فصل: الفصل الثالث في الجهة الجنوبية عن مملكة الديار المصرية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: صبح الأعشى في كتابة الإنشا **


  الفصل الثالث من الباب الرابع المقالة الثانية في الجهة الجنوبية عن مملكة الديار المصرية من مصر والشام والحجاز ومضافاتها

مما هو واقع في الثاني والثالث والرابع من الأقاليم السبعة الاقاليم الواقعة جنوب الديار المصرية اعلـم أنـه قـد دخـل فـي جهتي الشرق والغرب المتقدمتين ذكر أماكن مما هو في جهة الجنوب عن مملكـة الديـار المصريـة ومضافاتهـا انسـاق الكلـام إليها استطراداً واستتباعاً‏:‏ كأطراف اليمن والهند والصين الجنوبية الخارجة عن الإقليم الثاني إلى جهة الجنوب مما استتبعته ممالك الشرق والمقصود الآن الكلام على ما عدا ذلك وهو بلاد السودان‏.‏

وهي بلادٌ متسعة الأرجاء رحبة الجوانب حدها من الغرب البحر المحيط الغربي ومن الجنوب الخراب مما يلي خط الأستواء ومن الشرق بحر القلزم مما يقابل بلاد اليمن والأمكنة المجهولة الحال شرقي بلاد الزنج في جنوبي البحر الهندي ومن الشمال البراري الممتدة بين الديار المصرية وأرض برقة وبلاد البربر ومن جنوبي المغرب إلى البحر المحيط‏.‏

والمشهور منها ست ممالك‏.‏

المملكة الأولى والبجـا بضـم البـاء الموحـدة وفتـح الجيـم وألـف فـي الآخر‏.‏

وهم من أصفى السودان لوناً‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ وهم مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان ومواطنهم في جنوبي صعيد مصر مما يلي الشرق فيما بين بحر القلزم وبين نهر النيل على القرب من الديار المصرية‏.‏

وقاعدتهـم سواكـن بفتـح السيـن المهملـة والـواو وكسـر الكـاف ونـون فـي الآخر‏.‏

قال في تقويم البلدان في الكلام على بحر القلزم‏:‏ وهي بليدة للسودان حيث الطول ثمانٌ وخمسون درجة والعرض إحدى وعشرون درجة‏.‏

قلت وقد أخبرني من رآها أنها جزيرةٌ على طرف بحر القلزم من جهته الغربية قريبةٌ من البر يسكنهـا التجـار‏.‏

وصاحبهـا الـآن مـن العـرب المعروفيـن بالحداربـة - بالحـاء والدال المهملتين المفتوحتين وألف ثم راء مهملة وباء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر وله مكاتبةٌ عن الأبواب السلطانيـة بالديـار المصرية ويقال في تعريفه الحدربي بضم الحاء وسكون الدال وضم الراء على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة فيما يعد إن شاء الله تعالى‏.‏

وقد عد في تقويم البلدان من مدن البجا العلاقي بفتح العين المهملة واللام المشددة ثم ألف وقاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت‏.‏

من آخر الإقليم الأول من الأقاليم السبعة‏.‏

قال في الأطوال‏:‏ حيث الطول ثمانٌ وخمسون درجة والعرض ست وعشرون درجة‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ وهي بالقرب من بحر القلزم ولها مغاصٌ ليس بالجيد وبجبلها معدن ذهب يتحصـل منه بقدر ما ينفـق فـي استخراجـه‏.‏

قـال المهلبـي‏:‏ إذا أخـذت مـن أسـوان فـي سمـت المشـرق تصـل إلـى العلاقي بعد اثنتي عشـرة مرحلـة‏.‏

قـال‏:‏ وبيـن العلاقـي وعيـذاب ثمـان مراحـل ومـن العلاقـي يدخـل إلـى بلاد البجا‏.‏

المملكة الثانية بلاد النوبة بضم النون وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وهاء في الآخر‏.‏

ولون بعضهم يميل إلى الصفاء وبعضهم شديـد السـواد‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ وبلادهـم ممـا يلـي مصـر فـي نهايـة جنوبيهـا ممـا يلـي المغرب على ضفتي النيـل الجـاري إلـى مصـر‏.‏

قـال فـي تقويـم البلـدان فـي الكلـام علـى الجانـب الجنوبـي وبينها وبين بلاد النوبة جبال منيعة‏.‏

وقاعدتها مدينة دنقلة‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ الظاهر أنها بضم الدال المهملة وسكون النون وقاف مضمومة ولام مفتوحة وهاء في الآخر‏.‏

وما قاله هو الجاري على ألسنة أهل الديار المصريـة ورأيتهـا في الروض المعطار مكتوبةً دملقة بإبدال النون ميماً مضبوطةً بفتح الدال وباقي الضبط على ما تقدم‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ حيث الطول ثمانٌ وخمسون درجة وعشر دقائق والعرض أربعة عشر درجة وخمـس عشـرة دقيقـةً‏.‏

قـال‏:‏ وفـي جنوبيهـا وغربيهـا مجالـأت زنـج النوبة الذين قاعدتهم كوشة خلف الخط وفي غربـي دنقلـة وشماليهـا مدنهـم المذكـورة فـي الكتـب‏.‏

قـال الأدريسـي‏:‏ وهـي فـي غربـي النيـل على ضفته وشرب أهلها منه‏.‏

قال‏:‏ وأهلها سودانٌ لكنهم أحسن السودان وجوهاً وأجملهم شكلاً وطعامهم الشعير والذرة والتمر يجلب إليهم‏.‏

واللحوم التي يستعملونها لحوم الأبل‏:‏ طرية ومقددةً ومطبوخة‏.‏

وفي بلادهم الفيلة والزراريف والغزلان‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ ومدنها أشبه بالقرى والضياع من المدن قليلة الخير والخصب يابسة الهواء‏.‏

قال‏:‏ وحدثني غير واحدٍ ممن دخل النوبة‏:‏ أن مدينة دنقلة ممتدةٌ على النيل وأهلها في شظـفٍ مـن العيـش والحبـوب عندهـم قليلـة إلا الذرة وإنما تكثر عندهم اللحوم والألبان والسمك‏.‏

وأفخر أطبختهم أن تطبخ اللوبيا في مرق اللحم ويثرد ويصف اللحم واللوبيا على وجه الثريد‏.‏

وربما عملت اللوبيا بورقها وعروقها‏.‏

قال‏:‏ ولهم انهماك على السكر بالمزر وميل عظيم إلى الطرب‏.‏

ولما خاف بنو أيوب نور الدين الشهيد صاحب الشام على أنفسهم حين هم بقصدهم بعث السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة إلى النوبة ليأخذها لتكـون موئـلاً لهـم إذا قصدهـم فرأوهـا لا تصلـح لمثلهـم فعدلوا إلى اليمن واستولوا عليها وجعلوها كالمعقل لهم‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ وديـن أهـل هـذه البلـاد النصرانيـة‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ ومن هذه البلاد نجم لقمان الحكيم ثم سكـن مدينـة أيلـة ثم دخل إلى بيت المقدس‏.‏

ومنها أيضاً ذو النون المصري الزاهد المشهور وإنما سمـي المصـري لأنـه سكـن مصـر فنسـب إليهـا‏.‏

وكـان ملوكهـا فـي الزمن القديم وسائر أهلها على دين النصرانية فلما فتح عمرو بن العاص رضي الله عنهم مصر غزاهم‏.‏

قال في الروض المعطار‏:‏ فرآهم يرمون الحدق بالنبل فكف عنهم وقرر عليهم إتاوةً في كل سنة‏.‏

قال صاحب العبر وعلى ذلك جرى ملوك مصر بعده وربما كانوا يماطلـون بذلـك ويمتنعـون مـن أدائـه فتغزوهـم عساكر المسلمين من مصر حتى يطيعوا إلى أن كان ملكهم في أيام الظاهر بيبرس رحمه الله رجلاً اسمه مرقشنكز وكان له ابن أخ اسمه داود فتغلب عليه وانتزع الملك من يده واستفحل ملكه بها وتجاوز حدود مملكته قريب أسوان من آخر صعيد الديار المصرية فقدم مرقشنكز المذكور على الظاهر بيبرس بالديار المصرية واستنجده على ابـن أخيـه داود المذكـور فجهـز معه العساكر إلى بلاد النوبة فانهزم داود ولحق بمملكة الأبواب من بلاد السودان فقبض عليه ملكهـا وبعـث بـه مقيـداً إلـى الظاهر بيبرس فاعتقل بالقلعة حتى مات واستقر مرقشنكز في ملك النوبـة علـى جزيـة يؤديهـا فـي كـل سنـة إلـى أن كانـت دولـة المنصـور قلـاوون ثـم استقـر بمملكـة دنقلـة فـي الدولة المنصورية قلاوون رجل اسمه سيمامون وغزته عساكر قلاوون سنة ثمانين وستمائة‏.‏

ثـم ملكهـم فـي أيـام الناصـر محمـد بـن قلـاوون رجل اسمه أمي وبقي حتى توفي سنة ست عشرة وسبعمائة‏.‏

وملك بعد دنقلة أخوه كرنبس‏.‏

ثم خرج من بيت الملك منهم رجل اسمه نشلى فهاجر إلى مصر وأسلم وحسن إسلامه وأقام بمصر بالأبواب السلطانية وأجرى عليه السلطان الملك الناصر رزقاً ولم يزل حتى امتنع كرنبس من أداء الجزية سنة ست عشرة وسبعمائة فجهز إليه السلطان العساكر مع نشلى المقدم ذكره وقـد تسمـى عبـد اللـه ففر كرنبس إلى بلاد الأبواب فاستقر عبد الله نشلى في ملك دنقلة على دين الأسلام ورجعت العساكر إلى مصر وبعث الملك الناصر إلى ملك الأبواب في أمر كرنبس فبعـث بـه إليـه فأسلـم وأقـام ببـاب السلطـان وبقـي نشلـى فـي الملـك حتـى قتلـه اهـل مملكته سنة تسع عشرة وسبعامئة فبعث السلطان كرنبس إليهم فملكهم وانقطعت الجزية عنهم من حين أسلم ملوكهم‏.‏

قال في العبر‏:‏ ثم انتشرت أحياء جهينة من العرب في بلادهم واستوطنوها وعاثوا فساداً وعجز ملوك النوبة عن مدافعتهم فصاهروهم مصانعةً لهم وتفرق بسبب ذلك ملكهم حتى صار لبعض جهينة من أمهاتهم على رأي العجم في تمليك الأخت وابن الأخت فتمزق ملكهم واستولت جهينة على بلادهم ولم يحسنوا سياسة الملك ولم ينقد بعضهم إلى بعض فصاروا شيعاً ولم يبق لهم رسم ملك وصاروا رحالة بادية على عادة العرب إلى هذا الزمان‏.‏

وذكر في مسالك الأبصار‏:‏ أن ملكها الآن مسلم من أولاد كنز الدولة قال‏:‏ وأولاد الكنز هؤلاء أهل بيتٍ ثارت لهم ثوائر مرات‏.‏

فيحتمل أن أولاد الكنز من جهينة أيضاً جمعاً بين المقالتين‏.‏

وقـد ذكـر فـي مسالك الأبصار‏:‏ أن سلطانهم كواحد من العامة وأنه تأوي الغرباء إلى جامع دنقلة فيرسل إليهم فيأتونه فيضيفهم وينعم عليهم هو وأمراؤه وأن غالب عطائهـم الدكاديـك‏:‏ وهـي أكسيةٌ غلاظ غالبها سود‏:‏ وربما أعطوا عبداً أو جارية‏.‏

وقـد ذكـر فـي الـروض المعطـار‏:‏ أن عمـرو بـن العـاص رضـي اللـه عنـه قصـد قتال النوبة فرآهم يرمون الحـدق بالنبـل فكـف عنهم وقرر عليهم إتاوةً من الرقيق في كل سنة ولم تزل ملوك مصر تأخذ منهـم هـذه الأتـاوة فـي أكثـر الأوقـات حتـى ذكـر فـي مسالـك الأبصار أنه كان عليهم في زمنه مقرر لصاحب مصر في كل سنة من العبيد والأماء والحراب والوحوش النوبية - قلت‏:‏ أما الآن فقد انقطع ذلك‏.‏

"‏ وربك يخلق ما يشاء ويختار ‏"‏‏.‏

المملكة الثالثة وبلاد البرنو - بفتح الباء الموحدة وسكو الراء المهملة وضم النون وسكون الواو‏.‏

وهم مسلمون والغالب على ألوانهم السواد قال في التعريف‏:‏ وبلاده تحد بلاد التكرور من الشرق ثم يكون حدها من الشمال بلاد أفريقية ومن الجنوب الهمج‏.‏

وقاعدتهم مدينة كاكا بكافين بعد كل منهما ألف فيما ذكر لي رسول سلطانهم الواصل إلى الديـار المصريـة صحبـة الحجيـج فـي الدولـة الظاهريـة برقـوق‏.‏

وقـد تعـرض إليهـا في مسالك الأبصار في تحديد مملكة مالي على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

ومن مدنهم مدينة كتنسكي بكافٍ مضمومة وتاءٍ مثناة فوقية ساكنة ونون مكسـورة وسيـن مهملـة ساكنـة وكـافٍ مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية‏.‏

وهي شرقي كاكا على مسيرة يومٍ واحدٍ منها‏.‏

قلت‏:‏ وقد وصل كتاب ملك البرنو في أواخر الدولة الظاهرية برقوق يذكر فيه أنه من ذرية سيـف بـن ذي يـزن إلا أنـه لـم يحقـق النسـب فذكـر أنـه مـن قريـش وهو غلط منهم فإن سيف بن ذي يـزن مـن أعقـاب تبابعـة اليمـن مـن حمير‏.‏

على ما يأتي ذكره في الكلام على المكاتبات وفي المقالة الرابعة فيما بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

ولصاحب البرنو هذا مكاتبةٌ عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية يأتي ذكرها هناك إن شاء المملكة الرابعة بلاد الكانم والكانـم بكـافٍ بعدهـا ألـف ثـم نـون مكسـورةٌ وميم في الآخر‏.‏

وهم مسلمون أيضاً والغالب على ألوانهم السواد‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ وبلادهـم بيـن وأفريقيـة وبرقـة ممتـدةٌ فـي الجنـوب إلـى سمـت الغرب الأوسط‏.‏

قال‏:‏ وهي بلاد قحط وشظف وسوء مزاج مستولٍ عليهـا‏.‏

وغالـب عيشهـم الـأرز والقمـح والذرة وببلادهم التين والليمون واللفت والباذنجان والرطب‏.‏

وذكـر عـن أبي عبد الله السلايحي عن الشيخ عثمان الكانمي وغيره أن الأرز ينبت عندهم من غير بذر‏.‏

ومعاملتهم بقماش ينسج عندهم اسمه دندي طول كل ثوب عشرة أذرع فأكثر‏.‏

قـال‏:‏ ويتعاملـون أيضـاً بالـودع والخـرز والنحـاس المكسـور والـورق لكنـه جميعه يسعر بذلك القماش‏.‏

وذكر ابن سعيد‏:‏ أن جنوبيها صحارى فيها أشخاصٌ متوحشة كالغول أقرب الحيوانـات إلـى الشكل الأدمي تؤدي بني آدم ولا يلحقها الفارس‏.‏

