبو زيد‏:‏ يقال‏:‏ أرهقتُه عسراً‏:‏ إِذا كلفتَه ذلك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والمعنى‏:‏ عاملني باليُسْرِ، لا بالعُسْرِ‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانطلقَا‏}‏ يعني‏:‏ موسى والخضر‏.‏ قال الماوردي‏:‏ يحتمل أن يوشع تأخر عنهما، لأن الإِخبار عن اثنين، ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تَبَعٌ لموسى، فاقتصر على حكم المتبوع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إِذا لقيا غلاماً‏}‏ اختلفوا في هذا الغلام هل كان بالغاً، أم لا‏؟‏ على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه لم يكن بالغاً، قاله ابن عباس، ومجاهد، والأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كان شابّاً قد قبض على لحيته، حكاه الماوردي عن ابن عباس أيضاً، واحتج بأن غير البالغ لم يَجْرِ عليه قلم، فلم يستحق القتل‏.‏ وقد يُسمَّى الرجلُ غلاماً، قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج‏:‏

‏[‏شَفَاها من الدَّاءِ العُضَالِ الذي بها‏]‏ *** غُلامٌ إِذا هزّ القناةَ سقاها

وفي صفة قتله له ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه اقتلع رأسه، وقد ذكرناه في حديث أُبَيٍّ‏.‏

والثاني‏:‏ كسر عنقه، قاله ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أضجعة وذبحه بالسكين، قاله سعيد بن جبير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أقتلت نفساً زاكية‏}‏ قرأ الكوفيون، وابن عامر‏:‏ «زكيَّة» بغير ألف، والياء مشددة‏.‏

وقرأ الباقون بالألف من غير تشديد‏.‏ قال الكسائي‏:‏ هما لغتان بمعنى واحد، وهما بمنزلة القاسية، والقَسيّة‏.‏

وللمفسرين فيها ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها التائبة، روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الزكية‏:‏ التائبة، ‏[‏وبه‏]‏ قال الضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ أنها المسلمة، روي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الزكية التي لم تبلغ الخطايا، قاله سعيد بن جبير‏.‏

والرابع‏:‏ أنها الزكية النامية، قاله قتادة‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ القويمة في تركيبها‏.‏

والخامس‏:‏ أن الزكية‏:‏ المطهرة، قاله أبو عبيدة‏.‏

والسادس‏:‏ أن الزكية‏:‏ البريئة التي لم يظهر ما يوجب قتلها، قاله الزجاج‏.‏

وقد فَرَّق بعضهم بين الزاكية، والزكيَّة، فروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال‏:‏ الزاكية‏:‏ التي لم تذنب قطُّ، والزكية‏:‏ التي أذنبت ثم تابت‏.‏ وروي عن أبي عبيدة أنه قال‏:‏ الزاكية في البدن، والزكية في الدِّين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بغير نفس‏}‏ أي‏:‏ بغير قتل نفس ‏{‏لقد جئت شيئاً نكراً‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ «نكْراً» خفيفة في كل القرآن، إِلا قوله ‏{‏إِلى شيءٍ نُكُر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 6‏]‏، وخفف ابن كثير أيضاً «إِلى شيء نُكْر»‏.‏ وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «نُكُراً» و«إِلى شيء نُكْر»‏.‏ مثقل‏.‏ والمخفف إِنما هو من المثقل، كالعُنْق، والعُنُق، والنُكْر، والنُكُر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والمعنى‏:‏ لقد أتيت شيئاً نكراً‏.‏ ويجوز أن يكون معناه‏:‏ جئت بشيء نكر، فلما حذف الباء، أفضى الفعل فنصب نكراً، و«نكراً» أقل منكراً من قوله‏:‏ «إِمراً» لأن تغريق مَنْ في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال ألم أقل لك‏}‏‏.‏

إِن قيل‏:‏ لم ذكر «لك» هاهنا، واختزله من الموضع الذي قبله‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن إِثباته للتوكيد، واختزاله لوضوح المعنى، وكلاهما معروف عند الفصحاء‏.‏ تقول العرب‏:‏ قد قلت لك‏:‏ اتق الله‏.‏ وقد قلت لك‏:‏ يا فلان اتق الله، وأنشد ثعلب‏:‏

