فصل: سورة الأنفال

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


تفسير الآية رقم ‏[‏197‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ‏(‏197‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين تدعون من دونه‏}‏ يعني الأصنام ‏{‏لا يستطيعون نصركم‏}‏ أي‏:‏ لا يقدرون على منعكم ممن أرادكم بسوء، ولا يمنعون أنفسهم من سوء أريد بهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏198‏]‏

‏{‏وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏198‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا‏}‏ في المراد بهؤلاء قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم الأصنام‏.‏ ثم في قوله‏:‏ ‏{‏وتراهم ينظرون إليك‏}‏ قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ يواجهونك، تقول العرب‏:‏ داري تنظر إلى دارك، ‏{‏وهم لا يبصرون‏}‏ لأنه ليس فيهم أرواح‏.‏ والثاني‏:‏ وتراهم كأنهم ينظرون إليك، لأن لهم أعيناً مصنوعة، فأسقط كاف التشبيه، كقوله‏:‏ ‏{‏وترى الناس سكارى‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 2‏]‏ أي‏:‏ كأنهم سكارى، ‏{‏وهم لا يبصرون‏}‏ في الحقيقة‏.‏ وإنما أخبر عنهم بالهاء والميم، لأنهم على هيئة بني آدم‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنهم المشركون، فالمعنى‏:‏ وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ولا يبصرون بقلوبهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏199‏]‏

‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ‏(‏199‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خذ العفو‏}‏ العفو‏:‏ الميسور، وقد سبق شرحه في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 219‏]‏‏.‏ وفي الذي أُمر بأخذ العفو منه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أخلاق الناس، قاله ابن الزبير، والحسن، ومجاهد فيكون المعنى‏:‏ إقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء‏.‏

والثاني‏:‏ أنه المال، وفيه قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أن المراد بعفو المال‏:‏ الزكاة، قاله مجاهد في رواية الضحاك‏.‏ والثاني‏:‏ أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة، ثم نُسخت بالزكاة، روي عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن المراد به‏:‏ مساهلة المشركين والعفو عنهم، ثم نسخ بآية السيف، قاله ابن زيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمْر بالعرف‏}‏ أي‏:‏ بالمعروف‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأعرض عن الجاهلين‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المشركون، أُمر بالإِعراض عنهم، ثم نُسخ ذلك بآية السيف‏.‏

والثاني‏:‏ أنه عام فيمن جهل، أُمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، وإن وجب عليه الإنكار عليهم‏.‏ وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة، وعند بعضهم أن وسطها محكم، وطرفيها منسوخان على ما بيَّنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏200- 201‏]‏

‏{‏وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏200‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ‏(‏201‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإما ينزغنك من الشيطان نزغ‏}‏ قال ابن زيد‏:‏ لما نزلت ‏{‏خذ العفو‏}‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رب كيف بالغضب‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏.‏ فأما قوله ‏{‏وإما‏}‏ فقد سبق بيانه في سورة ‏(‏البقرة‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏فإِما يأتينكم مني هدى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 38‏]‏، وقال أبو عبيدة‏:‏ ومجاز الكلام‏:‏ وإما تستخفَّنَّك منه خفة وغضب وَعَجَلة‏.‏ وقال السدي‏:‏ النزغ‏:‏ الوسوسة وحديث النفس‏.‏ قال الزجاج‏:‏ النزغ‏:‏ أدنى حركة تكون، تقول‏:‏ قد نزغته‏:‏ إذا حركته‏.‏ وقد سبق معنى الاستعاذة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا مسهم طائف‏}‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي‏:‏ «طيف» بغير ألف‏.‏ وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة‏:‏ «طائف» بألف ممدوداً مهموزاً‏.‏ وقرأ ابن عباس، وابن جبير، والجحدري، والضحاك‏:‏ «طَيِّفٌ» بتشديد الياء من غير ألف‏.‏ وهل الطائف والطيف بمعنى واحد، أم يختلفان، فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهما بمعنى واحد، وهما ما كان كالخيال والشيء يُلم بك، حكي عن الفراء‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ الطيف أكثر في كلام العرب من الطائف، قال الشاعر‏:‏

ألا يالَقَوْمٍ لِطَيْفِ الخَيال *** أرَّقَ مِنْ نَازِحٍ ذي دَلاَلِ

والثاني‏:‏ أن الطائف‏:‏ ما يطوف حول الشيء، والطيف‏:‏ اللَّمة والوسوسة والخَطْرة، حكي عن أبي عمرو وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الطائف‏:‏ اللَّمة من الشيطان، والطيف‏:‏ الغضب‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ الطائف‏:‏ الفاعل من الطيف؛ والطيف عند أهل اللغة‏:‏ اللَّمم من الشيطان؛ وزعم مجاهد أنه الغضب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تذكَّروا‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ تذكَّروا الله إذا همُّوا بالمعاصي فتركوها، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ تفكَّروا فيما أوضح الله لهم من الحجة، قاله الزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ تذكَّروا غضب الله، والمعنى‏:‏ إذا جرَّأهم الشيطان على مالا يحل، تذكَّروا غضب الله، فأمسكوا، فاذا هم مبصرون لمواضع الخطأ بالتفكر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏202‏]‏

‏{‏وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ‏(‏202‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإخوانهم‏}‏ في هذه الهاء والميم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها عائدة على المشركين؛ فتكون هذه الآية مقدَّمة على التي قبلها، والتقدير‏:‏ وأعرض عن الجاهلين، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين‏.‏ ‏{‏يمدُّونهم في الغَيِّ‏}‏ قرأ نافع‏:‏ «يمدونهم» بضم الياء وكسر الميم‏.‏ والباقون‏:‏ بفتح الياء وضم الميم‏.‏ قال أبو علي‏:‏ عامة ما جاء في التنزيل فيما يُحمَد ويُستَحب‏:‏ أمددت، على أفعلت كقوله‏:‏ ‏{‏أتمدونن بمال‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 36‏]‏ ‏{‏أنما نمدهم به من مال‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 55‏]‏ ‏{‏وأمددناهم بفاكهة‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 22‏]‏ وما كان على خلافه يجيء على‏:‏ مددت، كقوله‏:‏ ‏{‏ويمدهم في طغيانهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏؛ فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء؛ إلا أن وجه قراءة نافع بمنزلة ‏{‏فبشِّرهم بعذاب أليم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 34‏]‏ قال المفسرون‏:‏ ‏{‏يمدونهم في الغي‏}‏ أي‏:‏ يزيِّنونه لهم، ويريدون منهم لزومه، فيكون معنى الكلام‏:‏ أن الذين اتَّقَوا إذا جرَّهم الشيطان إلى خطيئة، تابوا منها، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، يمدُّونهم في الغي، هذا قول الأكثرين من العلماء‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ الهاء والميم ترجع إلى الشياطين، وقد جرى ذكرهم لقوله‏:‏ «من الشيطان» فالمعنى‏:‏ وإخوان الشياطين يَمدُّونهم‏.‏

والثاني‏:‏ أن الهاء والميم ترجع إلى المتقين؛ فالمعنى‏:‏ وإخوان المتقين من المشركين، وقيل‏:‏ من الشياطين يمدونهم في الغي، أي‏:‏ يريدون من المسلمين أن يدخلوا معهم في الكفر، ذكر هذا القول جماعة منهم ابن الأنباري‏.‏ فان قيل‏:‏ كيف قال‏:‏ ‏{‏وإخوانهم‏}‏ وليسوا على دينهم‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنا إن قلنا‏:‏ إنهم المشركون، فجائز أن يكونوا إخوانهم في النسب، أو في كونهم من بني آدم، أو لكونهم يظهرون النصح كالإخوان؛ وإن قلنا‏:‏ إنهم الشياطين، فجائز أن يكونوا لكونهم مصاحبين لهم، والقول الأول أصح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم لا يقصرون‏}‏ وقرأ الزهري، وابن أبي عبلة‏:‏ «لا يقصِّرون» بالتشديد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ أقصر يُقْصِر، وقصّر يقصِّر‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لا الإنس يقصِّرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تُقصِر عنهم؛ فعلى هذا يكون قوله‏:‏ «يقصرون» من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور؛ ويخرّج على القول الثاني أن يكون هذا وصفاً للاخوان فقط‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏203‏]‏

‏{‏وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏203‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا لم تأتهم بآية‏}‏ يعني به‏:‏ المشركين‏.‏ وفي معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ إذا لم تأتهم بآية سألوها تعنتاً، قاله ابن السائب‏.‏