وذكـر أبـو عبـد اللـه المراكشـي فـي كتابـه التكملـة عـن أبي اسحاق إبراهيم الكانمي الأديب الشاعر‏:‏ أنـه يظهـر بلـاد الكانـم فـي الليـل أمـام الماشـي بالقـرب منه قلل نار تضيء فإذا مشى بعدت منه فلا يصل إليها ولو جرى بل لا تزال أمامه‏.‏

وربما رماها بحجر فأصابها فيتشظى منها شراراتٌ‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وأحوالها وأحوال أهلها حسنةٌ وربما كان فيهم من أخذ في التعليم ونظر من الأدب نظرة النجوم فقال إني سقيم فما يزال يداوي عليل فهمه ويداري جامح علمه حتى تشرق عليه أشعتها ويطرز بديباجه أمتعتها‏.‏

وقاعدتهـا مدينـة جيمـي‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ بكسر الجيم وبالياء المثناة تحت الساكنة وكسر الميم ثم ياء مثناة تحتية في الآخر‏.‏

حسب ما هو في خط ابن سعيد‏.‏

وموقعها في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ حيث الطول ثلاث وخمسون درجة والعرض تسع درج وبها مقرة سلطانهم‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ ومبدأ هذه المملكة من جهة مصر بلدة اسمها دلا وآخرها طولاً بلدة يقال لها كاكا وبينهما ثلاثة أشهر‏.‏

وقد تقدم أن كاكا هي قاعدة سلطان البرنو وبينها وبين جيمي أربعون ميلاً‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وسلطان هذه البلاد رجل مسلم‏.‏

قال في تقويم اللدان‏:‏ وهو من ولد سيف بن ذي يزن‏.‏

قـال في مسالك الأبصار‏:‏ وأول من بث الأسلام فيهم الهادي العثماني ادعى أنه من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه وملكها ثم صارت بعده لليزنيين‏.‏

وذكر في التعريف‏:‏ أن سلطان الكانم من بيتٍ قديم في الأسلام وقد جاء منهم من ادعى النسب العلوي في بني الحسن‏.‏

ثم قال‏:‏ وتمذهب بمذهب الشافعي رضي الله عنه‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وملكهم على حقارة سلطانه وسوء بقعة مكانه في غاية لا تدرك من الكبرياء يمسح برأسه عنانٍ السماء مع ضعف أجناد وقلة متحصل بلاد لا يراه أحد إلا في يوم العيدين بكرةً وعند العصر‏.‏

أما في سائر السنة فلا يكلمه أحدٌ ولو كان أميراً إلا من وراء حجاب‏.‏

قال‏:‏ والعدل قائم في بلادهم ويتمذهبـون بمذهـب الأمـام مالـك رضـي اللـه عنـه وهـم ذوو اختصـار فـي اللبـاس يابسـون في الدين وعسكرهم يتلثمون وقد بنوا مدرسة للمالكية بالفسطاط ينزل بها وفودهم‏.‏

بلاد مالي ومضافاتها ومالي بفتح الميم وألف بعدها لامٌ مشددة مفخمة وياء مثناة تحت في الآخر‏.‏

وهي المعروفة عند العامة ببلاد التكرور‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وهذه المملكة في جنوب المغرب متصلة بالبحر المحيط‏.‏

قال في التعريف‏:‏ وحدها في الغرب البحر المحيط وفي الشرق بلاد البرنو وفي الشمال جبال البربر وفي الجنوب الهمج‏.‏

ونقـل عـن الشيـخ سعيـد الدكالـي‏:‏ أنهـا تقـع فـي جنـوب مراكـش ودواخل بر العدوة جنوباً بغرب إلى البحر المحيط‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ وهـي شديدة الحر قشفة المعيشة قليلة أنواع الأقوات وأهلها طوال في غاية السواد وتفلفل الشعور وغالب طول أهلها من سوقهم لا من هياكل أبدانهم‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ والتكرور قسمان‏:‏ قسم حضر يسكنون المدن وقسم رحالة في البوادي‏.‏

وقـد حكـى فـي مسالـك الأبصـار عن الشيخ سعيد الدكالي‏:‏ أن هذه المملكة مربعة طولها أربعة أشهر أو أزيد وعرضها مثل ذلك وجميعها مسكونةٌ إلا ما قل وهذه المملكة هي أعظم ممالك السودان المسلمين‏.‏

الجملة الأولى في ذكر أقالميها ومدنها وقد ذكر صاحب العبر‏:‏ أنها تشتمل على خمسة أقاليم كل إقليم منها مملكة بذاتها‏.‏

الأقليم الأول مالي وقـد تقـدم ضبطه‏.‏

وهو إقليمٌ واسطة الأقاليم السبعة الداخلة في هذه المملكة واقعٌ بين إقليم صوصو وإقليم كوكو‏:‏ صوصو من غربيه وكوكو من شرقيه‏.‏

وقاعدته على ما ذكره في مسالك الأبصار‏:‏ مدينة بني‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ بالباء الموحدة والنون ثم الباء الموحدة أيضاً‏.‏

قال‏:‏ وهي ممتدة تقدير طول بريد في عرض مثل ذلك ومبانيها متفرقة وبناؤها بالبالستا‏.‏

وهو أنه يبنى بالطين بقدر ثلثي ذراع ثم يترك حتى يجف ثم يبنى عليه مثله وكذلك حتى ينتهي وسقوفها بالخشـب والقصـب وغالبهـا قبـاب أو جملونـات كالأقبـاء وأرضهـا تـراب مرمـل وليـس لهـا سـور بـل يستديـر بهـا عدة فروع من النيل من جهاتها الأربع بعضها يخاض في أيام قلة الماء وبعضها لا يعبر فيه إلا في السفن‏.‏

الأقليم الثاني صوصو بصادين مهملتين مضمومتين بعد كل منهما واو ساكنة‏.‏

وربما أبدلوا الصاد سيناً مهملة سمي بذلك باسم مكانه‏.‏

قـال فـي العبـر‏:‏ وهـم يسمونهـا الأنكاريـة‏.‏

وهـي فـي الغـرب عـن إقليـم مالـي المقـدم ذكـره فيمـا ذكـره فـي العبر عن بعض البقلة‏.‏

الأقليم الثالث بلاد غانة بفتـح الغيـن المعجمـة وألـف ثـم نـون مفتوحـة وهـاء فـي الآخـر‏.‏

وهـي غربـي إقليـم صوصـو المقـدم ذكـره تجاور البحر المحيط الغربي‏.‏

وقاعدته مدينة غانة التي قد أضيف إليها‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ وموقعها خارج الإقليم الأول من الأقاليم السبعة إلى الجنوب‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ حيث الطول تسعٌ وعشرون درجة والعرض عشر درج‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ وهي محل سلطان بلاد غانة‏.‏

وقـد حكـى ابـن سعيـد‏:‏ أن لغانـة نيـلاً شقيـق نيـل مصر يصب في البحر المحيط الغربي عند طول عشر درج ونصفٍ وعرض أربع عشرة‏.‏

وإليها تسير التجار المغاربة من سجلماسة في بر مقفر ومفاوز عظيمة في جنوب الغرب نحو خمسين يوماً فيكون بين غانة وبين مصبه نحو أربع درج‏.‏

وهي مبنية على ضفتي نيلها هذا‏.‏

قال في العبر‏:‏ وكان أهلها قد أسلموا في أول الفتح الأسلامي‏.‏

وقد ذكر في تقويم البلدان‏:‏ أنها مدينتان على ضفتي نيلها إحداهما يسكنها المسلمون والثانية يسكنها الكفار‏.‏

وقد ذكر في الروض المعطار‏:‏ أن لصاحب غانة معلفين من ذهب يربط عليهما فرسان له أيام مقعده‏.‏

الأقليم االرابع بلاد كوكو وهي شرقي إقليم مالي المقدم ذكره‏.‏

قال في الروض المعطار‏:‏ وملكها قائم بنفسه له حشمٌ وقواد وأجنادٌ وزيٌ كامل وهم يركبون الخيل والجمال ولهم بأسٌ وقهرٌ لمن جاورهم من الأمم‏.‏

قال‏:‏ وبها ينبت عود الحية‏:‏ وهو عود يشبه العاقر قرحاً إلا أنه أسـود مـن خاصتـه إنـه إذا وضـع علـى حجـر الحيـة خرجـت إليـه بسرعـة ومـن أمسكه بيده أخذ من الحيات ما شاء من غير جذعٍ يدركه أو يقع في نفسه‏.‏

ثـم قـال‏:‏ والصحيـح عند أهل المغرب الأقصى أن هذا العود إذا أمسكه ممسك بيده أو علقه في وقاعدته مدينة كوكو بفتح الكاف وسكون الواو وفتح الكاف الثانية وسكون الواو بعدها‏.‏

وموقعهـا فـي الجنـوب عـن الإقليـم الـأول قـال ابن سعيد‏:‏ حيث الطول أربعٌ وأربعون رجة والعرض عشر درج‏.‏

قال‏:‏ وهي مقر صاحب تلك البلاد‏.‏

قال‏:‏ وهو كافر يقاتل من غربيه من مسلمي غانة ومن شرقيه من مسلمي الكانم‏.‏

وذكر المهلبي في العزيزي أنهم مسلمون وبينهما وبين مدينة غانة مسيرة شهر ونصفٍ‏.‏

قال في الروض المعطار‏:‏ وهي مدينةٌ كبيرةٌ على ضفتي نهر يخرج من ناحية الشمال يمر بها ويجاوزها بأيام كثيرة ثم يغوص في الصحراء في رمال كما يغوص الفرات في بطائح العراق‏.‏

قال ابن سعيـد‏:‏ وكوكـو فـي شرقـي النهـر ولبـاس عامـة أهلهـا الجلـود يستـرون بهـا عوراتهـم وتجارهم يلبسون الأكسية وعلى رؤوسهم الكرازين ولبس خواصهم الأزرق‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وسكانها قبائل يرنان من السودان‏.‏

الأقليم الخامس بلاد تكرور وهي شرقي إقليم كوكو المقدم ذكره ويليه من جهة الغرب مملكـة البرنـو المتقدمـة الذكـر وبهـا عرفت هذه المملكة على كبرها واشتهرت‏.‏

وقاعدتهـا مدينة تكرور بفتح التاء المثناة فوق وسكون الكاف وضم الراء المهملة وسكون الواو وراء مهملة في الآخر‏.‏

قـال فـي الـروض المعطـار‏:‏ وهـي مدينـة علـى النيـل على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب وطعام أهلها السمك والذرة والألبان وأكثر مواشيهم الجمال والمعـز ولبـاس عامـة أهلها الصوف وعلى رؤوسهم كرازين صوف ولباس خاصتهم القطن والمآزر‏.‏

قال‏:‏ وبينها وبين سجلماسة من بلاد المغرب أربعون يوماً بسير القوافل وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة بالصحراء آسفي بينهما خمسٌ وعشرون مرحلة‏.‏

قال‏:‏ وأكثر ما يسافر به تجار الغرب الأقصى إليها الصوف والنحاس والخرز ويخرجون منها بالتبر والخدم‏.‏

قلت‏:‏ وذكر في مسالك الأبصار‏:‏ أن هذه المملكة تشتمل على أربعة عشر إقليماً وهي‏:‏ غانة وزافـون وترنكـا وتكـرور وسنغانـة وبانبغـو وزرنطابنـا وبيتـرا ودمـورا وزاغا وكابرا وبراغودي وكوكو ومالي‏.‏

فذكر أربعة من الأقاليم الخمسة المتقدمة الذكر وأسقط إقليم صوصو وكأنها قد اضمحلـت وزاد باقي ذلك فيحتمل أنها انضامت إلى صاحبها يومئذ بالفتح والأستيلاء عليها‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ وفـي شمالـي بلـاد مالـي قبائـل مـن البربـر بيـضٌ تحت حكم سلطانها‏:‏ وهم نيتصر ونيتغراس ومدوسة ولمتونة ولهم أشياخ تحكـم عليهـم إلا نيتصـر فإنهـم يتداولهـم ملـوكٌ منهم تحت حكم صاحب مالي‏.‏

قال‏:‏ وكذلك في طاعته قومٌ من الكفار بعضهم يأكل لحم الأدميين‏.‏

ونقل عن الشيخ سعيد الدكالي‏:‏ أن في طاعة سلطانها بلاد مغارة الذهب‏.‏

وهم بلاد همج وعليهـم إتـاوة مـن التبـر تحمـل إليـه فـي كـل سنـة ولـو شـاء أخذهـم ولكـم ملـوك هـذه المملكة قد جربوا أنه ما فتحت مدينةٌ من هذه المدن وفشا بها الأسلام ونطق بها داعي الأذان إلا قل بها وجود الذهب ثم يتلاشى حتى يعدم ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار فرضوا منهم ببذل الطاعة وحمل قرر عليهم وذكر نحو ذلك في التعريف في الكلام على غانة‏.‏

الجملة الثانية في الموجود بهذه المملكة قد ذكر في مسالك الأبصار عن الشيخ سعيد الدكالي‏:‏ أن بها الخيل من نوع الأكاديش التترية‏.‏

قـال‏:‏ وتجلـب الخيـل العـراب إلـى ملوكهـم يتغالـون فـي أثمانهـا وكذلـك عندهـم البغـال والحميـر والبقر والغنم ولكنها كلها صغيرة الجثة وتلد الواحدة مـن المعـز عندهـم السبعـة والثمانيـة ولا مرعى لمواشيهم إنما هي جلالة على القمامات والمزابل‏.‏

وبهـا مـن الوحـوش الفيلـة والأسـاد والنمـورة وكلهـا لا تـؤذي مـن بنـي آدم إلا مـن تعرض لها‏.‏

وعندهم وحش يسمى ترمي بضم التاء المثناة والراء المهملة وتشديد الميم في قدر الذئب يتولـد بين الذئب والضبع لا يكون إلا خنثى‏:‏ له ذكرٌ وفرج متى وجد في الليل آدمياً صغيراً أو مراهقاً أكله‏.‏

ولا يعترض إلى أحد في النهار وهو ينعر كالثور وأسنانه متداخلة‏.‏

وعندهـم تماسيح عظام منها ما يكون طوله عشرة أذرع وأكثر ومرارته عندهم سمٌ قاتل تحمل إلى خزانة ملكهم‏.‏

وعندهم بقر الوحش وحمير الوحش والغزلان‏.‏

وفيما يسامت سلجماسة من بلادهم جواميس متوحشة تصاد كما يصاد الوحش وبها من الطيور الدواجن الأوز والدجاج والحمام وبهـا مـن الحبوب الأرز والغوثي‏:‏ وهو دق مزغب يدرس فيخرج منه حبٌ أبيض شبيه بالخردل فـي المقـدار أو أصغـر منـه فيغسـل ثـم يطحن ويعمل منه الخبز وهذا الحب هو والأرز هما غالب قوتهم وعندهم الذرة وهي أكثر حبوبهم ومنها قوتهم وعليق خيولهم ودوابهم وعندهم الحنطة علـى قلـة فيهـا أمـا الشعيـر فـلا وجـود له عندهم البتة وعندهم الفواكه البستانية الجميز وهو كثير لديهم وعندهم أشجـار بريـة ذوات ثمـار مأكولـة مستطابـةٍ منهـا شجـر يسمـى تادمـوت يحمـل شيئـاً مثـل القواديس كبراً في داخلها شيء شبيه بدقيق الحنطة ساطع البياض طعمه مزٌ لذيذ يأكلون منه وإذا جف جعلوه على الحناء فيسوده كالنوشادر ومنها شجر يسمى زبيزور تخرج ثمرته مثل قرون الخروب فيخرج منها شيء شبيه بدقيق الترمس حلوٌ لذيذ الطعم له نوى‏.‏