قد كنتُ حَذَّرْتُكَ آلَ المصْطَلِقْ *** وقلتُ‏:‏ يا هَذا أَطِعْنِي وَانْطَلِقْ

فقوله‏:‏ يا هذا، توكيد لا يختل الكلام بسقوطه‏.‏ وسمعت الشيخ أبا محمد الخشاب يقول‏:‏ وقَّره في الأول، فلم يواجهه بكاف الخطاب، فلما خالف في الثاني، واجهه بها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن سألتك عن شيء‏}‏ أي‏:‏ سؤال توبيخ وإِنكار ‏{‏بعدها‏}‏ أي‏:‏ بعد هذه المسألة ‏{‏فلا تصاحبني‏}‏ وقرأ كذلك معاذ القارئ، وأبو نهيك، وأبو المتوكل، والأعرج، إِلا أنهم شدَّدوا النون‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ومعناه‏:‏ إِن طلبتُ صحبتك فلا تُتَابعني على ذلك‏.‏ وقرأ أُبيُّ بن كعب، وابن أبي عبلة، ويعقوب‏:‏ «فلا تَصحبني» بفتح التاء من غير ألف‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، والأعمش كذلك، إِلا أنهم شددوا النون‏.‏ وقرأ أبو رجاء، وأبو عثمان النهدي، والنخعي، والجحدري‏:‏ «تُصْحِبْني» بضم التاء، وكسر الحاء، وسكون الصاد والباء‏.‏ قال الزجاج‏:‏ فيهما وجهان‏.‏

أحدهما‏:‏ لا تتابعني في شيء ألتمسه منك‏.‏ يقال‏:‏ قد أصحب المهر‏:‏ إِذا انقاد‏.‏

والثاني‏:‏ لا تصحبني علماً من علمك‏.‏

‏{‏قد بلغت من لدني‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ «من لدنِّي» مثقل‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ «من لدُني» بضم الدال مع تخفيف النون‏.‏ وروى أبو بكر عن عاصم‏:‏ «من لَدْني» بفتح اللام مع تسكين الدال‏.‏ وفي رواية أخرى عن عاصم‏:‏ «لُدْني» بضم اللام وتسكين الدال‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وأجودها تشديد النون، لأن أصل «لدن» الإِسكان، فاذا أضفتها إِلى نفسك زدت نوناً، ليسلم سكون النون الأولى، تقول‏:‏ من لدن زيد، فتسكِّن النون ثم تضيف إِلى نفسك، فتقول‏:‏ من لدنِّي، كما تقول‏:‏ عن زيد وعنِّي‏.‏ فأما إِسكان دال «لَدْني» فإنهم أسكنوها، كما تقول في عضُد‏:‏ عَضْد، فيحذفون الضم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد‏:‏ إِنك قد أُعذرت فيما بيني وبينك، يعني‏:‏ أنك قد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبراً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانطلقا حتى إِذا أتيا أهل قرية‏}‏ فيها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها أنطاكية، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ الأُبُلَّة، قاله ابن سيرين‏.‏

والثالث‏:‏ باحروان، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏استطعما أهلها‏}‏ أي‏:‏ سألاهم الضيافة ‏{‏فأبَوْا أن يضيِّفوهما‏}‏ روى المفضل عن عاصم‏:‏ «يُضيفوهما» بضم الياء الأولى وكسر الضاد وتخفيف الياء الثانية‏.‏ وقرأ أبو الجوزاء كذلك، إِلا أنه فتح الياء ‏[‏الأولى‏]‏‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ «يضيِّفوهما» بفتح الضاد وتشديد الياء الثانية وكسرها‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ومعنى يضيِّفوهما‏:‏ ينزلوهما منزل الأضياف، يقال‏:‏ ضِفت أنا، وأضافني الذي يُنزلني‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ ضِفتُ الرجل‏:‏ إِذا نزلتَ عليه، وأضفته‏:‏ إِذا أنزلته وَقَرَيْتَهُ‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ ‏[‏يقال‏]‏‏:‏ ضيفت الرجل‏:‏ إِذا أنزلتَه منزلة الأضياف، ومنه هذه الآية، وأضفته‏:‏ أنزلته، وضِفته‏:‏ نزلت عليه‏.‏ وروى أُبيُّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ «كانوا أهل قرية لئاماً» ‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوجدا فيها جداراً‏}‏ أي‏:‏ حائطاً‏.‏ قال ابن فارس‏:‏ وجمعه جُدُر، والجَدْر‏:‏ أصل الحائط‏.‏ ومنه حديث الزبير‏:‏ ‏"‏ ثم دع الماء يرجع إِلى الجَدْر ‏"‏، والجيدر‏:‏ القصير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريد أن ينقضَّ‏}‏ وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو رجاء‏:‏ «ينقاض» بألف ممدودة، وضاد معجمة؛ وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو عثمان النهدي‏:‏ «ينقاص» بألف ومدة وصاد غير معجمة، وكلُّه بلا تشديد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ فمعنى‏:‏ ينقضَّ‏:‏ يسقط بسرعة، وينقاص، غير معجمة‏:‏ ينشق طولاً، يقال‏:‏ انقاصت سِنُّه‏:‏ إِذا انشقَّت‏.‏ قال ابن مقسم‏:‏ انقاصت سِنُّه، وانقاضت بالصاد، والضاد على معنى واحد‏.‏

