فصل: فصل: في الإشارة إلى بعضِ الحِكمِ التي تضمَّنتها هذه الهدنة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد **


فصل‏:‏ في وقعة بئر معونة

وفى هذا الشهر بعينه، وهو صفر من السنة الرابعة، كانت وقعة بِئر مَعُونة، وملخَّصُها أن أبا براء عامِرَ بنَ مالك المدعو ملاعبَ الأسِنَّة، قَدِمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، فدعاه إلى الإسلام، فلم يُسلم، ولم يبعد، فقال‏:‏ يا رسولَ اللهِ؛ لو بعثتَ أصحابَك إلى أهلِ نَجْدٍ يدعونهُم إلى دِينك، لرجوتُ أن يُجيبُوهم‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏ إنى أخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ ‏)‏، فقال أبو براء‏:‏ أنا جارٌ لهم، فبعث معه أربعينَ رجلاً في قول ابن إسحاق‏.‏ وفى الصحيح‏:‏ ‏(‏ أنَّهم كانُوا سبعينَ ‏)‏ والذي في الصحيح‏:‏ هو الصحيح‏.‏وأمَّر عليهم المنذر بن عمرو أحد بنى ساعِدة الملقب بالمُعْنِقِ ليموت وكانوا من خِيارِ المسلمينَ، وفُضلائهم، وساداتِهم، وقرائِهم، فسارُوا حتى نزلوا بئر مَعُونة، وهى بين أرض بنى عامر، وحرَّة بنى سُليم، فنزلوا هناك، ثم بعثوا حَرامَ بنَ ملحان أخا أُمِّ سليم بكتابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوِّ الله عامِر بن الطفيل، فلم ينظُرْ فيه، وأمرَ رجلاً، فطعنه بالحربةِ من خلفه، فلما أنفذها فيه، ورأى الدَّمَ، قال‏:‏ ‏(‏ فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ ‏)‏‏.‏ ثم استَنفَرَ عدوُّ اللهِ لِفوره بنى عامر إلى قتال الباقين، فلم يُجيبُوهُ لأجل جِوار أبى بَراء، فاستنفر بنى سليم، فأجابته عُصَيَّةُ وَرِعْلٌ وذَكْوَانُ، فجاؤوا حتى أحاطُوا بأصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلُوا حتى قُتِلُوا عن آخرهم إلا كعبََ بنَ زيدِ بن النجار، فإنه أرتُثَّ بين القتلى، فعاش حتَّى قُتِل يومَ الخندق، وكان عمرو بن أُمية الضمرى، والمنذرُ بن عقبة بن عامر في سَرْح المسلمينَ، فرأيا الطيرَ تحومُ على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد، فقاتلَ المشركين حتى قُتِلَ مع أصحابه، وأُسِرَ عَمرُو بن أُمية الضَّمْرِى، فلما أخبر أنه من مُضَر، جَزَّ عامِرٌ ناصيتَه، وأعتقه عن رقبة كانت على أُمِّه، ورجع عمرُو بن أمية، فلما كان بالقَرْقَرَةِ مِن صدرِ قناة نزل في ظِلِّ شجرة، وجاء رجلان من بنى كِلاب، فنزلا معه، فلما ناما، فتكَ بهما عمرُو، وهُو يرى أنه قد أصاب ثأراً من أصحابه، وإذا معهما عهدٌ مِنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لم يشعُرْ به، فلما قَدِمَ، أخبرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما فعلَ، فقال‏:‏ ‏(‏ لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلينِ لأَدِيَنَّهُمَا ‏)‏‏.‏

فكان هذا سببَ غزوة بنى النضير، فإنه خرج إليهم لِيعينوه في ديتهما لما بينه وبينهم من الحلف، فقالوا‏:‏ نعم، وجلَس هو وأبو بكر وعمر وعلى، وطائفة من أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا، وقالوا‏:‏ مَن رجلٌ يُلقِى على محمَّدٍ هذه الرَّحى فيقتله ‏؟‏ فانبعث أشقاها عمرو بن جِحاش لعنه الله، ونزل جبريلُ مِن عند رب العالمين على رسولِهِ يُعلمه بما همُّوا به، فنهض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن وقته راجعاً إلى المدينة، ثم تجهَّز، وخرج بنفسه لِحربهم، فحاصرهم سِتَّ ليال، واستعمل على المدينة ابنَ أُمِّ مكتوم، وذلك في ربيع الأول‏.‏

قال ابن حزم‏:‏ وحينئذ حُرِّمَتِ الخمرُ، ونزلوا على أن لهم ما حملت إبلُهم غيرَ السلاح، ويرحلُون مِن ديارهم، فترحَّل أكابِرُهم كحُيَىّ بن أخْطَبَ، وسلامِ بنِ أبى الحُقَيْق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلانِ فقط، يامين بن عمرو، وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما، وقسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أموالَ بنى النضير بين المهاجرينَ الأوَّلين خاصة، لأنها كانت مما لم يُوجِفِ المسلمون عليه بخيل ولا رِكاب، إلا أنه أعطى أبا دُجانة، وسهَل بنَ حُنَيْفٍ الأنصاريين لِفقرهما‏.‏

وفى هذه الغزوة، نزلت سورةُ الحشر، هذا الذي ذكرناه، هو الصحيح عند أهل المغازي والسير‏.‏

وزعم محمد بن شهاب الزهرى، أن غزوة بنى النضير كانت بعد بدرٍ بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعدَ أُحُد، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر‏:‏ هي غزوة بنى قَيْنُقَاع، وقُريظة بعد الخندق، وخيبر بعد الْحُدَيْبية، وكان له مع اليهود أربعُ غزوات، أولها‏:‏ غزوة بنى قَيْنُقَاع بعد بدر، والثانية‏:‏ بنى النضير بعد أُحُد، والثالثة‏:‏ قُريظة بعد الخندقِ، والرابعة‏:‏ خيبر بعد الحُديبية‏.‏

فصل‏:‏ في قنوته صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على الَّذِين قتلوا القُرَّاءَ

وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شَهْرَاً يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا القُرَّاءَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، ثم تَركَهُ، لَمَّا جَاؤوا تَائِبِينَ مُسْلِمِينَ‏.‏

فصل‏:‏ في غزوة ذات الرِّقاع

ثُمَّ غزا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بنفسه غزوةَ ذاتِ الرِّقاعِ، وهى غزوةُ نجدٍ، فخرج في جُمادى الأولى مِن السنة الرابعة، وقيل‏:‏ في المحرَّم، يُريدُ مُحَارِبَ، وبنى ثعلبة بن سَعْدِ بن غَطَفَان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغٍفارىَّ، وقيل‏:‏ عثمانَ بن عفان،

وخرج في أربعمائة من أصحابه‏.‏ وقيل‏:‏ سبعمائة، فلقى جمعاً مِن غَطَفَان، فتواقفُوا، ولم يكن بينهم قِتال، إلا أنه صلَّى بهم يومئذ صلاَة الخوف، هكذا قال ابن إسحاق، وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزاة، وصلاة الخوف بها، وتلقَّاه الناسُ عنهم، وهو مُشْكِلٌ جدَاً، فإنه قد صحَّ أن المشركين حَبَسُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنْ صَلاةِ العصْرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ‏.‏

وفى ‏(‏ السنن ‏)‏ و ‏(‏ مسند أحمد ‏)‏، والشافعى رحمهما الله، أنَّهُم حَبَسُوهُ عن صَلاَةِ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، والمغْرِبِ، والعَشَاء، فصلاهُنَّ جميعاً‏.‏ وذلك قبلَ نزولِ صلاةِ الخوفِ، والخندقُ بعدَ ذاتِ الرِّقاع سنةَ خمس‏.‏

والظاهرُ أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أول صلاة صلاها للخوف بعُسْفَان، كما قال أبو عيَّاش الزُّرَقِى‏:‏ كنَّا مع النبىِّ صلى الله عليه وسلم بعُسْفان، فَصَلَّى بنا الظُّهْرَ، وعَلَى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالدُ بنُ الوَلِيدِ، فَقَالُوا‏:‏ لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً، ثُمَّ قَالُوا‏:‏ إنَّ لَهُمْ صَلاةً بَعْدَ هَذِهِ هي أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، فَصَلَّى بِنَا العَصْرَ، فَفَرقَنَا فِرْقَتَيْنِ‏.‏‏.‏‏.‏ وذكر الحديث رواه أحمد وأهلُ السنن

وقال أبُو هُريرة‏:‏ كَانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَازلاً بَيْنَ ضَجْنَانَ وعُسْفَانَ مُحاصِرَاً للمُشْرِكِينَ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ‏:‏ إنَّ لِهؤُلاَءِ صَلاةً هي أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَجْمِعُوا أَمْرَكُم، ثُمَّ مِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَه نِصْفَيْنِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وذكر الحديث، قال الترمذىُّ‏:‏ حديثٌ حسنٌ صحيح‏.‏

ولا خِلاَفَ بينهم أن غزوةَ عُسْفَانَ كانت بعدَ الخندق، وقد صحَّ عنه أنه صلَّى صلاة الخوفِ بِذَاتِ الرِّقاع، فعُلِمَ أنها بعد الخندقِ وبعد عُسْفَان، ويؤيِّدُ هذا أنَّ أبا هُرَيرة، وأبا موسى الأشعرى شهدا ذاتَ الرِّقاع، كما في ‏(‏ الصحيحين ‏)‏ عن أبى موسى، أنه شهد غزوة ذات الرِّقاع، وأنَّهُمْ كَانُوا يَلفُّونَ عَلَى أرْجُلِهِمُ الخِرَقَ لَمَّا نَقِبَتْ‏.‏

وأمَّا أبو هُريرَة، ففى ‏(‏ المسند ‏)‏ ‏(‏ والسنن ‏)‏ أن مروانَ بنَ الحكم سأله‏:‏ هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الخوفِ ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ متى ‏؟‏ قال‏:‏ عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ‏.‏

وهذا يَدُلُّ على أن غزوة ذاتِ الرِّقاع بعد خيبر، وأنَّ من جعلها قبل الخندق، فقدْ وهمَ وهماً ظاهراً، ولمَّا لَمْ يَفْطَن بعضُهم لهذا، ادَّعى أن غزوةَ ذاتِ الرِّقاع كانت مرَّتين، فمرةً قبلَ الخندق، ومرةً بعدها على عادتهم في تعديدِ الوقائع إذا اختلفت ألفاظَهَا أو تاريخُهَا‏.‏

ولو صحَّ لهذا القائل ما ذكره، ولا يَصِحُّ، لم يمكن أن يكونَ قد صلَّى بهم صلاةَ الخوف في المرة الأولى لما تقدم مِن قصة عُسْفَان، وكونها بعد الخندق، ولهم أن يُجيبوا عن هذا بأن تأخيرَ يومِ الخندق جائزٌ غيرُ منسوخ، وأن في حال المسايفة يجوزُ تأخيرُ الصلاة إلى أن يتمكَّن من فعلها، وهذا أحدُ القولين في مذهب أحمد رحمه الله وغيره، لكن لا حِيلة لهم في قصة عُسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق‏.‏

فالصواب تحويل غزوةِ ذات الرِّقاع مِن هذا الموضع إلى ما بعدَ الخندق، بل بعدَ خَيبر، وإنما ذكرناها هاهنا تقليداً لأهل المغازي والسير، ثم تبيَّن لنا وهمُهم وبالله التوفيق‏.‏

ومما يدلُّ على أن غزوةَ ذاتِ الرِّقاع بعد الخندق، ما رواه مسلم في ‏(‏ صحيحه ‏)‏ عن جابر قال‏:‏ أقبلْنَا مَعَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حتّى إذا كُنَّا بذات الرِّقاعِ، قال‏:‏ كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعَلَّقٌ بالشَّجرةِ فَأَخَذَ السَّيْفَ، فاخْتَرَطَهُ، فذكر القِصَّةَ، وقال‏:‏ فُنودى بالصَّلاة، فصلَّى بطائفةٍ رَكعتينِ، ثمَّ تأخَّرُوا، وصلَّى بالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكعتينِ، فكانت لِرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أرْبَعُ رَكَعَاتٍ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ‏.‏

وصلاة الخوف، إنما شُرِعَتْ بعدَ الخندقِ، بل هذا يدُلُّ على أنها بعد عُسْفَان‏.‏‏.‏ والله أعلم‏.‏

وقد ذكروا أن قصَّةَ بَيْعِ جَابِرٍ جَمَلَه مِن النبىِّ صلى الله عليه وسلم كانت في غزوة ذَاتِ الرِّقاع‏.‏ وقيل‏:‏ في مرجعه مِن تبوك، ولكن في إخباره للنبى صلى الله عليه وسلم في تلك القضية، أنَّه تزوج امرأة ثيباً تقومُ على أخواتِهِ، وتكفُلهن، إشعارٌ بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه، ولم يؤخِّرْ إلى عام تبوك‏.‏‏.‏ والله أعلم‏.‏

وفى مرجعهم مِن غزوةِ ذات الرِّقاع، سَبَوُا امرأةً من المشركين، فنذَرَ زوجُهَا ألاّ يَرْجِعَ حتَّى يُهْرِيقَ دماً في أصحابِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فجاء ليلاً، وقد أرصدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلَيْنِ رَبِيئَةً لِلمسلمين مِن العدو، وهما عبَّادُ بنُ بِشر، وعمَّارُ بنُ ياسر، فضرب عباداً، وهو قائمٌ يُصلِّى بسهمٍ، فنزعه، ولم يُبطل صلاته، حتى رَشَقَه بثلاثة أسهم، فلم ينْصَرِفْ منها حَتَّى سَلَّمَ، فَأَيْقَظَ صاحِبَه فقال‏:‏ سبحان الله‏.‏ هلاَّ أنبهتنى ‏؟‏ فقال‏:‏ إنِّى كُنْتُ في سُورةٍ، فكرِهْتُ أن أقطَعَهَا‏.‏

وقال موسى بن عقبة في ‏(‏ مغازيه ‏)‏‏:‏ ولا يُدرى متى كانت هذه الغزوةُ قَبْلَ بدرٍ، أو بعدَهَا، أو فيما بَيْنَ بدرٍ وأُحُد أو بعد أُحُد‏.‏

ولقد أبعَدَ جدّاً إذ جوَّز أن تكون قبْلَ بدرٍ، وهذا ظاهِرُ الإحالة، ولا قَبْلَ أُحُدٍ، ولا قَبْلَ الخندق كما تقدم بيانُه‏.‏

فصل

وقد تقدّم أن أبا سُفيانَ قال عِند انصرافِهِ من أُحُد‏:‏ مَوْعِدُكُم وإيانا العامُ القابلُ ببدر، فلما كان شعبانُ وقيل‏:‏ ذو القَعدةِ مِن العامِ القابِلِ، خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِموعِده في ألفٍ وخمسمائة، وكانتِ الخيلُ عشرةَ أفراس، وحَمَلَ لِواءَهُ علىُّ بن أبى طالب، واستخلف على المدينةِ عبدَ الله بنَ رواحة، فانتهى إلى بدر، فأقام بها ثمانيةَ أيامٍ ينتظرُ المشركين، وخرجَ أبو سفيان بالمشركين مِن مكَّةَ، وهم ألفانِ، ومعهم خمسون فرساً، فلما انْتَهَوْا إلى مَرِّ الظَّهْرَانِ على مَرْحَلَة مِنْ مكَّة قال لهم أبو سفيان‏:‏ إن العامَ عامُ جَدْبٍ، وقد رأيتُ أنى أرجِعُ بكم، فانصرَفُوا راجعين، وأخلفوا الموعِدَ، فسُمِّيت هذهِ بدرَ الموعد، وتسمى بدرَ الثانية‏.‏

فصل‏:‏ في غزوة دُومَة الجندل

وهى بضم الدَّال، وأما دَومة بالفتحِ فمكانٌ آخر‏.‏ خرج إليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة خمسٍ، وذلك أنه بلغه أن بها جمعاً كثيراً يُريدُونَ أن يَدْنُوا مِن المدينةِ، وبينها وبينَ المدينة خَمْسَ عشرةَ ليلة، وهى مِن دمشق على خمس ليال، فاستعمل علَى المَدينةِ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفارى، وخرج في ألفٍ من المسلمين، ومعه دليلٌ من بنى عُذرة، يقال له ‏(‏ مذكور ‏)‏، فلما دنا مِنهم، إذا هُم مُغرِّبُونَ، وإذا آثار النعم والشاءِ فهجَمَ على ماشيتهم ورُعاتهم، فأصابَ مَن أصابَ، وهَرَبَ مَنْ هَرَبَ، وجاء الخبرُ أهلَ دُومَة الجَنْدَلِ، فتفرَّقُوا، ونزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِسَاحَتِهِم، فلم يَجِدْ فيها أحداً، فأقامَ بها أياماً، وبثَّ السرايا، وفرَّق الجيوشَ، فلم يصِبْ منهم أحدَاً، فرجَعَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عُيينةَ بْنُ حصن‏.‏