والثاني‏:‏ إذا لم تأتهم بآية لإبطاء الوحي، قاله مقاتل‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏لولا اجتبيتها‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ هلاَّ افتعلتها من تلقاء نفسك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين‏.‏ وحكي عن الفراء أنه قال‏:‏ العرب تقول‏:‏ اجتبيت الكلام، واختلقته، وارتجلته‏:‏ إذا افتعلته من قبل نفسك‏.‏

والثاني‏:‏ هلاَّ طلبتها لنا قبل مسألتك، ذكره الماوردي‏.‏ والأول أصح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنما أتَّبع ما يوحى إليَّ من ربي‏}‏ أي‏:‏ ليس الأمر لي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا بصائر من ربكم‏}‏ يعني القرآن‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ البصائر‏:‏ بمعنى الحجج والبرهان والبيان، واحدتها‏:‏ بصيرة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معنى البصائر‏:‏ ظهور الشيء وبيانه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏204‏]‏

‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏204‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له‏}‏ اختلفوا في نزولها على خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة، فقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن المشركين كانوا يأتون رسول الله إذا صلى، فيقول‏:‏ بعضهم لبعض‏:‏ لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن المسيب‏.‏

والثالث‏:‏ أن فتى من الأنصار كان كلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، قرأ هو، فنزلت هذه الآية، قاله الزهري‏.‏

والرابع‏:‏ أنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فُرضت، فيجيء الرجل فيقول لصاحبه‏:‏ كم صليتم‏؟‏ فيقول‏:‏ كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة‏.‏

والخامس‏:‏ أنها نزلت تأمر بالإنصات للامام في الخطبة يوم الجمعة، روي عن عائشة، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، في آخرين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏205‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ‏(‏205‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكر ربك في نفسك‏}‏ في هذا الذكر أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس؛ فعلى هذا، أُمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإسرار‏.‏

والثاني‏:‏ أنه القراءة خلف الإمام سراً في نفسه، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه ذِكْرُ الله باللسان‏.‏

والرابع‏:‏ أنه ذِكر الله باستدامة الفكر، لا يغفل عن الله تعالى، ذكر القولين الماوردي‏.‏ وفي المخاطب بهذا الذِكر قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه المستمع للقرآن، إما في الصلاة، وإما من الخطيب، قاله ابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه عام في جميع المكلفين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تضرعاً وخيفة‏}‏ التضرع‏:‏ الخشوع في تواضع، والخيفة‏:‏ الحذر من عقابه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ودون الجهر من القول‏}‏ الجهر‏:‏ الإِعلان بالشيء، ورجل جهير الصوت‏:‏ إذا كان صوته عالياً‏.‏ وفي هذا نص على أنه الذِّكر باللسان ويحتمل وجهين‏.‏

أحدهما‏:‏ قراءة القرآن‏.‏ والثاني‏:‏ الدعاء‏.‏ وكلاهما مندوب إلى إخفائه، إلا أن صلاة الجهر قد بُيِّن أدبها في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏}‏ ‏[‏الاسراء‏:‏ 110‏]‏ فأما الغدوُّ فهو جمع غُدوة؛ والآصال‏:‏ جمع أُصُل، والأُصُل‏:‏ جمع أصيل؛ فالآصال‏:‏ جمع الجمع، والآصال‏:‏ العشيات‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ هي ما بين العصر إلى المغرب؛ وأنشد‏:‏

لَعَمْري لأَنْتَ البيتُ أُكْرِمُ أهلَه *** وأقْعُدُ في أفيائه بالأصَائِل

وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ يعني بالغدوّ‏:‏ صلاةَ الفجر، والآصال‏:‏ صلاة العصر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏206‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ‏(‏206‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين عند ربك‏}‏ يعني‏:‏ الملائكة ‏{‏لا يستكبرون‏}‏ أي‏:‏ لا يتكبَّرون ويتعظَّمون ‏{‏عن عبادته‏}‏ وفي هذه العبادة قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ الطاعة‏.‏ والثاني‏:‏ الصلاة والخضوع فيها‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ويسبحونه‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ينزِّهونه عن السوء‏.‏

والثاني‏:‏ يقولون سبحان الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله يسجدون‏}‏ أي‏:‏ يصلّون‏.‏ وقيل‏:‏ سبب نزول هذه الآية أن كفار مكة قالوا‏:‏ أنسجد لما تأمُرنا‏؟‏ فنزلت هذه الآية، تخبر أن الملائكة، وهم أكبر شأناً منكم، لا يتكبَّرون عن عبادة الله‏.‏ وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول‏:‏ يا ويله، أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فعصيت فلي النار»‏.‏

سورة الأنفال

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏1‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأنفال‏}‏ في سبب نزولها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر‏:‏ ‏"‏ من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن اسر أسيراً فله كذا وكذا، ‏"‏ فأما المشيخة، فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقال المشيخة للشبان‏:‏ أشركونا معكم، فانا كنا لكم ردءاً، فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت سورة ‏(‏الأنفال‏)‏ رواه عكرمة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن سعد بن أبي وقاص أصاب سيفاً يوم بدر، فقال‏:‏ يا رسول الله، هبه لي، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه‏.‏ وفي رواية أخرى ‏"‏ عن سعد قال‏:‏ قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، فأتيت به رسول الله، فقال‏:‏ «اذهب فاطرحه في القَبَض»، فرجعت، وبي مالا يعلمه إلا الله، فما جاوزت إلا قريبا حتى نزلت سورة ‏(‏الأنفال‏)‏، فقال‏:‏ «اذهب فخذ سيفك» ‏"‏‏.‏ وقال السدي‏:‏ اختصم سعد وناس آخرون في ذلك السيف، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فنزلت هذه الآية‏.‏

والثالث‏:‏ أن الأنفال كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لأحد منها شيء، فسالوه أن يعطَيهم منها شيئاً، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏ وفي المراد بالأنفال ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الغنائم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وأبو عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين‏.‏ وواحد الانفال‏:‏ نفل، قال لبيد‏:‏

إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ *** وباذنِ اللهِ ريْثي وعَجَلْ

والثاني‏:‏ أنها ما نفَّله رسول الله صلى الله عليه وسلم القاتلَ من سلَبِ قتيله‏.‏

والثالث‏:‏ أنها ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عَبْد أو دابة بغير قتال، قاله عطاء‏.‏ وهذا والذي قبله مرويان عن ابن عباس أيضاً‏.‏

والرابع‏:‏ أنه الخُمس الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم، قاله مجاهد‏.‏

والخامس‏:‏ أنه أنفال السرايا، قاله علي بن صالح بن حيّ‏.‏ وحكي عن الحسن قال‏:‏ هي السرايا التي تتقدم أمام الجيوش‏.‏

والسادس‏:‏ أنها زيادات يُؤْثِرُ بها الإِمام بعضَ الجيش لما يراه من المصلحة، ذكره الماوردي‏.‏ وفي «عن» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها زائدة، والمعنى‏:‏ يسألونك الأنفال، وكذلك قرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وأبو العالية‏:‏ «يسألونك الأنفال» بحذف ‏{‏عن‏}‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنها أصل، والمعنى‏:‏ يسألونك عن الأنفال لمن هي‏؟‏ أو عن حكم الأنفال؛ وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين‏.‏ وذُكر أنهم إنما سألوا عن حكمها لأنها كانت حراماً على الأُمم قبلهم‏.‏

فصل

واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال بعضهم‏:‏ إنها ناسخة من وجه، منسوخة من وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراماً في شرائع الأنبياء المتقدمين، فنسخ الله ذلك بهذه الآية، وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم نسخ ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وقال آخرون‏:‏ المراد بالأنفال‏:‏ شيئان‏.‏

أحدهما‏:‏ ما يجعله الرسول صلى الله عليه وسلم لطائفة من شجعان العسكر ومتقدميه، يستخرج به نصحهم ويحرِّضهم على القتال‏.‏

والثاني‏:‏ ما يفضُل من الغنائم بعد قسمتها كما روي عن ابن عمر قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سريَّة، فغنمنا إبلاً، فأصاب كل واحد منا اثنا عشر بعيراً، ونفلنا بعيراً بعيراً؛ فعلى هذا هي محكمة، لأن هذا الحكم باقٍ إلى وقتنا هذا‏.‏

فصل

ويجوز النَّفَل قبل إحراز الغنيمة، وهو أن يقول الإمام‏:‏ من أصاب شيئاً فهو له، وبه قال الجمهور‏.‏ فأما بعد إحرازها ففيه عن أحمد روايتان‏.‏ وهل يستحق القاتل سَلَبَ المقتول إذا لم يشرطه له الإمام‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ يستحقه، وبه قال الأوزاعي، والليث، والشافعي‏.‏