فإن قيل‏:‏ كيف نسبت الإِرادة إِلى ما لا يعقل‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن هذا على وجه المجاز تشبيهاً بمن يعقل، ويريد‏:‏ لأن هيأته في التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين، فوصف بالإِرادة إِذ كانت الصورتان واحدة، وقد أضافت العرب الأفعال إِلى مالا يعقل تجوُّزاً، قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولما سكت عن موسى الغضبُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 154‏]‏، والغضب لا يسكت، وإِنما يسكت صاحبه، وقال‏:‏

‏{‏فإذا عزم الأمر‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 21‏]‏، وأنشدوا من ذلك‏:‏

إِنَّ دهْراً يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ *** لَزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحْسانِ

وقال آخر‏:‏

يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ *** وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عقيلِ

وقال آخر‏:‏

ضحكوا والدهرُ عنهم سَاكتٌ *** ثم أبكاهم دماً لمَّا نَطَقْ

وقال آخر‏:‏

يشْكُو إِليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى *** ‏[‏صَبْراً جَمِيلاً فَكِلانا مُبْتَلَى‏]‏

وهذا كثير في أشعارهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأقامه‏}‏ أي‏:‏ سوّاه، لأنه وجده مائلاً‏.‏

وفي كيفية ما فعل قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه دفعه بيده فقام‏.‏ والثاني‏:‏ هدمه ثم قعد يبنيه، روي القولان عن ابن عباس‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لو شئتَ لَتَخِذْتَ عليه أجراً‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو‏:‏ «لَتَخِذْتَ» بكسرالخاء، غير أن أبا عمرو كان يدغم الذال، وابن كثير يظهرها‏.‏ وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ «لاتَّخَذْتَ» وكلُّهم أدغموا، إِلا حفصاً عن عاصم، فإنه لم يدغم مثل ابن كثير‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ تَخِذ يَتْخَذُ في معنى‏:‏ اتَّخَذَ يتَّخِذُ‏.‏ وإنما قال له هذا، لأنهم لم يضيِّفوهما‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ يعني‏:‏ الخضر ‏{‏هذا‏}‏ يعني‏:‏ الإِنكار عَلَيَّ ‏{‏فراق بيني وبينك‏}‏ أي‏:‏ هو المفرِّق بيننا‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ هذا فراقُ بينِنا، أي‏:‏ فراق اتصالنا، وكرر «بين» توكيداً، ومثله في الكلام‏:‏ أخزى اللهُ الكاذب مني ومنك‏.‏ وقرأ أبو رزين، وابن السميفع، وأبو العالية، وابن أبي عبلة‏:‏ «هذا فِراقٌ» بالتنوين «بيني وبينَك» بنصب النون‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كان قول موسى في السفينة والغلام، لربِّه، وكان قوله في الجدار، لنفسه، لطلب شيء من الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 82‏]‏

‏{‏أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ‏(‏79‏)‏ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ‏(‏80‏)‏ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ‏(‏81‏)‏ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏82‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكانت لمساكين‏}‏ في المراد بمسكنتهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم كانوا ضعفاءَ في أكسابهم‏.‏