فصل‏:‏ في غزوةِ المُرَيْسِيع

وكانت في شعبانَ سنَةَ خَمسٍ، وسببُها‏:‏ أنه لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن الحارث ابن أبى ضِرار سيِّدَ بنى المُصْطَلِق سار في قومه ومن قَدَرَ عليه مِن العرب، يُريدونَ حربَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثَ بُريْدَةَ بنَ الحُصيب الأسلمى يَعْلَمُ له ذلك فأتاهم، ولقى الحارث بن أبى ضِرار، وكلَّمه، ورجَعَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرَهم، فندب رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الناسَ فأسرعوا في الخروج، وخرج معهم جماعةٌ مِن المنافقين، لم يخرُجوا في غَزاةٍ قبلَهَا، واستعمل على المدينة زيدَ بنَ حارِثَة، وقيل‏:‏ أبا ذر، وقيل‏:‏ نُمَيْلَةَ بن عبد الله اللَّيثى، وخرج يومَ الإثنين لليلتين خَلتَا من شعبان، وبلغ الحارثَ بن أبى ضرار ومَنْ معه مسيرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقَتْلُه عينَه الذي كان وجَّهه لِيأتِيَه بخبرِهِ وخبرِ المسلمين، فخافُوا خوفاً شديداً، وتفرَّق عنهم مَنْ كان معهم مِن العرب، وانتهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المُرَيْسِيعِ، وهو مكانُ الماءِ، فضرب عليه قُبَّتَه، ومعه عائشةُ وأمُّ سَلَمة، فتهيؤوا لِلقتال، وصفَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أصحابَه، ورايةُ المهاجِرِينَ مع أبى بكر الصِّدِّيق، ورايةُ الأنصارِ مع سعد بن عُبادة، فترامَوْا بالنَّبْلِ ساعةً، ثم أمَر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أصحابَه، فحملوا حملةَ رجلٍ واحد، فكانت النُّصرةُ، وانهزم المشركون، وقُتِلَ مَنْ قُتِلَ منهم، وسَبَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النساءَ والذَّرارى، والنَّعَمَ والشَّاءَ، ولم يُقْتَلْ مِن المسلمين إلا رجلٌ واحد، هكذا قال عبدُ المؤمن ابن خلف في ‏(‏ سيرته ‏)‏ وغيرُه، وهو وهم، فإنه لم يكن بينهم قِتال، وإنما أغارَ عليهم على الماء، فَسَبى ذَرَارِيَهم، وأموالَهم، كما في ‏(‏ الصحيح ‏)‏‏:‏ أغارَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على بَنى المُصْطَلِقِ، وهُمْ غَارُّونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏)‏، وذكر الحديث‏.‏

وكان مِن جُملة السبى جُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارث سَيِّدِ القومِ، وقعت في سَهْم ثابتِ بنِ قيس، فكاتبها، فأدَّى عنها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وتزوَّجَها، فأعتقَ المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهْلِ بيتٍ من بنى المُصْطَلِق قد أسلموا، وقالُوا‏:‏ أصهارُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابنُ سعد‏:‏ وفى هذه الغزوةِ سقط عِقْدٌ لعائِشَة، فاحتبسُوا على طَلَبهِ، فنزلت آيةُ التيمم‏.‏

وذكر الطبرانى في ‏(‏ معجمه ‏)‏ من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏ ولمَّا كانَ مِن أَمْرِ عِقْدى ما كان، قال أهلُ الإفك ما قالُوا، فخرجتُ مع النبى صلى الله عليه وسلم في غَزاةٍ أُخرى، فسقطَ أيضاً عِقدى حتَّى حَبَسَ التماسُه الناس، ولقيتُ مِن أبى بكر ما شاء اللَّهُ، وقال لى‏:‏ يا بُنيَّةُ؛ في كُلِّ سفرٍ تكونين عَناءً وبلاءً، وليس مع الناس ماء، فأنزل اللَّهُ الرُّخصةَ في التيَّمُّمِ‏)‏‏.‏ وهذا يدل على أن قِصة العقد التي نزل التيممُ لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهرُ، ولكن فيها كانت قِصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه، فالتبسَ على بعضِهم إحدى القِصتين بالأخرى، ونحن نشير إلى قصة الإفك‏.‏

وذلك أن عائشة رضى اللَّهُ عنها كانت قد خَرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغَزوةِ بقُرعة أصابَتْهَا، وكانَت تِلكَ عادته مع نسائه، فلما رجعُوا مِن الغزوة، نزلُوا في بعض المنازل، فخرجَتْ عائشةُ لِحاجتها، ثمَّ رجعت، ففقَدَتْ عِقْداً لأُختها كانت أعارتها إياه، فرجَعَتْ تلتمسُه في الموضع الذي فَقَدَتْهُ فيه، فجاء النَّفَرُ الَّذِينَ كانُوا يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا، فظنُّوها فيه، فحملوا الهودجَ، ولا يُنكرون خِفته، لأنها رضىَ الله عنها كانت فَتِيَّةَ السِّن، لم يغشها اللَّحْمُ الذي كان يُثْقِلُهَا، وأيضاً، فإن النفرَ لما تساعدوا على حمل الهودج، لم يُنكِرُوا خِفَّته، ولو كان الذي حمله واحداً أو اثنين، لم يَخْفَ عليهما الحالُ، فرجعت عائشةُ إلى منازلهم، وقد أصابتِ العِقد، فإذا ليس بها داعٍ ولا مُجيب، فقعدت في المنزل، وظنَّت أنهم سيفقدونها، فيرجِعُون في طلبها، واللَّهُ غالِبٌ على أمرهِ، يُدبِّرُ الأمرَ فَوقَ عرشه كما يشاءُ، فغلبتها عيناهَا، فنامَتْ، فلم تستيقِظْ إلا بِقَوْل صَفْوَانَ بنِ المُعَطِّل‏:‏ إنَّا للهِ وإنَّا إليه رَاجِعُونَ، زوجةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وكان صفوان قد عرَّسَ في أُخريات الجيش، لأنه كان كثيرَ النوم، كما جاء عنه في ‏(‏ صحيح أبى حاتم ‏)‏ وفى ‏(‏ السنن ‏)‏‏:‏ فلما رآها عَرفها، وكانَ يَراها قبلَ نزولِ الحِجَابِ، فاسترجع، وأناخَ راحِلَته، فقرَّبها إليهَا، فركِبَتْهَا، وما كلَّمَها كلمةً واحدة، ولم تَسْمَعْ منه إلا استرجاعَه، ثم سار بها يَقُودُهَا حتَّى قَدِمَ بها، وقد نزل الجيشُ في نحرِ الظهيرة، فلما رأى ذلك الناسُ، تكلَّم كُلٌ منهم بِشاكِلته، وما يَليقُ به، ووجد الخبيثُ عدوُّ اللهِ ابنُ أُبىّ متنفَّساً، فتنفَّس مِن كَرْبِ النفاق والحسدِ الذي بين ضُلوعه، فجعل يَستحكى الإفكَ، ويَستوشِيه، ويُشِيعه، ويُذِيعه، ويَجمعُه، ويُفرِّقه، وكان أصحابُه يتقرَّبُونَ به إليه، فلما قَدِمُوا المدينةَ، أفاضَ أهلُ الإفكِ في الحديثِ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ساكِتٌ لا يتكلَّم ثم استشار أصحابَه في فراقها، فأشار عليه علىٌ رضى الله عنه أن يُفارقَهَا، ويأخُذَ غيرها تلويحاً لا تصريحاً، وأشار عليه أُسامةُ وغيرُه بإمساكِها، وألا يلتفِتَ إلى كلام الأعداء، فعلىُّ لما رأى أن ما قِيل مشكوكٌ فيه، أشار بترك الشَّكِّ والرِّيبة إلى اليقين ليتخلَّص رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه مِن كلام الناس، فأشار بحسم الداء، وأُسامة لما عَلِمَ حُبَّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها، وعَلِمَ مِن عِفتها وبراءتها، وحَصانتها ودِيانتها ما هي فوقَ ذلك، وأعظمُ منه، وعرفَ مِن كرامةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ربِّه ومنزلته عنده، ودفاعِه عنه، أنه لا يجعلُ ربةَ بيته وحبيبته من النساء، وبنتَ صِدِّيقه بالمنزلة التي أنزلها بهِ أربابُ الإفك، وأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أكرمُ على ربه، وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأة بَغيّاً، وعلم أنَّ الصِّدِّيقةَ حبيبةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرمُ على ربها مِن أن يَبْتَلِيهَا بالفَاحِشَةِ، وهىَ تحتَ رسوله، ومَنْ قَوِيَتْ معرفته لله ومعرفته لرسوله وقدره عندَ اللهِ في قلبه، قال كما قال أبو أيوب وغيره مِن سادات الصحابة، لما سمعوا ذلك‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 16‏]‏‏.‏

وتأمل ما في تسبيحهم للهِ، وتنزيههم له في هذا المقامِ مِن المعرفةِ به، وتنزيهه عما لا يليقُ به، أن يجعلَ لِرسوله وخليلِه وأكرمِ الخلق عليه امرأةً خبيثةً بغيَّا، فمن ظنَّ به سُبحانه هذا الظَّنَّ، فقد ظَنَّ به ظنَّ السَّوْءِ، وعرف أهلُ المعرفة باللهِ ورسوله أن المرأة الخبيثةَ لا تليقُ إلا بمثلها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 26‏]‏، فقطعوا قطعاً لا يشُكُّونَ فيهِ أن هذا بُهتان عظيم، وفِريةٌ ظاهرة‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما بالُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم توقَّفَ في أمرها، وسألَ عنها، وبحَثَ، واستشارَ، وهو أعرفُ باللهِ، وبمنزلتِهِ عِندهُ، وبما يليقُ به، وهَلاَّ قال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور ‏:‏ 16‏]‏ ، كما قاله فضلاءُ الصحابة ‏؟‏

فالجوابُ أن هذا مِن تمامِ الحِكَمِ البَاهِرةِ التي جعل اللهُ هذهِ القِصةَ سبباً لها، وامتحاناً وابتلاءً لرسولهِ صلى الله عليه وسلم، ولجميع الأمة إلى يومِ القيامة، ليرفع بهذه القصة أقواماً، ويضعَ بها آخرينَ، ويزيدَ اللهُ الذين اهتَدَوْا هُدىً وإيماناً، ولا يزيدُ الظالمين إلا خَساراً، واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحىُ شهراً في شأنها، لا يُوحى إليه في ذلك شئ لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها وقضَاهَا، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصادِقُونَ إيماناً وثباتاً على العدل والصدق، وحُسْنِ الظنِّ باللهِ ورسولهِ، وأهلِ بيتهِ، والصِّدِّقينَ مِن عباده، ويزدادَ المنافقون إفكاً ونفاقاً، ويُظْهِرَ لِرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبوديةُ المرادة مِن الصِّدِّيقةِ وأبويها، وتتمَ نعمةُ اللهِ عليهم، ولِتشتد الفاقةُ والرغبةُ مِنها ومِن أبويها، والافتقارُ إلى اللهِ والذلُّ له، وحُسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ مِن حصول النُّصرةِ والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفّت هذا المقَام حقًَّه، لما قال لها أبواها‏:‏ قُومى إليه، وقد أنزلَ اللهُ عليه براءتَها، فقالت‏:‏ واللهِ لا أقُومُ إلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إلاَّ اللهَ، هُو الذي أنْزَلَ بَرَاءَتِى‏.‏

وأيضاً فكان مِن حكمةِ حَبْس الوحى شهراً، أن القضية مُحِّصَتْ وتمحَّضتْ، واستشرفَتْ قلوبُ المؤمنين أعظَم استشرافٍ إلى ما يُوحيه اللهُ إلى رسوله فيها، وتطلَّعت إلى ذلك غايةَ التطلُّع، فوافى الوحىُ أحوجَ ما كان إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأهلُ بيته، والصِّدِّيقُ وأهلُه، وأصحابُه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيثِ على الأرضِ أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقع وأَلطَفَه، وسُرُّوا به أتمَّ السُّرورِ، وحصل لهم به غايةُ الهناء، فلو أطلع اللهُ رسولَه على حقيقة الحالِ مِن أوَّلِ وَهلة، وأنزل الوحىَ على الفور بذلك، لفاتت هذه الحِكمُ وأضعافُها بل أضعافُ أضعافها‏.‏

وأيضاً فإن الله سُبحانه أحبَّ أن يُظْهِرَ منزلَةَ رسوله وأهلِ بيته عنده، وكرامتهم عليه، وأن يُخرِجَ رسولَه عن هذه القضية، ويتولَّى هو بنفسه الدفاعَ والمنافحَة عنه، والردَّ على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل، ولا يُنسب إليه، بل يكونُ هو وحدَه المتولىَ لذلك، الثائرَ لرسوله وأهل بيته‏.‏

وأيضاً فإن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان هو المقصودَ بالأذى، والتي رُمِيَتْ زوجتُه، فلم يكن يليقُ به أن يشهد ببراءتها مع علمه، أو ظنه الظنَّ المقاربَ للعلم ببراءتها، ولم يظنَّ بها سُوءاً قطُّ، وحاشاه، وحاشاها، ولذلك لما استعذر مِن أهل الإفك، قال‏:‏ ‏(‏ مَنْ يَعْذِرُنى في رَجُلٍ بَلَغَنى أذَاهُ في أَهْلى، واللهِ مَا عَلِمْتُ عَلى أَهْلى إلاَّ خَيْراً، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلاَّ خَيْراً، ومَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلى إلاَّ مَعى ‏)‏، فكان عنده مِنَ القرائن التي تشهدُ ببراءة الصِّدِّيقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لِكمال صبره وثباته، ورِفقه، وحُسنِ ظنه بربه، وثِقته به، وفّى مقامَ الصبر والثبات، وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحىُ بما أقرَّ عينَه، وسرَّ قلبَه، وعظَّمَ قدرَه، وظهر لأُمته احتفالُ ربه به، واعتناؤه بشأنه‏.‏

ولما جاء الوحىُ ببراءتها، أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمن صرَّح بالإفك، فَحُدُّوا ثمانين ثمانين، ولم يُحد الخبيثُ عبد الله بن أُبَىّ، مع أنه رأسُ أهل الإفك، فقيل‏:‏ لأن الحدودَ تخفيفٌ عن أهلها وكفَّارة، والخبيثُ ليس أهلاً لذلك، وقد وَعَدَهُ الله بالعذابِ العظيمِ في الآخرةِ، فيكفيهِ ذلك عن الحد، وقيل‏:‏ بل كان يستوشى الحديثَ ويجمعُه ويحكيه، ويُخرجه في قوالب مَن لا يُنسب إليه، وقيل‏:‏ الحدُّ لا يثبتُ إلا بالإقرار، أو ببيِّنة، وهو لم يُقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكُره بين أصحابه، ولم يشهدُوا عليه، ولم يكن يذكُره بين المؤمنين‏.‏

وقيل‏:‏ حدُّ القذف حقُّ الآدمى، لا يُستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل‏:‏ إنه حقٌ لله، فلا بُدَّ مِن مطالبة المقذوف، وعائشةُ لم تُطالب به ابنَ أُبَىَّ‏.‏

وقيل‏:‏ بل تَرَك حدَّه لمصلحة هي أعظمُ مِن إقامته، كما ترك قتله مع ظهورِ نفاقه، وتكلمِه بما يُوجب قتله مراراً، وهى تأليفُ قومه، وعدمُ تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعاً فيهم، رئيساً عليهم، فلم تُؤمن إثارةُ الفتنة في حدِّه، ولعله تُرِكَ لهذِهِ الوجوهِ كُلِّهَا‏.‏

فجلد مِسْطَحَ بنَ أثاثة، وحسانَ بن ثابت، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، وهؤلاء مِن المؤمنين الصَّادقين تطهيراً لهم وتكفيراً، وترك عبد الله بن أُبَىِّ إذاً، فليس هو من أهل ذاك‏.‏