والثاني‏:‏ لا يستحقه، ويكون غنيمة للجيش، وبه قال أبو حنيفة، ومالك؛ وعن أحمد روايتان كالقولين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل الأنفال لله والرسول‏}‏ يحكمان فيها ما أرادا، ‏{‏فاتقوا الله‏}‏ بترك مخالفته ‏{‏وأصلحوا ذات بينكم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ معنى «ذات بينكم» حقيقة وصلكم‏.‏ والبين‏:‏ الوصل؛ كقوله‏:‏ ‏{‏لقد تقطع بينكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏‏.‏

ثم في المراد بالكلام قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أن يَرُدَّ القويُّ على الضعيف، قاله عطاء‏.‏ والثاني‏:‏ ترك المنازعة تسليماً لله ورسوله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الله ورسوله‏}‏ أي‏:‏ اقبلوا ما أُمرتم به في الغنائم وغيرها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله‏}‏ قال الزجاج‏:‏ إذا ذُكرتْ عظمتُه وقدرتُه وما خوَّف به من عصاه، فزعت قلوبهم، قال الشاعر‏:‏

لَعَمْرُكَ ما أدْري وإني لأوجَلُ *** على أيِّنا تَعْدو المنيَّة أوَّلُ

يقال‏:‏ وجِل يَوْجَل وياجَل ويَيْجَل ويِيجَل، هذه أربع لغات حكاها سيبويه‏.‏ وأجودها‏:‏ يَوْجَل‏.‏ وقال السدي‏:‏ هو الرجل يهمُّ بالمعصية فيذكر الله فينزِع عنها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا تليت عليهم آياته‏}‏ أي‏:‏ آيات القرآن‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏زادتهم إيماناً‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ تصديقاً، قاله ابن عباس‏.‏ والمعنى‏:‏ أنهم كلما جاءهم شيء عن الله آمنوا به فيزدادوا إيماناً بزيادة الآيات‏.‏

والثاني‏:‏ يقيناً، قاله الضحاك‏.‏

والثالث‏:‏ خشية الله، قاله الربيع بن أنس‏.‏ وقد ذكرنا معنى التوكل في ‏[‏آل عمران‏:‏ 122‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يقيمون الصلاة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ الصلوات الخمس‏.‏ ‏{‏ومما رزقناهم ينفقون‏}‏ يعني‏:‏ الزكاة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك هم المؤمنون حقاً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏حقاً‏}‏ منصوب بمعنى دلت عليه الجملة، والجملة‏:‏ ‏{‏أولئك هم المؤمنون‏}‏ فالمعنى‏:‏ أحَقَّ ذلك حقاً‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ المعنى‏:‏ أولئك هم المؤمنون لا شك في إيمانهم كشكِّ المنافقين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لهم درجات عند ربهم‏}‏ قال عطاء‏:‏ درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، والرزق الكريم‏:‏ ما أُعدَّ لهم فيها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 6‏]‏

‏{‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ‏(‏5‏)‏ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كما أخرجك ربك‏}‏ في متعلَّق هذه الكاف خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها متعلقة بالأنفال‏.‏ ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ أن تأويله‏:‏ امض لأمر الله في الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك وهم كارهون، قاله الفراء‏.‏ والثاني‏:‏ أن الانفال لله والرسول صلى الله عليه وسلم بالحق الواجب، كما أخرجك ربك بالحق، وإن كرهوا ذلك، قاله الزجاج‏.‏ والثالث‏:‏ أن المعنى‏:‏ يسألوك عن الأنفال مجادلة، كما جادلوك في خروجك، حكاه جماعة من المفسرين‏.‏

والثاني‏:‏ أنها متعلقة بقوله‏:‏ ‏{‏فاتقوا الله وأصلحوا‏}‏، والمعنى‏:‏ إن التقوى والاصلاح خير لكم، كما كان إخراج الله نبيه محمداً خيراً لكم وإن كرهه بعضكم، هذا قول عكرمة‏.‏

والثالث‏:‏ أنها متعلقة بقوله‏:‏ ‏{‏يجادلونك‏}‏ فالمعنى‏:‏ مجادلتهم إياك في الغنائم كاخراج الله إياك إلى بدر وهم كارهون، قاله الكسائي‏.‏

والرابع‏:‏ أنها متعلقة بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك هم المؤمنون‏}‏ والمعنى‏:‏ وهم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ذكره بعض ناقلي التفسير‏.‏

والخامس‏:‏ أن ‏{‏كما‏}‏ في موضع قَسَم، معناها‏:‏ والذي أخرجك من بيتك، قاله أبو عبيدة، واحتج بأن ‏{‏ما‏}‏ في موضع «الذي» ومنه قوله‏:‏ ‏{‏وما خلقَ الذكرَ والأنثى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 3‏]‏ قال ابن الأنباري‏:‏ وفي هذا القول بُعْد، لأن الكاف ليست من حروف الاقسام‏.‏ وفي هذا الخروج قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه خروجه إلى بدر، وكره ذلك طائفة من أصحابه، لأنهم علموا أنهم لا يظفرون بالغنيمة إلا بالقتال‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خروجه من مكة إلى المدينة للهجرة‏.‏

وفي معنى قوله‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنك خرجت ومعك الحق‏.‏

والثاني‏:‏ أنك خرجت بالحق الذي وجب عليك‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ كارهون خروجك‏.‏

والثاني‏:‏ كارهون صرف الغنيمة عنهم، وهذه كراهة الطبع لمشقة السفر والقتال، وليست كراهةً لأمر الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يجادلونك في الحق‏}‏ يعني‏:‏ في القتال يوم بدر، لأنهم خرجوا بغير عُدَّة، فقالوا‏:‏ هلاَّ أخبرتنا بالقتال لنأخذ العُدَّة، فجادلوه طلبا للرخصة في ترك القتال‏.‏ وفي قوله ‏{‏بعد ما تبين‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ تبيَّن لهم فرضُه‏.‏ والثاني‏:‏ تبيَّن لهم صوابه‏.‏ والثالث‏:‏ تبيَّن لهم أنك لا تفعل إلا ما أُمِرتَ به، وفي «المجادلين» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم طائفة من المسلمين، قاله ابن عباس، والجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم المشركون، قاله ابن زيد‏.‏ فعلى هذا، يكون جدالهم في الحق الذي هو التوحيد، لا في القتال‏.‏ فعلى الأول، يكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏كأنما يساقون إلى الموت‏}‏ أي‏:‏ في لقاء العدو ‏{‏وهم ينظرون‏}‏، لأن أشد حال من يساق إلى الموت أن يكون ناظراً إليه، وعالماً به‏.‏ وعلى قول ابن زيد‏:‏ كأنما يساقون إلى الموت حين يُدعَوْن إلى الإسلام لكراهتهم إياه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 8‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ‏(‏7‏)‏ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين‏}‏ قال أهل التفسير‏:‏ أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش، حتى إذا دنا من بدر، نزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في جماعة من أصحابه يريدهم، فبلغهم ذلك فبعثوا عمرو ابن ضمضم الغفاري إلى مكة مستغيثاً، فخرجت قريش للمنع عنها، ولحق أبو سفيان بساحل البحر، ففات رسولَ الله، ونزل جبريل بهذه الآية‏:‏ ‏{‏وإذ يعدكم الله‏}‏ والمعنى‏:‏ اذكروا إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين‏.‏ والطائفتان‏:‏ أبو سفيان وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من قريش؛ فلما سبق أبو سفيان بما معه، كتب إلى قريش‏:‏ إن كنتم خرجتم لتُحرِزوا ركائبكم، فقد أحرزتُها لكم‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ والله لا نرجع‏.‏ وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد القوم، فكره أصحابه ذلك وودُّوا أن لو نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال؛ فذلك قوله ‏{‏وتَوَدُّونَ أن غير ذات الشوكة‏}‏ أي‏:‏ ذاتِ السلاح‏.‏ يقال‏:‏ فلان شاكي السلاحِ؛ بالتخفيف، وشاكٌّ في السلاح؛ بالتشديد، وشائك‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ومجاز الشوكة‏:‏ الحد؛ يقال‏:‏ ما أشد شوكةَ بني فلان، أي‏:‏ حَدَّهم‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ إنما أنَّث ‏{‏ذات الشوكة‏}‏ لأنه يعني الطائفة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويريد الله أن يحق الحق‏}‏ في المراد بالحق قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الإسلام، قاله ابن عباس في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ أنه القرآن، والمعنى‏:‏ يُحِق ما أنزل إليك من القرآن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بكلماته‏}‏ أي‏:‏ بِعداتِه التي سبقت من إعزاز الدين، كقوله‏:‏ ‏{‏ليظهره على الدين كله‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 33‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقطع دابر الكافرين‏}‏ أي‏:‏ يجتث أصلهم؛ وقد بَيَّنَّا ذلك في ‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليحق الحق‏}‏ المعنى‏:‏ ويريد أن يقطع دابر الكافرين كيما يحق الحق‏.‏ وفي هذا الحق القولان المتقدمان‏.‏ فأما الباطل، فهو الشرك؛ والمجرمون هاهنا‏:‏ المشركون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ‏(‏9‏)‏ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ تستغيثون ربكم‏}‏ سبب نزولها ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ لما كان يوم بدر، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيِّف، ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة، ثم مدَّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال‏:‏ ‏"‏ اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تُهْلِكْ هذه العصابة لا تُعبَدْ في الأرض أبداً ‏"‏ فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر الصديق فأخذ رداءه فردّاه به، ثم التزمه من ورائه، وقال‏:‏ يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك، فانه سينجز لك ما وعدك؛ وأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ هي من صلة «يبطل»‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏تستغيثون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ تستنصرون‏.‏ والثاني‏:‏ تستجيرون‏.‏ والفرق بينهما أن المستنصر يطلب الظفر، والمستجير يطلب الخلاص‏.‏ وفي المستغيثين قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قاله الزهري‏.‏