والثاني‏:‏ في أبدانهم‏.‏ وقال كعب‏:‏ كانت لعشرة إِخوة، خمسةٍ زمْنى، وخمسةٍ يعملون في البحر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأردتُ أن أعيبَها‏}‏ أي‏:‏ أجعلها ذات عيب، يعني بخرقها، ‏{‏وكان وراءهم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أمامهم، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة، وابن قتيبة‏.‏ وقرأ أُبيُّ بن كعب، وابن مسعود‏:‏ «وكان أمامَهم مَلِك»‏.‏

والثاني‏:‏ خلفهم؛ قال الزجاج‏:‏ وهو أجود الوجهين‏.‏ فيجوز أن يكون رجوعهم في طريقهم كان عليه، ولم يعلموا بخبره، فأعلم الله تعالى الخضرَ خَبَرَه‏.‏ قوله تعالى ‏{‏يأخذ كل سفينة غصباً‏}‏ أي‏:‏ كل سفينة صالحة‏.‏ وفي قراءة أُبيِّ ‏[‏بن كعب‏]‏‏:‏ «كلَّ سفينة صحيحة»‏.‏ قال الخضر‏:‏ إِنما خرقتها، لأن الملك إِذا رآها منخرقة تركها ورقعها أهلُها فانتفعوا بها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأما الغلام‏}‏ روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ‏:‏ «وأما الغلام فكان كافراً»‏.‏ وروى أُبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ «إِن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً ‏"‏ قال الربيع بن أنس‏:‏ كان الغلام على الطريق لا يمرُّ به أحدٌ إِلا قتلَه أو غصبه، فيدعو ذلك عليه وعلى أبويه‏.‏ وقال ابن السائب‏:‏ كان الغلام لصّاً، فإذا جاء من يطلبه حلف أبواه أنه لم يفعل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فخشينا‏}‏ في القائل لهذا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ الله عز وجل‏.‏ ثم في معنى الخشية المضافة إِليه قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنها بمعنى‏:‏ العلم‏.‏ قال الفراء‏:‏ معناه‏:‏ فعلمنا‏.‏ وقال ابن عقيل‏:‏ المعنى‏:‏ فعلنا فعل الخاشي‏.‏

والثاني‏:‏ الكراهة، قاله الأخفش، والزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الخضر، فتكون الخشية بمعنى الخوف للأمر المتوهم، قاله ابن الأنباري‏.‏ وقد استدل بعضهم على أنه من كلام الخضر بقوله‏:‏ ‏{‏فأردنا أن يبدلهما ربهما‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ فأراد الله، لأن لفظ الخبر عن الله تعالى هكذا أكثر من أن يحصى‏.‏ ومعنى ‏{‏يرهقهما‏}‏‏:‏ يحملهما على الرَّهَق، وهو الجهل‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ «يُرْهِقَهُما»‏:‏ يغشِيَهما‏.‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ خشينا أن يحملَهما حُبُّه على أن يدخلا في دينه‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ فرحا به حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فرضي امروءٌ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره، خير له من قضائه فيما يحب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأردنا أن يبدلَهما ربهما‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «أن يُبْدِلَهُما» بالتخفيف‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو بالتشديد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خيراً منه زكاةً‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ديناً، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ عملاً، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ صلاحاً، قاله الفراء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأقربَ رُحْماً‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «رُحْماً» ساكنة الحاء، وقرأ ابن عامر‏:‏ «رُحُماً» مثقلة‏.‏

وعن أبي عمرو كالقراءتين‏.‏ وقرأ ابن عباس، وابن جبير، وأبو رجاء‏:‏ «رَحِماً» بفتح الراء، وكسر الحاء‏.‏

وفي معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أوصل للرحم وأبَرّ للوالدين، قاله ابن عباس، وقتادة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أقرب عطفاً، وأمسّ بالقرابة‏.‏ ومعنى الرُّحْم والرُّحُم في اللغة‏:‏ العطف والرحمة، قال الشاعر‏:‏

وكيف بظلم جَاريةٍ *** ومنها اللِّينُ والرُّحُم

والثاني‏:‏ أقرب أن يُرحَما به، قاله الفراء‏.‏ وفيما بُدِّلا به قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ جارية، قاله الأكثرون‏.‏ وروى عطاء عن ابن عباس، قال‏:‏ أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيّاً‏.‏