فصل‏:‏ في حصافة عائشة رضى الله عنها ورزانتها

ومَن تأمَّل قولَ الصِّدِّيقةِ وقد نزلت براءتُهَا، فقال لها أبواها‏:‏ قُومى إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ ‏(‏ واللهِ لا أقومُ إلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إلا اللهَ ‏)‏، علم معرفَتها، وقوةَ إيمانها، وتوليتها النعمة لربِّها، وإفرادَه بالحمد في ذلك المقَام، وتجريدَها التوحيد، وقوةَ جأشها، وإدلالَها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يُوجب قيامَها في مقام الراغب في الصُّلح، الطالب له، وثقتها بمحبة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لها قالت ما قالت، إدلالاً للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسنُ مقامات الإدلال، فوضعتهُ موضِعَه، وللهِ ما كان أحبَّها إليه حين قالت‏:‏ ‏(‏ لا أحْمَدُ إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتى ‏)‏، ولله ذلك الثباتُ والرزانةُ منها، وهو أحبُّ شئ إليها، ولا صبرَ لها عنه، وقد تنكَّر قلبُ حبيبها لها شهراً، ثم صادفَتِ الرِّضى منه والإقبال، فلم تُبادِرْ إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غايةُ الثبات والقوة‏.‏

فصل‏:‏ في طلبه صلى الله عليه وسلم مَن يعذره فيمن تولى الإفك

وفى هذه القضية أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم لما قال‏:‏ ‏(‏ مَنْ يَعْذِرُنِى في رَجُلٍ بَلَغَنِى أَذَاهُ في أَهْلِى ‏)‏ ‏؟‏ قام سعدُ بن معاذ أخو بنى عبد الأشهل، فقال‏:‏ أنا أعذِرُكَ مِنْهُ يا رسولَ اللهِ، وقد أشكلَ هذا على كثيرٍ من أهلِ العلم، فَإنَّ سعد بن معاذ لا يختلِفُ أحدٌ من أهل العلم، أنه تُوفى عقيبَ حُكمه في بنى قُريظة عقيبَ الخندق، وذلك سنةَ خمس على الصحيح، وحديث الإفك لا شك أنه في غزوة بنى المُصْطَلِق هذه، وهى غزوةُ المُريسيع، والجمهُورُ عندهم أنها كانت بعد الخندق سنة ست، فاختلفت طرقُ الناسِ في الجوابِ عن هذا الإشكال، فقال موسى بن عقبة‏:‏ غزوة المُريسيع كانت سنةَ أربعٍ قبلَ الخندق، حكاه عنه البخارى‏.‏ وقال الواقدى‏:‏ كانت سنة خمس‏.‏ قال‏:‏ وكانت قريظة والخندق بعدها‏.‏ وقال القاضى إسماعيل بن إسحاق‏:‏ اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق، وعلى هذا، فلا إشكال، ولكن الناس على خلافه، وفى حديث الإفك، ما يدل على خلاف ذلك أيضاً، لأن عائشة قالت‏:‏ إن القضية، كانت بعدما أُنزل الحجاب، وآيةُ الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزينبّ إذ ذاك كانت تحتَه، فإنه صلى الله عليه وسلم سألها عن عائشة، فقالت‏:‏ ‏(‏ أحمى سَمْعِى وَبَصَرِى ‏)‏ قالت عائِشَةُ‏:‏ وهى التي كانت تُسامينى مِن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقَد ذكر أربابُ التواريخ أن تزويجَه بزينب كان في ذى القَعدة سنة خمس، وعلى هذا فلا يصح قولُ موسى بن عقبة‏.‏ وقال مُحمد بن إسحاق‏:‏ إن غزوة بنى المُصْطَلِق كانت في سنة ست بعد الخندق، وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال عن الزهرى، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، فذكر الحديث‏.‏ فقال‏:‏ فقام أُسيدُ بن الحضير، فقال‏:‏ أنا أعذِرُكَ منه، فردَّ عليه سعدُ بن عبادة، ولم يذكر سعد بن معاذ، قال أبو محمد بنُ حزم‏:‏ وهذا هو الصحيحُ الذي لا شك فيه، وذكر سعد بن معاذ وهم، لأنَّ سعدَ بن معاذ مات إثر فتح بنى قريظة بلا شك، وكانت في آخِر ذى القَعدةِ مِن السنة الرابعة، وغزوة بنى المصطلِق في شعبان من السنة السادسة بعد سنة وثمانية أشهر من موت سعد، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بنى المُصطَلِق بأزيدَ من خمسين ليلة‏.‏

قلت‏:‏ الصحيح‏:‏ أن الخندق كان في سنة خمس كما سيأتى‏.‏

فصل‏:‏ في ما وقع في حديث الإفك من الوهم

ومما وقع في حديث الإفك، أن في بعض طُرق البخارى، عن أبى وائل عن مسروق، قال‏:‏ سألتُ أمَّ رُومان عن حديثِ الإفك، فحدَّثتنى‏.‏ قال غيرُ واحد‏:‏ وهذا غلط ظاهر، فإن أمَّ رُومان ماتت على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ونزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في قبرها، وقال‏:‏ ‏(‏ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلى امْرَأَةٍ مِنَ الحُورِ العينِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هذه ‏)‏ قَالُوا‏:‏ ولو كان مسروقٌ قَدِمَ المدينةَ في حياتها وسألها، للقى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، ومسروق إنما قَدِمَ المدينة بعد موتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قالوا‏:‏ وقد روى مسروق، عن أمِّ رومان حديثاً غير هذا، فأرسلَ الروايةَ عنها، فظنَّ بعضُ الرواة، أنه سمع منها، فحمل هذا الحَديث على السماع، قالوا‏:‏ ولَعل مسروقاً قال‏:‏ ‏(‏ سُئلت أم رومانَ ‏)‏ فتصَّحفت على بعضهم‏:‏ ‏(‏ سألت ‏)‏، لأن من الناس مَن يكتب الهمزة بالألف على كل حال، وقال آخرون‏:‏ كل هذا لا يَرُدُّ الرواية الصحيحة التي أدخلها البخارى في ‏(‏ صحيحه ‏)‏ وقد قال ابراهيم الحربى وغيره‏:‏ إن مسروقاً سألها، وله خمسَ عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وأمُّ رومان أقدمُ مَنْ حدَّثَ عنه، قالوا‏:‏ وأما حديثُ موتها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزوله في قبرها، فحديثٌ لا يَصِحُّ، وفيه علتان تمنعان صِحته، إحداهما‏:‏ رواية على بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيفُ الحديث لا يُحتجُّ بحديثه، والثانية‏:‏ أنه رواه عن القاسم بن محمد، عن النبى صلى الله عليه وسلم، والقاسم لم يُدرك زمنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يُقدَّم هذا على حديثٍ إسناده كالشمس يرويه البخارى في ‏(‏ صحيحه ‏)‏ ويقول فيه مسروق‏:‏ سألتُ أمَّ رومان، فحدثتنى، وهذا يرد أن يكون اللَّفظ‏:‏ ‏(‏ سئلت ‏)‏‏.‏ وقد قال أبو نعيم في كتاب ‏(‏ معرفة الصحابة ‏)‏‏:‏ قد قيل‏:‏ إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وهم‏.‏

فصل

ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه‏:‏ أن علياً قال للنبى صلى الله عليه وسلم لما استشاره‏:‏ سل الجَارِيَةَ تصدقَكَ، فدعا بَرِيرَة، فسألها، فقالَتْ‏:‏ ما عَلِمْتُ عليها إلا ما يَعْلَمُ الصائغُ على التِّبْرِ، أو كما قالت، وقد استُشْكِلَ هذا، فإن بريرة إنما كاتبت وعَتَقَتْ بعد هذا بمدَّةِ طوبلة، وكان العباسُ عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في المدينة، والعباسُ إنما قَدِمَ المدينةَ بعد الفتح، ولهذا قال له النبىُّ صلى الله عليه وسلم، وقد شَفِعَ إلى بَريرة‏:‏ أن تُراجعَ زوجَها، فأبت أن تُراجعه‏:‏ ‏(‏ يا عبَّاسُ؛ ألا تَعْجَبُ مِنْ بغض بَرِيرَةَ مُغِيثاً وحُبِّهِ لَهَا ‏)‏‏.‏

ففى قصة الإفك، لم تكن بريرةُ عند عائشة، وهذا الذي ذكروه، إن كان لازِماً فيكون الوهمُ مِن تسميته الجارية بريرة، ولم يَقْل له علىُّ‏:‏ سَلْ بريرَة، وإنما قال‏:‏ فسل الجارية

تصدُقك، فظن بعضُ الرواة أنها بريرة، فسماها بذلك، وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح، ولم ييأس منها، زال الإشكال‏.‏‏.‏ والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏ في مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة المريسيع

وفى مرجعهم مِن هذه الغزوة، قال رأسُ المنافقين ابنُ أُبَىّ‏:‏ لئن رجعنا إلى المدينةِ، ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ، فبلَّغها زيدُ بن أرقم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وجاء ابنُ أُبَىّ يعتذِرُ ويحلِفُ ما قال‏:‏ فَسَكَتَ عنهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللهُ تصديقَ زَيْدٍ في سُورة المنافقين، فأخذ النبىُّ صلى الله عليه وسلم بأُذنه، فقال‏:‏ أَبْشِرْ فَقَدْ صَدَقَكَ اللهُ، ثمَّ قَالَ‏:‏ هذَا الذي وفى للهِ بأذنه، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ‏:‏ يا رَسُولَ الله؛ مُرْ عبَّادَ بْنَ بشر، فَلْيَضْرِبْ عُنُقَه، فقال‏:‏ ‏(‏ فَكَيْفَ إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَه ‏)‏‏.‏

فصل‏:‏ في غزوة الخندق

وكانت في سنةِ خمسٍ مِن الهجرةِ في شوَّال على أصحِّ القولين، إذ لا خِلاَفَ أن أُحُداً كانت في شوَّال سنةَ ثلاثٍ، وواعدَ المشركُون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في العام المُقبلِ، وهو سنةُ أربع، ثم أخلفُوه لأجل جَدْبِ تلك السنةِ، فرجعُوا، فلما كانت سنة خمس، جاؤوا لِحربه، هذا قولُ أهلِ السِّيَرِ والمغازي‏.‏

وخالفهم موسى بنُ عقبة وقال‏:‏ بل كانت سنةَ أربع، قال أبو محمد بن حزم‏:‏ وهذا هو الصحيحُ الذي لا شَكَّ فيه، واحتج عليه بحديثِ ابنِ عُمَرَ في ‏(‏ الصحيحين ‏)‏ أنه عُرِضَ على النبىِّ صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُدٍ، وهو ابنُ أربع عشرةَ سنة، فلم يُجِزْهُ، ثم عُرِضَ عليه يومَ الخندقِ، وهو ابنُ خَمسَ عشرةَ سنة، فأجازه‏.‏

قال‏:‏ فصحَّ أنه لم يكن بينهما إلا سنةٌ واحدة‏.‏

وأجيب عن هذا بجوابين، أحدهما‏:‏ أن ابنَ عمر أخبرَ أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم، ردَّهُ لما استصغَرَهُ عَنِ القِتال، وأجازه لـمَّا وصَلَ إلى السِّنِّ التي رآه فيها مطيقاً، وليس في هذا ما ينفى تجاوُزَها بسنةٍ أو نحوها‏.‏

الثانى‏:‏ أنه لعلَّه كان يومَ أُحُدٍ في أوَّلِ الرابعة عشرة ويومَ الخندق في آخرِ الخامسة عشرة‏.‏

فصل‏:‏ في سبب هذه الغزوة

وكان سبب غزوة الخندق أن اليهودَ لما رَأُوا انتصارَ المشركين على المسلمين يَوْمَ أُحُد، وعلِمُوا بميعادِ أبى سفيان لِغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للِعام المُقْبِلِ، خرج أشرافُهم، كسلاَّم بن أبى الحُقيق، وسلاَّم بن مِشْكَم، وكِنَانة بن الرَّبيع وغيرِهم إلى قريش بمكة يُحرِّضُونهم عَلَى غَزوِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عَليه وسلم، ويؤلِّبُونهم عليه، ووعدوهم مِن أنفسهم بالنَّصرِ لهم، فأجابَتْهُم قريشٌ، ثم خرجُوا إلى غَطَفَان فدعَوْهُم، فاستجابُوا لهم، ثمَّ طافُوا في قبائل العربِ، يدعونَهم إلى ذلك، فاستجابَ لهم مَن استجاب، فخرجت قُريشٌ وقائدهم أبو سفيان في أربعةِ آلافٍ، ووافَتْهُم بنو سليم بِمَرِّ الظَّهْرَان، وخرجت بنُو أسد، وفَزَارَة، وأشجع، وبنو مُرَّةَ، وجاءت غَطَفَانُ وقائدُهم عُيينةُ بنُ حِصْنٍ‏.‏ وكان مَن وافى الخندقَ مِن الكفار عشرة آلاف‏.‏

فلما سَمِعَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه، استشار الصحابةَ، فأشار عليه سلمانُ الفارسى بحفر خندقٍ يحُول بين العدوِّ وبينَ المدينة، فأمر به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فبادر إليه المسلمون، وعَمِلَ بنفسه فيه، وبادروا هجومَ الكُفّارِ عليهم، وكان في حَفرِه من آياتِ نُبوته، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبرُ به، وكان حفرُ الخندق أمامَ سَلْعٍ، وسَلْعٌ ‏:‏ جبل خلفَ ظهورِ المسلمين، والخندقُ بينهم وبين الكفار‏.‏

وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصَّن بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ خرج في سبعمائة، وهذا غلط مِن خروجه يوم أُحُدٍ‏.‏

وأمر النبىُّ صلى الله عليه وسلم بالنِّسَاءِ والذرارى، فَجُعِلُوا في آطامِ المدينةِ، واستخلف عليها ابنَ أُمِّ مكتوم‏.‏

وانطلق حُيَىُّ بنُ أخْطَب إلى بنى قُريظة، فدنا مِن حصنهم، فأبى كعبُ بن أسد أن يفتَح له، فلم يَزَلْ يُكلِّمُهُ حتى فتح له، فلما دخل عليه، قال‏:‏ لقد جئتُكَ بعزِّ الدهر، جئتُكَ بقريش وغَطَفَان وأَسَدٍ على قادتها لِحرب محمد، قال كعب‏:‏ جِئْتَنى واللهِ بذُلِّ الدهرِ، وبِجَهَامٍ قد هراقَ مَاؤُه، فهو يَرْعُد ويَبْرُق ليس فيه شىء‏.‏ فلم يزل به حتَّى نقضَ العَهد الذي بينَه وبينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل مع المشركين في مُحاربته، فَسُرَّ بذلك المشركون، وشرط كعب على حُيَىِّ أنه إن لم يظفُروا بمحمد أن يجئ حتى يدخُلَ معه في حِصنه، فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ذلك، ووفَّى له به‏.‏

وبلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُ بنى قُريظة ونقضهم للعهد، فبعث إليهم السَّعْديْنِ، وخوَّاتَ بن جُبير، وعبدَ اللهِ بن رواحة لِيَعْرِفُوا‏:‏ هل هم على عهدهم، أو قد نقضُوه ‏؟‏ فلما دَنوْا منهم، فوجدُوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبِّ والعداوة، ونالُوا مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفُوا عنهم، ولحنُوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحناً يُخبرونه أنهم قد نقضُوا العَهد، وغدَرُوا، فعظُمَ ذلك على المسلمين، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏:‏ ‏(‏ اللَّهُ أكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ ‏)‏، واشتدَّ البلاءُ، ونَجَمَ النِّفَاقُ، واستأذن بعضُ بنى حارثة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة وقَالُوا‏:‏ ‏{‏إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ومَا هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 13‏]‏ ، وهمَّ بنو سلمَةَ بالفَشَلِ، ثم ثبَّت اللهُ الطائفتين‏.‏

وأقام المشركُون محاصِرِينَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شهراً، ولم يكن بينهم قِتال لأجل ما حال اللهُ به مِن الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فَوارِسَ مِن قُريش، منهم عمُرو بن عبد وُدٍّ وجماعة معه أقبلُوا نحوَ الخندق، فلما وقفُوا عليه، قالوا‏:‏ إن هذه مَكيدةٌ ما كانت العربُ تعرِفُها، ثم تيمَّمُوا مكاناً ضيِّقاً من الخندق، فاقتحمُوه، وجالت بهم خيلُهم في السّبخة بين الخندقِ وسَلْعٍ، وَدَعَوْا إلى البِرَاز، فانتدب لِعمرو علىُّ بن أبى طالب رضى الله عنه، فبارزهُ، فقتله اللهُ على يديه، وكان مِن شُجعان المشركين وأبطالِهم، وانهزمَ الباقون إلى أصحابهم، وكان شِعارُ المسلمين يومئذ ‏(‏ حم لا يُنْصَرُونَ ‏)‏‏.‏