والثاني‏:‏ أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله السدي‏.‏ فأما الإمداد فقد سبق في ‏[‏آل عمران‏:‏ 124‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بألف‏}‏ قرأ الضحاك، وأبو رجاء‏:‏ «بآلاف» بهمزة ممدودة وبألف على الجمع‏.‏ وقرأ أبو العالية، وأبو المتوكل‏:‏ «بألوف» برفع الهمزة واللام وبواو بعدها على الجمع‏.‏ وقرأ ابن حَذْلَم، والجحدري، «بأُلُفٍ» بضم الألف واللام من غير واو ولا ألف، وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران‏:‏ «بِيَلْفٍ» بياء مفتوحة وسكون اللام من غير واو ولا ألف، فأما قوله‏:‏ ‏{‏مردِفين‏}‏ فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ «مردِفين» بكسر الدال‏.‏ قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والفراء‏:‏ هم المتتابعون‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ يحتمل وجهين‏.‏

أحدهما‏:‏ أن يكونوا مردفين مثلهم، تقول‏:‏ أردفت زيداً دابتي؛ فيكون المفعول الثاني محذوفاً في الآية‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكونوا جاؤوا بعدهم؛ تقول العرب‏:‏ بنو فلان مردوفونا، أي‏:‏ هم يجيؤون بعدنا‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ مردِفين‏:‏ جاؤوا بعدُ‏.‏ وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «مردَفين» بفتح الدال‏.‏ قال الفراء‏:‏ أراد‏:‏ فُعِلَ ذلك بهم، أي‏:‏

إن الله أردف المسلمين بهم‏.‏ وقرأ معاذ القارئ، وأبو المتوكل الناجي، وأبو مجلز‏:‏ «مُرَدَّفين» بفتح الراء والدال مع التشديد‏.‏ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران «مُردِفين» برفع الراء وكسر الدال‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ ردفت الرجلَ‏:‏ إذا ركبتُ خلفه، وأردفتُه‏:‏ إذا أركبتُه خلفي‏.‏ ويقال‏:‏ هذه دابة لا تُرادِف‏.‏ ولا يقال‏:‏ لا تُردِف‏.‏ ويقال‏:‏ أردفتُ الرجلَ‏:‏ إذا جئتَ بعده‏.‏ فمعنى «مردفين» يأتون فرقة بعد فرقة‏.‏ ويجوز في اللغة مُرَدِّفين ومُرُدِّفين ومُرِدِّفين، فالدال مكسورة مشددة على كل حال، والراء يجوز فيها الفتح والضم والكسر‏.‏ قال سيبويه‏:‏ الأصل مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال فصارت مُرَدِّفين لأنك طرحت حركة التاء على الراء؛ وإن شئت لم تطرح حركة التاء، وكسرت الراء لالتقاء الساكنين‏.‏ والذين ضموا الراء، جعلوها تابعة لضمة الميم‏.‏ وقد سبق في ‏[‏آل عمران‏]‏ تفسير قوله‏:‏ ‏{‏وما جعله الله إلا بشرى‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 126‏]‏ وكان مجاهد يقول‏:‏ ما أمد الله النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذُكرت في ‏[‏الأنفال‏:‏ 10‏]‏، وما ذَكَر الثلاثة والخمسةَ إلا بشرى، ولم يُمَدُّوا بها؛ والجمهور على خلافه، وقد ذكرنا اختلافهم في عدد الملائكة في ‏[‏آل عمران‏:‏ 126‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ يغشاكم النعاسُ أمنة منه‏}‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏إذ‏}‏ موضعها نصب على معنى‏:‏ وما جعله الله إلا بشرى، في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ اذكروا إذ يغشاكم النعاس‏.‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو‏:‏ «إذ يغشاكم» بفتح الياء وجزم الغين وفتح الشين وألف «النعاسُ» بالرفع‏.‏ وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي‏:‏ «يُغَشِّيكم» بضم الياء وفتح الغين مشددة الشين مكسورة «النعاسَ» بالنصب‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ «يُغْشِيكم» بضم الياء وجزم الغين وكسر الشين «النعاسَ» بالنصب‏.‏ وقال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ الكلام راجع على قوله‏:‏ ‏{‏ولتطمئن به قلوبكم‏}‏ إذ يغشاكم النعاس‏.‏ قال الزجاج‏:‏ و«أمنةَ» منصوب‏:‏ مفعول له، كقولك‏:‏ فعلت ذلك حذر الشر‏.‏ يقال‏:‏ أمنتُ آمَنُ أمْناً وأماناً وأمَنَةً‏.‏ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل، وأبو العالية، وابن يعْمر، وابن محيصن‏:‏ ‏{‏أمْنَةً منه‏}‏ بسكون الميم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وينزِّلُ عليكم من السماء ماء‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ نزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وبينه وبين الماء رملة، وغلبهم المشركون على الماء، فأصاب المسلمينَ الظمأُ، وجعلوا يصلّون محدِثين، وألقى الشيطان في قلوبهم الوسوسة، يقول‏:‏ تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلُّون محدِثين، فأنزل الله عليهم مطراً، فشربوا وتطَّهروا، واشتد الرمل حين أصابه المطر، وأزال الله رجز الشيطان، وهو وسواسه، حيث قال‏:‏ قد غلبكم المشركون على الماء‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ رجز الشيطان‏:‏ كيده، حيث أوقع في قلوبهم أنه ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ ساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، فأرسل الله السماء، فزالت وسوسة الشيطان التي تُكسب عذابَ الله وغضبه، إذ الرجز‏:‏ العذاب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليربط على قلوبكم‏}‏ الربط‏:‏ الشد‏.‏ و«على» في قول بعضهم صلة، فالمعنى‏:‏ وليربط قلوبكم‏.‏ وفي الذي ربط به قلوبهم وقوَّاها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الإيمان، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ أنه المطر الذي أرسله يثبِّت به قلوبهم بعد اضطرابها بالوسوسة التي تقدم ذكرها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويثبت به الأقدام‏}‏ في هاء «به» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إلى الماء؛ فان الأرض كانت رَمِلة، فاشتدت بالمطر، وثبتت عليها الأقدام، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ انها ترجع إلى الربط، فالمعنى‏:‏ ويثبت بالربط الأقدام، ذكره الزجاج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ‏(‏12‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏13‏)‏ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏إذ‏}‏ في موضع نصب، والمعنى‏:‏ وليربط إذ يوحي‏.‏ ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ واذكروا إذ يوحي‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وهذا الوحي‏:‏ إلهام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى الملائكة‏}‏ وهم الذين أمدَّ بهم المسلمين‏.‏ ‏{‏أني معكم‏}‏ بالعون والنصرة‏.‏ ‏{‏فثبِّتوا الذين آمنوا‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ قاتلوا معهم، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ بشِّروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول‏:‏ أبشروا فان الله ناصركم، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ ثبِّتوهم بأشياء تُلْقُونها في قلوبهم تَقوى بها‏.‏ ذكره الزجاج‏.‏