والثاني‏:‏ غلام مسلم، قاله ابن جريج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة‏}‏ يعني‏:‏ القريةَ المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏أتيا أهل قرية‏}‏، قال مقاتل‏:‏ واسمهما‏:‏ أصرم، وصريم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكان تحته كنزٌ لهما‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه كان ذهباً وفضة، رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الحسن، وعكرمة، وقتادة‏:‏ كان مالاً‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كان لوحاً من ذهب، فيه مكتوب‏:‏ عجباً لمن أيقن بالقدر ثم هو يَنْصَب، عجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجباً لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجباً لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، عجباً لمن يؤمن بالحساب كيف يغفُل، عجباً لمن رأى الدنيا وتقلُّبَها بأهلها كيف يطمئن إِليها، أنا الله الذي لا إِله إِلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشِّق الآخر‏:‏ أنا الله لا إِله إِلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقتُ الخير والشَّر، فطوبى لمن خلقتُه للخير وأجريتُه على يديه، والويل لمن خلقتُه للشر وأجريتُه على يديه، رواه عطاء عن ابن عباس‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ فسُمِّي كنزاً من جهة الذَّهب، وجعل اسمه هو المغلَّب‏.‏

والثالث‏:‏ كنز علم، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ صُحُف فيها عِلْم، وبه قال سعيد بن جبير، والسدي‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ فيكون المعنى على هذا القول‏:‏ كان تحته مثل الكنز، لأنه يُتعجَّل من نفعه أفضل مما يُنال من الأموال‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والمعروف في اللغة‏:‏ أن الكنز إِذا أُفرد، فمعناه‏:‏ المال المدفون المدَّخَر، فاذا لم يكن المال، قيل‏:‏ عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز هاهنا بالمال أشبه، وجائز أن يكون الكنز كان مالاً، مكتوب فيه علم، على ما روي، فهو مال وعِلْم عظيم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكان أبوهما صالحاً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ حُفِظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحاً‏.‏ وقال جعفر بن محمد عليه السلام‏:‏ كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كان أبوهما ذا أمانة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأراد ربُّك‏}‏ قال ابن الأنباري‏:‏ لما كان قوله‏:‏ «فأردتُ» و«وأردنا» كل واحد منهما يصلح أن يكون خبراً عن الله عز وجل، وعن الخضر، أتبعهما بما يحصر الإِرادة عليه، ويزيلها عن غيره، ويكشف البُغية من اللفظتين الأولَيين‏.‏ وإِنما قال‏:‏ «فأردتُ» «فأردنا» «فأراد ربُّك»، لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتِّفاقه مع تساوي المعاني، لأنه أعذب على الألسن، وأحسن موقعاً في الأسماع، فيقول الرجل‏:‏ قال لي فلان كذا، وأنبأني بما كان، وخبَّرني بما نال‏.‏ فأما «الأَشُدُّ» فقد سبق ذكره في مواضع ‏[‏الأنعام‏:‏ 152، ويوسف‏:‏ 22، والإسراء‏:‏ 34‏]‏ ولو أن الخضر لم يُقِم الحائط لنُقض وأُخِذ ذلك الكنز قبل بلوغهما‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رحمةً من ربك‏}‏ أي‏:‏ رحمهما الله بذلك‏.‏ ‏{‏وما فعلتُه عن أمري‏}‏ قال قتادة‏:‏ كان عبداً مأموراً‏.‏

فأما قوله ‏{‏تَسْطِع‏}‏ فإن «استطاع» و«اسطاع» بمعنى واحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 88‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏83‏)‏ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ‏(‏84‏)‏ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏85‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ‏(‏86‏)‏ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏87‏)‏ وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ‏(‏88‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن ذي القرنين‏}‏ قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الروح‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏‏.‏

واختلفوا في اسم ذي القرنين على أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ عبد الله، قاله علي عليه السلام، وروي عن ابن عباس أنه عبد الله بن الضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ الاسكندر، قاله وهب‏.‏

والثالث‏:‏ عيِّاش، قاله محمد بن علي بن الحسين‏.‏

والرابع‏:‏ الصعب بن جابر بن القلمس، ذكره ابن أبي خيثمة‏.‏

وفي علَّة تسميته بذي القرنين عشرة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه دعا قومه إِلى الله تعالى، فضربوه على قرنه فهلك، فغبر زماناً، ثم بعثه الله، فدعاهم إِلى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك، فذانك قرناه، قاله علي عليه السلام‏.‏