ومنها شجر يسمى قومي يحمل شبيه السفرجل لذيذ الطعم يشبه طعم الموز وله نوى شبيهٌ بغضروف العظم يأكله بعضهم معه‏.‏

ومنها شجر اسمه فاريتي حمله شبيه بالليمون وطعمه يشبـه طعـم الكمثـرى بداخلـه نـوى ملحـم يؤخذ ذلك النوى وهو طري فيطحن فيخرج منها شيء شبيهٌ بالسمن يجمد وتبيض به البيوت وتوقد منه السرج ويعمل منها الصابون وإذا قصد أكله وضـع فـي قـدر علـى نـار لينـة ويسقى الماء حتى يقوى غليانه وهو مغطى الرأس ويسارق كشف الغطاء في افتقاده فإنه متى كشف القدر فار ولحق بالسقف‏.‏

وربما انعقد منه نار فأحرق البيـت فإذا نضج برد وجعل في ظروف القرع وصار يستعمل في المأكل كالسمن‏.‏

ومتى جعل فـي غيـر ظـروف القـرع من الأنية خرقها‏.‏

ويوجد بها من الثمرات البرية ما هو شبيه بكل الفواكه البستانيـة علـى اختلـاف أنواعهـا ولكنهـا حريفـةٌ لا تستطـاب يأكلهـا الهمـج مـن السـودان وهـي وبهـا مـن الخضـروات اللوبيـاء واللفـت والثوم والبصل والباذنجان والكرنب أما الملوخية فلا تطلع عندهم إلا برية والقرع عندهم بكثرة‏.‏

وعندهم شيءٌ شبيه بالقلقاس إلا أنه ألـذ مـن القلقاس يزرع في الخلاء فإن سرق منه سارقٌ قطع الملك رأسه وعلقه مكان ما قطع منه عادةٌ عندهم يتوارثونها خلفاً عن سلف لا توجد فيها رخصة ولا تنفع فيها شفاعةٌ‏.‏

وجبالها ذوات أشجار مشتبكةٍ غليظة السوق إلى الغاية تظل الواحدة منها خمسمائة فارسٍ‏.‏

وفيها بغانة وما وراءها في الجنوب من بلاد السودان الهمج معادن الذهب‏.‏

وقـد حكـى فـي مسالـك الأبصـار عـن الأميـر أبـي الحسـن علـي بن أمير حاجب عن السلطان منسا موسى سلطان هذه المملكة‏:‏ أنه سأله عند قدومه الديار المصرية حاجاً عن معادن الذهب عندهم - فقال‏:‏ توجد على نوعين‏:‏ نوع في زمان الربيع ينبت في الصحراء له ورقٌ شبيه بالنجيل أصوله التبر‏.‏

والثاني يوجد في أماكن معروفة على ضفاف مجاري النيل تحفر هناك حفائر فيوجد فيها الذهب كالحجارة والحصى فيؤخذ‏.‏

قال‏:‏ وكلاهما هو المسمى بالتبر‏.‏

ثم قـال والـأول أفحـل فـي العيـار وأفضـل فـي القيمـة‏.‏

وذكـر فـي التعريـف نحـوه‏.‏

وذكـر عـن الشيـخ عيسـى الـزواوي عـن السلطـان منسـا موسـى القمـدم ذكـره أيضـاً أنـه يحفر في معادن الذهب كل حفيرة عمق قامة أو ما يقاربها فيوجد الذهب في جنباتها‏.‏

وربما وجد مجتمعاً في سفيل الحفيرة وأن في مملكته أمماً من الكفار لا يأخذ منهم جزيةً إنما يستعملهم في إخراج الذهب من معادنه‏.‏

ثم قد ذكر في مسالك الأبصار‏:‏ أن النوع الأول من الذهـب يوجـد فـي زمـن الربيـع عقيـب الأمطـار ينبـت بيـن مواقعهـا والثانـي يوجـد فـي جميـع السنـة في ضفات مجاري النيل‏.‏

وذكر في التعريف‏:‏ أن نبات الذهب بهذه البلاد يبدأ في شهر أغشت حيـث سلطـان الشمـس قاهرٌ وذلك عند أخذ النيل في الأرتفاع والزيادة‏.‏

فإذا انحط النيل تتبع حيـث ركب عليه من الأرض فيوجد منه ما هو نبات يشبه النجيل وليس به‏.‏

ومنه ما يوجد كالحصـى‏.‏

فجعـل الجميـع ممـا يحـدث فـي هذا الزمن في أماكن النيل خاصة وفيه مخالفة لما تقدم‏.‏

بـل قـد قـال‏:‏ إن شهر أغشت الذي يطلع فيه الذهب وهو من شهور الروم ويقع - والله أعلم - أنـه يركـب مـن تمـوز وآب يعنـي مـن شهـور السريـان وهـذا غلـط فاحـش‏.‏

فقـد تقدم في المقالة الأولى أن شهور الروم منطبقة على شهور السريان في الأبتداء والأنتهاء دون ابتدأء أول السنة وشهر أغشت من شهور الروم هو شهر آب من شهور الريان بعينه‏.‏

ثم قد حكى في مسالك الأبصار عن والي مصر عن منسا موسى القمد ذكره‏:‏ أن الذهب ببلاده حمى له يجمـع لـه متحصلـة كالقطيعـة إلا مـا يأخـذه أهـل تلـك البلـاد منـه علـى سبيـل السرقة‏.‏

وحكـى عـن الشيـخ سعيـد الدكالـي‏:‏ أنه إنما يهادي بشيء منه كالمصانعة وأنه يتكسب عليهم في المبيعـات لـأن بلادهـم لا شـيء بهـا‏.‏

ثـم قـال‏:‏ وكلـام الدكالـي أثبـت وعليه ينطبق كلامه في التعريف حيـث ذكـر غانـة ثـم قـال‏:‏ ولـه عليهـا إتـاوةٌ مقـررة تحمل إليه في كل سنة‏.‏

وبهذه البلاد أيضاً معدن نحاس وليس يوجد في السـودان إلا عندهـم‏.‏

قـال الشيـخ عيسـى الـزواوي‏:‏ قـال لـي السلطـان موسـى‏:‏ إن عنـده فـي مدينـة اسمهـا نكـوا معـدن نحـاس أحمـر يجلـب منـه قضبان إلى مدينة بنبى قاعدة مالي فبيبعث منه إلى بلاد السودان الكفار فيباع وزن مثقال بثلثي وزنه من الذهب يباع كل مائة مثقال من هذا النحاس بستة وستين مثقالأ وثلثي مثقال من الذهب‏.‏

وبهـذه البلـاد معـدن ملـح وليـس فـي شـيء مـن السودان الوالجين في الجنوب والمسامتين لسجلماسة ومـا وراءهـا ملـحٌ سـواه‏.‏

قـال المقـر الشهابـي بـن فضـل اللـه‏:‏ حدثنـي أبو عبد الله بن الصائغ أن الملح معدوم في داخل بلاد السودان فمن الناس من يغرر ويصل به إلى أناس منهم يبذلون نظير كل صبـرة ملح مثله من الذهب‏.‏

قال ابن الصائغ‏:‏ وحدثت أن من أمم السودان الداخلة من لا يظهر لهم بل إذا جاء التجار بالملح وضعوه ثم غابوا فيجيء السودان فيضعون إزاءه الذهب فإذا أخـذ التجـار الذهـب أخـذ السـودان الملـح‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ قال لي الدكالي‏:‏ وأهل هذه المملكـة كثيـرٌ فيهـم السحـر ولهـم بـه عناية حتى إنهم في بلاد الكفار منهم يصيدون الفيل بالسحر حقيقـةً لا مجازاً وفي كل وقت يتحاكمون عند ملكهم بسببه ويقول أحدهم‏:‏ إن فلاناً قتل أخي أو ولدي بالسحر والسلطان يحكم على القاتل بالقصاص وقتل الساحر‏.‏

وحكى عنه أيضاً‏:‏ أن السموم بهذه المملكة كثيرة فإن عندهم حشائش وحيوانات يركبون منها السموم القتالة ولا سيما من سمكٍ يوجد عندهم‏.‏

قال الشيخ سعيد الدكالي‏:‏ ومن خصيصة هذه البلاد أن يسرع فيها فساد المدخرات لا سيما فإنه يفسد وينتن فيها من يومين‏.‏

الجملة الثالثة في معاملة هذه المملكة ذكـر فـي مسالـك الأبصـار عـن ابـن أميـر حاجـب‏:‏ أن المعاملة عندهم بالودع وأن التجار تجلبه إليهم كثيـراً فتربـح به الربح الكثير وكأن هذا في المعاملات النازية في مثل المآكل وما في معناها والأ فالذهب عندهم على ما تقدم من الكثرة‏.‏

الجملة الرابعة في ذكر ملوك هذه المملكة قد تقدم أن هذه المملكة قد اجتمع بها خمسة أقاليم وهي‏:‏ إقليم مالي وإقليم صوصو وإقليم غانة منالجانب الغربي عن مالي وإقليم كوكو وإقليم تكرور في الجانب الشرقي عن مالي وأن كـل إقليم من هذه الخمسة كان مملكة مسستقلة ثم اجتمع الكل في مملكة صاحب هذه المملكة وأن مالـي هـي أصـل مملكتـه‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ وهـو وإن غلـب عليـه عند أهل مصر اسم سلطان التكرور فإنه لو سمع هذا أنف منه لأن التكـرور إنمـا هـو إقليـم مـن أقاليـم مملكتـه والأحب إليه أن يقال صاحب مالي لأنه الإقليم الأكبر وهو به أشهر‏.‏

ونقل عن الشيخ سعيد الدكالي‏:‏ أنه ليس بمملكته من يطلق عليه اسم ملك إلا صاحب غانة وهو كالنائب له وإن كان ملكاً‏.‏

وكأنه إنما بقي اسم الملك على صاحب غانة دون غيره لعدم انتزاعها منه والأستيلاء عليها استيلاءً كلياً‏.‏

فقد قال في التعريف‏:‏ وأما غانة فإنه لا يملكها وكأنه مالكها يتركها عن قدرة عليها‏:‏ لأن بها وبما وراءها جنوباً منابت الذهب‏.‏

وذكر ما تقدم من أن بلاد منابت الذهب متى فشا فيها الأسلام والأذان عدم فيها نبات الذهب وصاحب مالي يتركها لذلك لأنه مسلم وله عليها إتاوةٌ كبيرة مقررة تحمل إليه في كل سنة‏.‏

وقد ذكر صاحب العبر‏:‏ أن هذه الممالك كانـت بيـد ملـوكٍ متفرقـة وكـان مـن أعظمهـا مملكـة غانـة‏.‏

فلمـا أسلم الملثمون من البربر تسلطوا عليهم بالغزو حتى دان كثيرٌ منهم بالأسلام وأعطى الجزية آخرون وضعف بذلك ملكه غانة واضمحل فتغلب عليهم أهل صوصو المجاورن لهم قال‏:‏ ويقال‏:‏ إن أول من أسلم منهم ملك اسمه برمنداتة بباء موحدة وراء مهملة مفتوحتين وميم مكسورة ونون ساكنة ودال مهملة بعدها ألف ثم نون مشددة مفتوحة وهاء في الآخر فيما ضبطه بعض علمائهم‏.‏

ثم حج بعد إسلامه فاقتفى سننه في الحج ملوكهم من بعده‏.‏

ثـم جـاء منهـم ملـك اسمـه مـاري جاظة ومعنى ماري الأمير الذي يكون من نسل السلطان ومعنى جاظة الأسد فقوي ملكه وغلب على صوصو وانتزع ما كان بأيديهم من ملكهم القديم وملك غانة الذي يليه إلى البحر المحيط‏.‏

ويقال‏:‏ إنه ملك عليهم خمساً وعشرين سنة‏.‏

ثم ملك بعده ابنه منساولي ومعنى منسا بلغتهم السلطان ومعنى ولي علي وكان من أعظم ملوكهم وحج أيام الظاهر بيبرس صاحب مصر‏.‏

ثم ملك من بعده أخوه والي‏.‏

ثم ملك من بعده أخوه خليفة وكان أحمق يغلب عليه الحمق فيرمي النـاس بالسهـام فيقتلهـم فوثب به أهل مملكته فقتلوه‏.‏

وملـك بعده سبطٌ من أسباط ماري جاظة المقدم ذكره واسمه أبو بكر على قاعدة العجم في تمليك البنت وابن البنت‏.‏

ثم تغلب على الملك مولى من مواليهم اسمه ساكبورة ويقال سيكره فاتسع نطاق مملكته وغلب على البلاد المجاورة له وفتح بلاد كوكو واستضافها إلى مملكته واتصل ملكه من البحر المحيط الغربي إلى بلاد التكرور فقوي سلطانه وهابه أمم السودان ورحل إليه التجار من بلاد الغرب وأفريقية‏.‏

وحج أيام السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ورجع فقتل في أثر عوده‏.‏

وملك بعده قو ابن السلطان ماري جاظة‏.‏

ثم ملك من بعده محمد بن قو ثم انتقل الملك من ولد ماري جاظة إلى ولد أخيه أبي بكر‏.‏

فولي منهم منسا موسى بن أبي بكر‏.‏

قال في العبر‏:‏ وكان رجلاً صالحاً وملكاً عظيماً له أخبار في العدل تؤثر عنه وعظمت المملكة في أيامه إلى الغاية وافتتح الكثير من البلاد‏.‏

قـال فـي مسالك الأبصار‏:‏ حكى ابن أمير حاجب والي مصر عنه أنه فتح بسيفه وحده أربعاً وعشريـن مدينـةً مـن مـدن السـودان ذوات أعمـال وقـرى وضياع‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ قال ابن أمير حاجب‏:‏ سألته عن سبب انتقال الملك إليه - فقال‏:‏ إن الذي قبلي كان يظن أن البحر المحيط له غاية تدرك فجهز مئين سفن وشحنها بالرجال والأزواد التي تكيفهم سنين وأمر من فيها أن لا يرجعوا حتى يبلغوا نهايته أو تنفذ أزوادهم فغابوا مدة طويلةً ثم عاد منهم سفينةٌ واحـدة وحضـر مقدمهـا فسألـه عـن أمرهـم‏.‏

فقـال‏:‏ سـارت السفن زماناً طويلاٍ حتى عرض لها في البحر في وسط اللجة وادٍ له جرية عظيمة فابتلع تلك المراكب وكنت آخـر القـوم فرجعـت بسفينتي فلم يصدقه‏:‏ فجهز ألفي سفينة ألفاً للرجال وألفاً للأزورد واستخلفني وسافر بنفسه ليعلم حقيقة ذلك فكان آخر العهد به وبمن معه‏.‏

قال في العبر‏:‏ وكان حجه في سنة أربع وعشرين وسبعمائة في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ قال لي المهمندار خرجت لمتلقاه من جهة السلطان فأكرمني إكراماً عظيماً وعاملني بأجمل الأداب ولكنه كان لا يحدثني إلا بترجمان مع إجادته اللسان العربي‏.‏

قال‏:‏ ولما قدم قدم للخزانة السلطانية حملاً من التبر ولم يترك أميراً ولا رب وظيفة سلطانيةٍ إلا وبعـث إليـه بالذهـب وكنت أحاوله في طلوع القلعة للاجتماع بالسلطان حسب الأوامر السلطانية فيأبى خشية تقبيل الأرض للسلطان ويقول‏:‏ جئت للحج لا لغيره ولم أزل به حتى وافق على ذلك‏.‏