ولما طالت هذه الحالُ على المسلمين، أراد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُصالح عُيينةَ بنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بنَ عوف رئيسى غَطَفَان، على ثُلثِ ثِمار المدينةِ، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك، فاستشار السَّعدين في ذلك، فقالا‏:‏ يا رسولَ اللهِ؛ إن كان اللهُ أمَرَكَ بهذا، فسمعاً وطاعةً، وإن كان شيئاً تصنعُه لنا، فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كُنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّركِ باللهِ وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعُون أن يأكلُوا منها ثمرة إلا قِرىً أو بيعاً، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلام، وهدانا له، وأعَزَّنا بك، نُعطيهم أموالَنَا ‏؟‏، واللهِ لا نُعطيهم إلا السيفَ، فصوَّبَ رأيَهما، وقال‏:‏ ‏(‏ إنَّمَا هُوَ شَىءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُم عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ ‏)‏‏.‏

ثم إنَّ الله عزَّ وجلَّ وله الحمدُ صنع أمراً مِنْ عنده، خَذَلَ به العدوَّ، وهزم جموعَهم، وفلَّ حدَّهم، فكان مما هيَّأَ مِن ذلك، أن رجلاً مِن غَطَفَانَ يُقَال له‏:‏ نُعَيْمُ بنُ مسعود بنِ عامر رضى الله عنه، جاء إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول اللهِ؛ إنى قد أسلمتُ، فمُرنى بما شئت، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ فَإنَّ الحَرْبَ خَدْعَة ‏)‏، فذهب مِن فوره ذلك إلى بنى قُريظة، وكان عشيراً لهم في الجاهلية، فدخل عليهم، وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال‏:‏ يا بنى قُريظة؛ إنكم قد حاربتُم محمداً، وإن قريشاً إن أصابُوا فُرصة انتهزوها، وإلا انشمَرُوا إلى بلادهم راجعين، وتركُوكُم ومحمداً، فانتقم منكم‏.‏ قالوا‏:‏ فما العملُ يا نُعيم ‏؟‏ قال‏:‏ لا تُقاتِلُوا معهم حتى يُعطوكم رهائِن، قالوا‏:‏ لقد أشرتَ بالرأى، ثم مضى على وجهه إلى قُريش، فقال لهم‏:‏ تعلمون وُدِّى لكم، ونُصحى لكم، قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ إن يهودَ قد نَدِمُوا على ما كان منهم من نقضِ عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلُوه أنهم يأخذون منكم رَهائِنَ يدفعونَها إليه، ثمَ يُمالِئُونه عليكم، فإن سألوكم رهائِنَ، فلا تُعطوهم، ثم ذهب إلى غَطَفَان، فقال لهم مِثْلَ ذلِكَ، فلما كان ليلةُ السبت من شوَّال، بعثوا إلى اليهود‏:‏ إنَّا لسنا بأرض مُقام، وقد هلك الكُراعُ والخُفُّ، فانهضُوا بنا حتى نُنَاجِزَ محمَّداً، فأرسل إليهم اليهود‏:‏ إن اليومَ يومُ السبت، وقد علمتم ما أصاب مَنْ قبلنا أحدثُوا فيه، ومع هذا فإنَّا لا نُقاتِلُ معكم حتى تبعثوا إلينا رَهائِنَ، فلما جاءتهم رُسُلُهُم بذلك، قالت قُريش‏:‏ صدقَكُم واللهِ نُعيم، فبعثوا إلى يهود‏:‏ إنَّا واللهِ لا نُرسِلُ إليكم أحداً، فاخرجُوا معنا حتى نُناجِزَ محمداً، فقالت قُريظة‏:‏صدقكم والله نُعيم، فتخاذلَ الفريقانِ، وأرسلَ اللهُ على المشركين جُنداً من الريح، فجعلتْ تُقوِّضُ خِيامَهم، ولا تَدَعُ لهم قِدراً إلا كَفَأتْها، ولا طُنُباً، إلا قَلَعَتْه، ولا يَقِرُّ لهم قرار، وجندُ اللهِ مِن الملائكة يزلزلونهم، ويُلقون في قلوبهم الرُّعْبَ والخوفَ، وأرسل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حُذيفةَ بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيؤوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقد ردَّ اللهُ عدوَّهُ بغيظه، لم ينالُوا خيراً، وكفاهُ الله قِتالهم، فصدق وعدَه، وأعزَّ جندَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزابَ وحده، فدخل المدينةَ ووضعَ السلاحَ، فجاءه جبريلُ عليه السلامُ، وهو يغتسِلُ في بيت أُمِّ سلمة، فقال‏:‏ أَوَضَعْتُمُ السِّلاحَ ‏؟‏ إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَضَعْ بَعْدُ أَسْلِحَتَهَا، انْهَضْ إلَى غَزْوَةِ هؤلاءِ، يَعْنِى بنى قُرَيْظَةَ، فَنادَى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ مَن كَانَ سَامِعَاً مُطِيعاً، فَلاَ يُصَــلِّيَنَّ العَصْــرَ إلا في بنى قُرَيْظَـــة ‏)‏، فخرج المسلمون سِراعاً، وكان من أمره وأمر بنى قُريظة ما قدَّمناه، واستشهد يومَ الخندق ويومَ قريظة نحُوُ عشرةٍ مِن المسلمين‏.‏

فصل‏:‏ في قتل أبى رافع

وقد قدَّمنا أن أبا رافع كان مِمَّنْ أَلَّبَ الأحزابَ على رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولم يُقتلْ مع بنى قُريظة كما قُتِلَ صاحبُه حُيَىّ بن أخطب، ورغبتِ الخزرجُ في قتله مساواةً للأوس في قتل كعبِ بنِ الأشرف، وكان اللهُ سُبحانه وتعالى قد جعل هذين الحيَّيْنِ يتصاولان بينَ يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخيراتِ، فاستأذنُوه في قتله، فَأَذِنَ لهم، فانتدب له رِجالٌ كُلُّهُم مِن بنى سلمة، وهم عبدُ الله بن عَتيكٍ، وهو أميرُ القوم، وعبدُ اللهِ بنُ أُنيس، وأبو قتادة، الحارث بن رِبْعى، ومسعود بن سنان، وخُزَاعىُّ بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر في دار له، فنزلُوا عليه ليلاً، فقتلُوه، ورجعوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكُلُّهُمُ ادَّعى قتله، فقال‏:‏ ‏(‏ أَرُونى أَسْيَافَكُم ‏)‏، فلما أَرَوْهُ إيَّاهَا، قال لِسيفِ عبدِ اللهِ بن أُنيس‏:‏ ‏(‏ هذَا الذي قَتَلَهُ أرى فيهِ أثَرَ الطَّعَام ‏)‏‏.‏

فصل‏:‏ في خروجه صلى الله عليه وسلم إلى بنى لِحْيَان

ثم خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى لِحْيَان بَعْدَ قُرَيْظَةَ بستة أشهرِ لِيغزوهم، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مائتى رجل، وأظهر أنه يُريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أُمِّ مكتومٍ، ثم أسرعَ السير حتى انتهى إلى بطن غُرَانَ، وادٍ من أودية بلادهم، وهُوَ بين أمَج وعُسفان حيث كان مُصابُ أصحابه، فترحَّم عليهم ودعا لهم، وسَمِعَتْ بنو لِحْيَان، فهربُوا في رؤوسِ الجبال، فلم يقدر مِنهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يَقْدِرُوا عليهم، فسار إلى عُسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كُراع الغَمِيم لِتسمعَ به قُريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت غيبتُه عنها أربعَ عشرة ليلة‏.‏

فصل‏:‏ في سـرية نَجْد

ثم بعثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت بثُمَامَةَ بنِ أُثال الحنيفى سيِّد بنى حنيفة، فربطه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى ساريةٍ من سوارى المسجد، ومَرَّ به، فقال‏:‏ ‏(‏ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ‏)‏ ‏؟‏ فقال‏:‏ يا مُحَمَّدُ؛ إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإن تَنْعِمْ تَنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ المال، فَسَلْ تُعطَ منه ما شئتَ، فتركه، ثم مرَّ به مرة أخرى، فقال له مِثْلَ ذلكَ، فردَّ عليه كما رَدَّ عليه أولاً، ثم مرَّ مرةً ثالثة، فقال‏:‏ ‏(‏ أطْلِقُوا ثُمَامَة ‏)‏، فأطلقُوه، فذهب إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسل، ثم جاءه، فأسلم وقال‏:‏ واللهِ ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغضَ إلىَّ من وجهك، فقد أصبحَ وجهُكَ أحبَّ الوُجوه إلىَّ، واللهِ ما كان على وجه الأرض دِينٌ أبغَضَ علىَّ مِن دينك، فقد أصبح دينُك أحبَّ الأديانِ إلىَّ، وإنَّ خيلك أخذتنى، وأنا أُريدُ العُمرة، فبشَّره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم على قريشٍ، قالوا‏:‏ صَبَوْتَ يا ثُمَامةُ ‏؟‏ قال‏:‏ لا واللهِ، ولكنى أسلمتُ مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا واللهِ لا يأتيكم من اليمَامَةِ حَبَّةُ حِنطَةٍ حَتَّى يأذَنَ فيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكانت اليمامةُ ريفَ مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحملَ إلى مكة حتى جَهِدَتْ قريش، فكتبوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألُونه بأرحامهم أن يكتُب إلى ثُمامةَ يُخلِّى إليهم حملَ الطعام، ففعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فصل‏:‏ في غزوة الغابة

ثم أَغار عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ الفَزَارِىُّ في بنى عبد اللهِ بن غَطَفَانَ على لِقَاحِ النبى صلى الله عليه وسلم التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعِيَهَا وهو رجلٌ من عُسفان، واحتملوا امرأته، قال عبدُ المؤمن بن خلف‏:‏ وهو ابن أبى ذر، وهو غَرِيبٌ جداً، فجاء الصريخُ، ونودى‏:‏ يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبى، وكان أول ما نُودى بها، ورَكِبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُقنَّعاً في الحديد، فكان أول مَنْ قدم إليه المقدادُ بن عمرو في الدِّرع والمِغْفَرِ، فَعَقَدَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اللِّواءَ في رُمحه، وقال‏:‏ ‏(‏ امْضِ حتَّى تلحقك الخيولُ، إنَّا عَلَى أَثَرِكَ ‏)‏، واستخلفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابنَ أُمِّ مكتوم، وأدركَ سلمةُ بنُ الأكوع القومَ، وهو على رِجليه، فجعلَ يرميهم بالنَّبْلِ ويَقُول‏:‏

خُذْهَا وَأنَا ابْنُ الأَكْوَع ** والْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّع

حتى انتهى إلى ذى قَرَدٍ وقد استنقذَ مِنهم جميعَ اللِّقَاح وثلاثين بُردة، قال سلمة‏:‏ فَلَحِقَنَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والخيلُ عِشاءً، فقلتُ‏:‏ يا رسولَ اللهِ؛ إن القومَ عِطاش، فلو بعثتنى في مائة رجل استنقذتُ ما في أيديهم من السَّرْح، وأخذتُ بأَعناق القوم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ مَلَكْتَ فَأسْجِحْ ‏)‏ ثم قالَ‏:‏ ‏(‏ إنَّهُم الآنَ لَيُقْرَوْنَ في غَطَفَان ‏)‏‏.‏

وذهب الصريخُ بالمدينة إلى بنى عَمْرو بن عوف، فجاءت الأمدادُ ولم تزلِ الخيلُ تأتى، والرجالُ على أقدامهم وعلى الإبل، حتى انْتَهَوْا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذِى قَرَدٍ‏.‏

قال عبد المؤمن بن خلف‏:‏ فاستنقذوا عَشْرَ لِقاح، وأُفلِتَ القومُ بما بقى، وهو عشر‏.‏

قلت‏:‏ وهذا غلط بيِّن، والذي في ‏(‏ الصحيحين ‏)‏‏:‏ أنهم استنقذوا اللِّقَاحَ كُلَّها، ولفظ مسلم في ‏(‏ صحيحه ‏)‏ عن سلمة‏:‏ ‏(‏ حتى ما خلق اللهُ مِن شىءٍ مِن لِقاح رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا خلَّفتُه وراء ظهرى، واستلبتُ مٍنهـم ثلاثِينَ بُردةً ‏)‏‏.‏

فصل‏:‏ في كون هذه الغزوة كانت بعد الحديبية ووهم مَن قال إنها كانت قبلها

وهذه الغزوةُ كانت بعدَ الحُديبية، وقد وَهِمَ فيها جماعةٌ مِن أهلِ المغازي والسِّيرِ، فذكُروا أنها كانت قَبْلَ الحُدَيْبِيَة، والدليلُ على صِحةِ ما قُلناه‏:‏ ما رواه الإمام أحمد، والحسن بن سفيان، عن أبى بكر بن أبى شيبة، قال‏:‏ حدثنا هاشمُ بنُ القاسم، قال‏:‏ حدثنا عِكرمة بنُ عمار، قال‏:‏ حدثنى إياس بن سلمة، عن أبيه، قال‏:‏ قَدِمْتُ المدينةَ زَمَنَ الحُديبيةِ مَعَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏(‏ خَرَجْتُ أنا ورَبَاح بفرس لطلحة أُنَدِّيهِ مع الإبل، فلما كان بِغَلَسٍ، أغارَ عبدُ الرحمن بنُ عيينة على إبل رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَتَلَ رَاعِيَهَا ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ وساقَ القصة، رواها مسلم في ‏(‏ صحيحه ‏)‏ بطولها‏.‏

ووهم عبدُ المؤمن بن خَلَف في ‏(‏ سيرته ‏)‏ في ذلك وهماً بيِّناً، فذكر غَزاة بنى لِحيان بعد قُريظة بستة أشهر، ثم قال‏:‏ لما قَدمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة، لم يمكُث إلا ليالى حتى أغار عبد الرحمن بن عُيينة‏.‏‏.‏‏.‏ وذكر القصة‏.‏ والذي أغار عبدُ الرحمن، وقيل‏:‏ أبوهُ عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فأين هذا مِن قول سلمة‏:‏ قدمتُ المدينة زمن الحُديبية ‏؟‏‏.‏

وقد ذكر الواقدى عِدة سرايا في سنة ستٍ من الهجرة قبل الحُديبية

فقال‏:‏ بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول أو قال‏:‏ الآخر سنةَ سِتٍّ مِن قدومه المدينة عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصن الأسدى في أربعين رجلاً إلى الغَمْرِ، وفيهم ثابت ابن أقرم، وسِباع بن وهب، فأجَدَّ السير، ونَذِرَ القَومُ بهم، فهربوا، فنزل على مياههم، وبعث الطلائِعَ فأصابُوا مَن دلَّهُم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتى بعير، فساقُوها إلى المدينة‏.‏

وبعثَ سرية أبى عُبيدة بن الجراح إلى ذى القَصَّة، فساروا ليلتَهم مُشاةً، ووافَوْهَا مع الصُّبْح، فأغَارُوا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصابُوا رجلاً واحداً فأسلم‏.‏

وبعث محمد بنَ مسلمة في ربيع الأولِ في عشرة نفر سَريَّة، فَكَمَنَ القَوْمُ لَهُم حتى ناموا، فما شَعَرُوا إلا بالقوم، فَقُتِلَ أصحابُ محمد بن مسلمة، وأفلتَ محمد جريحاً‏.‏

وفى هذه السنة وهى سنةُ ست كانت سريَّةُ زيد بن حارثة بالجَمُومِ، فأصاب امرأة مِن مُزينة يقال لها‏:‏ حليمة، فدلتهم على محلَّة من محالِّ بنى سُليم، فأصابُوا نَعَمَاً وشَاءً وأسرى، وكان في الأسرى زوجُ حَليمة، فلما قَفَلَ زيد بن حارثة بما أصابَ، وهَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للمُزنية نفسَها وزوجها‏.‏

وفيها يعنى‏:‏ سنة ست كانت سريَّةُ زيد بن حارثة إلى الطَّرِفِ في جُمادى الأولى إلى بنى ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فهربت الأعرابُ، وخافُوا أن يكونَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سارَ إليهم، فأصاب مِنْ نَعَمِهِم عِشرينَ بعيرَاً، وغاب أربَع ليال‏.‏