والرابع‏:‏ صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، ذكره الثعلبي‏.‏ فأما الرعب‏:‏ فهو الخوف‏.‏ قال السائب بن يسار‏:‏ كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السُّوائيَّ عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين كيف‏؟‏ كان يأخذ الحصى فيرمي به الطَّست فيطِنُّ، فيقول‏:‏ كنا نجد في أجوافنا مثل هذا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاضربوا فوق الأعناق‏}‏ في المخاطب بهذا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم الملائكة، قال ابن الأنباري‏:‏ لم تعلم الملائكة أين تقصد بالضرب من الناس، فعلَّمهم الله تعالى ذلك‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين‏.‏ وفي معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ فاضربوا الأعناق، و«فوق» صلة، وهذا قول عطية، والضحاك، والأخفش، وابن قتيبة‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ «فوق» بمعنى «على»، تقول‏:‏ ضربته فوق الرأس، وضربته على الرأس‏.‏

والثاني‏:‏ اضربوا الرؤوس لانها فوق الأعناق، وبه قال عكرمة‏.‏

وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ إنه الأطراف، قاله ابن عباس، والضحاك‏.‏ وقال الفراء‏:‏ علَّمَهم مواضع الضرب، فقال‏:‏ اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل‏.‏ وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة‏:‏ البنان أطراف الأصابع‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ واكتفى بهذا من جملة اليد والرِّجل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كل مَفْصِل، قاله عطية، والسدي‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء، والمعنى‏:‏ أنه أباحهم قتلهم بكل نوع، هذا قول الزجاج‏.‏ قال‏:‏ واشتقاق البنان من قولهم‏:‏ أبَنَّ بالمكان‏:‏ إذا أقام به؛ فالبنان به يُعتمل كلُّ ما يكون للاقامة والحياة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم شاقُّوا الله‏}‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى الضرب، ‏{‏وشاقوا‏}‏ بمعنى‏:‏ جانبوا، فصاروا في شِقٍّ غيرِ شقِّ المؤمنين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلكم فذوقوه‏}‏ خطاب للمشركين؛ والمعنى‏:‏ ذوقوا هذا في عاجل الدنيا‏.‏ وفي فتح «أنَّ» قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ باضمار فعل، تقديره‏:‏ ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكون المعنى‏:‏ ذلك بأن للكافرين عذاب النار‏.‏ فاذا ألقيت الباء، نصبت‏.‏ وإن شئت، جعلت «أن» في موضع رفع، يريد‏:‏ ذلكم فذوقوه، وذلكم أن للكافرين عذاب النار، هذا معنى قول الفراء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ‏(‏15‏)‏ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً‏}‏ الزحف‏:‏ جماعة يزحفون إلى عدوهم؛ قاله الليث‏.‏ والتزاحف‏:‏ التداني والتقارب، قال الأعشى‏:‏

لِمَنِ الظَّعَائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّف *** قال الزجاج‏:‏ ومعنى الكلام‏:‏ إذا واقفتموهم للقتال فلا تُدبروا ‏{‏ومن يولِّهم‏}‏ يوم حربهم ‏{‏دبره‏}‏ إلا أن يتحرف ليقاتل، أو يتحيز إلى فئة، ف «متحرِّفاً» و«متحيِّزاً» منصوبان على الحال‏.‏ ويجوز أن يكون نصبهما على الاستثناء؛ فيكون المعنى‏:‏ إلا رجلاً متحرفاً أو متحيزاً‏.‏ وأصل متحيز‏:‏ مُتْحَيْوِز؛ فأدغمت الياء في الواو‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومأواه جهنم‏}‏ أي‏:‏ مرجعه إليها؛ ولا يدل ذلك على التخليد‏.‏

فصل

اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم‏:‏ هذه خاصة في أهل بدر، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، والحسن، وابن جبير، وقتادة، والضحاك‏.‏ وقال آخرون‏:‏ هي على عمومها في كل منهزم؛ وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً‏.‏ وقال آخرون‏:‏ هي على عمومها، غير أنها نسخت بقوله‏:‏ ‏{‏فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 66‏]‏ فليس للمسلمين أن يفروا من مِثلَيهم، وبه قال عطاء بن أبي رباح‏.‏ وروى أبو طالب عن أحمد أنه سئل عن الفراء من الزحف، فقال‏:‏ لا يفر رجل من رجلين؛ فان كانوا ثلاثة، فلا بأس‏.‏ وقد نُقل نحو هذا عن ابن عباس‏.‏ وقال محمد بن الحسن‏:‏ إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفاً، فليس لهم أن يفروا من عدوهم، وإن كثُر عددهم‏.‏ ونقل نحو هذا عن مالك؛ ووجهه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما هُزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفاً من قلة ‏"‏ إذا صبروا وصدقوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏17‏)‏ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم‏}‏ وقرأ ابن عامر، وأهل الكوفة إلا عاصماً «ولكِنِ اللهُ قتلهم» ‏{‏ولكنِ اللهُ رمى‏}‏ بتخفيف النون ورفع اسم الله فيهما‏.‏ وسبب نزول هذا الكلام أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجعوا عن بدر جعلوا يقولون‏:‏ قَتَلْنا وقَتَلْنا، هذا معنى قول مجاهد‏.‏

فأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما رميت إذ رميت‏}‏ ففي سبب نزوله ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي‏:‏ ناولني كفاً من حصباء، فناوله فرمى به في وجوه القوم، فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة»، وقيل‏:‏ أخذ قبضة من التراب، فرمى بها، وقال‏:‏ «شاهت الوجوه»؛ فما بقي مشرك إلا شُغل بعينه يعالج التراب الذي فيها، فنزلت‏:‏ ‏{‏وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى‏}‏ وذلك يوم بدر؛ هذا قول الأكثرين‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ وتأويل شاهت‏:‏ قبحت، يقال‏:‏ شاه وجهه يشوه شَوهاً وشُوهة، ويقال‏:‏ رجل أشوه، وامرأة شوهاء‏:‏ إذا كانا قبيحين‏.‏

والثاني‏:‏ أن أُبي بن خلف أقبل يوم أُحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريده، فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا سبيله، وطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحرتبه، فسقط أُبيٌّ عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور، فقالوا‏:‏ إنما هو خدش، فقال‏:‏ والذي نفسي بيده، لو كان الذي بي بأهل المجاز لماتوا أجمعون، فمات قبل أن يَقْدَم مكة؛ فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب عن أبيه‏.‏

والثالث‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى يوم خيبر بسهم، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحَقيق وهو على فراشه، فنزلت هذه الآية، ذكره أبو سليمان الدمشقي في آخرين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن الله قتلهم‏}‏ اختلفوا في معنى إضافة قتلهم إليه على أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه قتلهم بالملائكة الذين أرسلهم‏.‏ والثاني‏:‏ أنه أضاف القتل إليه لأنه تولَّى نصرهم‏.‏ والثالث‏:‏ لأنه ساقهم إلى المؤمنين وأمكنهم منهم‏.‏ والرابع‏:‏ لأنه ألقى الرعب في قلوبهم‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وما رميت إذ رميت‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن المعنى‏:‏ وما ظفرت أنت ولا أصبت، ولكن الله اظفرك وأيدك، قاله أبو عبيدة‏.‏

والثاني‏:‏ وما بلغ رميُك كفاً من تراب أو حصى أن تملأ عيون ذلك الجيش الكثير، إنما الله تولى ذلك، قاله الزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب، ذكره ابن الأنباري‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليُبليَ المؤمنين منه بلاءً حسناً‏}‏ أي‏:‏ لُينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والأجر‏.‏ ‏{‏إن الله سميع‏}‏ لدعائهم ‏{‏عليم‏}‏ بنيَّاتهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلكم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ موضعه رفع؛ والمعنى‏:‏ الأمر ذلكم‏.‏ وقال غيره‏:‏ «ذلكم» إشارة إلى القتل والرمي والبلاء الحسن‏.‏ ‏{‏وأن الله‏}‏ أي‏:‏ واعلموا أن الله‏.‏ والذي ذكرناه في فتح «أنَّ» في قوله‏:‏ ‏{‏وأنَّ للكافرين عذاب النار‏}‏ هو مذكور في فتح «أنّ» هذه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُوَهِّنٌ‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر‏:‏ «مُوَهِّنٌ» بفتح الواو وتشديد الهاء منونة «كيدَ» بالنصب‏.‏ وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «موهنٌ» ساكنة الواو «كيدَ» بالنصب‏.‏ وروى حفص عن عاصم‏:‏ «موهنُ كيدِ» مضاف‏.‏ والموهن‏:‏ المضْعِف، والكيد‏:‏ المكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 20‏]‏