فلما صار إلى الحضرة السلطانية‏.‏

قيل له‏:‏ قبل الأرض فتوقف وأبى إباءً ظاهراً‏.‏

وقال‏:‏ كيف يجوز هذا فأسر إليه رجلٌ كان إلى جانبه كلاماً - فقال‏:‏ أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني ثم سجد وتقدم السلطان فقام له بعض القيام وأجلسـه إلـى جانبـه وتحدثـا طويلاً ثم قام السلطان موسى فبعث إليه السلطان بالخلع الكاملة له ولأصحابه وخيلاً مسرجة ملجمة‏.‏

وكانت خلعته طرد وحش بقصب كثير بسنجاب مقندس مطرز بزركش على مفرج إسكنـدري وكلوتـة زركـش وكلاليب ذهب وشاش بحرير ورقم خليفتي ومنطقة ذهب مرصعـة وسيـف محلـى ومنديـل مذهـب خـز وفرسيـن مسرجيـن ملجميـن بمراكـب بغـل محلاةً وأعلام وأجرى عليه الأنزال والأقامات الوافرة مدة مقامه‏.‏

ولما آن أوان الحج بعث إليه بمبلعٍ كبير من الدراهم وهجن جليلة كاملة الأكوار والعدة لمركبه وهجـن أتبـاع لأصحابـه وأزوادٍ جمـة وركـز لـه العليـق فـي الطـرق وأمـر أميـر الركب بإكرامه واحترامه‏.‏

ولما عاد بعث إلى السلطان من هدية الحجاز تبركاً فبعث إليه بالخلع الكاملة له ولأصحابه والتحف والألطاف من البز السكندري والأمتعة الفاخرة وعاد إلى بلاده‏.‏

وذكـر عـن ابن أمير حاجب والي مصر أنه كان معه مائة حمل ذهباً أنفقها في سفرته تلك على مـن بطريقـه إلـى مصـر مـن القبائـل ثـم بمصـر ثـم مـن مصـر إلـى الحجـاز توجهـاً وعـوداً حتى احتاج على القرض فاستدان على ذمته من تجار مصر بمالهم عليه فيه المكاسـب الكثيـرة بحيـث يصـل لأحدهم في كل ثلثمائة دينار سبعمائة دينار ربحاً‏.‏

وبعث إليهم بذلك بعد توجهه إلى بلاده‏.‏

قال في العبر ويقال‏:‏ إنه كان يحمل آلته اثنا عشر ألف وصيفةٍ لابسات أقبية الديباج‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ وذكـر لـي عنـه ابن أمير حاجب‏:‏ أنه حكى له أن من عادة أهل مملكته أنه إذا نشأ لأحدٍ منهم بنت حسناء قدمها له أمةً موطوءةً فيملكها بغير تزويج مثل ملك اليمن - فقلـت لـه‏:‏ إن هـذا لا يحـل لمسلـم شرعـاً - فقـال‏:‏ ولا الملـوك - فقلـت‏:‏ ولا للملوك واسأل العلماء‏.‏

فقال‏:‏ والله ما كنت اعلم ذلك‏!‏ وقد تركته من الآن‏.‏

قال في العبر‏:‏ ودام ملكه عليهم خمساً وعشرين سنة ومات‏.‏

فملك بعده ابنه منسا مغا ومعنى مغا عندهم محمد يعنون السلطان محمداً ومات لأربع سنين من ولايته‏.‏

وملك بعده أخوه منسا سليمان بن أبي بكر وهو أخو منسا موسى المقدم ذكره‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ واجتمع له ما كان أخوه افتتحه من بلاد السودان وأضافه إلى يد الأسلام وبنى به المساجد والجوامع والمنارات وأقام به الجمع والجماعات والأذان وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الأمام مالك رضي الله عنه وتفقه في الدين‏.‏

قال في العبر‏:‏ ودام ملكه أربعاً وعشرين سنةً ثم مات‏.‏

ولي بعده ابنه قنبتا بن سليمان ومات لتسعة أشهر من ملكه‏.‏

وملك بعده ماري جاظه بن منسا مغا بن منسا موسى فأقام أربع عشرة سنة أساء فيها السيـرة وأفسـد ملكهـم وأتلف ذخائرهم بسرفه وتبذيره حتى انتهى به الحال في السرف أنه كان وكانوا يرونه من أنفس ذخائهم لندور وجود مثله في المعدن فباعه على تجار مصر المترددين إليه بأبخس ثمن وصرف ذلك كله في الفسوق وكان آخر أمره أن أصابته علة النوم وهو مرضٌ كثيراً ما يصيب أهل تلك البلاد لا سيما الرؤساء منهم يأخذ أحدهم النوم حتى لا يكاد يفيق فأقام به سنتين حتى مات سنة خمس وسبعين وسبعمائة‏.‏

وملك بعده ابنه موسى فنكب عن طريق أبيه وأقبل على العدل وحسن السيرة‏.‏

وتغلب على دولته وزيره ماري جاظه فحجره وقام بتدبير الدولة وكان له فيها أحسن تدبير وبقي منسا موسى حتى مات سنة تسع وثمانين وسبعمائة‏.‏

وملك بعده أخوه منسا مغا وقتل بعده بسنة أو نحوها‏.‏

ولمـك بعـده صندكـي زوج أم موسـى المقـدم ذكـره ومعنـى صندكـي الوزيـر ووثـب عليـه بعـد أشهر رجلٌ من بيت ماري جاظة‏.‏

ثم خرج من ورائهم من بلاد الكفرة رجل اسمه محمود ينسب إلى منساقو بن منسا ولي بن ماري جاظة ولقبه منسا مغا وغلب على الملك في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة‏.‏

قال في التعريف‏:‏ وصاحب التكرور هذا يدعي نسباً إلى عبد الله بن صالح بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجوههم‏.‏

قلت‏:‏ هو صالح ابن عبد الله بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن مسوى الجون بن عبد الله بن حسن المثنى ابن الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏

وقد ذكر في تقويم البلدان‏:‏ أن سلطان غانة يدعي النسب إلى الحسن ابن علي عليهما السلام‏.‏

فيحتمـل أنـه أراد صاحـب هـذه المملكـة لأن من جملة من هو في طاعته غانة أو من كان بها في الزمن القديم قبل استيلاء أهل الكفر عليها‏.‏

الجملة الخامسة في أرباب الوظائف بهذه المملكة قـد ذكـر فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ أن بهذ المملكة‏:‏ الوزراء والقضاة والكتاب والدوواين وأن السلطان لا يكتب شيئاً في الغالب بل يكل كل أمر إلى صاحب وظيفته من هؤلاء فيفصله‏.‏

وكتابهم بالخط العربي على طريقة المغاربة‏.‏

الجملة السادسة في عساكر سلطان هذه المملكة وأرزاقهم أما مقدار العساكر فقد ذكر الشيخ سعيد الدكالي‏:‏ أن مقدار عسكره مائة ألـف نفـر منهـم وأما الأقطاعات لأمراء هذا السلطان وجنـده والأنعامـات عليهـم‏.‏

فقـد قـال الدكالـي‏:‏ إن مـن أكابرهـم مـن يبلـغ جملـة مالـه علـى الملـك في كل سنة خمسين ألف مثقال من الذهب وأنه يتفقدهم مع ذلك بالخيل والقماش وإن همته كلها في تحميل زيهم وتمصير مدنهم‏.‏

الجملة السابعة في زي أهل هذه المملكة قـال الدكالـي لباسهـم عمائـم بحنـك مثـل الغرب وقماشهم بياضٌ من ثياب قطن تنسج عندهم في نهاية الرقة واللطف تسمى الكمصيا ولبسهم شبيه بلبس المغربة جبـابٌ ودراريـع بـلا تفريـج والأبطـال مـن فرسانهم تلبس أساور من ذهب فمن زادت فروسيته لبس معها أطواقاً من ذهب فإن زادت لبس مع ذلك خلاخل من ذهب وكلما زادت فروسية البطل ألبسه الملك سراويل متسعة وسراويلاتهم ضيقة أكمام الساقين متسعة الشرج وأهل هذه المملكة يركبون بالسـروج وهـم في غالب أحوالهم في الركوب كأنهم من العرب إلا أن هؤلاء يبدأون في الركوب بأرجلهم اليمنى بخلاف غيرهم من سائر الناس جميعاً ولا يعرف عندهم ركوب جمل بكور‏.‏

الجملة الثامنة أما جلوس السلطان في قصره فإنه يجلس على مصطبة كبيـرة علـى دكـة كبيـرة مـن آبنـوس كالتخـت علـى قدر المجلس العظيم المتسع عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها الناب إلى الناب وعنـده سلـاحٌ لـه مـن ذهـب كلـه‏:‏ سيـفٌ ومـزراق وقـوس وتركـاش ونشاب وعليه سراويل كبير مفصل من نحو عشرين نصفية لا يلبس مثله أحدٌ منهم بل هو مـن خصوصيتـه ويقـف خلفـه نحو ثلاثين مملوكاً من الترك وغيرهم ممن تبتاع له من مصر بيد واحد منهم جتر من حرير عليه قبة وطائرٌ من ذهب صفة بازي يحمل على يساره وأمراؤه جلوس حوله يميناً وشمالأ ثم دونهـم أعيـانٌ مـن فرسـان عسركـه جلـوس وبيـن يديـه شخـص يغنـي له وهو سيافه وآخر سفيرٌ بينه وبين الناس يسمى الشاعر وتهى إليه الشكاوي والمظالم فيفصلها بنفسه ولا يكتب شيئاً في الغالب بل يأمر بالقول بلسانه وحجوله أناسٌ بأيديهـم طبـول يدقـون بهـا وأنـاس يرقصـون وهـو يضحك منهم وخلفه صنجقان منشوران وأمامه فرسان مشدودان محصلان بركوبه متى أحب ومن عطس في مجلسه ضرب ضرباً مؤلماً لا يسامح أحدٌ في مثل ذلك فإن بغت أحداً منهم العطاس انبطح في الأرض وعطس حتى لا يعلم به‏.‏

أما الملـك فإنـه إذا عطـس ضـرب الحاضـرون بأيديهـم علـى صدورهـم‏.‏

ولا يدخـل أحـد دار السلطان منتعلاً كائناً من كان ومن لم يخلع نعليه قتل بلا عفو‏:‏ عامداً كان أو ساهياً وإذا قدم عليه أحدٌ من أمرائه أو غيرهم وقف أمامه زماناً ثم يومي القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك ببلاد توران وإيران من بلاد المشرق‏.‏

وصفة ذلك أنه يكشف مقدم رأسه ويرفع الذي يضرب الجوك يده اليمنى إلى قريب أذنه ثم يضعها وهي قائمة منتصبةٌ ويلقيها بيده اليسرى مبسوطة فوق فخذه واليد اليسرى مبسوطة الكف لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط تمكاس شحمة الأذن‏.‏

قال ابـن أميـر حاجـب‏:‏‏:‏ وقـد رأيـت هـذا عنـد خدمتهـم للسلطـان موسـى لمـا قـدم الديـار امصريـة‏.‏

فـإذا أنعـم على أحدٍ بإنعام أو وعده وعداً جميلاً أو شكره على فعل تمرغ المنعم عليه بيـن يديـه مـن أول المكـان إلـى آخره فإذا وصل إلى آخر المكان أخذ غلمان المنعم عليه أو من هو من أصحابه من رمادٍ يكون موضوعاً في آخر مجلس الملك معداً لهذا الشأن فيذر في رأس المنعم عليه ثم يعود وتمرغ إلى أن يصل بين يدي الملك ويضرب جوكاً آخر بيده ثم يقوم‏.‏

وأمـا فـي الركـوب فقـد جـرت عـادة سلطـان هذه المملكة أنه إذا قدم من سفر أن يحمل على رأسه الجتر راكبٌ وينشر على رأسه علم وتضرب أمامه الطبول والطنابير والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة‏.‏

قال ابن أمير حاجب‏:‏ وشعار هذا السلطان أعلامٌ وألويةٌ كبار جداً ورنكه أصفر في أرض حمراء‏.‏

وأما غير ذلك من سائر أموره فقد ذكر الشيخ سعيد الدكالي‏:‏ أن من عادة هذا السلطان أنه إذا عاد إليه أحدٌ ممن بعثه في شغل له أو أمر مهم أن يسأله عن كل ما حدث له من حين مفارقته له وإلى حين عوده مفصلاً‏.‏

قال ابن أمير حاجب‏:‏ وقد رأيـت السلطـان موسـى وهـو بمصـر لا يأكـل إلا منفـرداً وحـده لا يحضره عند الأكل أحد البتة‏.‏

المملكة السادسة من مماليك بلاد السودان مملكة الحبشة بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والشين المعجمة وهاء في الآخر‏.‏

وهي مملكة عظيمة جليلة المقدار متسعة الأجاء فسيحة الجوانب‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وأرضها صعبة المسالك‏:‏ لكثرة جبالها الشامخة وعظم أشجارها واشتبـاك بعضهـا ببعـض حتـى إن ملكهـا إذا أراد الخـروج إلى جهة من جهاتها تقدمه قوم مرصدون لإصلارح الطرق بالأتٍ لقطع الأشجار وإحراقها بالنار‏.‏

وقـال‏:‏ وهـم قـومٌ كثيرٌ عددهم ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الأنساني لأنهم أجبر بني حام وأخبـر بالتوغـل في القتال والأقتحام طول زمنهم في الأسفار وصيد الوحش وقتالهم إنما يكون عرياً من غير لأمة تدفع عنهم ولا عن خيلهم‏.‏

ثـم وصفهـم بعـد ذلـك بأوصـاف لـولا ماهـم عليـه من الشرك لكانوا في الرتبة العليا من مراتب بني آدم‏:‏ فذكر أن المشهور عنهم مع ما هم عليه من المجاعة أنهم يقبلون الحسب ويصفحون عن الجرائم ومن عادتهم أن من رمى سلاحه في القتال حرم قتالـه ويكرمـون الضيـف ولا ينقـض الصديـق منهـم عهـد صديقـه وإذا أحبـوا أزهـروا المحبـة وإذا أبغضوا أظهروا البغض والغالب عليهم الذكاء والفطنة وصدق الحدس ولهم علومٌ وصناعات خاصة بهم ولهم قلم يكتبون به مـن الميـن إلـى الشمـال كمـا هـي في العربي عدة حروف ستة عشر حرفاً لكل حرف منها سبعة فروع فيكون عدتها مائة واثنتين وثمانين حرفاً سوى حروفٍ أخر مستقلة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المذكورة مضبوطة بحركاتٍ نحوية متصلةٍ بالخط لا منفصلة عنه‏.‏

ومع كونهم جنساً واحداً فلغاتهم تزيد على خمسين لساناً ويميل الكثير من ألوانهم إلى الصفاء ولكل طائفة منهم وسم في وجوههم يعبر عنه بالتعليط بعضهم يسم في الخدين وسماً خفيفاً وأمحرا يسمون في الخدين والجبهة إلى الأنف خطوطاً طوالأ‏.‏

ويقال‏:‏ أن أول بلادهـم مـن الجهـة الغربيـة بلـاد التكـرور ممـا يلـي جهـة اليمـن وأولهـا مـن الجهـة الشرقيـة المائلـة إلـى بعـض الجهـات الشماليـة بحر الهند واليمن وفيها يمر النهر المسمى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر‏.‏

