فصل: تفسير الآية رقم (71)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود يدُ الله مغلولة‏}‏ قال أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ نزلت في فنحاص اليهودي وأصحابه، قالوا‏:‏ يد الله مغلولة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ فنحاص وابن صلوبا، وعازر بن أبي عازر‏.‏ وفي سبب قولهم هذا ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الله تعالى كان قد بسط لهم الرزق، فلما عصوا الله تعالى في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكفروا به كفَّ عنهم بعض ما كان بسط لهم، فقالوا‏:‏ يد الله مغلولة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة‏.‏

والثاني‏:‏ أن الله تعالى استقرض منهم كما استقرض من هذه الأمة، فقالوا‏:‏ إِن الله بخيل، ويده مغلولة فهو يستقرضنا، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أن النصارى لما أعانوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس، قالت اليهود‏:‏ لو كان الله صحيحاً، لمنعنا منه، فيده مغلولة، ذكره قتادة أيضاً‏.‏

والمغلولة‏:‏ الممسَكة المنقبضة‏.‏ وعن ماذا عَنوا أنها ممسكة، فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ عن العطاء، قاله ابن عباس، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ ممسكة عن عذابنا، فلا يعذبنا إِلا تحلّة القسم بقدر عبادتنا العجل، قاله الحسن‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏غلت أيديهم‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ غلت في جهنم، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ أُمسكت عن الخير، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ جُعِلوا بُخلاء، فهم أبخل قوم، قاله الزجاج‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ وهذا خبر أخبر الله تعالى به الخلق أن هذا قد نزل بهم، وموضعه نصب على معنى الحال‏.‏ تقديره‏:‏ قالت اليهود هذا في حال حكم الله بغل أيديهم، ولعنته إِياهم، ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ فغلت أيديهم، ويجوز أن يكون دعاء، معناه‏:‏ تعليم الله لنا كيف ندعو عليهم، كقوله‏:‏ ‏{‏تبّت يدا أبي لهب‏}‏ ‏[‏اللهب‏:‏ 1‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لتدخلن المسجد الحرام إِن شاء الله آمنين‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ولعنوا بما قالوا‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أُبعدوا من رحمة الله‏.‏

والثاني‏:‏ عذبوا في الدنيا بالجزية، وفي الآخرة بالنّار‏.‏

والثالث‏:‏ مُسخوا قردة وخنازير‏.‏ وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ من لعن شيئاً لم يكن للعنه أهلاً رجعت اللعنة على اليهود بلعنة الله إِياهم ‏"‏ قال الزجاج‏:‏ وقد ذهب قومٌ إِلى أن معنى «يد الله»‏:‏ نعمته، وهذا خطأ ينقضه ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏ فيكون المعنى على قولهم‏:‏ نعمتاه، ونعم الله أكثر من أن تحصى‏.‏ والمراد بقوله‏:‏ بل ‏{‏يداه مبسوطتان‏}‏‏:‏ أنه جواد ينفق كيف يشاء وإِلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ إِن شاء وسَّع في الرزق‏.‏ وإِن شاء قتَّر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليزيدن كثيراً منهم ما أُنزل إِليك من ربك طغياناً وكفراً‏}‏‏.‏

قال الزجاج‏:‏ كلما أُنزل عليك شيء كفروا به، فيزيد كفرهم‏.‏ «والطغيان» هاهنا‏:‏ الغلو في الكفر‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ وليزيدن بني النضير ما أُنزل إِليك من ربك من أمر الرجم والدّماء طغياناً وكفراً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وألقينا بينهم العداوة والبغضاء‏}‏ فيمن عني بهذا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل‏.‏ فإن قيل‏:‏ فأين ذكر النصارى‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنه قد تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء‏}‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم اليهود، قاله قتادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله‏}‏ ذِكْر إِيقاد النار مَثَلٌ ضُربَ لاجتهادهم في المحاربة، وقيل‏:‏ إِن الأصل في استعارة اسم النار للحرب أن القبيلة من العرب كانت إِذا أرادت حرب أُخرى أوقدت النار على رؤوس الجبال، والمواضع المرتفعة، ليعلم استعدادهم للحرب، فيتأهب من يريد إِعانتهم‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا إِذا تحالفوا على الجدِّ في حربهم، أوقدوا ناراً، وتحالفوا‏.‏

وفي معنى الآية قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ كلما جمعوا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم فرّقهم الله‏.‏

والثاني‏:‏ كلما مكروا مكراً رده الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويسعون في الأرض فساداً‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ بالمعاصي، قاله ابن عباس، ومقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ بمحو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من كتبهم ودفع الإِسلام، قاله الزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ بالكفر‏.‏

والرابع‏:‏ بالظلم، ذكرهما الماوردي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏65‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ اليهود والنصارى ‏{‏آمنوا‏}‏ بالله وبرسله ‏{‏واتقوا‏}‏ الشرك ‏{‏لكفرنا عنهم سيئاتهم‏}‏ التي سلفت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏66‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو أنهم أقاموا التوراة والإِنجيل‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ عملوا بما فيهما‏.‏ وفيما أُنزل إِليهم من ربهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ كتب أنبياء بني إِسرائيل‏.‏

والثاني‏:‏ القرآن، لأنهم لما خوطبوا به، كان نازلاً إِليهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لأكلوا بقطر السماء، ونبات الأرض، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعنى‏:‏ لوسِّع عليهم، كما يقال‏:‏ فلان في خير من قرنه إِلى قدمه، ذكره الفراء، والزجاج‏.‏ وقد أعلم الله تعالى بهذا أن التقوى سبب في توسعة الرزق كما قال‏:‏ ‏{‏لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 96‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ويرزقه من حيث لا يحتسب‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 3‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏منهم أمةٌ مقتصدة‏}‏ يعني‏:‏ من أهل الكتاب، وهم الذين أسلموا منهم، قاله ابن عباس، ومجاهد‏.‏ وقال القرظي‏:‏ هم الذين قالوا‏:‏ المسيح عبد الله ورسوله‏.‏ و«الاقتصاد» الاعتدال في القول والعمل من غير غلوّ ولا تقصير‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏67‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إِليك‏}‏ ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت على أسباب، روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لما بعثني الله برسالته، ضقت بها ذرعاً، وعرفت أن من الناس من يكذِّبني ‏"‏، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يهابُ قريشاً واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه الآية‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏"‏ لما نزلت ‏{‏يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إِليك من ربِّك‏}‏ قال‏:‏ «يا رب كيف أصنع‏؟‏ إِنما أنا وحدي يجتمع عليَّ الناس»، فأنزل الله ‏{‏وإِن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس‏}‏ ‏"‏ وقال مقاتل‏:‏ لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزؤون به، فسكت عنهم، فحُرِّض بهذه الآية‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحرَسُ فيرسل معه أبو طالب كلَّ يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية، فقال‏:‏ «يا عمّاه إِن الله قد عصمني من الجن والإِنس» ‏"‏ وقال أبو هريرة‏:‏ ‏"‏ نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجلٌ فأخذه، فقال‏:‏ يا محمد من يمنعني منك‏؟‏ فقال‏:‏ «الله»، فنزل قوله‏:‏ ‏{‏والله يعصمك من الناس‏}‏ ‏"‏ قالت عائشة‏:‏ ‏"‏ سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقلت ما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ ألا رجلٌ صالح يحرسني الليلة، فبينما نحن في ذلك إِذ سمعت صوت السّلاح، فقال‏:‏ «من هذا»‏؟‏ فقال‏:‏ سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه، فنزلت ‏{‏والله يعصمك من الناس‏}‏ فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم وقال‏:‏ «انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله تعالى» ‏"‏ قال الزجاج‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏بلِّغ ما أُنزل إِليك‏}‏ معناه‏:‏ بلغ جميع ما أُنزل إِليك، ولا تراقبن أحداً، ولا تتركنَّ شيئاً منه مخافة أن ينالك مكروه، فان تركت منه شيئاً، فما بلَّغت‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ يدل على هذا المحذوف قوله‏:‏ ‏{‏والله يعصمك‏}‏ وقال ابن عباس‏:‏ إِن كتمت آية فما بلَّغت رسالتي‏.‏ وقال غيره‏:‏ المعنى‏:‏ بلِّغ جميع ما أُنزل إِليك جهراً، فان أخفيت شيئاً منه لخوف أذىً يلحقك، فكأنك ما بلَّغت شيئاً‏.‏ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ «رسالته» على التوحيد‏.‏ وقرأ نافع «رسالاته» على الجمع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله يعصمك من الناس‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ أي‏:‏ يمنعك منهم‏.‏ وعصمة الله‏:‏ منعه للعبد من المعاصي، ويقال‏:‏ طعام لا يعصم، أي‏:‏ لا يمنع من الجوع‏.‏ فان قيل‏:‏ فأين ضمان العصمة وقد شُجَّ جبينه، وكسِرت رَباعيته، وبولغ في أذاه‏؟‏ فعنه جوابان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه عصمه من القتل والأسرِ وتلفِ الجملة، فأمّا عوارض الأذى، فلا تمنع عصمة الجملة‏.‏ والثاني‏:‏ أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك، لأن «المائدة» من أواخر ما نزل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن الله لا يهدي القوم الكافرين‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لا يهديهم إِلى الجنة‏.‏ والثاني‏:‏ لا يعينهم على بلوغ غرضهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب لستم على شيء‏}‏ سبب نزولها‏:‏ أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألست تؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها حق‏؟‏ قال‏:‏ بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، فأنا بريء من إِحداثكم‏.‏ فقالوا‏:‏ نحن على الهدى، ونأخذ بما في أيدينا، ولا نؤمن بك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس‏.‏