‏{‏إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏19‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن تستفتحوا‏}‏ في سبب نزولها خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصروا الله وسألوه الفتح، فنزلت هذه الآية؛ وهذا المعنى مروي عن أبي بن كعب، وعطاء الخراساني‏.‏

والثاني‏:‏ أن أبا جهل قال‏:‏ اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن المشركين أخذوا بأستار الكعبة قبل خروجهم إلى بدر، فقالوا‏:‏ اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين؛ فنزلت هذه الآية، قاله السدي‏.‏

والرابع‏:‏ أن المشركين قالوا‏:‏ اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه بالحق؛ فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة‏.‏

والخامس‏:‏ أنهم قالوا بمكة‏:‏ ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ الآية فعذِّبوا يوم بدر، قاله ابن زيد‏.‏ فخرج من هذه الأقوال أن في المخاطَبين بقوله‏:‏ ‏{‏إن تستفتحوا‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم المؤمنون‏.‏ والثاني‏:‏ المشركون؛ وهو الأشهر‏.‏

وفي الاستفتاح قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ انه الاستنصار، قاله ابن عباس، والزجاج في آخرين‏.‏ فان قلنا‏:‏ إنهم المسلمون، كان المعنى‏:‏ إن تستنصروا فقد جاءكم النصر بالملائكة؛ وإن قلنا‏:‏ إنهم المشركون؛ احتمل وجهين‏.‏ أحدهما‏:‏ إن تستنصروا فقد جاء النصر عليكم‏.‏ والثاني‏:‏ إن تستنصروا لأحب الفريقين إلى الله، فقد جاء النصر لأحب الفريقين‏.‏

والثاني‏:‏ أن الاستفتاح‏:‏ طلب الحكم، والمعنى‏:‏ إن تسألوا الحكم بينكم وبين المسلمين، فقد جاءكم الحكم؛ وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة، ومجاهد، وقتادة‏.‏ فأما قوله‏:‏ ‏{‏وإن تنتهوا فهو خير لكم‏}‏ فهو خطاب للمشركين على قول الجماعة‏.‏

وفي معناه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ إن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم والكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ إن تنتهوا عن استفتاحكم، فهو خير لكم، لأنه كان عليهم، لا لهم، ذكره الماوردي‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وإن تعودوا نعد‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ وإن تعودوا إلى القتال، نَعُدْ إلى هزيمتكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ وإن تعودوا إلى الاستفتاح، نَعُدْ إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً‏}‏ أي‏:‏ جماعتكم وإن كثرت، ‏{‏وأن الله مع المؤمنين‏}‏ بالعون والنصر‏.‏ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «وإِن الله» بكسر الألف‏.‏ وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم‏:‏ «وأَن» بفتح الألف‏.‏ فمن قرأ بكسر «أن» استأنف‏.‏ قال الفراء‏:‏ وهو أحب إليَّ من فتحها‏.‏ ومن فتحها أراد‏:‏ ولأن الله مع المؤمنين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تولَّوا عنه‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لا تولَّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ لا تولَّوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وأنتم تسمعون‏}‏ ما نزل من القرآن، روي القولان عن ابن عباس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 22‏]‏

‏{‏وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏21‏)‏ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصيّ، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ في اليهود قريظة والنضير، روي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

والثالث‏:‏ في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي، ومقاتل‏.‏

وفي معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم قالوا‏:‏ سمعنا، ولم يتفكَّرُوا فيما سمعوا، فكانوا كمن لم يسمع، قاله الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قالوا‏:‏ سمعنا سماع من يقبل، وليسوا كذلك، حكي عن مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن شر الدواب عند الله الصم البكم‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصيّ، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي‏.‏ والدواب‏:‏ اسم كل حيوان يَدِبُّ وقد بينا في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 18‏]‏ معنى الصم والبكم، ولم سمَّاهم بذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو علم الله فيهم خيراً‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ولو علم فيهم صدقاً وإسلاماً‏.‏

والثاني‏:‏ لو علم فيهم خيراً في سابق القضاء‏.‏

والثالث‏:‏ لو علم أنهم يَصْلُحون‏.‏

والرابع‏:‏ لو علم أنهم يَصْغَوْنَ‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏لأسمعهم‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ لأسمعهم جواب كلِّ ما يسألون عنه، قاله الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ لرزقهم الفهم، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏

والثالث‏:‏ لأسمعهم كلام الموتى يَشهدون بنبوَّتك، حكاه الماوردي‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وهم معرضون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ مكذِّبون، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ وهم معرضون عما أسمعهم لمعاندتهم، قاله الزجاج‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏استجيبوا‏}‏ أي‏:‏ أجيبوا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا دعاكم‏}‏ يعني‏:‏ الرسول ‏{‏لما يحييكم‏}‏ وفيه ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الذي يحييكم كلُّ ما يدعو الرسولُ إليه، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس‏.‏ وفي أفراد البخاري ‏"‏ من حديث أبي سعيد بن المعلىّ قال‏:‏ كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجبه، ثم أتيتُه فقلت‏:‏ يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال‏:‏ «ألم يقل الله‏:‏ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم‏؟‏» قلت‏:‏ بلى، ولا أعود إن شاء الله ‏"‏‏.‏ والثاني‏:‏ أنه الحق، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الإيمان، رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال السدي‏.‏

والرابع‏:‏ أنه اتِّباع القرآن، قاله قتادة، وابن زيد‏.‏

والخامس‏:‏ أنه الجهاد، قاله ابن إسحاق‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ هو الجهاد الذي يحيي دينَهم ويعليهم‏.‏

والسادس‏:‏ أنه إحياء أمورهم، قاله الفراء‏.‏ فيخرَّج في إحيائهم خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة‏.‏

والثاني‏:‏ بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا، وحياة الأبد في الآخرة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه دوام نعيمهم في الآخرة‏.‏

والرابع‏:‏ أنه كونهم مؤمنين، لأن الكافر كالميِّت‏.‏

والخامس‏:‏ أنه يحييهم بعد موتهم، وهو على قول من قال هو الجهاد، لأن الشهداءَ أحياءٌ، ولأن الجهاد يُعِزُّهم بعد ذُلِّهم، فكأنَّهم صاروا به أحياءً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه‏}‏ وفيه عشرة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ يحول بين المؤمن وبين معصيته، وبين الكافر وبين طاعته، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء‏.‏

والثالث‏:‏ يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل، قاله مجاهد‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ المعنى‏:‏ يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال، فانكم لا تأمنون زوال العقول، فتحصُلون على ما قدمتم‏.‏

والرابع‏:‏ أن المعنى‏:‏ هو قريب من المرء، لا يخفى عليه شيء من سرِّه، كقوله‏:‏ ‏{‏ونحن أقرب إليه من حبل الوريد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 16‏]‏ وهذا معنى قول قتادة‏.‏

والخامس‏:‏ يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع إيماناً ولا كفراً إلا بإذنه، قاله السدي‏.‏

والسادس‏:‏ يحول بين المرء وبين هواه، ذكره ابن قتيبة‏.‏

والسابع‏:‏ يحول بين المرء وبين ما يتمنَّى بقلبه من طول العمر والنَّصر وغيره‏.‏

والثامن‏:‏ يحول بين المرء وقلبه بالموت، فبادروا الأعمال قبل وقوعه‏.‏

والتاسع‏:‏ يحول بين المرء وقلبه بعلمه، فلا يضمر العبد شيئاً في نفسه إلا والله عالم به، لا يقدر على تغييبه عنه‏.‏

والعاشر‏:‏ يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن، فيأمن بعد خوفه، ويخاف بعد أمنه، ذكر معنى هذه الأقوال ابن الأنباري‏.‏

وحكى الزجاج‏:‏ أنهم لما فكَّروا في كثرة عدوِّهم وقلة عددهم، فدخل الخوف قلوبهم، أعلمهم الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوفِ الأمنَ، ويبدل عدوَّهُ بالقوَّةِ الضعفَ، وقد أعلمتْ هذه الآية أن الله تعالى هو المقلِّب للقلوب، المتصرِّف فيها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنه إليه تحشرون‏}‏ أي‏:‏ للجزاء على أعمالكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏25‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا فتنةً‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ابن عباس، والضحاك‏.‏ وقال الزبير بن العوام‏:‏ لقد قرأناها زماناً، وما نُرى أنَّا مِن أهلها، فاذا نحن المَعْنِيُّون بها‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نزلت في رجلين من قريش، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ولم يسمِّهما‏.‏

والثالث‏:‏ أنها عامة، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ في هذه الآية، أمر الله المؤمنين أن لا يُقِرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هذه الآية لكم أيضاً‏.‏