وقـد عـد منهـا أحـد عشر إقليماً من جهة الغرب بمفازة بمكان يسمى وادي بركة يتوصل منه إلى إقليم يسمى سحرت ويسمى قديماً تكراي وكان به في الزمن القديم مدينةٌ اسمها احسرم بلغة أخرة من لغاتهم وتسمى أيضاً زرفرتا‏.‏

بها كان كرسي ملك النجاشي وكان مستولياً على أقليم الحبشة‏.‏

ويليه من جهة الشرق إقليم أمحرا الذي به الآن مدينة المملكة ثم إقليم شاوة ثم إقليم داموت ثـم إقليـم لامنـان ثـم إقليـم السهيو ثم إقليم الزلح ثم إقليم عدل الأمراء ثم إقليم حماسا ثم إقليم باريا ثم إقليم الطراز الأسلامي‏.‏

قال‏:‏ وبها أقاليم كثيرة العدد مجهولة الأسماء غير مشهورة ولا معلومة‏.‏

ثم هي على قسمين‏:‏ القسم الأول بلاد النصرانية وهي القسم الأوفر عدداً الأوسع مجالأ وهو الذي يملكه ملك أمحرا بفتح الألف وسكون الميم وفتح الحاء والراء المهملتين وألف في الآخر‏.‏

وهم جنس من الحبشة‏.‏

ويشتمل على ست جمل‏:‏ الجملة الأولى في ذكر قواعدها وقاعدتها مدينة مرعدي بفتح الميم وكسر الراء وسكون العين وكسر الدال المهملتين وياء مثناة تحـت فـي الآخـر‏.‏

وهي مدينةٌ بإقليم أمحرا المقدم ذكره فيما ذكره في مسالك الأبصار إلا أنه لم يذكر صفتها والذي ذكره في تقويم اليلدان‏:‏ أن قاعدة الحبشة مدينة جرمي بالجيم المفتوحة والراء المهملة الساكنة ثم ميم مكسورة ثم ياء مثناة تحتية في الآخر كما ضبطه ابن سعيد‏.‏

وموقعها في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة‏.‏

قال في الأطوال‏:‏ حيث الطول خمسٌ وخمسون درجة والعرض تسع درج وثلاثون دقيقة‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ وهي مدينـة ذكرهـا أكثـر المصنفين في كتب المسالك والممالك والأطوال والعروض وأنها كرسي مملكة الحبشة وقاعدتهم ولم يزد على ذلك فيحتمل أنها قاعدة قديمة ويحتمل أنها القاعدة المستقرة‏.‏

الجملة الثانية في الموجود بها قد ذكر في مسالك الأبصار‏:‏ أن بها من المواشي ذوات الأربع‏:‏ الخيل والبغال والبقر والغنـم وما في معناها وأغنامهم تشبه أغنام عيذاب واليمن‏.‏

ومن الوحـوش الأسـد والنمـر والفهـد والفيل والزرافة والغزال وبقر الوحش وحمار الوحش والقردة وغيرهما من الوحوش‏.‏

وبهـا مـن الطيـور الجويـة‏:‏ الصقـورة والبـزاة بكثـرة والنسـور البيض والسود والغراب والحجل وطير الواجب بجملته والحمام والعصفور وغير ذلك مما لم يوجد بالديار المصرية‏.‏

ومن الطيور البرية دجاج الحبش وأمثالها‏.‏

ومن الطيور المائية البط وعندهم بنهرهم سمك يشبه البوري وسمـك يشبـه الثعبـان يطـول إلـى مقـدار ذارعيـن ونصـف ويغلـط إلـى مقـدار كبـار الخشب وبنهرهم أيضاً التمساح وفرس البحر وغير ذلك‏.‏

وبها من الحبوب‏:‏ الحنطة والشعير والحمص والعدس والبسلا والذرة وبعض الباقلاء وحبوب أخرى غير ذلك منها حب يسمى قنابهول يستعملونه قوتاً كالحنطة‏.‏

والحنطة عندهم على مثال الحنطة الشامية والشعير حبة عندهم أكبر من حب الشعير المصرية والشامية ومنه ضـربٌ يسمـى طمجـة‏.‏

ولـون الحمـص عندهـم إلـى الحمـرة‏.‏

والباسـلاً عندهـم عزيـز الوجـود في أكثر البلاد ولكنهم لايفتقرون إليه للعلف لكثرة المراعي ببلادهم‏.‏

وعندهم حب يسمى طافي على قدر الخردل ولونه إلى الحمرة ومكسره إلى السواد يتخذون منها الخبز‏.‏

وعندهم ببعض الأقاليم حب شبيه بالحنطة إلا أن له قشرين ينزع قشره بالهرس كالأرز ويتخذون منه طعاماً يكون مغنياً عن الحنطة‏.‏

وعندهم بزر الكتان وحب الرشاد وهم يزرعون على المطر في كل سنةٍ مرتين‏:‏ مرة في الصيف ومرة في لشتاء تتحصل في كل مرة الغلات‏.‏

ونقل البطرك بنيامين أنه يقع عندهم المطر الكثير وتحصل من المطر الصواعق العظيمة‏.‏

وعندهم مـن البقـول‏:‏ الثـوم والبصـل والكزبـرة الخضـراء ومـن الرياحيـن الريحـان والقرنفـل ونبـات أبيض يسمى بعتران وعندهم الياسمين البري ولكنه ليس بمشمومٍ لهم‏.‏

وعندهم من الفواكه العنب الأسود على قلة والتين الوزيري وأصناف الحوامض خلا النارنج‏.‏

وعندهـم شجـر يسمـى جـان بجيـم بين الجيم والشين لا ثمر له وإنما له قلوب تشبه قلوب النارنج تؤكل فتزيد في الذكاء والفهم وتفرح إلا أنها تقلل الأكل والنـوم والجمـاع‏.‏

وعنايتهـم بـه عنايـة أهل الهند بالتنبل وإن كان بينهما مباينةٌ‏.‏

وأي نفعٍ فيما فائدته تقليل النوم والأكل والجماع التي هي لذات الدنيا حتى يحكى أنه وصف لبعض ملوكم اليمن - فقال‏:‏ أنا لا يذهب متحصل ملكي إلا على هذه الثلاث فكيف أسعى في ذهابها بأكل هذا ومن أشجارهم الزيتون والصنوبر والجميز وفي بعض بلادهم الأبنوس وفي بعضها المقل وفي بعضها القنا المجوف والمسدود‏.‏

ومأكلهم شحوم البقر والمعز وبعض شحوم البقر والمعز وبعض شحوم الضأن ومشروبهم اللبن البقري وفي ضعفهم يتداوون باللبن المداف بالماء وسمن البقر‏.‏

وعندهـم عسـل النحـل بكثـرة فـي جميـع الأقاليـم تختلـف ألوانـه باختلاف المراعي‏:‏ منه ما يوجد في الجبـال فيؤخـذ مـن غير حجر على أخذه‏.‏

ومنه ماله خلايا من خشب منقورةٌ له ملاك يختصون بـه ووقـود مصابيحهـم شحوم البقر‏.‏

أما الزيت الطيب فيجلب إليهم‏.‏

وادهانهم بالسمن‏.‏

وأواني وحكى البطرك بنيامين أن عندهم من المعادن معدن الذهب ومعدن الحديد‏.‏

وحكي عن الشريف عز الدين التاجر‏:‏ أن في بعض بلادهم يوجد معدن الفضة‏.‏

ومصاغهم الذهب والفضة والنحاس والرصاص كل أحد منهم بحسبه‏.‏

الجملة الثالثة في ذكر معاملاتهم وأسعار بلادهم أما معاملاتهم فقد ذكر في مسالك الأبصار أن معاملتهم مقايضةٌ بالأبقـار والأغنـام والحبـوب وغيـر ذلـك‏.‏

وأمـا الأسعار فالقمح والشعير اللذان هما أصل المطعومات ليس لهما عندهم قيمة تذكر لاستغنتئهم عن ذلك باللحم واللبن‏.‏

وسيأتي ذكر معاملة الظراز الأسلامي فيما بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

الجملة الرابعة في ذكر زيهم وسلاحهم أما زيهم فقد ذكر في المسالك أن لباسهم في الشتاء والصيف واحدٌ‏:‏ لكل واحدٍ منهم ثوبان غير مخيطين‏:‏ أحدهما يشد به وسطه والأخر يلتحف به ولا يعرفون لبس المخيط جملةً إلا أن الخـواص والأجنـاد يفضلون في اللبس فيلبسون الحرير والأبراد اليمنية والعوام يلبسون ثياب القطن وأما سلاح المقاتلة منم فالسيوف والحراب والمزاريق والقسي يرمون عنها بالنبل وهو نشابٌ صغير وربما رمى بعضهم بالنبل عن قوسٍ طويل يشبه قوس البندق ولهم درقٌ مدورة ودراق طوال يتقون بها‏.‏

الجملة الخامسة في ذكر بطاركة الإسكندرية الذين عن توليتهم تنشأ ولاية ملوك الحبشة اعلـم أنـه قـد تقـدم فـي المقالـة الأولـى فـي الكلـام على ما يحتاج إليه الكاتب عند ذكر النحل والملل أن البطاركة عند النصارى عبارة عن خلفاء الحواريين الذين هم أصحاب المسيح عليه السلام وأنـه كان لهم في القديم أربعة كراسي‏:‏ كرسي برومية‏:‏ قاعدة الروم وكرسي بالأسكندرية من الديار المصرية وكرسي بأنطاكية‏:‏ قاعدة العواصم في بلاد الشام وكرسي ببيت المقدس‏.‏

وأن كرسي رومية قد صار لطائفة الملكانية وبه بطركهم المعبر عنـه بالبابـا إلـى الـآن‏.‏

وكرسـي الإسكندرية قد صار آخراً لبطرك اليعاقبة تحت ذمة المسلمين بالديار المصرية من لدن الفتح الأسلامـي وهلـم جـراً إلى زماننا‏.‏

وأن كرسي بيت المقدس وكرسي أنطاكية قد بطلا باستيلاء دين الأسلام عليهما‏.‏

ثم كرسي الإسكندرية بعد مصيره إلى اليعاقبة قد تبع البطرك القائم به على مذهب اليعاقبة الحبشة والنوبة وسائر متنصرة السودان وصار لديهم كالخليفة على دين النصرانيـة عندهـم يتصـرف فيهـم بالولايـة والعزل لا تصح ولاية ملكٍ منهم إلا بتوليته حتى قال في التعريـف فـي الكلـام علـى مكاتبـة ملـك الحبشـة‏:‏ ولولا أن معتقد دين النصرانية لطائفة اليعاقبة أنه لا يصح تعمد معمودي إلا بإتصال من البطريرك وأن كرسي البطريرك كنيسة الإسكندرية فيحتاج إلـى أخـذ مطـران بعـد مطـران مـن عنـده والأ كـان شمخ بأنفه على المكاتبة لكنه مضطرٌ إلى ذلك‏.‏

قال‏:‏ ولأوامر البطريرك عنده ما لشريعته من الحرمة وإذا كتب إليه كتاباً فأتى ذلك الكتاب إلى أول مملكته خرج عميد تلك الأرض فحمل الكتاب على رأس علم ولا يزال يحمله بيده حتى يخرجه من أرضه وأرباب الدولة في تلك الأرض كالقسوس والشمامسة حوله مشاةٌ بالأدخنة فـإذا خرجوا من حد أرضهم تلقاهم من يليهم أبداً كذلك في كل أرض بعد أرض حتى يصلوا إلى أمحرا فيخرج صاحبها بنفسه ويفعل مثل ذلك الفعل الأول إلا أن المطران هو الذي يحمل الكتـاب لعظمتـه لا لتأبـي الملـك ثـم لا يتصـرف الملـك فـي أمرٍ ولا نهيٍ ولا قليلٍ ولا كثير حتى ينادي للكتاب ويجمع له يوم الأحد في الكنيسة ويقرأ والملك واقفٌ ثم لايجلس مجلسه حتى ينفذ ما أمره به‏.‏

ولمـا تعـذر الوقـوف علـى معرفـة تواريـخ ملوكهـم اكتفينـا بذكر البطاركة الذين عنهم تنشأ اعلم أن أول من ولي من البطاركة كنيسة الإسكندرية مرقص الأنجيلي‏:‏ تلميذ بطرس الحواري الـذي أرسلـه المسيـح عليـه السلـام إلـى روميـة‏.‏

وإنمـا سمـي بمرقـص الأنجيلـي لـأن بطـرس الحـواري حيـن كتـب إنجيلـه كتـب بالرومية ونسبه إلى مرقص المذكور فتلقب بالأنجيلي وأقام مرقص المذكور في بطركية الأكندرية سبع سنين يدعوا إلى النصرانية بالأسكندرية ومصر وبرقة والمغرب ثم قتله نيرون قيصر بن اقليوديش قيصر سادس القياصرة‏.‏

وولي مكانه حنانيا ويسمى بالعبرانية أنانيو ثم مات لسبع وثمانين سنة للمسيح‏.‏

وولي مكانه فلبو فأقام ثلاث عشرة سنة ثم مات‏.‏

فولي مكانه كرتيانو ومات لإحدى عشرة سنة من ولايته في أيام طرنبش قيصر‏.‏

وولي مكانه إيريمو ثنتي عشرة سنة‏.‏

ثـم ولـي بعـده نسطس في أيام أندريانوس قيصر وكان حكيماً فاضلاً فأقام في البطركية إحدى عشرة سنةً ثم مات‏.‏

وولي مكانه أرمانيون إحدى عشرة سنةً أيضاً ومات في أيام أندريانوس قيصر أيضاً‏.‏

وولي بعده موقيانو فلبث تسع سنين ومات في أيام أنطونيس قيصر في الخامسة من ملكه‏.‏

وولي بعده كلوتيانو فأقام أربع عشرة سنةً في أيام أنطونيس قيصر ومات‏.‏

وولي بعده يليانس في أيام أوراليانس قيصر فلبث عشر سنين ومات‏.‏

فولي مكانه في أيام أوراليانس ديمتريوس فأقام ثلاثاً وثلاثين سنةً‏.‏

وولي بعده تاوكلا فأقام ست عشرة سنةً ومات‏.‏

فولي بعده دونوشيوش فلبث تسع عشرة سنةً ومات‏.‏

وولي مكانه مكسيموس فأقام ثنتي عشرة سنةً ومات‏.‏

وولـي مكانـه ثاونـا فلبث عشر سنين ومات وكان النصارى إذ ذاك يقيمون الدين خفيةً فلما صار بطركاً صانع الروم ولاطفهم بالهدايا فأذنوا له في بناء كنيسة مريم وأعلنوا فيها الصلاة‏.‏

ثم ولي بعده بطرس فلبث عشر سنين وقتله ديقلاديانوس قيصر‏.‏

وولي مكانه تلميذه اسكندروس وكان كبير تلامذته فلبث ثلاثاً وعشرين سنةً‏.‏

وقيل ثنتين وعشرين سنة وقيل ست عشـرة سنـة وكسـر صنـم النحـاس الـذي كـان فـي هيكـل زحـل بالأسكندرية وبنى مكانه كنيسةً وبقيـت حتـى هدمهـا العبيديـون عنـد ملكهـم الإسكندريـة ومات لإحدى وعشرين سنة من ملك قسطنطين ملك الروم‏.‏