فأما أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود والنصارى‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لستم على شيء‏}‏ أي‏:‏ لستم على شيء من الدين الحق حتى تقيموا التوراة والإِنجيل، وإِقامتهما‏:‏ العمل بما فيهما، ومن ذلك الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي الذي أُنزل إِليهم من ربهم قولان قد سبقا، وكذلك باقي الآية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون‏}‏ قد ذكرنا تفسيرها في ‏(‏البقرة‏)‏ وكذلك اختلفوا في إِحكامها ونسخها كما بينا هناك‏.‏ فأما رفع «الصابئين» فذكر الزجاج عن البصريين، منهم الخليل، وسيبويه أن قوله‏:‏ «والصابئون» محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء‏.‏ والمعنى‏:‏ إِن الذين آمنوا والذين هادوا من آمَن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏.‏ والصابئون والنصارى كذلك أيضاً، وأنشدوا‏:‏

وإِلاَّ فاعلموا أنَّا وأنتم *** بُغاةٌ ما بقينا في شقاق

المعنى‏:‏ فاعلموا أنا بُغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضاً كذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد أخذنا ميثاق بني إِسرائيل‏}‏ قال مقاتل‏:‏ أخذ ميثاقهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كان فيمن كُذِّبُوا، محمد، وعيسى، وفيمن قتلوا، زكريا، ويحيى‏.‏ قال الزجاج‏:‏ فأما التكذيب، فاليهود، والنصارى يشتركون فيه‏.‏ وأما القتل فيختص اليهود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏71‏]‏

‏{‏وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏71‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحسبوا أن لا تكون فتنة‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر‏:‏ «تكون» بالنصب، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ «تكون» بالرفع، ولم يختلفوا في رفع «فتنة»‏.‏ قال مكي بن أبي طالب‏:‏ من رفع جعل «أن» مخفّفة من الثقيلة، وأضمر معها «الهاء» وجعل «حسبوا» بمعنى‏:‏ أيقنوا، لأن «أن» للتأكيد، والتأكيد لا يجوز إِلا مع اليقين‏.‏ والتقدير‏:‏ أنه لا تكون فتنة‏.‏ ومن نصب جعل «أن» هي الناصبة للفعل، وجعل «حسبوا» بمعنى‏:‏ ظنوا‏.‏ ولو كان قبل «أن» فعلٌ لا يصلح للشك، لم يجز أن تكون إِلا مخففة من الثقيلة، ولم يجز نصب الفعل بها، كقوله‏:‏ ‏{‏أفلا يرون ألا يرجع إِليهم‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 89‏]‏ و‏{‏علم أن سيكون‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏ وقال أبو علي‏:‏ الأفعال ثلاثة‏:‏ فعلٌ يدلُ على ثبات الشيء واستقراره، نحو العلم والتيقّن، وفعلٌ يدلُ على خلاف الثبات والاستقرار، وفعلٌ يجذب إِلى هذا مرة، وإِلى هذا أُخرى، فما كان معناه العلم، وقعت بعده «أن» الثقيلة، لأن معناها ثبوت الشيء واستقراره، كقوله‏:‏ ‏{‏ويعلمون أن الله هو الحق المبين‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 25‏]‏ ‏{‏ألم يعلم بأن الله يرى‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 14‏]‏ وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار نحو‏:‏ أطمع وأخاف وأرجو، وقعت بعده «أن» الخفيفة، كقوله‏:‏ ‏{‏فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 229‏]‏ ‏{‏تخافون أن يتخطفكم الناس‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 26‏]‏ ‏{‏فخشينا أن يرهقهما‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 80‏]‏ ‏{‏أطمع أن يغفر لي‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 82‏]‏ وما كان متردداً بين الحالين مثل حسبتُ وظننت، فإنه يُجعلُ تارةً بمنزلة العلم، وتارةً بمنزلة أرجو وأطمع وكلتا القراءتين في ‏{‏وحسبوا ألا تكون فتنة‏}‏ قد جاء بها التنزيل‏.‏ فمثل مذهب من نصب ‏{‏أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏ ‏{‏أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 4‏]‏ ‏{‏أحسب الناس أن يتركوا‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 2‏]‏ ومثلُ مذهب مَنْ رفع ‏{‏أيحسبون أنما نمدّهم‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 55‏]‏ ‏{‏أم يحسبون انا لا نسمع سرهم‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 80‏]‏‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ ظنوا أن الله لا يعذبهم، ولا يبتليهم بقتلهم الأنبياء، وتكذبيهم الرسل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فعموا وصموا‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هذا مثل تأويله‏:‏ أنهم لم يعملوا بما سمعوا، ورأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصمّ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم تاب الله عليهم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ رفع عنهم البلاء، قاله مقاتل‏.‏ وقال غيره‏:‏ هو ظفرهم بالأعداء، وذلك مذكور في قوله ‏{‏ثم رددنا لكم الكرة عليهم‏}‏ ‏[‏الاسراء‏:‏ 6‏]‏‏.‏

والثاني‏:‏ أن معنى «تاب عليهم»‏:‏ أرسل إِليهم محمداً يعلمهم أن الله قد تاب عليهم إِن آمنوا وصدقوا، قاله الزجاج‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ثم عموا وصموا‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لم يتوبوا بعد رفع البلاء، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ لم يؤمنوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كثيرٌ منهم‏}‏ أي‏:‏ عمي وصم كثيرٌ منهم، كما تقول‏:‏ جاءني قومُك أكثرُهم‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ هذه الآية نزلت في قوم كانوا على الكفر قبل أن يُبعَث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث كذبوه بغياً وحسداً، وقدَّروا أن هذا الفعل لا يكون مُوبقاً لهم، وجانياً عليهم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وحسبوا أن لا تكون فتنة‏}‏ أي‏:‏ ظنوا ألا تقع بهم فتنة في الإِصرار على الكفر، فعموا وصموا بمجانبة الحق‏.‏ ‏{‏ثم تاب الله عليهم‏}‏ أي‏:‏ عرَّضهم للتوبة بأن أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وإِن لم يتوبوا، ثم عموا وصموا بعد بيان الحق بمحمد، كثيرٌ منهم، فخصّ بعضهم بالفعل الأخير، لأنهم لم يجتمعوا كلهم على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ‏(‏72‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا إِن الله هو المسيح ابن مريم‏}‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت في نصارى نجران، قالوا ذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال المسيح‏}‏ أي‏:‏ وقد كان المسيح قال لهم وهو بين أظهرهم‏:‏ إِنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا إِن الله ثالث ثلاثة‏}‏ قال مجاهد‏:‏ هم النصارى‏.‏ قال وهب بن منبّه‏:‏ لما وُلد عيسى لم يبق صنم إِلا خرَّ لوجهه، فاجتمعت الشياطين إِلى إِبليس، فأخبروه، فذهب فطاف أقطار الأرض، ثم رجع، فقال‏:‏ هذا المولود الذي ولد من غير ذكر، أردت أن أنظر إِليه، فوجدت الملائكة قد حفّت بأمِّه، فليتخلف عندي اثنان من مردتكم، فلما أصبح، خرج بهما في صورة الرجال، فأتوا مسجد بني إِسرائيل وهم يتحدثون بأمر عيسى، ويقولون‏:‏ مولود من غير أب‏.‏ فقال إِبليس‏:‏ ما هذا ببشر، ولكن الله أحبَّ أن يتمثّل في امرأةٍ ليختبر العباد، فقال أحد صاحبيه‏:‏ ما أعظم ما قلت، ولكن الله أحب أن يتخذ ولداً‏.‏ وقال الثالث‏:‏ ما أعظم ما قلت، ولكن الله أراد أن يجعل إِلها في الأرض، فألقوا هذا الكلام على ألسنة الناس، ثم تفرَّقوا، فتكلم به الناس‏.‏