والرابع‏:‏ أنها نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، قاله الحسن‏.‏ وقال السدي‏:‏ نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل‏.‏

وفي الفتنة هاهنا سبعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ القتال‏.‏ والثاني‏:‏ الضلالة‏.‏ والثالث‏:‏ السكوت عن إنكار المنكر‏.‏ والرابع‏:‏ الاختبار‏.‏ والخامس‏:‏ الفتنة بالأموال والأولاد‏.‏ والسادس‏:‏ البلاء‏.‏ والسابع‏:‏ ظهور البدع‏.‏ فأما قوله‏:‏ ‏{‏لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة‏}‏ فقال الفراء‏:‏ أمرهم، ثم نهاهم، وفيه طرف من الجزاء‏.‏ وإن كان نهياً، كقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنَّكم سليمان‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 18‏]‏ أمرهم، ثم نهاهم؛ وفيه تأويل الجزاء‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ ‏{‏لا تصيبن‏}‏ ليس بجواب، وإنما هو نهي بعد نهي؛ ولو كان جواباً ما دخلت النون‏.‏ وذكر ابن الأنباري فيها قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أن الكلام تأويله تأويل الخبر، إذ كان المعنى‏:‏ إن لا يتَّقوها، تُصِبْ الذين ظلموا، أي‏:‏ وغيرهم، أي‏:‏ لا تقع بالظالمين دون غيرهم، لكنها تقع بالصالحين والطالحين؛ فلما ظهر الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى معنى الأمر، إذ القائل يقول‏:‏ لا تقم، يريد‏:‏ دع القيام، ووقع مع هذا جواباً للأمر، أو كالجواب له، فأُكِّد له شبه النهي، فدخلت النون المعروف دخولها في النهي وما يضارعه‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نهي محض، معناه‏:‏ لا يقصدنَّ الظالمون هذه الفتنة، فيهلكوا؛ فدخلت النون لتوكيد الاستقبال، كقوله‏:‏ ‏{‏لا يحطمنَّكم‏}‏‏.‏ وللمفسرين في معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لا تصيبن الفتنةُ الذين ظلموا‏.‏

والثاني‏:‏ لا يصيبن عقاب الفتنة‏.‏ فان قيل‏:‏ فما ذنب مَن لم يظلم‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنه بموافقته للأشرار، أو بسكوته عن الإنكار، أو بتركه للفرار، استحق العقوبة‏.‏ وقد قرأ عليٌّ، وابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب‏:‏ «لَتصيبنَّ الذين ظلموا» بغير ألف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروا إذْ أنتم قليلٌ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ نزلت في المهاجرين خاصة، كانت عِدَّتُهم قليلةً، وهم مقهورون في أرض مكة، يخافون أن يستلبهم المشركون‏.‏ وفي المراد بالناس ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس‏.‏ والثاني‏:‏ فارس والروم، قاله وهب بن منبِّه‏.‏ والثالث‏:‏ أنهم المشركون الذين حضروا بدراً، والمسلمون قليلون يومئذ، قاله قتادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآواكم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ فآواكم إلى المدينة بالهجرة، قاله ابن عباس والأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين، ذكره الماوردي‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأيدكم بنصره‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ قوَّاكم بالملائكة يوم بدر، قاله الجمهور‏.‏ والثاني‏:‏ عضدكم بنصره في بدر وغيرها، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ورزقكم من الطيبات‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها الغنائم التي أحلَّها لهم، قاله السدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الخيرات التي مكنَّهم منها، ذكره الماوردي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تخونوا الله والرسول‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وذاك ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر قريظة سألوه أن يصالحهم على ما صالح عليه بني النضير، على أن يسيروا إلى أرض الشام، فأبى أن يعطيَهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبَوا، وقالوا‏:‏ أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحاً لهم، لأن ولده وأهله كانوا عندهم، فبعثه إليهم، فقالوا‏:‏ ما ترى، أننزل على حكم سعد بن معاذ‏؟‏ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه‏:‏ إنه الذبح فلا تفعلوا، فأطاعوه، فكانت تلك خيانته؛ قال أبو لبابة‏:‏ فما زالت قدمايَ حتى عَرفتُ أني قد خنت الله ورسوله، ونزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، والأكثرين‏.‏ وروي أن أبا لبابة ربط نفسه بعد نزول هذه الآية إلى سارية من سواري المسجد، وقال‏:‏ والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموتَ أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام كذلك، ثم تاب الله عليه، فقال‏:‏ والله لا أَحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يَحُلنُّي، فجاء فحلَّه بيده، فقال أبو لبابة‏:‏ إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يجزئك الثلث» ‏"‏‏.‏ والثاني‏:‏ ‏"‏ أن جبريل أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبي الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏:‏ «اخرجوا إليه واكتموا» فكتب إليه رجل من المنافقين‏:‏ إن محمداً يريدكم، فخذوا حذركم، فنزلت هذه الآية ‏"‏، قاله جابر بن عبد الله‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت في قتل عثمان بن عفان، قاله المغيرة بن شعبة‏.‏

والرابع‏:‏ أن قوماً كانوا يسمعون الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنزلت هذه الآية، قاله السدي‏.‏ وفي خيانة اللهِ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ترك فرائضه‏.‏ والثاني‏:‏ معصية رسوله‏.‏ وفي خيانة الرسول قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ مخالفته في السرِّ بعد طاعته في الظاهر‏.‏ والثاني‏:‏ ترك سنّته‏.‏

وفي المراد بالأمانات ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الفرائض، قاله ابن عباس‏.‏ وفي خيانتها قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ تنقيصها‏.‏ والثاني‏:‏ تركها‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الدِّين، قاله ابن زيد‏.‏ فيكون المعنى‏:‏ لا تُظهروا الإيمان وتُبطنوا الكفر‏.‏

والثالث‏:‏ أنها عامة في خيانة كلِّ مُؤتَمَنٍ، ويؤكِّده نزولها في ما جرى لأبي لبابة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 29‏]‏

‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏28‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هذا خطاب لأبي لبابة، لأنه كانت له أموال وأولاد عند بني قريظة‏.‏ فأما الفتنة، فالمراد بها‏:‏ الابتلاء والامتحان الذي يُظهر ما في النفس من اتِّباع الهوى أو تجنُّبِه ‏{‏وأن الله عنده أجر عظيم‏}‏ خير من الأموال والأولاد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن تتقوا الله‏}‏ أي‏:‏ بترك معصيته، واجتناب الخيانة لله ورسوله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يجعل لكم فرقاناً‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه المخرج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وابن قتيبة‏.‏ والمعنى‏:‏ يجعل لكم مخرجاً في الدين من الضلال‏.‏

والثاني‏:‏ أنه النجاة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والسدي‏.‏

والثالث‏:‏ أنه النصر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الفراء‏.‏

والرابع‏:‏ أنه هدى في قلوبهم يفرقون به بين الحق والباطل، قاله ابن زيد، وابن إسحاق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ يمكر بك الذين كفروا‏}‏ هذه الآية متعلقة بقوله‏:‏ ‏{‏وذكروا إذ كنتم قليلاً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 86‏]‏ فالمعنى‏:‏ أَذْكِرِ المؤمنين ما مَنَّ الله به عليهم، واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا‏.‏