وولي مكانه تلميذه ايناسيوس ووثب عليه أهل إسكندرية ليقتلوه لانتحاله مذهباً غير مذهبهم فهرب‏.‏

وتولـى مكانـه لوقيـوش ثـم رد ايناسيوس المتقدم ذكره إلى كرسيه بعد خمسة أشهر وطرد لوقيوس وأقام ايناسيوس بطركاً إلى أن مات‏.‏

فتولـى بعـده تلميـذه بطرس سنتين ووثب عليه أصحاب لوقيوس فهرب ورد لوقيوس إلى كرسيه فأقـام ثلـاث سنين ثم وثبوا عليه وردوا بطرس ومات لسنة من إعادته وقيل حبس وأقيم مكانه أريوس من أهل سميساط‏.‏

ثـم ولـي طيمانـاواس أخـو بطرس فلبث فيهم سبع سنين ومات‏.‏

ويقال إن ايناسيوس المتقدم ذكره رده إلى كرسسيه ثم مات‏.‏

فولي مكانه كاتبه تاوفينا فأقام سبعاً وعشرين سنة ومات‏.‏

وتولى مكانه كيرلس ابن أخته فأقام اثنتين وثلاثين سنة ومات‏.‏

فولي مكانه ديسقرس فأحدث بدعةً في الأمانة التي يعتقدونها فأجمعوا على نفيه‏.‏

وولوا مكانه برطارس وافترقت النصارى من حينئذ إلى يعقوبية وملكانية‏.‏

ووثب أهل الإسكندرية على برطارس البطرك فقتلوه لست سنين من ولايته وأقاموا مكانه طيماناوس وكان يعقوبياً وهو أول من ولي البطركية من اليعاقبة بالأسكندرية فأقام فيها ثلاث سنين ثم جاء قائد من القسطنطينية فنفاه وأقام مكانه سوريس من الملكية‏.‏

فأقام تسع سنين‏.‏

ثـم عـاد طيمانـاوس المتقـدم ذكـره إلـى كرسيه بأمر لاون قيصر‏.‏

ويقال أنه بقي في البطركية اثنتين وعشرين سنةً ومات‏.‏

فولي مكانه بطرس وهلك بعد ثمان سنين‏.‏

وولي مكانه اثناسيوس وهلك لسبع سنين وكان قيماً ببعض البيع في بطركية بطرس ومات‏.‏

فولي مكانه يوحنا وكان يعقوبياً ومات بعد سبع سنين‏.‏

وولي مكانه يوحنا الحبيس ومات بعد إحدى عشرة سنةً‏.‏

فولي مكانه ديسقرس الجديد ومات بعد سنتين ونصف‏.‏

ثم ولي مكانه طيماناوس وكان يعقوبياً فمكث فيهم ثلاث سنين وقيل سبع عشرة سنة ثم نفي‏.‏

وولي مكانه بولص وكان ملكياً فلم تقبله اليعاقبة وأقام على ذلك سنيتن‏.‏

ثـم ولـى قيصر قائداً من قواده اسمه أثوليناريوس فدخل الكنيسة على زي الجند‏.‏

ثم لبس زي البطاركة وحملهم على رأي اليعقوبية وقتل من امنتع وكانوا مائتين ومات لسبع عشرة سنة من ولايته‏.‏

وولي مكانه يوحنا وهلك لثلاث بسنين‏.‏

وانفرد اليعاقبة بالأسندرسة وكان أكثرهم القبط وقدموا عليهم طودوشيـوش بطركـاً فمكـث فيهم ثنتين وثلاثين سنةٌ‏.‏

ثم جعل الملكية بطركهم داقيانوس وطردوا طودوشيوش عن كرسيه ستة أشهر ثم أمر قيصر بأن يعاد فأعيد ثم نفاه بعد ذلك‏.‏

وولى مكانه بولس التنيسي فلم يقبله أهل الإسكندرية ولا ما جاء به ثم مات وغلقت كنائس القبط اليعقوبية ولقوا شدة من الملكية ومات طودوشيوش الذي كان قد نفي‏.‏

وتولى البطركية بطرس ومات بعد سنتين‏.‏

وولي مكانه داميانو فمكث ستاً وثلاثين سنةٌ وخربت الديرة في أيامه‏.‏

ثم ولي على الملكية بالأسكدنرية ومصر يوحنا الرحوم وهو الذي عمل البيمارستان للمرضى بالأسكندريـة ولمـا سمـع بميسـر الفـرس إلـى مصـر هـرب إلـى قبـرس فملت بها لعشر سنين من ولايته وخلا كرسي الملكية بعده بالأسكدنرية سبع سنين‏.‏

وكان اليعاقبة بالأسكدنرية قدموا عليهم انسطانيوس فمكث فيهم ثنتي عشرة سنة واسترد ما كانت الملكية استولوا عليه من كنائس اليعقوبية ومات‏.‏

ثم ولي اندرانيكون بطركاً على اليعاقبة فأقام ست سنين خربت فيها الديرة ثم مات‏.‏

وولـي مكانـه لـأول الهجـرة بنياميـن فمكث تسعاً وثلاثين سنةً‏.‏

وفي خلال أيامه غلب هرقل ملك الروم على مصر وملكها‏.‏

وولي أخاه منانيا بطركاً على الإسكندرية ووالياً وكان ملكياً‏.‏

ورأى بنيامين البطرك في نومه من يأمره بالأختفاء فاختفى ثم غضب هرقل على أخيه منانيا لمعتقد في الديـن فأحرقـه بالنـار ثـم رمـى بجثتـه فـي البحـر وبقـي بنياميـن مختفيـاً إلـى أن فتـح المسلمـون الإسكندريـة فكتـب لـه عمـرو بـن العاص بالأمان فرجع إلى الأسكدنرية بعد أن غاب عن كرسيه ثلـاث عشـرة سنـة وبقـي حتـى مـات فـي سنـة تسـع وثلاثيـن مـن الهجـرة واستمـرت البطركيـة بعده في اليعقوبية بمفردهم وغلبوا على مصر وأقاموا بجميع كراسيهم أساقفةً يعاقبةً وأرسلوا أساقفتهم إلى النوبة والحبشة فصاروا يعاقبةً‏.‏

وخلفـه في مكانه أغاثوا فمكث سبع عشرة سنة ثم مات في سنة ست وخمسين من الهجرة وهـو الـذي فـي أيامـه قـد انتزعـت كنائـس الملكية من اليعاقبة وولي عليهم بطرك بعد أن أقاموا من لدن خلافة عمر بغير بطرك نحواً من مائة سنة ورياسة البطرك لليعاقبة وهم الذين يبعثون الأساقفة إلى النواحي‏.‏

ومن هنا صارت النوبة ومن وراءهم من الحبشة يعاقبةً وهو الذي بنى كنيسة مرقص وبقيت وولى مكانه بطرك اسمه يوحنا‏.‏

ثم ولي البطركية بعده إيساك فأقام سنيتن وأحد عشر شهراً ومات‏.‏

وكانت تقدمته في الثامنة عشرة ليوشيطان ملك الروم وتقرر أن لا يقدم بطرك إلا يوم الأحد‏.‏

وقـدم عوضـه سيمـون السريانـي فـأٌام سبع سنين ونصفاً ومات في الرابع والعشرين من أبيب سنة أربعمائة وست عشرة للشهداء في خلافة عبد الملك بن مروان‏.‏

ويقال‏:‏ إنه وصل إليه رسولٌ من الهند يطلب منه أن يقدم لهم أسقفاً وقسوساً فامتنع إلى أن يأمره صاحب مصر فمضى إلى غيره ففعل له ذلك‏.‏

وقـد بعـده في البطركية الأسكندروس في سنة إحدى وثمانين من الهجرة في يوم عيد مرقص الأنجيلي سنة أربعمائة وعشريـن للشهـداء فمكـث أربعـاً وعشريـن سنـة ونصفـاً وقيـل خمسـاً وعشرين سنةً وقاسى شدةً عظيمة وصودر دفعتين وأخذ منه في كل دفعى ثلاثة الأف دينار ومات في سنة ثمان ومائة وكانت وفاته بالأسكدنرية‏.‏

وقدم عوضه قسيماً فأقام خمسة عشرة شهراً ومات‏.‏

فقدم مكانه تادرس في سنة تسع ومائة فأقام إحدى عشرة سنةً ومات‏.‏

فقدم مكانه ميخائيل في سنة عشرين ومائة فأقام ثلاثاً وعشرين سنة ولقي شدائد من عبد الملـك بـن موسـى نائـب مـروان الجعـدي علـى مصـر ثـم مـن مـروان لمـا دخـل مصر إلى أن قتل في أبي صير وأطلق البطرك والنصارى نائب أبي العباس السفاح‏.‏

وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة رسم بإعادة ما استولى اليعاقبة من كنائس الملكية بالديار المصرية إليهم فأعيدت وأقيم لهم بطركٌ وكانت الملكية قد أقاموا بغير بطرك سبعاً وتسعين سنـة مـن خلافـة عمـر بـن الخطـاب رضـي اللـه عنـه حيـن الفتـح الأسلامـي إلـى خلافـة هشـام بـن عبد الملك‏.‏

وفي سنة سبع وأربعين ومائة صرف أبو جعفر المنصور ميخائيل بطرك اليعاقبة وأقام عوضه مينا فأقام تسع سنين ومات في خلافة الهادي محمد بن المهدي‏.‏

وقدم مكانه يوحنا فأقام ثلاثاً وعشرين سنة ومات سادس عشر طوبة سنة خمسمائة وخمس عشرة للشهداء‏.‏

ثم في سنة اثنتيـن وسبعيـن ومائـة فـي خلافـة الرشيـد قـدم فـي البطركيـة مرقـص الجديـد فأقـام عشريـن سنة وسبعين يوماً‏.‏

وفي أيامه رسم الرشيد بإعادة كنائس الملكية التي استولى عليها اليعاقبة ثانياً إليهم وثارت العربـان والمغاربـة وخربـوا الديـرة بـوادي هبيـب ولـم يبـق فيهـا مـن الرهبـان إلا اليسيـر ثـم مـات فـي سنة وقدم عوضه في البطركية يعقوب قيل في السنة الثالثة من خلافة المأنون‏.‏

وفي أيامه عمرت الديارات وعادت الرهبان إليها ومات في سنة اثنتين وعشرين ومائتين‏.‏

وقدم عوضه سيماون في السنة المذكورة في خلافة المعتصم فأقام سنة واحد‏.‏

وقبل سبعة شهور وستة عشر يوماً‏.‏

وخلا الكرسي بعده بسنة واحدةً وتسعة وعشرين يوماً‏.‏

وفـي سنـة سبـع وعشريـن ومائتنـي قـدم فـي البطركية بطرس ويقال يوساب وكانت تقدمته في دير بومقار بوادي هبيب حادي عشري هاتور سنة خمسمائة وسبعة وأربعين للشهداء‏.‏

وقيل إنه قدم في أيام المأمون وإنه أقام ثماني عشرة سنة وسير أساقفة إلىأفريقية والقيروان ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين وخلا الكرسي بعده ثلاثين يوماً‏.‏

وقد عوضه جاتيل في السنة العاشرة من خلافة المتوكل‏.‏

ويقال‏:‏ إنه كان قساً بديـر بوحنـس فأقـام سنـة واحـدةً وخمسـة أشهـر ثـم مـات ودفـن بديـر بومقار وهو أول من دفن فيه من البطاركة‏.‏

وخلا الكرسي بعده أحداً وثمانين يوماً‏.‏

وقدم عوضه قسيماً في سنة أربع وأربعين ومائتين من الهجرة وهي الثانية عشرة من خلافة المتوكل وكان شماساً بدير بومقار فأقام سبع سنين وخمسة شهور ثم مـات ودفـن بدنوشـر وخلا الكرسي بعده أحداً وخمسين يوماً‏.‏

وقـدم مكانـه بطـرك اسمـه اساسـو ويقـال سالوسو في أول سنة من خلافة المعتز وأحمد بن طولون بمصر فأقام إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ومات وهو الذي عمل مجاري المياه التي تجري تحت الأرض من خليج الإسكندرية إلى آدرها‏.‏

ولما مات قدم مكانه ميخائيل في خلافة المعتمد في سنة ثلاث وستين ومائتين فأقام خمساً وعشرين سنةً‏.‏

وصادره أحمد بن طولون في عشرين ألف دينار فباع في المصادرة رباع الكنائس بالأسكندرية وبركة الحبش بظاهر مصر ومات‏.‏

فبقـي الكرسـي بعـده أربـع عشـرة سنـة شاغـراً إلـى سنـة ثلثمائـة‏.‏

وفـي يـوم الأثنيـن ثالـث شوال سنة ثلثمائة احترقت الكنيسة العظمى بالأسكندرية التي كانت بنتها كلابطره ملكة مصر هيكلاً لزحل‏.‏

ثم قدم البطرك غبريال في السنة السابعة من خلافة المقتدر وهي سنة إحدى وثلثمائة فأقام إحدى عشرة سنة ومات‏.‏

فقـدم مكانـه البطـرك قسيمـاً فأقـام اثنتـي عشـرة سنـة ومـات‏.‏

وفي السنة الأخيرة من رياسته وهي سنة ثلاث عشرة وثلثمائة أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق ونهبوا ما فيها وتتبعوا كنائس ولما مات قسيماً المذكور قدمو عليهم بطركاً عليهم لم أقف على اسمه فأقام عشرين سنة ثم مات‏.‏

‏.‏

وقـدم فـي البطركيـة تاوفانيـوس مـن أهـل اسكدنريـة فـي السنـة الحادية عشرة من خلافة المطيع فأقام أربع سنين وستة أشهر ومات مقتولاً في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة‏.‏

وقدم مكانه البطرك مينا في السنة الخامسة عشرة من خلافة المطيع والأخشيد نائب مصر فأقام إحدى عشرة سنة ثم مات‏.‏

وخلا كرسي اليعاقبة بعد موته سنةً واحدة‏.‏

ثم قدم مكانه بطرك اسمه أفراهام السرياني في سنة ست وستين وثلثمائة فأقام ثلاث سنين وستـة أشهـر ومـات فـي أيـام المعـز الفاطمـي بمصر مسموماً من بعض كتاب النصارى‏:‏ لإنكاره عليه التسري وقطعت يد ذلك الكاتب بعد موته ومات لوقته‏.‏

وخلا الكرسي بعده ستة أشهر‏.‏

وقدم عوضه بطرك اسمـه فيلايـاوس فـي سنـة تسـع وستيـن وثلثمائـة‏.‏

وقيـل فـي السنـة الخامسـة للعزيـز الفاطمي فأقام أربعاً وعشرين سنةً وسبعة أشهر ومات‏.‏

وقـدم بعـده بطـركٌ اسمـه دخرديـس في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة في أيام الحاكم الفاطمي فأقام ثماناً وعشرين سنة ثم مات ودفن ببركة الحبش‏.‏

وخـلا كرسـي اليعاقبـة بعـده أربعـة وسبعيـن يومـاً‏.‏

ثم قدم اليعاقبة بعده سابونين بطركاً في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فأقام خمس عشرة سنة ومات فخلا الكرسي بعده سنة وخمسة أشهر‏.‏

ثـم قـدم بعـده بطرك اسمه اخرسطوديس في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة في خلافة المستنصر الفاطمي فأقام ثلاثين سنة ومات في السنة الحادية والأربعين من خلافة المستنصر المذكور بالكنيسة المعلقة بمصر‏.‏