وقال محمد بن كعب‏:‏ لما رُفع عيسى اجتمع مئة من علماء بني إِسرائيل، وانتخبوا منهم أربعة، فقال أحدهما‏:‏ عيسى هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إِلى السماء، لأنه لا يحيي الموتى ولا يبرئ الأكمه والأبرص إِلا الله‏.‏ وقال الثاني‏:‏ ليس كذلك، لأنا قد عرفنا عيسى، وعرفنا أُمه، ولكنّه ابن الله‏.‏ وقال الثالث‏:‏ لا أقول كما قلتما، ولكن جاءت به أُمه من عمل غير صالح‏.‏ فقال الرابع‏:‏ لقد قلتم قبيحاً، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته، فخرجوا، فاتبع كلَّ رجل منهم عُنُقٌ من الناس‏.‏ قال المفسّرون‏:‏ ومعنى الآية‏:‏ أن النصارى قالت‏:‏ الإِلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، وكل واحد منهم إِلهٌ‏.‏ وفي الآية إِضمار، فالمعنى‏:‏ ثالث ثلاثة آلهة، فحذف ذكر الآلهة، لأن المعنى مفهوم، لأنه لا يكفر من قال‏:‏ هو ثالث ثلاثة، ولم يرد الآلهة، لأنه ما من اثنين إِلا وهو ثالثهما، وقد دل على المحذوف قوله‏:‏ ‏{‏وما من إِلهٍ إِلا إِلهٌ واحدٌ‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ومعنى ثالث ثلاثة‏:‏ أنه أحد ثلاثة‏.‏ ودخلت «من» في قوله‏:‏ ‏{‏وما من إِلهٍ‏}‏ للتوكيد‏.‏

والذين كفروا منهم، هم المقيمون على هذا القول‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ المعنى‏:‏ ليَمسّن الذين يقولون‏:‏ المسيح هو الله، والذين يقولون‏:‏ إِن الله ثالث ثلاثة، وكل كافر يسلك سبيلهم، عذابٌ أليم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏74‏]‏

‏{‏أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏74‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا يتوبون إِلى الله‏}‏ قال الفراء‏:‏ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الأمر، كقوله‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 91‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏75‏]‏

‏{‏مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما المسيح بن مريم إِلا رسول‏}‏ فيه ردٌ على اليهود في تكذيبهم رسالته، وعلى النصارى في ادّعائهم إِلهيَّته‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه ليس بالهٍ، وإِنما حكمُه حكم من سبقه من الرسل‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأُمه صدِّيقة‏}‏ ردٌ على من نسبها من اليهود إِلى الفاحشة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والصدّيقة‏:‏ المبالغة في الصدق، وصدِّيق «فعِّيل» من أبنية المبالغة، كما تقول‏:‏ فلانٌ سكّيت، أي‏:‏ مبالغ في السكوت‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كانا يأكلان الطعام‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه بيّن أنهما يعيشان بالغذاء، ومن لا يُقيمه إِلا أكل الطعام فليس باله، قاله الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أنه نبه بأكل الطعام على عاقبته، وهو الحدث، إِذ لا بد لآكل الطعام من الحدث، قاله ابن قتيبة‏.‏ قال‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏انظر كيف نبيِّن لهم الآيات‏}‏ من ألطف ما يكون من الكناية‏.‏ و«يؤفكون» يُصرفون عن الحق ويُعدَلون، يقال‏:‏ أفِك الرجل عن كذا‏:‏ إِذا عدل عنه، وأرض مأفوكة‏:‏ محرومة المطر والنبات، كأن ذلك صُرِف عنها وعدل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏76‏]‏

‏{‏قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏76‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أتعبدون من دون الله‏}‏ قال مقاتل‏:‏ قل لنصارى نجران‏:‏ أتعبدون من دون الله، يعني عيسى بن مريم ما لا يملك لكم ضراً في الدنيا، ولا نفعاً في الآخرة‏.‏ والله هو السميع لقولهم‏:‏ المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، العليم بمقالتهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏77‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ‏(‏77‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب‏}‏ قال مقاتل‏:‏ هم نصارى نجران‏.‏ والمعنى‏:‏ لا تغلوا في دينكم، فتقولوا غير الحق في عيسى‏.‏ وقد بيّنا معنى «الغلو» في آخر سورة ‏(‏النساء‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تتبعوا أهواء قومٍ قد ضلوا من قبل‏}‏ قال أبو سليمان‏:‏ من قبل أن تَضِلُّوا‏.‏ وفيهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم رؤساء الضَّلالَةِ من اليهود‏.‏

والثاني‏:‏ رؤساء اليهود والنصارى، والآية خطاب للذين كانوا في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم نُهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏78‏]‏

‏{‏لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ‏(‏78‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لُعن الذين كفروا من بني إِسرائيل‏}‏ في لعنهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه نفس اللعن، ومعناه‏:‏ المباعدة من الرحمة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لُعنوا على لسان داود، فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى في الإِنجيل‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وجائز أن يكون داود وعيسى أُعْلِمَا أن محمداً نبيّ، ولعنا من كفر به‏.‏

والثاني‏:‏ أنه المسخ، قاله مجاهد، لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى، فصاروا خنازير‏.‏ وقال الحسن، وقتادة‏:‏ لعن أصحاب السبت على لسان داود، فانهم لما اعتدوا، قال داود‏:‏ اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا قردة‏.‏ ولعن أصحاب المائدة على لسان عيسى، فانهم لما أكلوا منها ولم يؤمنوا؛ قال عيسى‏:‏ اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فجُعلوا خنازير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بما عصوا‏}‏ أي‏:‏ ذلك اللعن بمعصيتهم لله تعالى في مخالفتهم أمره ونهيه، وباعتدائِهم في مجاوزة ما حدّه لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏79‏]‏

‏{‏كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏79‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه‏}‏ التناهي‏:‏ تفاعل من النهي، أي‏:‏ كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً عن المنكر‏.‏

وذكر المفسّرون في هذا المنكر ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ صيدُ السّمك يوم السبت‏.‏

والثاني‏:‏ أخذ الرشوة في الحكم‏.‏

والثالث‏:‏ أكل الربا، وأثمان الشحوم، وذِكْر المنكر منكَّراً يدل على الإِطلاق، ويمنع هذا الحصر، ويدلُ على ما قلنا، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إِن الرجل من بني إِسرائيل كان إِذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريبه، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم»‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لبئس ما كانوا يفعلون‏}‏ قال الزجاج‏:‏ اللاّم دخلت للقسم والتوكيد، والمعنى‏:‏ لبئس شيئاً فعلهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 81‏]‏

‏{‏تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ‏(‏80‏)‏ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏81‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ترى كثيراً منهم‏}‏ في المشار إِليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المنافِقُون، روي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم اليهود، قاله مقاتل في آخرين، فعلى هذا القول انتظام الآيات ظاهر، وعلى الأول يرجع الكلام إِلى قوله‏:‏ ‏{‏فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم‏}‏‏.‏ وفي الذين كفروا قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنهم اليهود، قاله أرباب القول الأول‏.‏ والثاني‏:‏ أنهم مشركو العرب، قاله أرباب هذا القول الثاني‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لبئسما قدّمت لهم أنفسهم‏}‏ أي‏:‏ بئسما قدموا لمعادهم ‏{‏أن سخط الله عليهم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ يجوز أن تكون «أن» في موضع رفع على إِضمار هو، كأنه قيل‏:‏ هو أن سخط الله عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 83‏]‏