الإشارة إلى كيفية مكرهم

قال أهل التفسير‏:‏ لما بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة، أشفقت قريش أن يعلوَ أمره، وقالوا‏:‏ والله لكأنكم به قد كرَّ عليكم بالرجال، فاجتمع جماعة من أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ كبير، فقالوا‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا شيخ من أهل نجد، سمعت ما اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا من رأيي نصحاً، فقالوا‏:‏ ادخل، فدخل معهم، فقالوا‏:‏ انظروا في أمر هذا الرجل، فقال بعضهم‏:‏ احبسوه في وَثاق، وتربَّصوا به ريب المنون‏.‏ فقال إبليس‏:‏ ما هذا برأي، يوشك أن يثب أصحابه فيأخذوه من أيديكم‏.‏ فقال قائل‏:‏ أخرجوه من بين أظهركم‏.‏ فقال‏:‏ ما هذا برأي، يوشك أن يجمع عليكم ثم يسير إليكم‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ نأخذ من كل قبيلة غلاماً، ثم نعطي كل غلام سيفاً فيضربوه به ضربة رجل واحد، فيفرَّق دمه في القبائل، فما أظن هذا الحي من قريش يقوى على ضرب قريش كلِّها، فيقبلون العَقل ونستريح‏.‏ فقال إبليس‏:‏ هذا والله الرأي، فتفرَّقوا عن ذلك‏.‏ وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت في مضجعه تلك الليلة، وأمر علياً فبات في مكانه، وبات المشركون يحرسونه، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن له الله في الخروج إلى المدينة، وجاء المشركون لَّما أصبحوا، فرأوا علياً، فقالوا‏:‏ أين صاحبك‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري، فاقتصُّوا أثره حتى بلغوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا نسج العنكبوت، فقالوا‏:‏ لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت‏.‏ فأما قوله‏:‏ ‏{‏ليثبتوك‏}‏ فقال ابن قتيبة‏:‏ معناه‏:‏ ليحبسوك‏.‏ يقال فلان مثبت وجعاً‏:‏ إذا لم يقدر على الحركة‏.‏ وللمفسرين فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ليثبتوك في الوَثاق، قاله ابن عباس، والحسن في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ ليثبتوك في الحبس، قاله عطاء، والسدي في آخرين‏.‏ وكان القومُ أرادوا أن يحبسوه في بيت ويشدوا عليه بابه ويلقوا إليه الطعام والشراب، وقد سبق بيان المكر في ‏[‏آل عمران‏:‏ 54‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا‏}‏ ذكر أهل التفسير أن هذه الآيه نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، وأنه لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر قصص القرون الماضية، قال‏:‏ لو شئت لقلت مثل هذا‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏قد سمعنا‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ قد سمعنا منك ولا نطيعك‏.‏

والثاني‏:‏ قد سمعنا قبل هذا مثله، وكان النضر يختلف إلى فارس تاجراً، فيسمع العبَّاد يقرؤون الإنجيل‏.‏ وقد بين التحدِّي كذب من قال‏:‏ ‏{‏لو نشاء لقلنا مثل هذا‏}‏‏.‏ وقد سبق معنى الأساطير في ‏[‏الأنعام‏:‏ 25‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏32‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك‏}‏ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في النضر أيضاً، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نزلت في أبي جهل، فهو القائل لهذا؛ قاله أنس بن مالك، وهو مخرج في «الصحيحين»‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت في قريش، قالوا‏:‏ هذا، ثم ندموا فقالوا غفرانك اللهم، فأنزل الله ‏{‏وما كان اللهُ معذِّبهم وهم يستغفرون‏}‏، رواه أبو معشر عن يزيد ابن رومان، ومحمد بن قيس‏.‏ وفي المشار إليه بقوله‏:‏ ‏{‏إن كان هذا‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه القرآن‏.‏ والثاني‏:‏ كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر بالتوحيد وغيره‏.‏ والثالث‏:‏ أنه إكرام محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة من بين قريش‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم‏}‏ في المشار إليه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أهل مكة‏.‏ وفي معنى الكلام قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ وما كان الله ليعذبهم وأنت مقيم بين أظهرهم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لم تُعذَّب قرية حتى يخرج نبيُّها والمؤمنون معه‏.‏ والثاني‏:‏ وما كان الله ليعذِّبهم وأنت حي؛ قاله أبو سليمان‏.‏

والثاني‏:‏ أن المشار إليهم المؤمنون، والمعنى‏:‏ وما كان الله ليعذب المؤمنين بضرب من العذاب الذي أهلك به مَن قبلهم وأنت حي؛ ذكره أبو سليمان الدمشقي‏.‏

فصل

قال الحسن، وعكرمة‏:‏ هذه الآية منسوخة بقوله‏:‏ ‏{‏وما لهم ألاَّ يعذبَهم الله‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 34‏]‏ وفيه بُعد لأن النسخ لا يدخل على الأخبار، وقال ابن أبزى‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله عز وجل ‏{‏وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم‏}‏ فخرج إلى المدينة، فأنزل الله ‏{‏وما كان الله مُعذِّبَهم وهم يستغفرون‏}‏ وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله ‏{‏وما لهم ألاَّ يعذِّبَهم الله‏}‏‏.‏ وجميع أقوال المفسرين تدل على أن قوله‏:‏ ‏{‏وما كان الله معذِّبهم وهم يستغفرون‏}‏ كلام مبتدأ من إخبار الله عز وجل‏.‏ وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال‏:‏ هذه الآية من قول المشركين، قالوا‏:‏ والله إنَّ الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، فردَّ الله عليهم ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وما لهم ألاَّ يعذِّبَهم الله‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان الله معذِّبَهم وهم يستغفرون‏}‏ وفي معنى هذا الكلام خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ وما كان الله معذِّب المشركين، وفيهم من قد سبق له أن يؤمن؛ رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ وما كان الله معذِّبَهم وهم يستغفرون الله، فانهم كانوا يلّبون ويقولون‏:‏ غفرانك؛ وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وفيه ضعف، لأن استغفار المشرك لا أثر له في القبول‏.‏

والثالث‏:‏ وما كان الله معذِّبَهم، يعني‏:‏ المشركين، وهم يعني المؤمنين الذين بينهم يستغفرون؛ روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الضحاك، وأبو مالك‏:‏ قال ابن الأنباري وُصفوا بصفة بعضهم، لأن المؤمنين بين أظهرهم، فأوقع العموم على الخصوص، كما يقال‏:‏ قتل أهل المسجد رجلاً، وأخذ أهل البصرة فلاناً، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد‏.‏

والرابع‏:‏ وما كان الله معذِّبهم وفي أصلابهم مَن يستغفر الله، قاله مجاهد‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ فيكون معنى تعذيبهم‏:‏ إهلاكهم؛ فالمعنى‏:‏ وما كان الله مهلكهم، وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه؛ فوصفهم بصفة ذراريهم، وغُلِّبوا عليهم كما غُلِّب بعضهم على كلهم في الجواب الذي قبله‏.‏

والخامس‏:‏ أن المعنى لو استغفروا لما عذَّبهم الله، ولكنهم لم يستغفروا فاستحقُّوا العذاب، وهذا كما تقول العرب‏:‏ ما كنت لأهينَك وأنت تكرمني؛ يريدون‏:‏ ما كنت لأهينك لو أكرمتني، فأما إذ لست تكرمني، فانك مستحقٌّ لإهانتي، وإلى هذا القول ذهب قتادة والسدي‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ وهو اختيار اللغويين‏.‏ وذكر المفسرون في معنى هذا الاستغفار ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه الاستغفار المعروف، وقد ذكرناه عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه بمعنى الصلاة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنصور عن مجاهد، وبه قال الضحاك‏.‏

والثالث‏:‏ أنه بمعنى الإِسلام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال عكرمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما لهم ألا يعذبهم الله‏}‏ هذه الآية أجازت تعذيبهم، والأُولى نفت ذلك، وهل المراد بهذا‏:‏ العذابُ الاولُ، أم لا‏؟‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه هو الأول، إلا أن الأول امتنع بشيئين‏.‏ أحدهما‏:‏ كون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم‏.‏ والثاني‏:‏ كون المؤمنين المستغفرين بينهم، فلما وقع التمييز بالهجرة، وقع العذاب بالباقين يوم بدر، وقيل‏:‏ بل وقع بفتح مكة‏.‏

والثاني‏:‏ أنهما مختلفان، وفي ذلك قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أن العذاب الثاني‏:‏ قَتْلُ بعضِهم يوم بدر، والأول‏:‏ استئصال الكُلِّ، فلم يقع الأول لِما قد عُلم من إيمان بعضهم، وإسلام بعضِ ذراريهم، ووقع الثاني‏.‏ والثاني‏:‏ أن العذاب الأول‏:‏ عذاب الدنيا‏.‏ والثاني‏:‏ عذاب الآخرة، قاله ابن عباس، فيكون المعنى‏:‏ وما كان اللهُ معذِّبَ المشركين لاستغفارهم في الدنيا، وما لهم ألا يعذبهم الله في الآخرة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم يصدون‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ وهم يصدون ‏{‏عن المسجد الحرام‏}‏ أولياءَه‏.‏ وفي هاء الكناية في قوله‏:‏ ‏{‏وما كانوا أولياءَه‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إلى «المسجد»، وهو قول الجمهور‏.‏ قال الحسن‏:‏ إن المشركين قالوا‏:‏ نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا‏.‏

والثاني‏:‏ أنها تعود إلى الله عز وجل، ذكره أبو سليمان الدمشقي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنْ أولياؤُه‏}‏ أي‏:‏ ما أولياؤه ‏{‏إلاَّ المتقون‏}‏ للشرك والمعاصي، ولكنَّ أكثر أهل مكة لا يعلمون من الأولى ببيت الله‏.‏