والثاني‏:‏ أنه سمي بذي القرنين، لأنه سار إِلى مغرب الشمس وإِلى مطلعها، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس‏.‏

والرابع‏:‏ لأنه رأى في المنام كأنه امتد من السماء إِلى الأرض وأخذ بقرني الشمس، فقصَّ ذلك على قومه، فسمِّي بذي القرنين‏.‏

والخامس‏:‏ لأنه مَلَك الروم وفارس‏.‏

والسادس‏:‏ لأنه كان في رأسه شبه القرنين، رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب بن منبِّه‏.‏

والسابع‏:‏ لأنه كانت له غديرتان من شعر، قاله الحسن‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ والعرب تسمي الضفيرتين من الشعر غديرتين، وجميرتين، وقرنين؛ قال‏:‏ ومن قال‏:‏ سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم، قال‏:‏ لأنهما عاليان على جانبين من الأرض يقال لهما‏:‏ قرنان‏.‏

والثامن‏:‏ لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف‏.‏

والتاسع‏:‏ لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس، وهو حيّ‏.‏

والعاشر‏:‏ لأنه سلك الظلمة والنور، ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو إِسحاق الثعلبي‏.‏

واختلفوا هل كان نبيّاً، أم لا‏؟‏ على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه كان نبيّاً، قاله عبد الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كان عبداً صالحاً، ولم يكن نبيّاً، ولا مَلكاً، قاله علي عليه السلام‏.‏ وقال وهب‏:‏ كان ملكاً، ولم يوح إِليه‏.‏

وفي زمان كونه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه من القرون الأُوَل من ولد يافث بن نوح، قاله علي عليه السلام‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كان بعد ثمود، قاله الحسن‏.‏ ويقال‏:‏ كان عمره ألفاً وستمائة سنة‏.‏