‏{‏لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏82‏)‏ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لتجدن أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود‏}‏ قال المفسّرون‏:‏ نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه‏.‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ بعث النجاشي قوماً إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، وسنذكر قصّتهم فيما بعد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ واللام في «لتجدن» لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، و«عداوة» منصوب على التمييز، واليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين حسداً للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين أشركوا‏}‏ يعني‏:‏ عبدة الأوثان‏.‏ فأما الذين قالوا‏:‏ إِنا نصارى، فهل هذا عامّ في كل النصارى، أم خاص‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه خاص، ثم فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا، قاله ابن عباس، وابن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قوم من النصارى كانوا متمسّكين بشريعة عيسى، فلما جاء محمد عليه السلام أسلموا، قاله قتادة‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه عام‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يجوز أن يراد به النصارى، لأنهم كانوا أقلَّ مظاهرةً للمشركين من اليهود‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين‏}‏ قال الزجاج‏:‏ «القس» و«القسيس»‏:‏ من رؤساء النصارى‏.‏ وقال قطرب‏:‏ القسيس‏:‏ العالم بلغة الروم، فأما «الرهبان» فهم العباد أرباب الصوامع‏.‏ قال ابن فارس‏:‏ الترهّب‏:‏ التعبّد، فان قيل‏:‏ كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا، وليس ذلك من أمرِ شريعتنا‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنه مدحهم بالتمسّك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم‏.‏ والمعنى‏:‏ بأن فيهم علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال القاضي أبو يعلى‏:‏ وربما ظن جاهلٌ أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إِنما مدح مَن آمن منهم، ويدل عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنهم لا يستكبرون‏}‏ أي‏:‏ لا يتكبرون عن إتباع الحق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذا سمعوا ما أُنزل إِلى الرسول‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لما حضر أصحاب النبي عليه السلام بين يدي النجاشي، وقرؤوا القرآن، سمع ذلك القسيسون والرهبان، فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏من الشاهدين‏}‏‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ بعث النجاشي من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقرأ عليهم القرآن‏.‏ فبكوا ورقُّوا، وقالوا‏:‏ نعرف والله، وأسلموا، وذهبوا إِلى النجاشي فأخبروه فأسلم، فأنزل الله فيهم ‏{‏وإِذا سمعوا ما أُنزل إِلى الرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وقال السدي‏:‏ كانوا اثني عشر رجلاً؛ سبعة من القسيسين، وخمسة من الرهبان، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، بكوا وآمنوا، فنزلت هذه الآية فيهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏، أي‏:‏ مع من يشهد بالحق‏.‏ وللمفسرين في المراد بالشاهدين هاهنا أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ محمد وأُمته، رواه علي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ والثالث‏:‏ الذين يشهدون بالإِيمان، قاله الحسن‏.‏ والرابع‏:‏ الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 86‏]‏

‏{‏وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ‏(‏84‏)‏ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏85‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏86‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما لنا لا نؤمن بالله‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لامهم قومهم على الإِيمان، فقالوا هذا‏.‏ وفي القوم الصالحين ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أصحاب رسول الله، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن زيد‏.‏

والثالث‏:‏ المهاجرون الأولون، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذلك جزاء المحسنين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ثواب المؤمنين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 88‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏87‏)‏ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم‏}‏ في سبب نزولها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ‏"‏ أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عثمان بن مظعون، حرّموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأرادوا جبّ أنفسهم ليتفرّغوا للعبادة، فقال رسول الله‏:‏ «لم أُومر بذلك» ونزلت هذه الآية ‏"‏، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال‏:‏ كانوا عشرة‏:‏ أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعثمان، بن مظعون، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون، فتواثقوا على ذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏"‏ من رغب عن سنَّتي فليس مني ‏"‏ ونزلت هذه الآية‏.‏ قال السدي‏:‏ كان سبب عزمهم على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً، فلم يزدهم على التخويف، فرقَّ الناس، وبكوا، فعزم هؤلاء على ذلك، وحلفوا على ما عزموا عليه‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ إِن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان ابن مظعون، والمقداد، وسالماً مولى أبي حُذيفة في أصحابه، تبتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس، إِلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إِسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية‏.‏

والثاني‏:‏ أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ إِني إِذا أكلت من هذا اللحم، أقبلت على النساء، وإِني حرَّمته عليّ، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ ‏"‏ أن ضيفاً نزل بعبد الله بن رواحة، ولم يكن حاضراً، فلما جاء، قال لزوجته‏:‏ هل أكل الضيف‏؟‏ فقالت‏:‏ انتظرتك‏.‏ فقال‏:‏ حبست ضيفي من أجلي‏؟‏‏!‏ طعامك عليّ حرام‏.‏ فقالت‏:‏ وهو عليَّ حرام إِن لم تأكله، فقال الضيف‏:‏ وهو عليَّ حرام إِن لم تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال‏:‏ قرّبي طعامك، كلوا بسم الله، ثم غدا إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك فقال‏:‏ أحسنت، ونزلت هذه الآية وقرأ حتى بلغ ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغوا في أيمانكم‏}‏ ‏"‏ رواه عبد الرحمن بن زيد عن أبيه‏.‏ فأما «الطيبات» فهي اللذيذات التي تشتهيها النفوس مما أُبيح‏.‏

وفي قوله‏:‏ «ولا تعتدوا» خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ لا تجبّوا أنفسكم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وإِبراهيم‏.‏

والثاني‏:‏ لا تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ لا تسيروا بغير سيرة المسلمين مِن ترك النساء، وإِدامة الصيام، والقيام، قاله عكرمة‏.‏

والرابع‏:‏ لا تحرّموا الحلال، قاله مقاتل‏.‏

والخامس‏:‏ لا تغصبوا الأموال المحرّمة، ذكره الماوردي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏89‏]‏

‏{‏لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ سبب نزولها‏:‏ أنه لما نزل قوله‏:‏ ‏{‏لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم‏}‏ قال القوم الذين كانوا حرّموا النساء واللحم‏:‏ يا رسول الله كيف نصنع بأيْماننا التي حلفنا عليها‏؟‏ فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏ وقد سبق ذكر «اللغو» في سورة ‏(‏البقرة‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما عقدتم الأيمان‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم‏:‏ «عقدتم» بغير ألف، مشددة القاف‏.‏ قال أبو عمرو‏:‏ معناها‏:‏ وكدّتم‏.‏ وقرأ أبو بكر، والمفضّل عن عاصم‏:‏ «عقَدْتُم» خفيفة بغير ألف، واختارها أبو عبيد‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ معناها‏:‏ أوجبتموها على أنفسكم‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ «عاقدتم» بألف، مثل «عاهدتم» قال القاضي أبو يعلى‏:‏ وهذه القراءة المشددة لا تحتمل إِلا عقد قول‏.‏ فأما المخففة، فتحتمل عقد القلب، وعقد القول‏.‏

وذكر المفسّرون في معنى الكلام قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم عليه قلوبكم في التعمد لليمين، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ بما عقَّدتم عليه قلوبكم أنه كذب، قاله سعيد بن جبير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ الهاء عائدةٌ على «ما» في قوله‏:‏ بما «عقَّدتم»‏.‏

فصل

فأما إِطعام المساكين، فروي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والحسن في آخرين‏:‏ أن لكل مسكين مدَّبُرٍّ، وبه قال مالك، والشافعي‏.‏

وروي عن عمر، وعلي، وعائشة في آخرين‏:‏ لكل مسكين نصف صاع من بُرّ، قال عمر، وعائشة‏:‏ أو صاعاً من تمر، وبه قال أبو حنيفة‏.‏ ومذهب أصحابنا في جميع الكفارات التي فيها إِطعام، مثل كفارة اليمين، والظهار، وفدية الأذى، والمفرّطة في قضاء رمضان، مدَّبُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو شعير‏.‏ ومِنْ شرط صحة الكفارة، تمليك الطعام للفقراء، فإن غدَّاهم وعشَّاهم، لم يجزئه، وبه قال سعيد بن جبير، والحكم، والشافعي‏.‏ وقال الثوري، والأوزاعي‏:‏ يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك‏.‏ ولا يجوز صرف مدّين إِلى مسكين واحدٍ، ولا إِخراج القيمة في الكفارة، وبه قال الشافعي‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وإِنما وقع لفظ الذكير في المساكين، ولو كانوا إِناثاً لأجزأ، لأن المغلَّب في كلام العرب التذكير‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ من أوسطه في القدر، قاله عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ مِن أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والأسود، وعَبيدة، والحسن، وابن سيرين‏.‏ وروي عن ابن عباس قال‏:‏ كان أهل المدينة ‏[‏يقولون‏:‏‏]‏ للحُرِّ مِن القوت أكثر ما للمملوك، وللكبير أكثر ما للصغير، فنزلت ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏ ليس بأفضله ولا بأخسِّه‏.‏ وفي كسوتهم خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها ثوبٌ واحدٌ، قاله ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، وعطاء، والشافعي‏.‏