وهو الذي جعل كنيسة بومرقورة بمصر وكنيسة السيدة بحارة الروم بطركية‏.‏

وخلا الكرسي بعده اثنين وسبعين يوماً‏.‏

ثـم قـدم بعـده البطـرك كيرلص فأقام أربع عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصفاً ومات بكنيسة المختارة بجزيرة مصر سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وأربعمائة‏.‏

وخلا الكرسي بعده مائة وأربعة وعشرين يوماً‏.‏

وقـدم عوضـه بطـرك اسمـه ميخائيل في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة في أيام المسنتصر الفاطمي صاحـب مصـر وكـان قبل ذلك حبيساً بسنجار فأقم تسع سنين وثمانية أشهر ومات في المعلقة بمصر‏.‏

وقدمـوا عوضـه بطركـاً اسمـه مقـاري سنـة اثنتيـن وتسعيـن وأربعمائـة بديـر بومقـار ثـم كمل بالأسكندريـة وعـاد إلـى مصـر وقـدس بديـر بومقـار ثـم فـي الكنيسـة المعلقـة وفي أيامه هدم الأفضل بن أمير الجيوش كنيسةً بجزيرة مصر كانت في بستان اشتراه‏.‏

ولما مات قدم عوضه بطرك اسمه غبريال أبو العلا صاعد سنة خمس وعشرين وخمسمائة في أيام الحافظ الفاطمي وكان قبل ذلك شماساً بكنيسة بومرقورة فقدم بالمعلقة وكمل بالأسكدنريـة فأقـام أربـع عشـرة سنـة ومـات بكنيسـة بومرقـورة وخـلا الكرسـي بعـده ثلاثة أشهر‏.‏

وقـدم بعـده بطـرك اسمـه ميخائيـل بـن التقدوسـي فـي السنـة الخامسـة عشرة من خلافة الحافظ أيضاً وكان قبل ذلك راهباً بقلاية دنشري قدم المعلقة وكمل بالأسكندرية ومات بدير بومقار في رابع شوال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة‏.‏

وخلا الكرسي بعده سنةً واحدة وسبعين يوماً‏.‏

وقدم عوضه بطرك اسمه يونس بن أبي الفتح بالمعلقة بمصر وكمل بالأسكندرية فأقام تسـع عشـرة سنـة ومـات فـي السابـع والعشريـن مـن جمادى الأخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وخلا الكرسي بعده ثلاثة وأربعين يوماً‏.‏

وقـدم بعـده بطـرك اسمـه مرقـص أبـو الفـرج بـن زرعـة فـي سنـة إحـدى وستيـن وخمسمائـة بمصر وكمل بالأسكدنرية فأقام اثنتين وعشرين سنة وستة أشهر وخمسة وعشرين يوماً وفي أيامه أحرقت وقـدم بعـده بطرك اسمه يونس بن أبي غالب في عاشر ذي الحجة سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمصر وكمل بالأسكندرية وأقام ستاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً ومات في رابع عشر رمضان المعظم قدره سنة اثنتي عشرة وستمائة بالمعلقة بمصر ودفن ببركة الحبش‏.‏

وقدم بعده بطرك اسمه داود بن يوحنا ويعرف بابن لقلق بأمر العادل بن الكامل فلم يوافق عليه المصريون فأبطلت بطركيته وبقي الكرسي بغير بطرك تسع عشرة سنة‏.‏

ثم قدم بطرك اسمه كيرلس داود بن لقلق في التاسع والعشرين من رمضان المعظم سنة ثلاثٍ وثلاثيـن وستمائـة فأقـام سبـع سنيـن وتسعـة أشهـر وعشرة أيام ومات في السابع عشر من رمضان المعظـم سنـة أربعيـن وستمائـة ودفـن بديـر الشمع بالجيزة‏.‏

وخلا الكرسي بعده سبع سنين وستة أشهر وستةً وعشرين يوماً‏.‏

وقـدم بعـد بطـرك اسمـه سيـوس بـن القـس أبـي المكـارم فـي رابـع رجـب سنة ثمان وأربعين وستمائة وكمل بالأسكندرية أقام إحدى عشرة سنة وخمسة وخمسين يوماً ومات في ثالث المحرم سنة ستين وستمائة‏.‏

وخلا الكرسي من بعده خمسةً وثلاثين يوماً‏.‏

ثـم قـدم بعـده فـي الدولـة الناصرية محمد بن قلاوون البطرك بنيامين وهو الذي كان معاصراً للمقر ثم قدم بعده المؤتمن جرجس بن القس مفضل في شهور سنة أربع وستين وسبعمائة‏.‏

ثم قدم بعد بطرك متى وطالت مدته في البطركية ثم مات في شهور سنة اثنتي عشرة وثمانمائة‏.‏

واستقر بعده الشيخ الأمجد رفائيل في أواخر السنة المذكورة وهو القائم بها إلى الآن‏.‏

أما ملوكهم القائمون ببلادهم فلم يتصل بنا تفاصيل أخبارهم غير أن المشهور أن ملكهم في الزمـن المتقـدم كان يلقب النجاشي سمة لكل من ملك عليهم إلى أن كان آخرهم النجاشي الذي كـان فـي زمـن النبـي صلى الله عليه وسلم وأسلم وكتب إليه بإسلامه ومات وصلى عليه صلاة الغائب ن وكان اسمه بالحبشية أصحمة ويقال صحمة ومعناه بالعربية عطية‏.‏

وقد ذكر المقر الشهابي بن فضل الله في مسالك الأبصار‏:‏ أن الملك الأكبر الحاكم على جميع أقطارهم يسمى بلغتهم الحطي بفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة المكسورة وياء مثناة تحت في الآخر‏.‏

ومعناه السلطان اسماً موضوعاً لكل من قام عليهم ملكاً كبيراً‏.‏

ثم قال‏:‏ ويقال‏:‏ إن تحت يده تسعةً وتسعين ملكاً وهو لهم تمام المائة‏.‏

وذكر أن الملك القائم بمملكتهم في زمانه اسمه عمدسيون ومعناه ركن صهيون‏.‏

وقال صهيون بيعةٌ قديمةٌ البناء بالأسكندرية معظمة عندهم‏.‏

قال‏:‏ ويقال‏:‏ إنه من الشجاعة قـال فـي التعريـف‏:‏ وقـد بلغنـا أن الملـك القائـم عليهم أسلم سراً واستمر على إظهار دين النصراينة إبقـاء لملكـه‏.‏

فيحتمـل أنـه عمدسيـون المقـدم ذكـره ويحتمل أنه غيره قال في التعريف‏:‏ ومدبر دولته رجل يقرب إلى بني الأرشي الأطباء بدمشق‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ ومع ما هم عليه من سعة البلاد وكثرة الخلق والأجناد مفتقرون إلى العنايـة والملاحظـة مـن صاحب مصر لأن المطران الذي هو حاكم شريعتهم في جميع بلادهم من أهل النصراينة لا يقام إلا من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية بحيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر للبطرك المذكور وإرسال مطران إليهم‏.‏

وذلك بعد تقدم سؤال ملك الحبشة الذي هو الحطي وإرسال رسله وهداياه قال‏:‏ وهم يدعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر ويساعدون على إصلاح سلوكه تقرباً لصاحب مصر‏.‏

وقد ذكر ابن العميد مؤرخ النصارى في تاريخه‏:‏ أنه لما توقف النيل في زمن المستنصر بالله الفاطمـي كاتـن ذلـك بسبـب فساد مجاريه من بلادهم وأن المستنصر أرسل البطرك الذي كان في زمانـه إلى الحبشة حتى أصلحوه واستقامت مجاريه‏.‏

لكن قد تقدم في الكلام على النيل عند ذكر مملكة الديار المصرية من هذه المقالة ما يخالف ذلك‏.‏

الجملة السادسة قال في مسالك الأبصار‏:‏ يقال إن الحطي المذكور وجيشه لهم خيامٌ ينقلونها معهم في الأسفار والتنزهات وإنه إذا جلس الملك يجلس على كرسي ويجلس حول كرسيه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسي من حديد‏:‏ منها ما هو مطعم بالذهب ومنها ما هو ساذج على قدر مراتبهم‏.‏

قال‏:‏ ويقال أن الملك مع نفاذ أمره فيهم يتثبت في أحكامه‏.‏

ولم يزد في ترتيب مملكتهم على ذلك‏.‏

ولملك الحبشة هذا مكاتبةٌ عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية يأتي ذكرها في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى‏.‏

القسم الثاني من بلاد الحبشة ما بيد مسلمي الحبشة وهي البلاد المقابلة لبر اليمن على أعالي بحر القلزم وما يتصل به من بحر الهند ويعبر عنها بالطراز الأسلامي لأنها على جانب البحر كالطراز له‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وهي البلاد التـي يقـال لها بمصر والشام بلاد الزيلع‏.‏

قال‏:‏ والزيلع إنما هي قريةٌ من قراها وجزيرةٌ من جزائرها غلب عليها اسمها‏.‏

قال الشيخ عبد المؤمن الزيلعي الفقيه‏:‏ وطولها براً وبحراً خاصاً بها نحو شهرين وعرضها يمتد أكثر من ذلك لكن الغالب في عرضها أنه مقفر أما مقدار العمارة فهو ثلاثة وأربعون يوماً طولاً وأربعون يوماً عرضاً‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وبيوتهم من طين وأحجار وأخشاب مسقفة بجملونات وقباب وليست بذوات أسوار ولا لها فخامة بناء ومـع ذلك فلها الجوامع والمساجد وتقام بها الخطب والجمع والجماعات وعند أهلهـا محافظـةٌ علـى الدين إلا أنه لا تعـرف عندهـم مدرسـة ولا خانقـاه ولا ربـاط ولا زاويـةٌ‏.‏

وهـي بلـادٌ شديـدة الحـر وألـوان أهلهـا إلـى الصفـاء وليسـت شعورهـم فـي غايـة التفلفل كما هي أهل مالي وما يليها من جنوب المغرب وفطنهم أنبه من غيرهم من السـودان وفطرهـم أذكـى وفيهـم الزهـاد والأبـرار والفقهاء والعلماء ويتمذهبون بمذهب أبي حنيفة خلاوفات فإن ملكها وغالب أهلها شافعية‏.‏

وتشتمل على ست جمل‏:‏ الجملة الأولى فيما اشتملت عليه من القواعد والأعمال مقتضى ما ذكره في مسالك الأبصار والتعريف أن هذه البلاد تشتمل على سبع قواعد كل قاعدة منها مملكةٌ مستقلة بها ملكٌ مستقل‏.‏

القاعدة الأولى وفات قـال فـي تقويم البلدان‏:‏ بالواو المفتوحة والفاء ثم ألف وتاء مثناة فوق في الآخر والعامة تسميها أوفـات‏.‏

ويقـال لهـا أيضـاً جبـرة بفتـح الجيم والباء الموحدة والراء المهملة ثم هاء في الآخر والنسبة إلـى جبـرة جبرتـي‏.‏

وموقعهـا بيـن الإقليـم الـأول وخـط الأستـواء‏.‏

قـال فـي تقويـم البلـدان‏:‏ والقايس أنها حيـث الطول سبع وخمسون درجةً والعرض ثمان درج‏.‏

قال‏:‏ وعن بعض المسافرين أنها من أكبر مدن الحبشة‏.‏

وهي على نشز من الأرض وعمارتها متفرقةٌ ودار الملك فيها على تل والقلعة علـى تـل ولهـا وادٍ فيـه نهـر صغيـر وتمطر في الليل غالباً مطراً كثيراً وبها قصب السكر‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وقال الشيخ عبد الله الزيلعي‏:‏ وطول مملكتهـا خمسـة عشـر يومـاً وعرضهـا عشرون يوماً بالسير المعتاد‏.‏

قال‏:‏ وكلها عامرة آهلة بقرى متصلة وهي أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلـى السواحـل المسامتة لليمن وهي أوسع الممالك السبع أرضاً والأجلاب إليها أكثر لقربها من البلاد‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وعسكرها خمسة عشر ألفاً رمن الفرسان ويتبعهم عشرون ألفاً فأكثر من الرجالة سيأتي الكلام على سائر أحوالها عند ذكر أحوال سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

ومـن مضافاتهـا زيلـع‏.‏

قـال فـي تقويم البلدان‏:‏ الظاهر إنها بفتح الزاي المعجمة وسكون الياء المثناة التحتية وفتح اللام ثم عينٌ مهملة في الآخر‏.‏

وهي فرضة من فرض هذه البلاد وموقعها بين الإقليـم الـأول وخـط الأستـواء‏.‏

قـال فـي القانون‏:‏ حيث الطول إحدى وستون درجة والعرض ثمان درج‏.‏

قال في تقويـم البلـدان‏:‏ وهـي فـي جهـة الشـرق عـن وفـات وبينهمـا نحـو عشريـن مرحلـةً‏.‏

قـال ابـن سعيـد‏:‏ وهـي مدينـةٌ مشهـورة وأهلهـا مسلمـون وهي على ركن من البحر في وطاءة من الأرض‏.‏

قـال فـي تقويـم البلـدان‏:‏ وعـن بعـض مـن رآهـا أنهـا مدينـة صغيرةٌ نحو عيذاب في القدر وهي على الساحل والتجار تنزل عندهم فيضيفونهم ويبتاعون لهم‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ وهي شديدة الحر وماؤهـا عذيبـي مـن جفـارات وليـس لهـم بستايـن ولا يعرفون الفواكه‏.‏

قال في القانون‏:‏ وفيها مغاص لؤلـؤ‏.‏

وقـد ذكـر فـي مسالـك الأبصـار أنهـا في مملكة صاحب أوفات‏.‏

وذكر في تقويم البلدان عن بعـض مـا رآها فيها شيوخاً يحكمون بين أهلها وقال‏:‏ إن بينها وبين عدن ومن اليمن في البحر ثلاث مجارٍ وهي عن عدن في جهة الغرب بميلة إلى الجنوب‏.‏

القاعدة الثانية دوارو بفتح الدال المهملـة وواو ثـم ألـف وراء مهملـة وواو وهـي مدينـة ذكرهـا فـي مسالـك الأبصـار والتعريف‏.‏

ولم يتعرض لصفتها‏.‏

وذكر في مسالك الأبصار‏:‏ أنها تلي أوفات المقدمة الذكر وأن مملكتها طولها خمسة أيام وعرضها يومان‏.‏

ثم قال‏:‏ وهي على هذا الضيق ذات عسكر جم نظيـر عسكـر أوفـات في الفارس والراجل‏.‏

وسيأتي الكلام على تفصيل أحوالها مع أخواتها فيما القاعدة الثالثة أرابيني وهي مدينةٌ ذكرها في المسالك والتعريف أيضاً ولم يذكر شيئاً من صفتها‏.‏

ثم ذكر أن مملكتها مربعة‏:‏ طولها أربعة أيام وعرضها كذلك وعسكرها يقارب عشرة الأف فارس‏.‏

أما الرجالة فكثيرةٌ للغاية‏.‏

القاعدة الرابعة هدية قـال فـي تقويـم البلـدان‏:‏ بالهـاء والـدال المهملـة واليـاء المثناة التحتية ثم هاء في الآخر على ما ذكره بعـض مـن رآهـا‏.‏

ومقعهـا بيـن الإقليـم الـأول مـن الأقاليم السبعة وبين خط الأستواء‏.‏

قال‏:‏ والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة والعرض سبع درج‏.‏