والثالث‏:‏ ‏[‏أنه‏]‏ كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، قاله وهب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سأتلوا عليكم منه ذِكْراً‏}‏ أي‏:‏ خبراً يتضمن ذِكْره‏.‏ ‏{‏إِنا مكَّنَّا له في الأرض‏}‏ أي‏:‏ سهَّلْنا عليه السَّير فيها‏.‏ قال علي عليه السلام‏:‏ إِنه أطاع الله، فسخَّر له السحاب فحمله عليه، ومَدَّ له في الأسباب، وبسط له النُّور، فكان الليل والنهار عليه سواء‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ مَلَك الأرضَ أربعةٌ‏:‏ مؤمنان، وكافران؛ فالمؤمنان‏:‏ سليمان بن دواد، وذو القرنين؛ والكافران‏:‏ النمرود، وبختنصر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتيناه من كل شيء سبباً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ عِلْماً يتسبب به إِلى ما يريد‏.‏ وقيل‏:‏ هو العِلْم بالطُّرق والمسالك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأتبع سبباً‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو‏:‏ «فاتَّبع سبباً» «ثم اتَّبع سبباً» «ثم اتَّبع سبباً» مشددات التاء‏.‏ وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ «فأتبع سبباً» «ثم أتبع سبباً» «ثم أتبع سبباً» مقطوعات‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ من قرأ «فاتَّبع سبباً» فمعناه‏:‏ قفا الأثر، ومن قرأ «فأتبع» فمعناه‏:‏ لحق؛ يقال‏:‏ اتَّبَعَني فلان، أي‏:‏ تَبِعَني، كما يقال‏:‏ أَلْحَقَني فلان، بمعنى لَحِقَني‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ «أتبع» تقديره‏:‏ أتبع سبباً سبباً، فأتبع ما هو عليه سبباً، والسبب‏:‏ الطريق، والمعنى‏:‏ تبع طريقاً يؤدِّيه إِلى مَغْرِب الشمس‏.‏ وكان إِذا ظهر على قوم أخذ منهم جيشاً فسار بهم إِلى غيرهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجدها تغرب في عين حمئة‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن وعاصم‏:‏ «حمئة»، وهي قراءة ‏[‏ابن عباس‏.‏ وقرأ‏]‏ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «حامية»، وهي قراءة عمرو، وعلي، وابن مسعود، والزبير، ومعاوية، وأبي عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، وأبي جعفر، وشيبة، وابن محيصن، والأعمش، كلُّهم لم يهمز‏.‏ قال الزجاج‏:‏ فمن قرأ‏:‏ «حمئة» أراد في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأَة‏.‏ يقال‏:‏ حَمَأْتُ البئر‏:‏ إِذا أخرجتَ حَمْأتَها؛ وأَحْمَأْتُها‏:‏ إِذا ألقيتَ فيها الحَمْأَة‏.‏ ‏[‏وحمئت‏]‏ فهي حمئة‏:‏ إِذا صارت فيها الحَمْأَة‏.‏ ومن قرأ‏:‏ «حامية» بغير همز، أراد‏:‏ حارّة‏.‏ وقد تكون حارَّة ذاتَ حَمْأَة‏.‏ وروى قتادة عن الحسن، قال‏:‏ وجدها تَغْرُب في ماءٍ يغلي كغليان القدور ‏{‏ووجد عندها قَوْماً‏}‏ لباسهم جلود السِّباع، وليس لهم طعام إِلا ما أحرقت الشمس من الدوابّ إِذا غربت نحوها، وما لفظت العين من الحيتان إِذا وقعت فيها الشمس‏.‏ وقال ابن السائب‏:‏ وجد عندها قوماً مؤمنين وكافرين، يعني عند العين‏.‏ وربما توهَّم متوهِّم أن هذه الشمس على عِظَم قدْرها تغوص بذاتها في عين ماءٍ، وليس كذلك‏.‏ فإنها أكبر من الدنيا مراراً، فكيف تَسَعُها عين ‏[‏ماء‏؟‏‏!‏‏.‏ وقيل‏:‏ إِن الشمس بقدر الدنيا مائة وخمسين مَرَّة، وقيل‏:‏ بقدر الدنيا مائة وعشرين مَرَّة، والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرة‏]‏‏.‏ وإِنما وجدها تغرب في العين كما يرى راكب البحر الذي لا يرى طَرَفه أن الشمس تغيب في الماء، وذلك لأن ذا القرنين انتهى إلى آخر البنيان فوجد عيناً حَمِئة ليس بعدها أحد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قلنا يا ذا القرنين‏}‏ فمن قال‏:‏ إِنه نبيّ، قال‏:‏ هذا القول وحي؛ ومن قال‏:‏ ليس بنبي، قال‏:‏ هذا إِلهام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِما أن تُعَذِّب‏}‏ قال المفسرون‏:‏ إِما أن تقتلَهم إِن أبَوْا ما تدعوهم إِليه، وإِما أن تأسرهم، فتبصِّرهم الرشد‏.‏ ‏{‏قال أمّا مَنْ ظَلَم‏}‏ أي‏:‏ أشرك ‏{‏فسوف نُعَذِّبُه‏}‏ بالقتل إِذا لم يرجع عن الشرك‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كان يطبخهم في القدور ‏{‏ثم يُرَدُّ إِلى ربِّه‏}‏ بعد العذاب ‏{‏فيعذبه عذاباً نُكْراً‏}‏ بالنار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فله جزاءً الحسنى‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «جزاءُ الحسنى» برفع مضاف‏.