والثاني‏:‏ ثوبان، قاله أبو موسى الأشعري، وابن المسيّب، والحسن، وابن سيرين، والضحاك‏.‏

والثالث‏:‏ إِزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر‏.‏

والرابع‏:‏ ثوب جامع كالملحفة، قاله إِبراهيم النخعي‏.‏

والخامس‏:‏ كسوة تجزئ فيها الصلاة، قاله مالك‏.‏ ومذهب أصحابنا‏:‏ أنه إِن كسا الرجل، كساه ثوباً، والمرأة ثوبين، درعاً وخماراً، وهو أدنى ما تُجزئ فيه الصلاة‏.‏ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو الجوزاء، ويحيى بن يعمر‏:‏ «أو كُسوتهم» بضم الكاف‏.‏ وقد قرأ سعيد بن جبير، وأبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ‏:‏ «أو كاسوتهم» بهمزة مكسورة، مفتوحة الكاف، مكسورة التاء والهاء، وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران الجوزي مثله، إِلا إنهما فتحا الهمزة‏.‏ قال المصنف‏:‏ ولا أرى هذه القراءة جائزة، لأنها تسقط أصلاً من أصول الكفارة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو تحرير رقبةٍ‏}‏ تحريرها‏:‏ عتقها، والمراد بالرقبة‏:‏ جملة الشخص‏.‏ واتفقوا على اشتراط إِيمان الرقبة في كفارة القتل لموضع النص‏.‏

واختلفوا في إِيمان الرقبة المذكورة في هذه الكفارة على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه شرط، وبه قال الشافعي، لأن الله تعالى قيد بذكر الإِيمان في كفارة القتل، فوجب حمل المطلق على المقيّد‏.‏

والثاني‏:‏ ليس بشرط، وبه قال أبو حنيفة، وعن أحمد رضي الله عنه في إِيمان الرقبة المعتقة في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع، والمنذورة، روايتان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن لم يجد‏}‏ اختلفوا فيما إِذا لم يجده، صام، على خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه إِذا لم يجد درهمين صام، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ ثلاثة دراهم، قاله سعيد بن جبير‏.‏

والثالث‏:‏ إِذا لم يجد إِلا قَدْرَ ما يكفِّر به صام، قاله قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ مِئتي درهم، قاله أبو حنيفة‏.‏

والخامس‏:‏ إِذا لم يكن له إِلا قدر قوته وقوت عائلته يومه وليلته، قاله أحمد، والشافعي، وفي تتابع الثلاثة أيام، قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه شرط، وكان أُبيّ، وابن مسعود يقرآن‏:‏ «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وبه قال ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، وعطاء، وقتادة، وأبو حنيفة، وهو قول أصحابنا‏.‏

والثاني‏:‏ ليس بشرط، ويجوز التفريق، وبه قال الحسن، ومالك‏.‏ وللشافعي فيه قولان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك كفارة أيمانكم إِذا حلفتم‏}‏ فيه إِضمار تقديره‏:‏ إِذا حلفتم وحنثتم‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏واحفظوا أيمانكم‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أقلّوا منها، ويشهد له قوله‏:‏ ‏{‏ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم‏}‏ وأنشدوا‏:‏

قليل الألايا حافظ ليمينه *** والثاني‏:‏ احفظوا أنفسكم من الحنث فيها‏.‏

والثالث‏:‏ راعوها لكي تؤدُّوا الكفارة عند الحنث فيها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏90‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏90‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إِنما الخمر والميسر‏}‏ في سبب نزولها أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن سعد بن أبي وقاص أتى نفراً من المهاجرين والأنصار، فأكل عندهم، وشرب الخمر، قبل أن تحرم، فقال‏:‏ المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ رجلٌ لَحْي جمل فضربه، فجدع أنفه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ صنع رجل من الأنصار صنيعاً، فدعا سعد بن أبي وقاص، فلما أخذت فيهم الخمرة افتخروا واستبُّوا، فقام الأنصاري إِلى لحي بعير، فضرب به رأس سعد، فإذا الدم على وجهه، فذهب سعد يشكو إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل تحريم الخمر في قوله‏:‏ ‏{‏إِنما الخمر والمسر‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏تفلحون‏}‏‏.‏

والثاني‏:‏ أن عمر بن الخطاب قال‏:‏ اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافيا، فنزلت التي في ‏(‏البقرة‏)‏ فقال‏:‏ اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في النساء ‏{‏لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏ فقال‏:‏ اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ميسرة عن عمر‏.‏

والثالث‏:‏ أن أُناساً من المسلمين شربوها، فقاتل بعضهم بعضاً، وتكلموا بما لا يرضاه الله من القول، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أن قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثَمِلوا عبث بعضهم ببعض، فلما صحَوْا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته، فيقول‏:‏ صنع بي هذا أخي فلان‏!‏‏!‏ والله لو كان بي رؤوفاً ما صنع بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، وكانوا إِخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس‏.‏ وقد ذكرنا الخمر والميسر في ‏(‏البقرة‏)‏ وذكرنا في «النصب» في أوّل هذه السورة قولين، وهما اللذان ذكرهما المفسرون في الأنصاب‏.‏ وذكرنا هناك «الأزلام» فأما الرجس، فقال الزجاج‏:‏ هو اسمٌ لكل ما اسْتُقْذِرَ من عمل، يقال‏:‏ رَجُس الرَّجل يرجُس، ورَجِسَ يَرْجَسُ‏:‏ إِذا عمل عملاً قبيحاً، والرَّجس بفتح الراء‏:‏ شدّة الصوت، فكأن الرِّجسَ، العملُ الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح، ويقال‏:‏ رعدٌ رجّاس‏:‏ إِذا كان شديد الصوت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من عمل الشيطان‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ من تزيين الشيطان‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف نُسِبَ إِليه، وليس من فعله‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن نسبته إِليه مجاز، وإِنما نسب إِليه، لأنه هو الداعي إِليه، المزيّن له، ألا ترى أن رجلاً لو أغرى رجلاً بضرب رجل، لجاز أن يقال له‏:‏ هذا من عملك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاجتنبوه‏}‏ قال الزجاج‏:‏ اتركوه‏.‏ واشتقاقه في اللغة‏:‏ كونوا جانباً منه‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف ذكر في هذه الآية أشياء، ثم قال‏:‏ فاجتنبوه‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن الهاء عائدةٌ على الرجس، والرجس واقعٌ على الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، ورجوع الهاء عليه بمنزلة رجوعها على الجمع الذي هو واقعٌ عليه، ومنبئ عنه، ذكره ابن الأنباري‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏91- 92‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ‏(‏91‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏92‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر‏}‏ أما «الخمر» فوقوع العداوة والبغضاء فيها على نحو ما ذكرنا في سبب نزول الآية من القتال والمماراة‏.‏ وأما الميسر، فقال قتادة‏:‏ كان الرجل يقامر على أهله وماله، فيُقمَرُ ويبقى حزيناً سليباً، فينظر إِلى ماله في يد غيره، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه لفظ استفهام، ومعناه‏:‏ الأمر‏.‏ تقديره‏:‏ انتهوا‏.‏ قال الفراء‏:‏ ردّد علي أعرابيٌ هل أنت ساكتٌ، هل أنت ساكت‏؟‏ وهو يريد‏:‏ اسكت اسكت‏.‏