وفيها كانت سريَّةُ زيدِ بنِ حارثة إلى العيص في جُمادى الأولى، وفيها‏:‏ أُخِذَتِ الأموالُ التي كانت مع أبى العاص بن الربيع زوجِ زينبَ مَرجِعَه مِنَ الشَامِ، وكانت أموالَ قريش، قال بن إسحاق‏:‏ حدثنى عبدُ الله بن محمد بن حزم، قال‏:‏ خرج أبو العاص بنُ الربيع تاجراً إلى الشام، وكان رجلاً مأموناً، وكانت معه بضائعُ لقريش، فأقبل قافلاً فلَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاستاقُوا عِيره، وأُفلِت، وقَدِمُوا على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بما أصابُوا، فَقَسَمه بينهم،

وأتى أبو العاص المدينةَ، فدخلَ على زينبَ بنت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فاستجار بها، وسألها أن تطلُبَ له مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ردَّ ماله عليه، وما كان معهُ مِنْ أموال الناس، فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم السَّرِيَّة، فقال‏:‏ ‏(‏ إنَّ هذا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُم، وَقَدْ أَصَبْتُم لَهُ مَالاً وَلِغَيْرِهِ، وهُوَ فَىءُ اللهِ الذي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَإنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ، فَافْعَلُوا، وَإنْ كَرِهْتُم، فَأَنْتُمْ وَحَقُّكُم ‏)‏، فقالُوا‏:‏ بل نردُّه عليه يا رسولَ الله، فردوا عليه ما أصابُوا، حتى إن الرجلَ ليأتى بالشَّنِّ، والرجلَ بالإداوة، والرجلَ بالحبل، فما تركوا قليلاً أصابوه ولا كثيراً إلا ردُّوه عليه، ثم خرج حتى قَدِمَ مكة، فأدَّى إلى الناس بضائِعَهم، حتى إذا فرغ، قال‏:‏ يا معشرَ قريش؛ هل بقى لأحدٍ منكم معى مالٌ لم أردَّهُ عليه ‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، فجزاك الله خيراً، قد وجدناك وفيَّاً كريماً، فقال‏:‏ أما واللهِ ما منعنى أن أُسْلِمَ قبل أن أَقْدَمَ عليكم إلا تخوفاً أن تَظنُّوا أنى إنما أسلمتُ لأَذهبَ بأموالِكم، فإنى أشهدُ أنْ لاَ إلَه إلا اللهُ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه‏.‏

وهذا القولُ من الواقدى وابن إسحاق يدل على أن قصة أبى العاص كانت قَبْلَ الحُدَيبية، وإلا فبعدَ الهُدنة لم تتعرَّضْ سرايا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لقريش‏.‏ ولكن زعم موسى بن عقبة، أن قصة أبى العاص كانت بعد الهُدنة، وأن الذي أخذ الأموال أبو بصير وأصحابُه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا مُنحازين بِسِيفِ البحر، وكانت لا تمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلا أخذوها، هذا قولُ الزهرى‏.‏

قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبى بصير‏:‏ ولم يزل أبو جندل، وأبو بَصير وأصحابُهما الذين اجتمعوا إليهما هُنالك، حتَّى مرَّ بهم أبو العاص بن الربيع، وكانت تحتَه زينبُ بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش، فأخذوهم وما معهم، وأسرُوهم، ولم يقتلُوا منهم أحداً لِصهر رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أبى العاص، وأبو العاص يومئذ مشركٌ، وهو ابنُ أخت خديجة بنتِ خُويلد لأبيها وأُمها، وخَلَّوْا سبيل أبى العاص، فَقَدِمَ المدينةَ على امرأته زينب، فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير، وما أخذوا لهم، فكلَّمت زينبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فزعموا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام، فخطب الناسَ، فقال‏:‏ ‏(‏ إنَّا صَاهَرْنَا أُنَاساً، وَصَاهَرْنَا أبا العَاصِ، فَنِعْمَ الصِّهْرُ وَجَدْناهُ، وإنَّهُ أَقَبَلَ مِنَ الشَّامِ في أَصْحابٍ لَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ، وأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدَاً، وإنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ سَأَلَتْنِى أَنْ أُجيِرَهُم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُجِيرُونَ أبَا العَاصِ وَأَصْحَابَه ‏)‏ ‏؟‏ فقال الناسُ‏:‏ نعم، فلما بلغَ أبا جندل وأصحابَه قَوْلُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في أبى العاص وأصحابِه الذين كانوا عنده مِن الأسرى، ردَّ إليهم كُلَّ شئ أخذ منهم، حتى العقالَ، وكتب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى جندل وأبى بصير، يأمرهم أن يَقْدَمُوا عليه، ويأمُرُ مَن معهما مِن المسلمين أن يَرْجِعُوا إلى بلادهم وأهليهم، وألا يتعرَّضُوا لأحد مِن قريش وعِيرها، فَقَدِمَ كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى بصير، وهو في الموت، فمات وهو على صدره، ودفنه أبو جندل مكانَه، وأقبل أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَمِنَتْ عِيرُ قريش وذكر باقى الحديث‏.‏

وقول موسى بن عقبة أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمنَ الهُدنة، وقُريش إنما انبسطت عِيرُها إلى الشام زَمَنَ الهُدنة، وسياقُ الزهرى للقصة بيِّنٌ ظاهر أنها كانت في زمن الهُدنة‏.‏

قال الواقدى‏:‏ وفيها أقبل دِحْيَةُ بن خليفة الكَلبى مِن عند قيصر، وقد أجازه بمالٍ وكُسوة، فلما كان بِحِسْمى، لقِيه ناسٌ مِن جُذَام، فقطعُوا عليه الطريقَ، فلم يتركُوا معه شيئاً، فجاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخُلَ بيته فأخبره، فبعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيدَ بن حارثة إلى ‏(‏ حِسْمى ‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ وهذا بعد الحُديبية بلا شك‏.‏

قال الواقدى‏:‏ وخرج علىُّ في مائة رجل إلى فَدَك إلى حىٍّ مِن بنى سعد بنِ بكر، وذلك أنه بلَغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بها جمعاً يُريدون أن يَمُدُّوا يهودَ خيبر، فسار إليهم، يسيرُ اللَّيل، ويَكْمُنُ النهارَ، فأصاب عيناً لهم، فأقرَّ له أنهم بعثُوه إلى خيبر، فعرضُوا عليهم نُصرتهم على أن يجعلوا لهم ثمرَ خيبر‏.‏

قال‏:‏ وفيها سريَّةُ عبدِ الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل في شعبان، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إن أطاعوك، فتزوَّج ابنةَ ملكهم ‏)‏ فأسلم القومُ، وتزوَّج عبد الرحمن تُماضِرَ بنتَ الأصْبَغِ، وهى أم أبى سلمة، وكان أبوها رأسَهم ومَلِكَهم‏.‏

قال‏:‏ وكانت سرَّيةُ كُرز بن جابر الفِهْرِى إلى العُرَنِيِّينَ الذين قَتَلُوا راعىَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، واستاقُوا الإبلَ في شوَّال سـنةَ سِتٍّ، وكانت السَّرِيَّةُ عشرين فارساً‏.‏

قلت‏:‏ وهذا يدُلُّ على أنها كانت قبلَ الحُديبية كانت في ذى القَعدة كما سيأتى، وقصة العُرَنِيِّينَ في ‏(‏ الصحيحين ‏)‏ من حديث أنس، أن رهطاً من عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالُوا‏:‏ يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّا أَهْلَُ ضَرْع، ولم نَكُنْ أَهْلَ ريف، فَاسْتَوْخَمْنَا المَدِينَة، فَأَمَرَ لهم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَوْدٍ، وأَمَرَهُم أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا راعِىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واسْتَّاقُوا الذَّوْدَ، وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِم‏.‏

وفى لفظ لمسلم‏:‏ سَمَلُوا عَيْنَ الرَّاعى، فبعثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في طَلَبِهمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُم، وَتَرَكَهُم في ناحِيَةِ الحَرَّةِ حتَّى ماتُوا‏.‏

وفى حديث أبى الزُّبير، عن جابر‏:‏ فقَال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَيْهِم الطَّرِيقَ، واجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ أَضْيَقَ مِنْ مَسْكِ جَمَل ‏)‏، فعمَّى اللهُ عليهم السبيلَ، فأُدْرِكُوا‏.‏‏.‏‏.‏ وذكر القِصَّة‏.‏

وفيها من الفقه جوازُ شُربِ أبوالِ الإبل، وطهارةُ بول مأكول اللَّحم، والجمع للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قَطْع يَدِهِ ورِجْلِهِ وقتله، وأنه يُفعل بالجَانى كما فعل، فإنهم لما سَمَلُوا عَيْنَ الراعى، سملَ أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القِصة محكمةٌ ليست منسوخة، وإن كانت قبل أن تنزِلَ الحدودُ، والحدودُ نزلت بتقريرها لا بإبطالها‏.‏‏.‏ والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏ في قصة صلح الحديبية

قال نافع‏:‏ كانت سنةَ سِتٍّ في ذى القَعدة، وهذا هو الصحيحُ، وهو قولُ الزهرى، وقتادةَ، وموسى بن عقبة، ومحمَّد بن إسحاق، وغيرهم‏.‏

وقال هشام بن عروة، عن أبيه‏:‏ خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُديبيةِ في رمضان، وكانت في شوَّال، وهذا وهم، وإنما كانت غزاةُ الفتح في رمضان، وقد قال أبو الأسود عن عروة‏:‏ إنها كانت في ذى القَعدة على الصواب‏.‏

وفى ‏(‏ الصحيحين ‏)‏ عن أنس، أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم اعتمر أربَعَ عُمَر، كُلُّهُنَّ في ذى القَعْدَةِ، فذكر منها عُمرة الحديبية‏.‏

وكان معهُ ألفٌ وخمسُمائة، هكذا في ‏(‏ الصحيحين ‏)‏ عن جابر، وعنه فيهما‏:‏ ‏(‏ كانوا ألفاَ وأربعمائة ‏)‏ وفيهما‏:‏ عن عبد الله بن أبى أوفى‏:‏ ‏(‏ كُنَّا أَلْفاً وثَلاثمائة ‏)‏، قال قتادة‏:‏ قلتُ لِسعيد بن المسيِّب‏:‏ كم كان الذينَ شَهِدُوا بيعةَ الرِّضوان ‏؟‏ قال‏:‏ خمسَ عشرةَ مائة‏.‏ قال‏:‏ قلتُ‏:‏ فإن جابرَ بنَ عبد الله قال‏:‏ كانُوا أربعَ عشرةَ مائة، قال‏:‏ يرحمُه الله أوْهَمَ، هو حدَّثنى أنهم كانوا خمسَ عشرة مائة‏.‏ قلت‏:‏ وقد صح عن جابر القولانِ، وصح عنه أنَّهُم نحرُوا عام الحُديبية سبعينَ بَدَنةً، البدنةُ عن سبعةٍ، فقيل له‏:‏ كم كنتُم ‏؟‏ قال‏:‏ ألفاً وأربعمائة بخيلنا ورَجِلنا، يعنى فَارِسَهم وراجلهم، والقلبُ إلى هذا أميل، وهو قولُ البراء بن عازب، ومَعْقِلِ بنِ يسار، وسلمة ابنِ الأكوعِ في أصحِّ الروايتين، وقولُ المسيِّب بن حَزْن، قال شعبةُ‏:‏ عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه‏:‏ كنَّا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تحتَ الشجرةِ ألفاً وأربَعمائة‏.‏

وغلط غلطاً بيِّناً مَن قال‏:‏ كانوا سبعمائة، وعُذْرُه أنهم نحرُوا يومئذ سبعينَ بَدَنَةً، والبدنةُ قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدُلُّ على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرَّح بأن البدنَة كانت في هذه العُمْرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم، لكانُوا أربعمائة وتسعين رجلاً، وقد قال في تمام الحديث بعينه‏:‏ إنَّهم كانُوا ألفاً وأربعمائة‏.‏

فصل‏:‏ في تقليده صلى الله عليه وسلم الهَدْى بذى الحُليفة

فلما كانوا بذى الحُليفة، قلَّد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الهَدْىَ وأشعَرَه، وأحرمَ بالعُمرة، وبعث بينَ يديه عَيْناً له مِن خُزَاعَةَ يُخبِرُه عن قريش، حتى إذا كان قريباً من عُسفان، أتاه عَيْنُه، فقال‏:‏ إنى تركتُ كعبَ بنَ لُؤى قد جمعوا لك الأحَابِيشَ، وجمعوا لك جموعاً، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت ومانعوك، واستشار النبىُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه، وقال‏:‏ ‏(‏ أترون أن نمِيلَ إلى ذَرارى هؤلاء الذين أعانُوهم فَنُصِيبَهم، فإن قعدُوا، قعدُوا موتُورين محروبين، وإن يجيؤوا تَكُنْ عُنقاً قطعها اللهُ، أم ترون أن نَؤُمَّ البيت، فمن صدَّنا عنه قاتلناه ‏)‏ ‏؟‏

فقالَ أبو بكر‏:‏ اللهُ ورسولُه أعلم، إنما جِئنا معتمرِين، ولم نجئ لِقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبينَ البيت، قاتلناه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ فَرُوحُوا إذاً ‏)‏، فراحوا حتى إذا كانوا بِبعضِ الطريق، قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إنَّ خَالِدَ بْنَ الوَليدِ بالغَمِيمِ في خَيْلٍ لِقُرَيْش طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ ‏)‏، فواللهِ ما شعر بهم خالد حتى إذا هُمْ بِقَتَرَةِ الجيش، فانطلق يركُض نذيراً لقريش، وسار النبىُّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يُهْبَطُ عليهم مِنْهَا بركَتْ بهِ رَاحِلتُه، فقال الناسُ‏:‏ حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالُوا‏:‏ خَلأتِ القَصْوَاء، خَلأتِ القَصْواءُ، فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ ما خَلأَتِ القَصْوَاء، ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلكِنْ حَبَسَهَا حَابسُ الفِيل ‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏ والذي نَفْسِى بِيَدِهِ، لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فيها حُرُماتِ الله، إلاَّ أعطيتُهم إيَّاها ‏)‏، ثم زجرها، فوثَبَتْ به، فَعَدَلَ حتى نزل بأقصى الحُدَيبية على ثَمَدٍ قليل الماء، إنما يتبرّضُهُ النَّاسُ تَبرُّضاً، فلم يُلْبِثْهُ النَّاسُ أن نَزحُوه، فَشَكَوْا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العَطَشَ، فانتزع سهماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثمَّ أمرهم أن يَجْعلُوه فيه، قال‏:‏ فواللهِ ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرِّىِّ، حتى صدرُوا عنه‏.‏

وفَزِعَتْ قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يبعَثَ إليهم رجلاً من أصحابه، فدعا عمر بنَ الخطَّاب لِيبعثه إليهم، فقال‏:‏ يا رسولَ اللهِ؛ ليس لى بمكة أحدٌ من بنى كعب يغضَبُ لى إن أوذيتُ، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بن عفان، فإن عشيرَتَه بها، وإنه مبلِّغٌ ما أردتَ، فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عثمانَ بنَ عفان، فأرسله إلى قريش، وقال‏:‏ ‏(‏ أخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عُمَّاراً، وادعُهُم إلى الإسلام ‏)‏، وأمره أن يأتىَ رجالاً بمكة مؤمنين، ونساءً مؤمناتٍ، فيدخُلَ عليهم، ويبشِّرَهم بالفتح، ويخبِرَهم أن الله عزَّ وجلَّ مظهِرٌ دينَه بمكة، حتى لا يُسْتَخْفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمرَّ على قريش ببلدح، فقالوا‏:‏ أين تريد ‏؟‏ فقال‏:‏ بعثنى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أدعوكُم إلى الله وإلى الإسلام، وأُخبِركُم أنَّا لم نأتِ لِقتال، وإنما جئنا عُمَّاراً، فقالوا‏:‏ قد سمعنا ما تقُولُ، فانفُذْ لِحاجتك، وقام إليه أبانُ بنُ سعيد بن العاص، فرحَّب به، وأسرج فرسَه، فحمل عُثمانَ على الفرس، وأجاره، وأردفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يَرْجِعَ عثمانُ‏:‏ خَلَص عثمان قبلنا إلى البيت وطافَ به، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ مَا أَظنُّه طَافَ بالبَيْتِ ونَحنُ مَحْصُورُونَ ‏)‏، فقالُوا‏:‏ وما يمنعُه يا رسول اللهِ وقد خَلَصَ ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ ذَاكَ ظَنِّى به، ألاَّ يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى نَطُوفَ مَعَهُ‏)‏

واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجلٌ من أحد الفريقين رجلاً مِن الفريق الآخر، وكانت معركة، وترامَوْا بالنَّبلِ والحِجارة، وصاح الفريقانِ كلاهما، وارتهن كُلُّ واحدٍ مِن الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن عثمانَ قد قُتِلَ، فدعا إلى البَيْعة، فثار المسلمون إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو تحتَ الشجرة، فبايعُوه على ألاَّ يَفِرُّوا، فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه، وقال‏:‏ ‏(‏ هذِهِ عَنْ عُثْمَان ‏)‏‏.‏

ولما تَمَّتِ البيعة، رجع عُثمان، فقال له المسلمون‏:‏ اشتفيتَ يا أبا عبد الله مِن الطواف بالبيت، فقال‏:‏ بئس ما ظننتُم بى، والذي نفسى بيده، لو مكثت بها سنةً، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم مقيمٌ بالحُدَيْبِيَةِ، ما طُفْتُ بِها حتى يَطُوفَ بها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولقد دعتنى قريشٌ إلى الطوافِ بالبيت، فأبيتُ، فقال المسلمون‏:‏ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان أعلمنَا باللهِ، وأحسننا ظَنا، وكان عمر آخِذاً بِيدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِلبَيْعةِ تحتَ الشجرة، فبايعه المسلمون كُلُّهُم إلا الجدَّ بْنَ قَيْسٍ‏.‏

وكانَ مَعْقِلُ بنُ يسار آخذاً بِغصنها يرفَعهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوَّلَ من بايعه أبو سِنان الأسَدِى‏.‏

وبايعه سلمةُ بنُ الأكوع ثلاثَ مرات، في أول الناس، وأوسطِهم، وآخِرِهم‏.‏

فبينما هم كذلك، إذ جاء بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعى في نَفرٍ مِن خُزاعة، وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أهل تِهامَة، فقال‏:‏ إنى تركتُ كعبَ بنَ لُؤَى، وعامر بن لؤى نزلوا أعدَادَ مِياه الحُدَيْبية معهم العُوذُ المَطَافِيلُ، وهم مقاتِلُوكَ، وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إنَّا لَمْ نِجِئْ لِقِتَالِ أحَدٍ، ولَكِنْ جِئْتَنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشَاً قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُم، ويُخَلُّوا بيْنى وبَيْنَ النًَّاسِ، وَإنْ شَاؤوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دخل فيهِ الناس، فَعَلُوا وإلاَّ فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هُم أَبَوْا إلاَّ القِتَالَ، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُم عَلَى أَمْرِى هذَا حَتَّى تَنْفَردَ سَالِفَتِى، أوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ ‏)‏‏.‏

قال بُديل‏:‏ سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قُريشاً، فقال‏:‏ إنى قد جئتُكم مِن عند هذا الرجل، وقد سمعتُه يقول قولاً، فإن شئتم عرضتُه عليكم‏.‏ فقال سفهاؤهم‏:‏ لا حاجةَ لنا أن تُحدِّثنا عنه بشىء‏.‏ وقال ذوو الرأى منهم‏:‏ هاتِ ما سمعته، قال‏:‏ سمعتُه يقول كذا وكذا‏.‏ فحدَّثهم بما قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال عُروةُ بنُ مسعود الثَّقفى‏:‏ إن هذَا قد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشد، فاقبلوها، ودعونى آتِه، فقالوا‏:‏ ائته، فأتاه، فجعل يُكلمه، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لِبُديل، فقال له عروةُ عند ذلك‏:‏ أى محمد؛ أرأيتَ لو استأصلتَ قومَك هل سمعتَ بأحدٍ مِن العرب اجتاح أهله قبلك ‏؟‏ وإن تكن الأخرى، فواللهِ إنى لأرى وجوهاً، وأرى أوشَاباً من الناس خليقاً أن يَفِرُّوا ويدعوك، فقال له أبو بكر‏:‏ امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أنحنُ نَفِرُّ عنه وندعه‏.‏ قال‏:‏ مَن ذا ‏؟‏ قالُوا‏:‏ أبو بكر‏.‏ قال‏:‏ أما والذي نفسى بيده، لولا يَدٌ كانت لكَ عندى لم أَجْزِكَ بها، لأجبتُك، وجعل يُكلِّم النبىَّ صلى الله عليه وسلم، وكلما كلَّمه أخذَ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شُعبة عِند رأسِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم، ومعه السيفُ، وعليه المِغفرُ، فكلما أهوى عُروةُ إلى لحية النبىِّ صلى الله عليه وسلم، ضرب يَده بِنَعْلِ السيفِ، وقال‏:‏ أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحية رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه وقال‏:‏ مَن ذا ‏؟‏ قالوا‏:‏ المغيرةُ بنُ شعبة‏.‏ فقال‏:‏ أَىْ غُدَرُ، أوَ لستُ أسعى في غَدرتك ‏؟‏ وكان المغيرةُ صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم‏.‏ فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ أمَّا الإسْلامُ فأقْبَلُ، وأَمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شَىء ‏)‏‏.‏

ثم إن عروة جعلَ يَرْمُق أصحابَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بعينيه، فواللهِ مَا تَنَخَّمَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم نُخامة إلا وقعت في كفِّ رَجُلٍ منهم، فَدَلَكَ بها جِلدَه ووجهَه، وإذا أمرهم، ابتدروا أمرَه، وإذا توضأ، كادُوا يقتتِلُون على وضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظرَ تعظيماً له، فرجع عروةُ إلى أصحابه، فقال‏:‏ أىْ قوم؛ واللهِ لقد وفدتُ على الملوكِ‏:‏ على كسرى، وقيصرَ، والنجاشىِّ، واللهِ ما رأيتُ ملكاً يُعظمه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمد محمداً، واللهِ إن تنخَّم نُخامة إلا وَقَعتْ في كفِّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ، كادُوا يقتتِلُون على وضوئه، وإذا تكلَّم، خفضُوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظرَ تعظيماً له، وقد عرض عليكم خُطَّةَ رُشد، فاقبلُوها، فقال رجل من بنى كِنانة‏:‏ دعونى آتِهِ، فقالوا‏:‏ ائْتِهِ، فلما أشرفَ على النبىِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ هذا فُلانٌ ‏)‏، وهو من قوم يُعظِّمون البُدْنَ، فابعثُوها له، فبعثوها له، واستقبله القومُ يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال‏:‏ ‏(‏ سُبْحَانَ اللهِ، مَا يَنْبَغى لِهَؤُلاَء أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ ‏)‏، فرجع إلى أصحابه، فقال‏:‏ رأيتُ البُدن قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ‏.‏ وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت

فقام مِكْرَزُ بنُ حَفص، فقال‏:‏ دعونى آته‏.‏ فقالوا‏:‏ ائتهِ‏.‏ فلما أشرف عليهم، قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ هذا مِكْرَزُ بن حَفْصٍ، وهو رجل فاجر ‏)‏، فجعل يُكَلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هُوَ يكلمه، إذ جاء سُهيلُ بنُ عمرو، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ قَدْ سُهِّلَ لَكُمْ من أمْركُم ‏)‏، فقال‏:‏ هاتِ، اكتُب بيننا وبينكم كِتاباً، فدعا الكاتب، فقال‏:‏ ‏(‏ اكتُب بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‏)‏‏.‏ فقال سهيل‏:‏ أما الرحمنُ، فواللهِ ما ندرى ما هُو، ولكن اكتب‏:‏ باسمِكَ اللَّهُمَّ كما كنتَ تكتبُ، فقال المسلمون‏:‏ واللهِ لا نكتُبها إلا بسمِ اللهِ الرَّحمن الرحيم، فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ اكْتُبْ باسْمِكَ اللَّهُمَّ ‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏ اكْتُبْ‏:‏ هذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رسُولُ اللهِ ‏)‏، فقال سُهيل‏:‏ فواللهِ لو كنَّا نعلمُ أنك رسولُ اللهِ، ما صددناكَ عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب‏:‏ محمد بن عبد الله، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إنِّى رَسُولُ اللهِ وإنْ كَذَّبْتُمُونى، اكْتُبْ‏:‏ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله ‏)‏ فَقَال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ على أَنْ تخَلُّوا بَيْنَنَا وبَيْن البَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ ‏)‏، فقال سهيل‏:‏ واللهِ لا تتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً، ولكن ذلك مِن العام المقبل، فكتب، فقال سهيل‏:‏ على أن لا يأتِيك مِنَّا رجل وإن كان على دِينك إلا رددتَه إلينا، فقال المسلمون‏:‏ سُبْحَانَ اللهِ، كيف يُردُّ إلى المشركين، وقد جاء مسلماً ‏.‏

فبينا هُم كذلك، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده قَدْ خَرَج من أسفل مكة حتى رَمَى بنفسه بين ظُهورِ المُسلمين، فقال سهيل‏:‏ هذا يا محمدُ أول ما أقاضيكَ عليه أن تَرُدَّهُ إلىَّ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ إنَّا لم نقضِ الكتابَ بعد ‏)‏، فقال‏:‏ فواللهِ إذاً لا أُصَالحك على شىء أبداً، فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ فَأَجِزْهُ لى ‏)‏، قال‏:‏ ما أنا بمجيزه لك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ بلى فافعل ‏)‏، قال‏:‏ ما أنا بفاعل‏.‏ قال مِكرز‏:‏ بلى قد أجزناه‏.‏ فقال أبو جندل‏:‏ يا معشرَ المسلمين؛ أُرَدُّ إلى المشركين، وقد جِئتُ مسلماً، ألا ترون ما لقيتُ ‏؟‏ وكان قد عُذِّبَ في اللهِ عذاباً شديداً، قال عُمَرُ بنُ الخطاب‏:‏ واللهِ ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ‏.‏ فأتيتُ النبى صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ يا رسولَ الله؛ ألستَ نبى الله حقاً ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ بلى ‏)‏، قلتُ‏:‏ ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ بلى ‏)‏، فقلتُ‏:‏ علامَ نُعطى الدَّنيَّةَ في ديننا إذاً، ونَرْجِعَ ولما يَحْكُم اللهُ بيننا وبينَ أعدائنا ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ إنِّى رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ نَاصِرِى، وَلَسْتُ أعْصِيهِ ‏)‏، قلتُ‏:‏ أوَ لستَ كنتَ تُحدثنا أنَّا سنأتى البيتَ ونطوفُ به ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَام ‏)‏ ‏؟‏، قلتُ‏:‏ لا‏.‏ قالَ‏:‏ ‏(‏ فإنَّكَ آتيهِ ومُطَّوِّفٌ به ‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فأتيتُ أبا بكر، فقلتُ له كما قلتُ لِرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، وردَّ علىَّ أبو بكر كما ردَّ علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد‏:‏ فاستَمْسِك بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى الحَقِّ‏.‏ قال عُمر‏:‏ فعملت لذلك أعمالاً‏.‏

فلمَّا فرغ مِن قضية الكتاب، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ قُومُوا فَانْحَرُوا، ثم احْلِقُوا ‏)‏ فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رجلٌ واحد حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، فلما لم يَقُمْ مِنْهم أحد، قام فدخل على أُمِّ سلمة، فذكر لها مَا لَقِىَ مِنَ الناس، فقالت أُمُّ سلمة‏:‏ يا رسُول الله؛ أَتُحِبُّ ذلك ‏؟‏ اخرُجْ ثم لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتدعو حَالِقَكَ فيحلقَكَ، فقام، فخرج، فلم يُكَلِّمْ أحداً منهم حتى فعل ذلك‏:‏ نحر بُدنة، ودعا حَالِقه فحلقه، فلما رأى الناسُ ذلك، قامُوا فنحروا، وجعل بعضُهم يَحْلِقُ بعضاً، حتى كادَ بعضُهم يقتُلُ بعضاً غماً، ثم جاءه نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ‏}‏ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏بِعِصَمِ الكَوَافِرِ‏}‏ ‏[‏الممتحنة ‏:‏10‏]‏فطلَّق عُمَرُ يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشِرْك، فتزوَّج إحداهُمَا معاوية، والأُخرى صفوان بن أُمية، ثم رجع إلى المدينة، وفى مرجعه أنزل الله عليه‏:‏ ‏{‏إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيمَاً وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 1-2‏]‏، فقال عمر‏:‏ أوَ فتحٌ هُوَ يا رسول الله ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ نعم ‏)‏، فقال الصحابةُ‏:‏ هنيئاً لكَ يا رَسُولَ اللهِ، فما لَنَا ‏؟‏ فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 4‏]‏الآية‏.‏

ولما رجع إلى المَدِينة، جاءه أبو بصير رجل من قريش مسلماً، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا‏:‏ العهدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرَّجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحُلَيْفَةِ، فنزلوا يأكُلون مِن تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين‏:‏ واللهِ إنِّى لأرى سيفَكَ هذا جيداً، فاستلَّه الآخرُ، فقال‏:‏ أَجَلْ واللهِ إنه لجيد، لقد جربتُ به ثم جربت، فقال أبو بصير‏:‏ أرنى أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد، وفرَّ الآخرُ بعدو حتى بلغ المدينة، فدخل المسجدَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين رآهُ‏:‏ ‏(‏ لَقَدْ رَأى هذَا ذُعْرَاً ‏)‏، فلما انتهى إلى النبى صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ قُتِلَ واللهِ صاحبى، وإنى لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال‏:‏ يا نبىَّ اللهِ؛ قد واللهِ أوفى الله ذِمَّتك، قد رددتنى إليهم، فأنجانى الله منهم، فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَر حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ ‏)‏، فلما سمِعَ ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البَحرِ، وينفلتُ منهم أبو جندل بنُ سهيل، فلحق بأبى بصير، فلا يخرُجُ مِن قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبى بصير، حتى اجتمعت منهم عِصابة، فواللهِ لا يسمعُونَ بعيرٍ لقُريش خرجت إلى الشام إلا اعترضُوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبىِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُهُ الله والرحم لـمَا أرسل إليهم، فمَن أتاه منهم، فهو آمن، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ‏}‏ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏حَمِيَّةَ الجَاهِليَّةِ‏}‏ ‏[‏الفتح ‏:‏ 24-26‏]‏ ، وكانت حميتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبى الله، ولم يُقروا بِبِسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم، وحالُوا بينهم وبين البيت‏.‏

قلتُ‏:‏ في ‏(‏ الصحيح ‏)‏‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وسلم ‏(‏ توضأ، ومجَّ في بئر الحديبية من فمه، فجاشتْ بالماءِ ‏)‏ كذلك قال البراء بنُ عازب، وسلمةُ بنُ الأكوع في ‏(‏ الصحيحين ‏)‏‏.‏

وقال عروة‏:‏ عن مروان بن الحكم، والمِسور بن مَخْرَمَة، أنه غرز فيها سهماً مِن كنانته، وهو في ‏(‏ الصحيحين ‏)‏ أيضاً‏.‏

وفى مغازى أبى الأسود عن عروة‏:‏ توضأ في الدَّلْوِ، ومضمض فاه، ثم مَجَّ فيه، وأمر أن يُصَبَّ في البئر، ونزع سهماً من كِنانته، وألقاه في البئر، ودعا الله تعالى، فَغَارَتْ بالماء حتى جعلُوا يغترِفُونَ بأيديهم منها، وهم جلوس على شقِّها، فجمع بين الأمرين، وهذا أشبه والله أعلم‏.‏

وفى ‏(‏ صحيح البخارى ‏)‏‏:‏ عن جابر، قال‏:‏ عَطِشَ الناسُ يومَ الحُديبية، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بين يديه رَكْوَة يتوضأ منها، إذ جَهَشَ الناسُ نحوه، فقال‏:‏ ‏(‏ ما لكم ‏)‏ ‏؟‏ قالوا‏:‏ يا رسُولَ اللهِ؛ ما عندنا ماء نشرب، ولا ما نتوضأ إلا ما بينَ يديكَ، ‏(‏فوضع يده في الرَّكوة، فجعل الماءُ يفورُ من بين أصابعه أمثال العيون، فشربوا، وتوضؤوا، وكانوا خمسَ عشرة مائة، وهذِهِ غيرُ قصة البئر‏)‏‏.‏