‏ قال الفراء‏:‏ «الحسنى»‏:‏ الجنة، وأضيف الجزاءُ إِليها، وهي الجزاء، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنه لَحَقُّ اليقين‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 51‏]‏ و‏{‏دينُ القيِّمة‏}‏ ‏[‏البيِّنة‏:‏ 5‏]‏ و‏{‏ولدار الآخرة‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 30‏]‏‏.‏ قال أبو علي الفارسي‏:‏ المعنى‏:‏ فله جزاء الخلال الحسنى، لأن الإِيمان والعمل الصالح خِلال‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف، ويعقوب‏:‏ «جزاءً» بالنصب والتنوين؛ قال الزجاج‏:‏ وهو مصدر منصوب على الحال، المعنى‏:‏ فله الحسنى مَجْزِيّاً بها جزاءًَ‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ وقد يكون الجزاء غير الحسنى إِذا تأوَّل الجزاء بأنه الثواب؛ والحسنى‏:‏ الحسنة المكتسبة في الدنيا، فيكون المعنى‏:‏ فله ثواب ما قدَّم من الحسنات‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسنقول له من أمرنا يُسْراً‏}‏ أي‏:‏ نقول له قولاً جميلاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 91‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏89‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ‏(‏90‏)‏ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ‏(‏91‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أَتْبَعَ سبباً‏}‏ أي‏:‏ طريقاً آخر يوصله إِلى المَشْرِق‏.‏ قال قتادة‏:‏ مضى يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إِلا من آمن حتى أتى مطلع الشمس فأصاب قوماً في أسرابٍ عراةً، ليس لهم طعام إِلا ما أحرقت الشمس إِذا طلعت، فإذا توسطت السماء خرجوا من أسرابهم في طلب معايشهم مما أحرقته الشمس‏.‏ وبلغَنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان، فيقال‏:‏ إِنهم الزنج‏.‏ قال الحسن‏:‏ كانوا إِذا غربت الشمس خرجوا يتراعَون كما يتراعى الوحش‏.‏ وقرأ الحسن، ومجاهد، وأبو مجلز، وأبو رجاء، وابن محيصن‏:‏ «مَطْلَع الشمس» بفتح اللام‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ ولا خلاف بين أهل العربية في أن المَطْلِع، والمَطْلَع كلاهما يعنى بهما المكانُ الذي تطلع منه الشمس‏.‏ ويقولون‏:‏ ما كان على فَعَل يَفْعُل، فالمصدر واسم الموضع يأتيان على المَفْعَل، كقولهم‏:‏ المَدْخَل، للدخول، والموضِع الذي يُدخَل منه، إِلا أحد عشر حرفاً جاءت مكسورة إِذا أريد بها المواضع، وهي‏:‏ المَطْلِع، والمَسْكِن، والمَنْسِك، والمَشْرِق، والمَغرِب، والمَسْجِد، والمَنْبِت، والمَجْزِر، والمَفْرِق، والمَسْقِط، والمَهْبِل، الموضع الذي تضع فيه الناقة؛ وخمسة من هؤلاء الأحد عشر حرفاً سُمع فيهن الكسر والفتح‏:‏ المَطْلِع، والمَطْلَع‏.‏ والمَنْسِك، والمَنْسَك‏.‏ والمَجْزِر، والمَجْزَر‏.‏ والمَسْكِن، والمَسْكَن‏.‏ والمَنْبِت، والمَنْبَت‏.‏ فقرأ الحسن على الأصل من احتمال المَفْعل الوجهين الموصوفين ‏[‏بفتح العين وكسرها‏]‏، وقراءة العامة على اختيار العرب وما كثر على ألسنتها، وخصت المَوْضِع بالكسر، وآثرت المصدر بالفتح‏.‏ قال أبو عمرو‏:‏ المطلِع، بالكسر‏:‏ الموضع الذي تطلع فيه؛ والمطلَع، بالفتح‏:‏ الطُّلوع؛ قال ابن الأنباري‏:‏ هذا هو الأصل، ثم إِن العرب تتسع فتجعل الاسم نائباً عن المصدر، فيقرؤون‏:‏ ‏{‏حتى مَطْلِع الفجر‏}‏ ‏[‏القدر‏:‏ 5‏]‏ بالكسر وهم يعنون الطُّلوع؛ ويقرأ من قرأ ‏{‏مَطْلَع الشمس‏}‏ بالفتح على أنه موضع بمنزلة المدخل الذي هو اسم للموضع الذي يدخل منه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ كما بلغ مَغْرِب الشمس بلغ مطلعها‏.‏

والثاني‏:‏ أتبع سبباً كما أتبع سبباً‏.‏

والثالث‏:‏ كما وجد أولئك عند مَغْرِب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد هؤلاء عند مطلعها وحكم فيهم‏.‏

والرابع‏:‏ أن المعنى‏:‏ كذلك أمْرُهم كما قصصنا عليك؛ ثم استأنف فقال‏:‏ ‏{‏وقد أحطنا بما لديه‏}‏ أي‏:‏ بما عنده ومعه من الجيوش والعدد‏.‏ وحكى أبو سليمان الدمشقي‏:‏ «بما لديه» أي‏:‏ بما عند مطلع الشمس‏.‏ وقد سبق معنى الخُبْر ‏[‏الكهف‏:‏ 68‏]‏‏.‏