والثاني‏:‏ أنه استفهام، لا بمعنى‏:‏ الأمر‏.‏ ذكر شيخنا علي بن عبيد الله أن جماعة كانوا يشربون الخمر بعدَ هذه الآية، ويقولون‏:‏ لم يحرّمها، إِنما قال‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ فقال بعضنا‏:‏ انتهينا، وقال بعضنا لم ننته، فلما نزلت ‏{‏قل إِنما حرّم ربِّيَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإِثم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 33‏]‏ حُرّمت، لأن «الإِثم» اسمٌ للخمر‏.‏ وهذا القول ليس بشيء، والأوّل أصح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول‏}‏ فيما أمَرَاكم، واحذروا خلافهما ‏{‏فإن توليتم‏}‏ أي‏:‏ أعرضتم، ‏{‏فاعلموا أنما على رسولنا‏}‏ محمد ‏{‏البلاغ المبين‏}‏ وهذا وعيدٌ لهم، كأنه قال‏:‏ فاعلموا أنكم قد استحققتم العذاب لتوليكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏93‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا‏}‏ سبب نزولها‏:‏ أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر، إِذ كانت مباحة، فلما حرِّمت، قال ناس‏:‏ كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم يشربونها‏؟‏ فنزلت هذه الآية، قاله البراء بن عازب‏.‏ و«الجناح»‏:‏ الإِثم‏.‏ وفيما طعموا ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ما شربوا من الخمر قبل تحريمها، قاله ابن عباس، والجمهور‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ يقال‏:‏ لم أطعم خُبْزاً وأدماً ولا ماءً ولا نوماً‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فإن شئتِ حرَّمتُ النِّساء سِواكُم *** وإِن شئتِ لم أطْعَمْ نُقَاخاً ولا بَرْدَا

النقاخ‏:‏ الماء ‏[‏البارد‏]‏ الذي ينقخ الفؤاد ببرده، والبرد‏:‏ النوم‏.‏

والثاني‏:‏ ما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر‏.‏

والثالث‏:‏ ما طعموا من المباحات‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏إِذا ما اتقوا‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ اتقوا بعد التحريم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ اتقوا المعاصي والشرك‏.‏

والثالث‏:‏ اتقوا مخالفة الله في أمره‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وآمنوا‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ آمنوا بالله ورسوله‏.‏

والثاني‏:‏ آمنوا بتحريمها‏.‏ ‏{‏وعملوا الصالحات‏}‏ قال مقاتل‏:‏ أقاموا على الفرائض‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أتقوا‏}‏ في هذه التقوى المعادة أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن المراد خوف الله عز وجل‏.‏

والثاني‏:‏ أنها تقوى الخمر والميسر بعد التحريم‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الدوام على التقوى‏.‏

والرابع‏:‏ أن التقوى الأولى مخاطبة لمن شربها قبل التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآمنوا‏}‏ في هذا الإِيمان المُعاد قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ صدَّقوا بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ آمنوا بما يجيء من الناسخ والمنسوخ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم اتقوا وأحسنوا‏}‏ في هذه التقوى الثالثة أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ اجتنبوا العودَ إِلى الخمر بعد تحريمها، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ اتقوا ظلم العباد‏.‏

والثالث‏:‏ توقوا الشبهات‏.‏

والرابع‏:‏ اتقوا جميع المحرّمات‏.‏

وفي الإِحسان قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أحسنوا العمل بترك شربها بعد التحريم، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ أحسنوا العمل بعد تحريمها، قاله مقاتل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏94‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد‏}‏ قال المفسّرون‏:‏ لما كان عام الحديبية، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بالتنعيم، كانت الوحوش والطير تغشاهم في رحالهم، وهم مُحرِمون، فنزلت هذه الآية، ونهوا عنها ابتلاء‏.‏ قال الزجاج‏:‏ اللام في «ليبلونَّكم» لام القسم، ومعناه‏:‏ لنختبرن طاعتكم من معصيتكم‏.‏

وفي «من» قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنها للتبعيض، ثم فيه قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه عنى صيد البرِّ دون صيد البحر‏.‏ والثاني‏:‏ أنه عنى الصيد ما داموا في الإِحرام كأنَّ ذلك بعض الصيد‏.‏ والثاني‏:‏ أنها لبيان الجنس، كقوله‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 30‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تناله أيديكم ورماحكم‏}‏ قال مجاهد‏:‏ الذي تناله اليد‏:‏ الفراخ والبيض، وصغار الصيد، والذي تناله الرماح‏:‏ كبار الصيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليعلم الله‏}‏ قال مقاتل‏:‏ ليرى الله من يخافه بالغيب ولم يَره، فلا يتناول الصيد وهو مُحرم ‏{‏فمن اعتدى‏}‏ فأخذ الصيد عمداً بعد النهي للمُحرِم عن قتل الصيد ‏{‏فله عذابٌ أليم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يوسع بطنه وظهره جلداً وتسلب ثيابه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏95‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ‏(‏95‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حرمٌ‏}‏ بيَّن الله عز وجل بهذه الآية من أيِّ وجهٍ تقع البلوى، وفي أيِّ زمانٍ، وما على من قتله بعد النهي‏؟‏‏.‏

وفي قوله‏:‏ «وأنتم حرمٌ» ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ وأنتم محرمون بحج أو عمرة، قاله الأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ وأنتم في الحرم، يقال‏:‏ أحرم‏:‏ إِذا دخل في الحرم، وأنجد‏:‏ إِذا أتى نجداً‏.‏

والثالث‏:‏ الجمع بين القولين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتله منكم متعمداً‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن يتعمّد قتله ذاكراً لإِحرامه، قاله ابن عباس، وعطاء‏.‏

والثاني‏:‏ أن يتعمد قتله ناسياً لإِحرامه، قاله مجاهد‏.‏ فأما قتله خطأً، ففيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه كالعمد، قاله عمر، وعثمان، والجمهور‏.‏ قال الزهري‏:‏ نزل القرآن بالعمد، وجرت السُنّة في الخطأ، يعني‏:‏ ألحقت المخطئ بالمتعمّد في وجوب الجزاء وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ الضبع صيد وفيه كبش إِذا قتله المحرم ‏"‏ وهذا عامٌ في العامد والمخطئ‏.‏ قال القاضي أبو يعلى‏:‏ أفاد تخصيص العمد بالذكر ما ذكر في أثناء الآية من الوعيد، وإِنما يختصّ ذلك بالعامد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لا شيء فيه، قاله ابن عباس، وابن جبير، وطاووس، وعطاء، وسالم، والقاسم، وداود‏.‏ وعن أحمد روايتان‏:‏ أصحهما الوجوب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجزاء مثل ما قتل من النعم‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وابن عامر‏:‏ ‏{‏فجزاء مثل‏}‏ مضافة وبخفض «مثل»‏.‏ وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ «فجزاءٌ» منون «مثلُ» مرفوع‏.‏ قال أبو علي‏:‏ من أضاف، فقوله‏:‏ ‏{‏من النعم‏}‏ يكون صفة للجزاء، وإِنما قال‏:‏ مثل ما قتل، وإِنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، لأنهم يقولون‏:‏ أنا أُكرِمُ مثلك، يريدون‏:‏ أن أُكرِمُك، فالمعنى‏:‏ جزاء ما قتل‏.‏

ومَن رفع «المثل»، فالمعنى‏:‏ فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، والتقدير‏:‏ فعليه جزاء‏.‏

قال ابن قتيبة‏:‏ النعم‏:‏ الإِبل‏.‏ وقد يكون البقر والغنم، والأغلب عليها الإِبل، وقال الزجاج‏:‏ النعم في اللغة‏:‏ الإِبل والبقر والغنم، فان انفردت الابل، قيل لها‏:‏ نعم، وإِن انفردت البقر والغنم، لم تسم نعماً‏.‏