وفى هذه الغزوة أصابهم ليلة مطر، فلما صلَّى النبى صلى الله عليه وسلم الصُّبحَ، قال‏:‏ ‏(‏ أَتَدْرُونَ مَاذا قالَ رَبُّكُم اللَّيْلَةَ ‏)‏ ‏؟‏ قالوا‏:‏ اللهُ ورسُوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بى وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ‏:‏ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ ورَحْمَتهِ، فَذلِكَ مُؤْمنٌ بى، كَافرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَنْ قَالَ‏:‏ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذَا وكَذَا، فَذلِكَ كَافرٌ بى مُؤْمنٌ بالكوكب ‏)‏‏.‏

فصل

وجرى الصلحُ بين المسلمين وأهلِ مكة على وضعِ الحربِ عشرَ سنين، وأن يأمنَ الناسُ بعضهم من بعض، وأن يَرجعَ عنهم عامَهُ ذلك، حتى إذا كان العامُ المقبل، قَدِمهَا، وخَلّوْا بينَه وبين مكَّة، فأقام بها ثلاثاً، وأن لا يدخُلَهَا إلا بسلاح الراكب، والسيوف في القِرَب، وأنَّ مَن أتانا مِن أصحابكَ لم نرده عليك، ومَن أتاكَ من أصحابنا رددتَه علينا، وأنَّ بيننا وبينَك عَيْبَةً مكفوفةً، وأنه لا إسْلالَ ولا إغْلالَ، فقالوا‏:‏ يا رسولَ الله؛ نُعطيهم هذا ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ مَنْ أتاهم منا فأبعَدَهُ اللهُ، ومَن أتانا مِنهم فرددناه إليهم، جَعَلَ اللهُ له فَرَجاً ومخرجاً ‏)‏‏.‏

وفى قِصة الحُديبية، أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ فِديةَ الأذى لمن حلق رأسَه بالصيام، أو الصَّدقة، أو النُّسك في شأن كعب بن عُجرة‏.‏

وفيها دعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للمُحَلِّقِينَ بالمَغْفِرَة ثلاثاً، ولِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً‏.‏

وفيها نحرُوا البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ‏.‏

وفيها أهدى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في جملة هَدْيهِ جملاً كان لأبى جهلٍ كان في أنفه بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ لِيغيظَ بهِ المشركين‏.‏

وفيها أُنزِلَتْ سورةُ الفتح، ودخلت خُزاعة في عَقْدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعهده، ودخلَتْ بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، وكان في الشرط أن مَن شاء أن يدخل في عقده صلى الله عليه وسلم دخل، ومَن شاء أن يدخل في عقد قريش دخل‏.‏

ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمناتٌ، مِنهن أُمُّ كُلثُوم بنتُ عقبة ابن أبى معيط، فجاء أهلُهَا يسألونها رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالشرطِ الذي كانَ بينهم، فلم يَرْجِعْها إليهم، ونهاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ عن ذلك، فقيل ‏:‏ هذا نسخ للشرط في النساء‏.‏ وقيل تخصيص للسُّـنَّة بالقرآن، وهو عزيزٌ جداً‏.‏ وقيل‏:‏ لم يقع الشرطُ إلا على الرجال خاصة، وأراد المشركون أن يُعَمِّمُوهُ في الصنفين، فأبى الله ذلك‏.‏

فصل‏:‏ في بعض ما في قصة الحُديبية مِن الفوائِدِ الفِقهية

فمنها‏:‏ اعتمارُ النبى صلى الله عليه وسلم في أشهر الحجِّ، فإنه خرج إليها في ذى القعدة‏.‏

ومنها‏:‏ أن الإحرامَ بالعُمرة من الميقات أفضلُ، كما أن الإحرامَ بالحجِّ كذلك،

فإنه أحرم بهما مِن ذى الحُليفة، وبينها وبينَ المدينة ميلٌ أو نحوُه، وأما حديث‏:‏ ‏(‏ مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَّرَ ‏)‏ وفى لفظ‏:‏ ‏(‏ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ ‏)‏ فحديث لا يثبُت، وقد اضطرب فيه إسناداً ومتناً اضطراباً شديداً‏.‏

ومنها‏:‏ أن سَوْقَ الهَدى مسنونٌ في العُمرة المفرَدَة، كما هو مسنون في القِران‏.‏

ومنها‏:‏ أن إشْعَارَ الهَدى سُـنَّة لا مُثلَةٌ منهى عنها‏.‏

ومنها‏:‏ استحبابُ مُغايظة أعداءِ اللهِ، فإن النبىَّ صلى الله عليه وسلم أهدى في جُملة هَدْيه جملاً لأبى جهل في أَنْفِهِ بُرَةٌ مِن فضةٍ يَغيظُ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏:‏ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏}‏ ‏[‏الفتح ‏:‏ 29‏]‏، وقال عَزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ نَيْلاً إلا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، إنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة ‏:‏ 120‏]‏‏.‏

ومنها‏:‏ أن أميرَ الجيشِ ينبغى له أن يبعثَ العُيونَ أمامه نحوَ العدو‏.‏

ومنها‏:‏ أن الاستعانَةَ بالمُشرِكِ المأمونِ في الجهاد جائزةٌ عند الحاجة، لأن عَيْنه الخزاعىَّ كَانَ كافراً إذ ذاك، وفيه مِن المصلحة أنه أقربُ إلى اختلاطه بالعدوِّ، وأخذه أخبارهم‏.‏

ومنها‏:‏ استحبابُ مشورةِ الإمام رعيَّته وجيشه، استخراجاً لوجه الرأى، واستطابةً لنفوسهم، وأمناً لِعَتْبِهِم، وتعرفاً لمصلحةٍ يختصُّ بعلمها بعضُهم دون بعض، وامتثالاً لأمر الربِّ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَشَاوِرْهُمْ في الأَمْرِ‏}‏ ‏[‏آل عمران ‏:‏ 159‏]‏، وقد مدَحَ سبحانه وتعالى عباده بقوله‏:‏ ‏{‏وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏الشورى ‏:‏ 138‏]‏‏.‏

ومنها‏:‏ جواز سبى ذرارى المشركينَ إذا انفردُوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال‏.‏

ومنها‏:‏ ردُّ الكَلامِ الباطِل ولو نُسِبَ إلى غير مُكَلَّفٍ، فإنهم لما قالوا‏:‏ خلأتِ القَصْوَاءُ، يعنى حَرَنَتْ وألحَّتْ، فلَمْ تَسِرْ، والخِلاء في الابل بكسر الخاء والمدِّ نظير الحِران في الخيل، فلما نسبُوا إلى الناقة ما ليس من خُلُقِهَا وطبعها، ردَّهُ عليهم، وقال ‏:‏ ‏(‏ ما خَلأَتْ ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُق ‏)‏، ثم أخبر صلى الله عليه وسلم عن سبب بروكها، وأن الذي حَبَسَ الفيلَ عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها، وما جرى بعده‏.‏

ومنها‏:‏ أن تسميةَ ما يُلابسه الرجلُ مِن مراكبه ونحوها سُـنَّة‏.‏

ومنها‏:‏ جوازُ الحَلِف، بل استحبابُه على الخبر الدينى الذي يريد تأكيده، وقد حُفِظَ عن النبى صلى الله عليه وسلم الحَلِف في أكثر من ثَمَانِينَ موضعاً، وأمره الله تعالى بالحَلِفِ على تصدِيقِ ما أخبر به في ثلاثة مواضِعَ‏:‏ في ‏(‏ سورة يونس‏)‏، و‏(‏سبأ‏)‏، و‏(‏التغابن‏)‏‏.‏

ومنها‏:‏ أن المُشْرِكين، وأهلَ البِدَع والفجور، والبُغَاة والظَّلَمة، إذا طَلَبُوا أمراً يُعَظِّمُونَ فيه حُرمةً مِن حُرُماتِ الله تعالى، أُجيبُوا إليه وأُعطوه، وأُعينوا عليه، وإن مُنِعوا غيره، فيُعاوَنون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبَغيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك، فكُلُّ مَن التمس المعاونةَ على محبوب للهِ تعالى مُرْضٍ له، أُجيبَ إلى ذلك كائِناً مَن كان، ما لم يترتَّب على إعانته على ذلك المحبوبِ مبغوضٌ للهِ أعظمُ منه، وهذا مِن أدقِّ المواضع وأصعبِهَا، وأشقِّهَا على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة مَن ضاق، وقال عمر ما قال، حتَّى عَمِلَ له أعمالاً بعده، والصِّدِّيقُ تلقاه بالرضى والتسليم، حتى كان قلبُه فيه على قلبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأجاب عُمَرَ عما سأل عنه من ذلك بعَيْن جوابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على أن الصِّدِّيق رضى الله عنه أفضلُ الصحابة وأكملُهم، وأعرفُهم باللهِ تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأعلمُهم بدينه، وأقومُهم بمحابِّه، وأشدُّهم موافقةً له، ولذلك لم يسأل عمر عما عَرَضَ له إلا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وصِدِّيقَه خاصة دونَ سائر أصحابه‏.‏

ومنها‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وسلم عَدَلَ ذاتَ اليمين إلى الحُديبية‏.‏ قال الشافعى‏:‏ بعضُهَا مِن الحِل، وبعضُها مِن الحَرَم‏.‏

وروى الإمام أحمد في هذه القصة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّى في الحرم، وهو مضطرب في الحِل، وفى هذا كالدّلالة على أن مضاعفةَ الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخصُّ بها المسجد الذي هو مكانُ الطواف، وأن قوله‏:‏ ‏(‏ صَلاَةٌ في المَسْجِدِ الحَرَام أَفْضَلُ مِنْ مِائة صَلاةٍ في مَسْجِدى ‏)‏، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ‏}‏ ‏[‏التوبة ‏:‏ 128‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏، وكان الإسراء مِن بيت أُم هانئ‏.‏

ومنها‏:‏ أن مَن نزل قريباً مِن مكة، فإنَّهُ ينبغى له أن ينزل في الحِلِّ، ويصلى في الحَرم، وكذلك كان ابنُ عمر يصنعُ‏.‏

ومنها‏:‏ جوازُ ابتداءِ الإمام بطلب صلح العَدُوِّ إذا رأى المصلحةَ للمسلمين فيه، ولا يَتوقَّفُ ذلكَ على أن يكون ابتداءُ الطلب منهم‏.‏

وفى قِيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، ولم يكن عادته أن يُقام على رأسه، وهو قاعد، سُـنَّةٌ يُقتدى بها عند قدومِ رسل العدو من إظهار العزِّ والفخر، وتعظيم الإمام، وطاعته، ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من هذا النوع الذي ذمَّه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامَاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّار ‏)‏، كما أن الفخرَ والخُيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره، وفى بعث البُدْنِ في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهارِ شعائر الإسلام لرسل الكفار‏.‏

وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم للمغيرة‏:‏ ‏(‏أمَّا الإسْلاَمُ فَأَقْبلُ، وَأَمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شىء‏)‏، دليل على أن مال المشرك المعاهَد معصوم، وأنه لا يملكُ، بل يُرد عليه، فإن المغيرةَ كان قد صحبهم على الأمان، ثم غدر بهم، وأخذ أموالهم، فلم يتعرَّض النبى صلى الله عليه وسلم لأموالهم، ولا ذبَّ عنها، ولا ضمنها لهم، لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة‏.‏

وفى قول الصِّدِّيق لعروة‏:‏ امصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، دليلٌ على جواز التصريح باسم العَوْرة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبى صلى الله عليه وسلم أن يُصرَّح لمن ادَّعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له‏:‏ اعضُضْ أيْرَ أبيك، ولا يُكْنَى له، فلكل مقام مقال‏.‏

ومنها ‏:‏ احتمالُ قِلَّةِ أدبِ رسولِ الكُفار، وجهلِه وجفوته، ولا يقابَل على ذلك لما فيه من المصلحة العامة، ولم يُقابل النبىُّ صلى الله عليه وسلم عُروةَ على أخذهِ بلحيته وقتَ خطابه، وإن كانت تلك عادَة العرب، لكن الوقارَ والتعظيمَ خلافُ ذلك‏.‏

وكذلك لم يُقابل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَسولى مسيلمةَ حين قالا‏:‏ نشهدُ أنه رسول الله، وقال‏:‏ ‏(‏ لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا ‏)‏‏.‏

ومنها‏:‏ طهارة النُّخَامَةِ، سواء أكانت من رأسٍ أو صدر‏.‏

ومنها‏:‏ طهارةُ الماءِ المستعمل‏.‏

ومنها‏:‏ استحبابُ التفاؤُل، وأنَّهُ ليس مِن الطِّيَرةِ المكْرُوهَة، لقوله لما جاء سهيل‏:‏ ‏(‏ سَهُلَ أَمْرُكُم ‏)‏‏.‏

ومنها‏:‏ أن المشهودَ عليه إذا عُرِفَ باسمه واسمِ أبيه، أغنى ذلك عن ذِكر الجَدِّ، لأن النبىَّ صلى الله عليه وسلم لم يزد على محمد بن عبد الله، وقَنِعَ مِن سهيل بذكر اسمه واسم أبيه خاصة، واشتراطُ ذِكر الجد لا أصل له، ولما اشترى العَدَّاءُ بْنُ خالد منه صلى الله عليه وسلم الغلامَ فكتب له‏:‏ ‏(‏ هذا مَا اشْتَرَى العَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بن هَوْذَةَ ‏)‏ فذكر جده، فهو زيادةُ بيان تَدُلُّ على أنه جائز لا بأس به، ولا تَدُلُّ على اشتراطه، ولما لم يكُنْ في الشهرة بحيث يُكتفى باسمه واسم أبيه ذكر جده، فيُشترط ذِكْرُ الجد عند الاشتراك في الاسم واسم الأب، وعند عدمِ الاشتراك، واكتُفى بذكر الاسم واسمِ الأب‏.‏‏.‏ والله أعلم‏.‏

ومنها‏:‏ أن مصالحةَ المشركين ببعض ما فيه ضَيْمٌ على المُسلمينَ جائزةٌ للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتينِ باحتمالِ أدناهما‏.‏

ومنها‏:‏ أن مَن حَلَفَ على فِعْل شىء، أو نَذَره، أو وَعَدَ غيرَه به ولم يُعيِّن وقتاً، لا بلفظه، ولا بنيته، لم يكن على الفور، بل على التراخى‏.‏

ومنها‏:‏ أن الحلاقَ نُسُكٌ، وأنه أفضلُ من التقصير، وأنه نُسُكٌ في العُمرةِ، كما هو نُسُكٌ في الحجِّ، وأنه نُسُكٌ في عُمرة المحصور، كما هو نُسُك في عُمرة غيره‏.‏

ومنها‏:‏ أن المُحْصَرَ ينحرُ هَدْيَه حيث أُحْصِرَ من الحِلِّ أو الحَرَم، وأنه لا يجب عليه أن يُواعِدَ مَن ينحرُهُ في الحرم إذا لم يَصِل إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محله، بدليل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‏}‏ ‏[‏الفتح ‏:‏ 25‏]‏‏.‏

ومنها‏:‏ أن الموضِعَ الذي نحر فيه الهَدْى، كان من الحِلِّ لا من الحرم، لأن الحَرَمَ كُلَّهُ محلُّ الهَدْى‏.‏

ومنها‏:‏ أن المُحْصَرَ لا يجب عليه القضاءُ، لأنه صلى الله عليه وسلم أمرَهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، والعُمْرةُ من العام القابل لم تكن واجبةً، ولا قضاءً عن عُمرة الإحصار، فإنهم كانُوا في عُمرة الإحصار ألفاً وأربعمائة، وكانوا في عُمرة القضيةِ دُون ذلك، وإنما سُمِّيت عُمرةَ القضية والقضاء، لأنها العُمرة التي قاضاهم عليها، فأُضيفت العُمرة إلى مصدر فعله‏.‏

ومنها‏:‏ أن الأمر المطلقَ على الفور وإلا لم يَغْضَبْ لِتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر، وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنَّهُم كانوا يَرْجُون النسخ، فأخَّروا متأوِّلين لذلك، وهذا الاعتذارُ أولى أن يُعتذر عنه، وهو باطل، فإنه صلى الله عليه وسلم لو فَهِمَ منهم ذلك، لم يشتَدَّ غضبُه لتأخير أمره، ويقول‏:‏ ‏(‏ مَالى لا أغْضَبُ، وأَنَا آمُرُ بالأَمْر فلا أُتَّبعُ ‏)‏، وإنما كان تأخيرُهم مِن السعى المغفور لا المشكور، وقد رضىَ الله عنهم، وغفر لهم، وأوجب لهم الجنَّة‏.‏