فصل

قال القاضي أبو يعلى‏:‏ والصيد الذي يجب الجزاء بقتله‏:‏ ما كان مأكول اللحم، كالغزال، وحمار الوحش، والنعامة، ونحو ذلك، أو كان متولداً من حيوان يؤكل لحمه، كالسِّمع، فإنه متولد من الضبع، والذئب، وما عدا ذلك من السباع كلها، فلا جزاء على قاتلها، سواء ابتدأ قتلها، أو عدت عليه، فقتلها دفعاً عن نفسه، لأن السبع لا مثل له صورة ولا قيمة، فلم يدخل تحت الآية، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للمحرم قتل الحيّة، والعقرب، والفويسقة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور، والسَّبع العادي‏.‏ قال‏:‏ والواجب بقتل الصيد فيما له مثلٌ من الأنعام مثله، وفيما لا مثل له قيمته، وهو قول مالك، والشافعي‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ الواجب فيه القيمة، وحمل المثل على القيمة، وظاهرُ الآية يردُّ ما قال، ولأن الصحابة حملوا الآية على المثل من طريق الصورة، فقال ابن عباس‏:‏ المثل‏:‏ النظير، ففي الظبية شاة، وفي النعامة بعير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحكم به ذوا عدل منكم‏}‏ يعني بالجزاء، وإِنما ذكر اثنين، لأن الصيد يختلف في نفسه، فافتقر الحكم بالمثل إِلى عدلين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏منكم‏}‏ يعني‏:‏ من أهل ملتكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هدياً بالغ الكعبة‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هو منصوب على الحال، والمعنى‏:‏ يحكمان به مقدّراً أن يهدى‏.‏ ولفظ قوله «بالغ الكعبة» لفظ معرفة، ومعناه‏:‏ النكرة‏.‏ والمعنى‏:‏ بالغاً الكعبة، إِلا أن التنوين حُذف استخفافاً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ إِذا أتى مكّة ذبحه، وتصدّق به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو كفّارة‏}‏ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ ‏{‏أو كفارةٌ‏}‏ منوناً ‏{‏طعامُ‏}‏ رفعاً‏.‏ وقرأ نافع، وابن عامر‏:‏ ‏{‏أو كفارة‏}‏ رفعاً غير منوّن ‏{‏طعام المساكين‏}‏ على الاضافة‏.‏ قال أبو علي‏:‏ من رفع ولم يضف، جعله عطفاً على الكفارة عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إِلى الطعام، لأن الكفارة لقتل الصيد، لا للطعام، ومن أضاف الكفارة إِلى الطعام، فلأنه لما خيّر المكفِّر بين الهدي، والطعام، والصيام، جازت الإِضافة لذلك، فكأنه قال‏:‏ كفارةُ طعامٍ، لا كفارة هدي، ولا صيام‏.‏ والمعنى‏:‏ أو عليه بدل الجزاء والكفارة، وهي طعامُ مساكين‏.‏ وهل يعتبر في إِخراج الطعام قيمة النظير، أو قيمة الصيد‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ قيمة النظير، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد‏.‏

والثاني‏:‏ قيمة الصيد، وبه قال قتادة، وأبو حنيفة، ومالك‏.‏

وفي قدر الإِطعام لكل مسكين قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ مدّان من بُرٍّ، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة‏.‏

والثاني‏:‏ مُدُّ بُرٍّ، وبه قال الشافعي، وعن أحمد روايتان، كالقولين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو عدل ذلك صياماً‏}‏ قرأ أبو رزين، والضحاك، وقتادة، والجحدري، وطلحة‏:‏ ‏{‏أو عِدل ذلك‏}‏، بكسر العين‏.‏ وقد شرحنا هذا المعنى في ‏(‏البقرة‏)‏ قال أصحابنا‏:‏ يصوم عن كل مُدّ بُرٍّ، أو نصف صاع تمر، أو شعير يوماً‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ يصوم يوماً عن نصف صاع في الجميع‏.‏ وقال مالك، والشافعي‏:‏ يصوم يوماً عن كلِّ مدٍّ من الجميع‏.‏

فصل

وهل هذا الجزاء على الترتيب، أم على التخيير‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه على التخيير بين إِخراج النظير وبين الصيام وبين الإِطعام‏.‏

والثاني‏:‏ أنه على الترتيب، إِن لم يجد الهدي، اشترى طعاماً، فإن كان معسراً صام، قاله ابن سيرين‏.‏ والقولان مرويان عن ابن عباس، وبالأول قال جمهور الفقهاء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليذوق وبال أمره‏}‏ أي‏:‏ جزاء ذنبه‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «الوبال»‏:‏ ثقل الشيء في المكروه، ومنه قولهم‏:‏ طعامٌ وبيل، وماءُ وبيلٌ‏:‏ إِذا كانا ثقيلين‏.‏ قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏فأخذناه أخذاً وبيلاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 16‏]‏ أي‏:‏ ثقيلاً شديداً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عفا الله عما سلف‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ما سلف في الجاهلية، من قتلهم الصيد، وهم محرمون، قاله عطاء‏.‏

والثاني‏:‏ ما سلف من قتل الصيد في أوّل مرّة، حكاه ابن جرير، والأول أصح‏.‏ فعلى القول الأول يكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏ومن عاد‏}‏ في الإِسلام، وعلى الثاني‏:‏ ‏{‏ومن عاد‏}‏ ثانية بعد أولى‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ «عاد» في موضع يعود، وأنشد‏:‏

إِن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً *** وإِن ذكِرْتُ بسوءٍ عندهم أذِنُوا

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فينتقم الله منه‏}‏ «الانتقام»‏:‏ المبالغة في العقوبة، وهذا الوعيد بالانتقام لا يمنع إِيجاب جزاء ثانٍ إِذا عاد، وهذا قول الجمهور، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد‏.‏ وقد روي عن ابن عباس، والنخعي، وداود‏:‏ أنه لا جزاء عليه في الثاني، إِنما وعد بالانتقام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏96‏]‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحلَّ لكم صيد البحر‏}‏ قال أحمد‏:‏ يؤكل كلُّ ما في البحر إِلا الضِّفدِع والتِّمساح، لأن التمساح يأكل الناس يعني‏:‏ أنه يَفْرِسُ‏.‏ وقال أبو حنيفة، والثوري‏:‏ لا يباح منه إِلا السمك‏.‏ وقال ابن أبي ليلى، ومالك‏:‏ يباح كلُّ ما فيه من ضِفْدِع وغيره‏.‏ فأما طعامه، ففيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ما نبذه البحر ميّتاً، قاله أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وأبو أيوب، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه مليحه، قاله سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والسدّي، وعن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة كالقولين‏.‏ واختلفت الرواية عن النخعي، فروي عنه كالقولين، وروي عنه أنه جمع بينهما، فقال‏:‏ طعامه المليح وما لفظه‏.‏

والثالث‏:‏ أنه ما نبت بمائة من زروع البرّ، وإِنما قيل لهذا‏:‏ طعام البحر، لأنه ينبت بمائه، حكاه الزجاج‏.‏ وفي المتاع قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه المنفعة، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الحلّ، قاله النخعي‏.‏ قال مقاتل‏:‏ متاعاً لكم، يعني‏:‏ المقيمين، وللسيارة، يعني‏:‏ المسافرين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحرم عليكم صيد البرّ ما دُمتم حرماً‏}‏ أما الاصطياد، فمحرّم على المحرم، فإن صيد لأجله، حَرُم عليه أكله خلافاً لأبي حنيفة، فإن أكل فعليه الضمان خلافاً لأحد قولي الشافعي‏.‏ فإن ذبح المُحرم صيداً، فهو ميتة خلافاً لأحد قولي الشافعي أيضاً‏.‏ فإن ذبح الحلال صيداً في الحرم، فهو ميتة أيضاً، خلافاً لأكثر الحَنَفيّة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 98‏]‏

‏{‏جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏97‏)‏ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏98‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جعل الله الكعبة‏}‏ جعل بمعنى‏:‏ صيّر‏.‏ وفي تسمية الكعبة كعبة قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لأنها مربعة، قاله عكرمة، ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ لعُلوها ونتوئها، يقال‏:‏ كعبت المرأة كعابة، وهي كاعب‏:‏ إِذا نتأ ثديها‏.‏ ومعنى تسمية البيت بأنه حرام‏:‏ أنه حَرُم أن يصاد عنده، وأن يختلى ما عنده من الخلا، وأن يُعضَدَ شجرُه، وعظمت حرمته‏.‏ والمراد بتحريم البيت سائِر الحرم، كما قال‏:‏ ‏{‏هدياً بالغ الكعبة‏}‏ وأراد‏:‏ الحرم‏.‏ والقيام‏:‏ بمعنى القوام‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ قيما بغير ألف‏.‏ قال أبو علي‏:‏ وجهه على أحد أمرين، إِما أن يكون جعله مصدراً، كالشبع، أو حذف الألف وهو يريدها، كما يُقصر الممدود‏.‏ وفي معنى الكلام ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ قياماً للدين، ومعالم للحج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ قياماً لأمرِ مَن توجه إِليها، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏ قال قتادة‏:‏ كان الرجل لو جرَّ كل جريرة، ثم لجأ إِليها، لم يُتناول، ‏[‏ولم يُقْرَب‏.‏ وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام، لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إِذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر، فأحمته ومنعته من الناس، وكان إِذا نفر تقلد قلادة من الاذخر أو من لِحاء السَّمُر فمنعته من الناس حتى يأتي أهله‏.‏ حواجز ألقاها الله بين الناس في الجاهلية‏]‏‏.‏

والثالث‏:‏ قياماً لبقاء الدين، فلا يزال في الأرض دين ما حُجَّت واستُقْبِلت، قاله الحسن‏.‏

والرابع‏:‏ قوام دنيا وقوام دين، قاله أبو عبيدة‏.‏

والخامس‏:‏ قياماً للناس، أي‏:‏ مما أُمروا أن يقوموا بالفرض فيه، ذكره الزجاج‏.‏

والسادس‏:‏ قياماً لمعايشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، ذكره بعض المفسرين‏.‏

فأما الشهر الحرام، فالمراد به الأشهر الحرم، كانوا يأمن بعضهم بعضاً فيها، فكان ذلك قواماً لهم، وكذلك إِذا أهدى الرجل هدياً أو قلد بعيره أمِنَ كيف تصرّف، فجعل الله تعالى هذه الأشياء عصمة للناس بما جعل في صدورهم من تعظيمها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك لتعلموا‏}‏ ذكر ابن الأنباري في المشار إِليه بذلك أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الله تعالى أخبر في هذه السورة بغيوب كثيرة من أخبار الأنبياء وغيرهم، وأطلع على أشياء من أحوال اليهود والمنافقين، فقال‏:‏ ذلك لتعلموا، أي‏:‏ ذلك الغيب الذي أنبأتكم به عن الله يدلكم على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا تخفى عليه خافية‏.‏

والثاني‏:‏ أن العرب كانت تسفك الدماء بغير حلها، وتأخذ الأموال بغير حقها، ويقتل أحدهم غير القاتل، فاذا دخلوا البلد الحرام، أو دخل الشهر الحرام، كفُّوا عن القتل‏.‏ والمعنى‏:‏ جعل اللهِ الكعبة أمناً، والشهر الحرام أمناً، إِذ لو لم يجعل للجاهلية وقتاً يزول فيه الخوف لهلكوا، فذلك يدل على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض‏.‏

والثالث‏:‏ أن الله تعالى صرف قلوب الخلق إِلى مكة في الشهور المعلومة، فاذا وصلوا إِليها عاش أهلها معهم، ولولا ذلك ماتوا جوعاً، لعلمه بما في ذلك من صلاحهم، وليستدلوا بذلك على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض‏.‏

والرابع‏:‏ أن الله تعالى جعل مكة أمناً، وكذلك الشهر الحرام، فإذا دخل الظبي الوحشي الحرم، أنس بالناس، ولم ينفر من الكلب، ولم يطلبه الكلب، فإذا خرجا عن حدود الحرم، طلبه الكلبُ، وذُعِر هو منه، والطائِر يأنس بالناس في الحرم، ولا يزالُ يطير حتى يقرب من البيت، فإذا قرب منه عدل عنه، ولمْ يطرْ فوقه إِجلالاً له، فإذا لحقه وجعٌ طرح نفسه على سقف البيت استشفاءً به، فهذه الأعاجيب في ذلك المكان، وفي ذلك الشهر قد دللن على أن الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏99‏]‏

‏{‏مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما على الرسول إِلا البلاغ‏}‏ في هذه الآية تهديدٌ شديد‏.‏ وزعم مقاتل أنها نزلت والتي بعدها، في أمر شُريح بن ضُبيعة وأصحابه، وهم حجاج اليمامة حين همّ المسلمون بالغارة عليهم، وقد سبق ذكر ذلك في أول السورة‏.‏ وهل هذه الآية محكمةٌ، أم لا‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها محكمة، وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ، وليس عليه الهُدى‏.‏

والثاني‏:‏ أنها كانت قبل الأمر بالقتال، ثم نسخت بآية السيف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏100‏]‏

‏{‏قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يستوي الخبيث والطيب‏}‏ روى جابر بن عبد الله ‏"‏ أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله إِن الخمر كانت تجارتي، فهل ينفعني ذلك المال إِن عملت فيه بطاعة الله‏؟‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إِن الله لا يقبل إِلاّ الطيِّب» ‏"‏ فنزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي الخبيث والطيب أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ الحلال والحرام، قاله ابن عباس، والحسن‏.‏

والثاني‏:‏ المؤمِن والكافر، قاله السدي‏.‏

والثالث‏:‏ المطيع والعاصي‏.‏

والرابع‏:‏ الرديء والجيِّد، ذكرهما الماوردي‏.‏ ومعنى الإعجاب هاهنا‏:‏ السرور بما يتعجّب منه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏101‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تسألوا عن أشياء إِن تُبد لكم تسؤكم‏}‏ في سبب نزولها ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضباً خطيباً، فقال‏:‏ ‏"‏ سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم ‏"‏ فقام رجل من قريش، يقال له‏:‏ عبد الله بن حُذافة كان إِذا لاحى يُدعى إِلى غير أبيه، فقال‏:‏ يا نبي الله مَن أبي‏؟‏ قال أبوك حُذافة، فقام آخر، فقال‏:‏ أين أبي‏؟‏ قال‏.‏ في النار، فقام عمر فقال‏:‏ رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إِماماً، إِنَّا حديثو عهدٍ بجاهلية‏.‏ والله أعلم مَن أباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن أبي هريرة، وقتادة عن أنس‏.‏

والثاني‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال‏:‏ ‏"‏ إِن الله كتب عليكم الحج فقام عكاشة بن مُحصن، فقال‏:‏ أفي كل عام يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ أما إِني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكتُّ عنكم، فإنما هلكَ من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالِهم، واختلافهم على أنبيائهم، فنزلت هذه الآية ‏"‏ رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة‏.‏ وقيل‏:‏ إِن السائل عن ذلك الأقرع بن حابس‏.‏

والثالث‏:‏ أن قوماً كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل‏:‏ مَن أبي‏؟‏ ويقول الرجل تضل ناقته‏:‏ أين ناقتي‏؟‏ فنزلت هذه الآية، رواه أبو الجورية عن ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أن قوماً سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير‏.‏

والخامس‏:‏ أن قوماً كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنزلت هذه الآية، روي هذا المعنى عن عكرمة‏.‏

والسادس‏:‏ أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم‏:‏ وددنا أن الله تعالى أذِنَ لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحبِّ الأعمال إِلى الله، ذكره أبو سليمان الدمشقي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «أشياء» في موضع خفض إِلا أنها فتحت، لأنها لا تنصرف‏.‏ و«تبد لكم»‏:‏ تظهر لكم‏.‏ فأعلم الله تعالى أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، لأنه يسوء الجواب عنه‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إِن تبد لكم، أي‏:‏ إِن نزل القرآن فيها بغليظ، ساءكم ذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِن تسألوا عنها حين ينزل القرآن‏}‏ أي‏:‏ حين ينزل القرآن فيها بفرض أو إِيجاب، أو نهي أو حكم، وليس في ظاهر ما نزل دليل على شرح ما بكم إِليه حاجة، فإذا سألتم حينئذ عنها تبد لكم‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏عفا الله عنها‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه إِشارة إِلى الأشياء‏.‏

والثاني‏:‏ إِلى المسألة‏.‏ فعلى القول الأول في الآية تقديم وتأخير‏.‏ والمعنى‏:‏ لا تسألوا عن أشياء إِن تبد لكم تسؤكم، عفا الله عنها‏.‏ ويكون معنى‏:‏ عفا الله عنها‏:‏ أمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكماً‏.‏ وعلى القول الثاني، الآية على نظمها، ومعنى‏:‏ عفا الله عنها‏:‏ لم يؤاخذ بها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد سألها قومٌ من قبلكم‏}‏ في هؤلاء القوم أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم الذين سألوا عيسى نزول المائدة، قاله ابن عباس، والحسن‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قوم صالح حين سألوا الناقة، هذا على قول السدي‏.‏ وهذان القولان يخرجان على أنهما سألوا الآيات‏.‏

والثالث‏:‏ أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها، فلو ذبحوا بقرةً لأجزأت، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم، قاله ابن زيد‏.‏ وهذا يخرج على سؤال من سأل عن الحج، إِذ لو أراد الله أن يشدِّد عليهم بالزيادة في الفرض لشدّد‏.‏

والرابع‏:‏ أنهم الذين قالوا لنبيٍ لهم‏:‏ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، وهذا عن ابن زيد أيضاً، وهو يخرج على من قال‏:‏ إِنما سألوا عن الجهاد والفرائض تمنياً لذلك‏.‏ قال مقاتل‏:‏ كان بنو إِسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم ولم يصدّقوهم، فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين‏.‏