ومنها‏:‏ أن الأصل مشارَكَةُ أُمَّتِه له في الأحكام، إلا ما خصَّه الدليلُ، ولذلك قالت أُمُّ سلمة‏:‏ ‏(‏ اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحدَاً حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هَدْيك ‏)‏، وعلمت أن الناس سيتابعونه‏.‏

فإن قيل‏:‏ فكيف فعلوا ذلك اقتداءً بفعله، ولم يمتثِلُوه حين أمرهم به ‏؟‏ قيل‏:‏ هذا هو السببُ الذي لأجله ظنَّ مَن ظنَّ أنهم أخَّروا الامتثال طمعاً في النسخ، فلما فعلَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم ذلك، عَلِمُوا حينئذ أنه حكم مُسْتَقِرٌ غيرُ منسوخ، وقد تقدم فسادُ هذا الظن، ولكن لما تغيَّظَ عليهم، وخرج ولم يُكلمهم، وأراهُم أنه بادر إلى امتثال ما أمر به، وأنه لم يُؤخِّر كتأخيرهم، وأن اتباعهم له وطاعتَهم تُوجِبُ اقتداءهم به، بادرُوا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثالِ أمره‏.‏

ومنها‏:‏ جوازُ صُلحِ الكُفَّارِ على ردِّ مَن جاء منهم إلى المسلمين، وألا يُرد مَنْ ذهب من المسلمين إليهم، هذا في غير النساء، وأما النساء، فلا يجوزُ اشتراطُ رَدِّهن إلى الكفار، وهذا موضعُ النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا سبيلَ إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب‏.‏

ومنها‏:‏ أن خُروجَ البُضع من ملك الزوج متقوَّم، ولذلك أوجبَ اللهُ سبحانه ردَّ المهر على مَن هاجرت امرأتُه، وحِيل بينَه وبينها، وعلى مَن ارتدَّت امرأتُه مِن المسلمين إذا استحق الكفارُ عليهم ردَّ مهورِ مَن هاجر إليهم مِن أزواجهم، وأخبر أن ذلك حُكمُه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخه شىءٌ، وفى إيجابِه ردَّ ما أعطى الأزواجُ من ذلك دليلٌ على تقوُّمه بالمسمَّى، لا بمهر المثل‏.‏

ومنها‏:‏ أن ردَّ مَن جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول مَن خرج منهم مسلماً إلى غيرِ بلدِ الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام، لا يجبُ عليه ردُّه بدون الطلب، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يَرُدَّ أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لما جاؤوا في طلبه، مكَّنهم من أخذه ولم يكرهْهُ على الرجوع‏.‏

ومنها‏:‏ أن المعاهدين إذا تسلَّموه وتمكَّنُوا منه فقتل أحداً منهم لم يضمنه بديةٍ ولا قَوَدٍ، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حُكمَ قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصيرٍ قتل أحد الرجلين المعاهَدَيْنِ بذى الحُلَيْفَةِ، وهى مِن حُكم المدينة، ولكن كان قد تسلَّموه، وفُصِلَ عن يد الإمام وحكمه‏.‏

ومنها‏:‏ أن المعاهَدِينَ إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم، وغَنِمَتْ أموالهم، ولم يَتَحَيَّزُوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعُهم عنهم، ومنعُهم منهم، وسواءٌ دخلوا في عَقدِ الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا، والعهدُ الذي كان بين النبىِّ صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، لم يكن عهداً بين أبى بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعضِ ملوكِ المسلمين وبعضِ أهل الذِّمةِ من النصارى وغيرِهم عهد، جاز لملك آخر مِن ملوك المسلمين أن يَغْزُوَهُم، ويغنَم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخُ الإسلام في نصارى مَلَطْيَةَ وسبيهم، مستدلاً بقصة أبى بصير مع المشركين‏.‏

فصل‏:‏ في الإشارة إلى بعضِ الحِكمِ التي تضمَّنتها هذه الهدنة

وهى أكبرُ وأجَلُّ مِن أن يُحيط بها إلا اللهُ الذي أحكم أسبابهَا، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمدُه‏.‏

فمنها‏:‏ أنها كانت مُقَدِّمةً بين يدى الفتح الأعظم الذي أعزَّ اللهُ بهِ رسولَه وجندَه، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، فكانت هذه الهُدنة باباً له، ومفتاحاً، ومؤذِناً بين يديه، وهذه عادةُ الله سبحانه في الأُمور العظام التي يقضيها قدراً وشرعاً، أن يُوطِّئَ لها بين يديها مقدمات وتوطئات، تُؤذِنُ بها، وتدُلُّ عليها‏.‏

ومنها‏:‏ أن هذه الهُدنة كانت من أعظم الفُتوح، فإن الناسَ أمِنَ بعضُهم بعضاً، واختلطَ المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القُرآن، وناظرُوهم على الإسلام جهرةً آمنين، وظهر مَن كان مختفياً بالإسلام، ودخل فيه في مُدة الهُدنة مَن شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله ‏(‏ فَتْحاً مُّبِيناً ‏)‏‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ قضينا لك قضاءً عظيماً، وقال مجاهد‏:‏ هو ما قضى الله له بالحُديبية‏.‏

وحقيقة الأمر‏:‏ أن الفتح في اللُّغة فتحُ المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً مُغلقاً حتى فتحه الله، وكان مِن أسباب فتحه صدُّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيماً وهضماً للمسلمين، وفى الباطن عزَّا وفتحاً ونصراً، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءَهُ مِن الفتح العظيم، والعزِّ، والنصرِ من وراء ستر رقيق، وكان يُعطى المشركين كلَّ ما سألوه مِن الشروط، التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب‏:‏ ‏{‏وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة ‏:‏216‏]‏‏.‏

وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إلى مَحْبوبِهَا سَبَبَاً مَا مِثْلُه سَبَبُ

فكان يَدْخُلُ على تلك الشروط دخولَ واثِق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقِبةَ له، وأن تلك الشروطَ واحتمالها هو عَيْنُ النصرة، وهو مِن أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبُوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلُّوا مِن حيث طلبوا العز، وقُهِرُوا من حيثُ أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعساكِرُ الإسلام من حيث انكسروا لله، واحتملُوا الضَّيْم له وفيهِ، فدار الدَّورُ، وانعكس الأمرُ، وانقلب العِّزُّ بالباطل ذُلاً بحقٍ، وانقلبت الكَسرة لله عزاً باللهِ، وظهرت حِكمة اللهِ وآياتُه، وتصديقُ وعده، ونصرةُ رسوله على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها التي لا اقتراح للعقول وراءها‏.‏

ومنها‏:‏ ما سبَّبه سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعانِ، والانقيادِ على ما أحبُّوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله، وتصديقِ موعوده، وانتظارِ ما وُعِدُوا به، وشهودِ مِنَّة الله ونِعْمتهِ عليهم بالسَّكِينةِ التي أنزلها في قُلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تَزَعْزَعُ لها الجبالُ، فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبُهم، وقويت به نفُوسُهم، وازدادوا به إيماناً‏.‏

ومنها‏:‏ أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لِرسوله وللمؤمنين سبباً لما ذكره مِن المغفرة لرسوله ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، ولإتمام نِعمتهِ عليه،ولهدايته الصِّراطَ المستقيم، ونصره النصر العزيز، ورضاه به، ودخوله تحته، وانشراح صدره به مع ما فيهِ من الضيم، وإعطاءِ ما سألوه، كان من الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابُه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جَزَاءً وغاية، وإنما يكون ذلك على فِعل قام بالرسول والمؤمنين عند حكمه تعالى، وفتحه‏.‏

وتأمل كيف وصفَ سبحانه النصرَ بأنه عزيزٌ في هذا الموطن، ثم ذكر إنزالَ السكينة في قلوبِ المؤمنين في هذا الموطنِ الذي اضطربت فيهِ القلوبُ، وقَلِقَتْ أشدَّ القلق، فهى أحوجُ ما كانت إلى السكينةِ، فازدادوا بها إيماناً إلى إيمانهم، ثم ذكر سُبحانه بَيْعتَهم لِرسوله، وأكَّدها بكونها بَيْعةً له سبحانه، وأن يَده تعالى كانت فوقَ أيديهم إذ كانت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، وهو رسولُه ونبيُّه، فالعقدُ معه عقدٌ مع مُرْسِلِهِ، وبَيْعته بيعته، فمن بايعه، فكأنما بايع الله، ويدُ الله فوقَ يده، وإذا كان الحجرُ الأسودُ يمينَ الله في الأرض، فمَن صافحه وقبَّله، فكأنما صافح الله، وقبَّل يمينه، فيدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بهذا مِن الحَجَر الأسود، ثم أخبر أن ناكِثَ هذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوَفِّى بها أجراً عظيماً فَكُلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بَيْعة على الإسلام وحقوقه، فناكِث ومُوفٍ‏.‏

ثم ذكرَ حالَ مَن تخلَّفَ عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظَّنِّ باللهِ‏:‏ أنَّهُ يخذُل رسولَه وأولياءَه، وجندَه، ويُظْفِرُ بهم عدوَّهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك مِن جهلهم بالله وأسمائِهِ وصِفاتِه، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هُوَ أهل أن يُعامِلَه به ربُّه ومولاه‏.‏

ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البَيْعة لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذ مِن الصِّدق والوفاء، وكمال الانقياد، والطاعة، وإيثار الله ورسولِهِ على ما سواهُ، فأنزل الله السكينةَ والطُّمَأْنِينة، والرِّضى في قلوبهم، وأثابهم على الرِّضى بحُكمه، والصبرِ لأمره فتحاً قريباً، ومغانِمَ كثيرة يأخذونها، وكان أوَّلُ الفتح والمغانم فتحَ خَيْبَرَ، ومغانمها، ثم استمرت الفتوحُ والمغانمُ إلى انقضاء الدهر‏.‏

ووعدهم سبحانه مغانِمَ كثيرة يأخذونها، وأخبرهم أنه عجَّل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه الصلحُ الذي جرى بينهم وبين عدوهم، والثانى‏:‏ أنها فتحُ خيبر وغنائمُها، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ‏}‏ ‏[‏الفتح ‏:‏ 20‏]‏ ، فقيل‏:‏ أيدى أهلِ مكة أن يقاتلوهم، وقيل‏:‏ أيدى اليهود حين همُّوا بأن يغتالُوا مَنْ بالمدينة بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من الصحابة منها، وقيل‏:‏ هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسَد وغطفان‏.‏ والصحيح تناول الآية للجميع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الفتح ‏:‏ 20‏]‏ ‏.‏قيل‏:‏ هذه الفعلة التي فعلها بكم، وهى كفُّ أيدى أعدائكم عنكم مع كثرتهم، فإنَّهُم حينئذٍ كان أهل مكة ومَن حولها، وأهلُ خيبر ومَنْ حولها، وأسَدٌ وغَطَفَان، وجمهورُ قبائل العرب أعداء لهم، وهم بينَهم كالشَّامَةِ، فلم يَصِلُوا إليهم بسوء، فمِن آياتِ الله سبحانه كفُّ أيدى أعدائهم عنهم، فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم، وشدةِ عداوتهم، وتولى حراستهم، وحفظهم في مشهدهم ومغيبِهم‏.‏

وقيل‏:‏ هي فتح خيبر، جعلها آية لعباده المؤمنين، وعلامة على ما بعدها من الفتوح، فإن اللهَ سبحانه وعدهم مغانِم كثيرة، وفتوحاً عظيمة، فعجَّل لهم فتحَ خيبر، وجعلها آية لما بعدها، وجزاءاً لِِصبرهم ورضَاهم يومَ الحديبية وشكراناً، ولهذا خصَّ بها وبغنائمها مَنْ شهد الحديبية‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيمَاً‏}‏ ‏[‏الفتح ‏:‏ 20‏]‏، فجمع لهم إلى النصرِ والظَّفَرِ والغنائم الهداية، فجعلهم مهديِّين منصُورين غانمين، ثم وعدهم مغانِمَ كثيرة وفُتوحاً أُخرى، لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل‏:‏ هي مكَّةُ، وقيل‏:‏ هي فارِس والروم، وقيل‏:‏ الفتوحُ التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها‏.‏

ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءَه، لولَّى الكفارُ الأدبارَ غيرَ منصورين، وأن هذه

سُـنَّته في عباده قبلَهم، ولا تبديلَ لسُـنَّته‏.‏

فإن قيل‏:‏ فقد قاتلُوهم يوم أُحُد، وانتصروا عليهم، ولم يولُّوا الأدبار ‏؟‏

قيل‏:‏ هذا وعد معلَّق بشرطٍ مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرط يومَ أُحُد بِفَشَلِهم المنافى للصبر، وتنازعهم، وعصيانهم المنافى للتقوى، فصرفهم عن عدوهم، ولم يحصُل الوعدُ لانتفاء شرطه‏.‏

ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كفَّ أيدى بعضِهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لما لَه في ذلك من الحِكم البالغة التي منها‏:‏ أنه كان فيهم رجالٌ ونساء قد آمنوا، وهم يكتُمون إيمانَهم، لم يعلمْ بهم المسلمون، فلو سلَّطكم عليهم، لأصبتم أُولئك بمعرَّة الجيش، وكان يُصيبكم منهم معرَّةُ العُدوان والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به، وذكر سبحانه حصول المعرَّةِ بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفِّين بهم، لأنها موجبُ المعرَّة الواقعة منهم بهم، وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميَّزوا منهم، لعذَّب أعداءه عذاباً أليماً في الدنيا، إما بالقتلِ والأسر، وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذَابَ لوجود هؤلاء المؤمنين بَيْنَ أظهرهم، كما كان يدفعُ عنهم عذابَ الاستئصال، ورسولُه بين أظهرهم‏.‏

ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفارُ في قلوبهم مِن حَمِية الجاهليةِ التي مصدرها الجهلُ والظُّلم، التي لأجلها صدُّوا رسولَه وعِبادَه عن بيته، ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يُقِرُّوا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه، وتيقنِهم صحةَ رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذَا الجَعْلَ إليهم وإن كان بقضائه وقدره، كما يُضاف إليهم سائرُ أفعالهم التي هي بقُدرتهم وإرادتهم‏.‏

ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلبِ رسوله وأوليائه مِن السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه مِن حَمِيَّة الجاهلية، فكانت السكينةُ حظَّ رسوله وحِزبه، وحَميةُ الجاهلية حظَّ المشركين وجندهم، ثم ألزم عِبادَه المؤمنين كلمة التقوى، وهى جِنس يَعُمُّ كُلَّ كلمةٍ يُتقى الله بها، وأعلى نوعِها كلمةُ الإخلاص، وقد فُسِّرَتْ ببسم الله الرحمن الرحيم، وهى الكلمةُ التي أبت قريش أن تلتزِمها، فألزمها اللهُ أولياءَهُ وحزبه، وإنما حَرَمَهَا أعداءَهُ صيانة لها عن غير كفئها، وألزمها مَن هو أحقُّ بهَا وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يُضيعها بوضعها في غير أهلها، وهو العليم بمحالِّ تخصيصه ومواضعه‏.‏

ثم أخبر سبحانه أنه صدَقَ رسُولَه رؤياه في دخولهم المسجدَ آمنين، وأنه سيكون ولا بُدَّ، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العامِ، واللهُ سبحانه عَلِمَ مِن مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتُم استعجالَ ذلك، والربُّ تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلمُوه، فقدَّم بين يدى ذلك فتحاً قريباً، توطئة له وتمهيداً‏.‏

ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودينِ الحقِّ لِيُظهره على الدِّين كُلِّه، فقد تكفَّل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهلِ الأرض، ففى هذا تقوية لقلوبهم، وبِشارة لهم وتثبيتٌ، وأن يكونوا على ثقة مِن هذا الوعد الذي لا بُدَّ أن ينجزه، فلا تظنُّوا أن ما وقع من الإغماض والقهرِ يومَ الحُديبية نُصرة لعدوه، ولا تخلياً عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحقِّ، ووعده أن يُظهِرَه على كل دِينٍ سواه‏.‏

ثم ذكر سبحانه رسولَه وحزبَه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتِهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظمُ البراهين على صدق مَن جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم‏:‏ إنهم متغلِّبون طالبُو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام، وشاهدوا هَدْيَهم وسيرتَهم، وعدلهم وعلمهم، ورحمَتهم وزهدَهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا‏:‏ ما الذين صَحِبُوا المسيحَ بأفضلَ مِن هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرفَ بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضةُ تصفِهُم بضد ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها،‏{‏ومَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً‏}‏ ‏[‏الكهف ‏:‏ 17‏]‏‏.‏