وذكر عن بعـض المسافريـن أنهـا جنوبي وفات‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وهي تلي أرابيني المقدم ذكرها وطول مملكتها ثمانية أيام وعرضها تسعة أيام وصاحبها أقوى إخوانه من ملوك هذه الممالك السبعة‏.‏

وأكثر خيـلاً ورجـالأ وأشـد بأساً على ضيق بلاده عن مقدار أوفات‏.‏

قال‏:‏ ولملكها من العسكر نحو أربعين ألـف فارس سوى الرجالة فإنهم خلقٌ كثير مثل الفرسان مرتين أو أكثر‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ ومنهـا تجلب الخدام وذكر أنهم يخصونهم بقريةٍ قريبةٍ منها‏.‏

وذكر في مسالك الأبصار‏:‏ أن الخدام تجلـب إليهـا مـن بلـاد الكفـار‏.‏

ثـم حكـى عـن الحـاج فرج الفوي التاجر‏:‏ أنه حدثه أن ملك أمحرا يمنع من خصي العبيد وينكر ذلك ويشدد فيه‏.‏

وإنما السراق تقصد بهم مدينة اسمها وشلو بفتح الواو والشين المعجمة واللام وأهلها همج لادين عندهم فتخصى بها العبيد لا يقدم على هذا في جميع بلاد الحبشة سواهم‏.‏

قال‏:‏ ولذلك التجار إذا اشتروا العبيد يخرجون بهم إلى وشلو فيخصونهـم بـا لأجـل زيـادة الثمـن ثـم يحمـل مـن خصـي منهـم إلى مدينة هدية لقربها من وشلو فتعاد عليهم الموسى مرة ثانيةً لينفتح مجرى البول لأنه يكون قد استد عند الخصي بالقيح فيعلجون بهدية إلى أن يبرءاو ولأن أهل وشلو وإن كان لهم معرفةٌ بالخصي فليس لهم معرفةٌ بالعلـاج بخلـاف أهـل هدية قد دربوا على ذلك وعرفوه‏.‏

ثم قال‏:‏ ومع هذا فالذي يموت أكثر من الذي يعيـش وأضـر مـا عليهـم حملهـم بـلا معالجـة مـن مكـان إلـى مكـانٍ فإنهم لو عولجوا في مكان خصيهم كان أرفق بهم‏.‏

القاعدة الخامسة شرحا بفتح الشين المعجمة وسكون الراء المهملة وحاء ثم ألف‏.‏

وهي مدينة تلي هدية المقدمة الذكر‏.‏

ذكرها في مسالك الأبصار والتعربف ولم يصرح لها بوصف‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ وطـول مملكتهـا ثلاثـة أيـام وعرضهـا أربعـة أيـام‏.‏

قـال‏:‏ وعسكرهـا ثلاثـة الـأف فـارس ورجالـة مثـل ذلـك مرتيـن فأكثـر وسيأتـي الكلـام علـى سائـر القاعدة السادسة بالي بفتح الباء الموحدة وألف ثم لام وياء آخر الحروف‏.‏

وهي مدينةٌ تلي شرحا المقدمة الذكر ذكرها في المسالك والتعريف قال في المسالك‏:‏ ولكنها أكثر خصباً وأطيب سكناً وأبرد هواءً وسيأتي الكلام على سائر أحوالها مع سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

القاعدة السابعة دارة بفتح الدال المهملة وألف بعدها راء ثم هاء‏.‏

وهي مدينةٌ تلي بالي المقدمة الذكر ذكرها في المسالـك والتعريـف‏.‏

قـال فـي المسالـك‏:‏ وطولها ثلاثة أيام وعرضها كذلك‏.‏

وهي أضعف أخواتها حالأ وأقلها خيلاً ورجالأ‏.‏

قال‏:‏ وعسكرها لا يزيد على ألفي فارس ورجالة كذلك وسيأتي الكلام على سائر أحوالها في الكلام على سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

الجملة الثانية في الموجود بهذه الممالك على ما ذكره في مسالك الأبصار قد ذكر أن عندهم من المواشي الخيل العراب والبغال والحمير والبقر والغنم بكثرة أما المعز فقليلٌ عندهم‏.‏

ومن الوحش‏:‏ البقر والحمر والغزلان والمها والأبل والكركـدن والفهـد والأسد والضبعة العرجاء وتسمى عندهم من مرعفيف وعندهم جواميس برية تصـاد كمـا تقدم في إقليم مالي‏.‏

وعندهم من الطيور الدواجن الدجاج ولكـن لا رغبـة لهـم فـي أكلـه استقذاراً له‏:‏ لأكله القمامات والزبالأت ودجاج الحبش يصيدونه ويأكلونه وهو عندهم مستطاب‏.‏

وعندهم من الحبوب الحنطة والشعير والذرة والطافي‏:‏ وهو حب نحو الخردل أحمر اللون على ما تقدم ذكره في الكلام على القسم الأول من بلاد الحبشة‏.‏

وعندهم الخردل أيضاً‏.‏

وعندهم من الفواكه العنب الأسود على قلة والموز والرمان الحامض والتوت الأسود على قلة فيه والجميز بكثرة‏.‏

وعندهم من المحمضات‏:‏ الأترج والليمون والقليل من النارنج‏.‏

وعندهم تينٌ بري وخوخ بري ولكنهم لا يأكلون الخوخ دون التين‏.‏

وعندهم فواكه أخرى لا تعرف بمصر والشام والعراق منها شجر يسمى كشباد ثمره أحمر على صفة البسر وهو حلوٌ ماوي وشجر يسمى كوشي ثمر مستدير كالبرقوق ولونـه أصفـر خلوقـي كالمشمـش وهو مز ماوي وشجر يسمى طانة ثمره أصغر من البسر وفي وسطه شبه النوى وهو حلو صادق الحلاوة ونواة يؤكل معه لعدم صلابته‏.‏

وشجر اسمه أوجاق - بفتح الواو والجيم - ثمره أكبـر مـن حـب الفلفـل وطعمه شبيه به في الحرافة مع بعض حلاوة‏.‏

وعندهم شجر جان المقدم ذكره في القسم الأول من بلاد الحبشة وهو الذي يؤكل عندهم للذكاء والفطنة ولكنه يقل النوم والنكاح على ما تقدم ذكره هناك‏.‏

وعندهم من أنواع المقاثيء البطيخ الأخضر والخيار والقرع ‏.‏

ومن الخضروات اللوبيا والكرنب والباذنجان والشمار والصعتر‏.‏

أما الملوخيا فإنها تطلع عندهم بريةً‏.‏

الجملة الثالثة في معاملاتهم وأسعارهم أما معاملاتهم فعلى ثلاثة أنواع‏.‏

منها هو بالأغراض مقايضةً‏:‏ تباع البقر بالغنم ونحو ذلك ذلك كما في القسم الأول من بلاد الحبشة‏.‏

ومنها ما هو بالدنانير والدراهم كمصر والشأم ونحوهما وهو وفات وأعمالها خاصة‏.‏

قال في مسالك الأبصار‏:‏ وليس بأوفاتٍ سكة تضرب بل معاملاتهم بدنانير مصر ودراهمها الواصلة إليهم صحبة التجار‏.‏

وذلك أنه لو ضرب أحدٌ منهم سكة في بلاده لم ترج في بلد غيره‏.‏

ومنهـا مـا هـو بالحنكـات جمع حكنة - بفتح الحاء المهملة وضم الكاف والنون - كما ضبطه في مسالـك الأبصـار‏:‏ وهـي قطـع حديد في طول الأبرة ولكنها أعرض منها بحيث تكون في عرض ثلاثٍ إبر يتعامل بها في سائر هذه البلاد سوى ما تقدم ذكره‏.‏

قـال‏:‏ وليـس لهـذه الحكنـة عندهـم سعـر مضبوطٌ بل تباع البقرة الجيدة بسبعة الأف حكنة والشاة الجيدة بثلاثة الأف حكنة ونكال غلتهم بكليل اسمه الرابعية بمقدار ويبة من الكيل المصري وزنة أرطالهم اثنتا عشرة أوقية كل أوقية عشرة دراهم بصنجة مصر‏.‏

وأما الأسعار فكلها رخية حتى قال في مسالك الأبصار‏:‏ إنه يباع بالدرهم الواحـد منهـم عندهم من الحنطة بمقدار حمل بغل والشعير لا قيمة له‏.‏

وعلى هذا فقس‏.‏

الجملة الرابعة في ملوكهم قـد تقـدم فـي الكلـام علـى القسم الأول من بلاد الحبشة أن الحطي الذي هو سلطانهم الأكبر تحت يـده تسعةٌ وتسعون ملكاً وهو لهم تمام المائة‏.‏

وقد ذكر في التعريف‏:‏ أن هذه السبعة من جملة التسعة والتسعين الذين هم تحت يده‏.‏

قـال فـي مسالـك الأبصار‏:‏ والملك منهم في بيوت محفوظة إلا بالي اليوم فإن الملك بها صار إلى رجل ليس من أهل بيت الملك تقرب إلى سلطان أمحرا حتى ولاه مملكة بالي فاستقل ملكاً بها‏.‏

قال‏:‏ وجيمع ملوك هذه اممالك وإن توارثوها لا يستقل منهم بملك إلا من أقامـه سلطـان أمحـرا وإذا مات منهم ملكٌ ومن أهله رجال قصدوا جميعهم سلطان أمحرا وتقربوا إليه جهد الطاقة فيختـار منهم رجلاً يوليه فإذا ولاه سمع البقية له وأطاعوا فهم له كالنواب وأمرهم راجع إليه‏.‏

ثم كلهم متفقون على تعظيم صاحب أوفات منقادون إليه‏.‏

ثم قال‏:‏ وهذه المملك السبع ضعيفة البناء قليلة الغناء لضعـف تركيـب أهلهـا وقلـة محصـول بلادهم وتسلط الحطي سلطان أمحرا عليهم مع ما بينهم من عداوة الدين ومباينة مكا بين النصارى والمسلمين‏.‏

قال‏:‏ وهم مع ذلك كلمتهم متفرقة وذات بينهم فاسدة‏.‏

ثم حكي عن الشيخ عبد الله الزيلعي وغيره‏:‏ أنه لو اتفقت هذه الملوك السبعة واجتمعت ذات بينهم قدروا على مدافعة الحطي أو التماسـك معـه ولكنهـم مـع مـا هـم عليـه مـن الضعـف وافتراق الكلمة بينهم تنافس‏.‏

قـال‏:‏ وهـم علـى مـا هم عليه من الذلة والمسكنة للحطي سلطان أمحرا عليهم قطائع مقررة تحمل إليه في كل سنة من القماش الحرير والكتان مما يجلب إليهم من مصر واليمن والعراق‏.‏

ثم قال‏:‏ قد كان الفقيه عبد الله الزيلعي قد سعى في الأبواب السلطانية بمصر عند وصول رسول سلطان أمحرا إلى مصر في تنجز كتاب البطريرك إليه بكف أذيته عمن في بلاده من وبرزت المراسيم السلطانية للبطريرك لكتابة ذلك فكتب إليه عن نفسه كتاباً بليغاً شافياً فيه معنى الأنكار لهذه الأفعال وأنه حرم هذا على من يفعله بعباراتٍ أجاد فيها ثم قال‏:‏ وفي هذه دلالة على الحال‏.‏

قلت‏:‏ وقد كتب في أوائل الدولة الظاهرية برقوق كتابٌ عن السلطان في معنى ذلك وقرينه كتابٌ من البطريرك متى بطريرك الإسكندرية يومئذ بمعناه‏.‏

وتوجه به إلى الحطي سلطان الحبشة برهان الدين الدمياطي فذهب وعاد بالحباء من جهة الملك لكن ذكر عنه أنه أتى أموراً هناك تقدح في عقيدة ديانته والله أعلم بحقيقة ذلك‏.‏

وستأتـي الأشـارة إلـى المكاتبـة إلـى هـؤلاء الملـوك السبعـة فـي المقالـة الرابعـة فـي الكلام على المكاتبات إن شاء الله تعالى‏.‏

الجملة الخامسة في زي أهل هذه المملكة أما لبسهـم فإنـه قـد جـرت عادتهـم أن الملـك يعصـب رأسـه بعصابـة مـن حريـر تـدور بدائـر رأسه ويبقى وسط رأسه مكشوفاً والأمراء والجند يعصبون رؤوسهـم كذلـك بعصائـب مـن قطن والفقهاء يلبسون العمائم والعامة يلبسون كوافي بيضاً طاقيات والسلطان والجند يتزرون بثيابٍ غير مخيطة يشد وسطه بثوب ويتزر بآخر ويلبسون مع ذلك سراويلات‏.‏

ومن عداهم من الناس يقتصرون على شد الوسط والأتزار خاصة بلا لبس سراويل‏.‏

وربما لبس القمصان منهم بعض الفقهاء وأرباب النعم‏.‏

وأما ركوبهم الخيل فإنهم يركبونها بغير سروج بل يوطأ لهم على ظهورها بجلود مرعزى حتى ملوكهم‏.‏

وأما سلاحهم فغالبه الحراب والنشاب‏.‏

الجملة السادسة في شعار الملك وترتيبه أما شعار الملك فقد جرت عادتهم أن الملك إذا ركـب تقـدم قدامـه الحجـاب والنقبـاء لطـرد الناس ويضرب بالشبابة أمامه ويضرب معها ببوقـاتٍ مـن خشـب فـي رؤوسهـا قـرون مجوفـة ويـدق مـع ذلـك طبـولٌ معلقـة فـي أعنـاق الرجـال تسمى عندهم الوطواط‏.‏

‏.‏

ويتقدم أمام الكل بوقٌ عظيـم يسمـى الجنبـا وهـو بـوق ملـوي مـن قـرن وحـش عندهـم مـن نـوع بقـر وحشـي اسمـه عجرين في طول ثلاثة أذرع مجوف يسمع على مسيرة نصف يوم يعلم من سمعه ركوب الملك فيبادر إلى الركوب معه من له عادة به‏.‏

وأما ترتيب الملك عندهم فإن من عادتهم أن الملـك يجلـس علـى كرسـي مـن حديـد مطعـم بالذهب علوه أربعة أذرع من الأرض ويجلـس أكابـر الأمـراء حولـه علـى كراسـي أخفـض مـن كرسيه وبقية الأمراء وقوفٌ أمامه ويحمل رجلان السلاح على رأسه‏.‏

ويختص صاحب وفات بأنه إذا ركب حمل على رأسه جتر على عادة الملوك‏.‏

ثم إن كان الملك راكباً فرساً كان حامل الجتر ماشياً بازائه والجتر بيده وإن كان راكباً بغلاً كان حامل الجتر رديفه والجتر بيده على رأس الملك‏.‏

وبالجملة فإنه يعد من حشمة الملك أو الأمير عندهم أنه إذا كان راكباً بغلاً أن يردف غلامه خلفه بخلاف ما إذا كان راكباً فرساً فإنه لا يردف خلفه أحداً‏.‏

وممات يعد بوفات من حشمة الملك أو الأمير أنه إذا مشى يتوكأ على يدي رجلين‏.‏

وملوكهم تتصدى للحكم بأنفسهم وإن كان عندهم الفضاة والعلماء‏.‏

وليس لأحدٍ من الأمراء ولا سائر الجند إقطاعات على السلطان ولا نقود كما بمصر والشام بل لهم الدواب السائمة‏.‏

ومـن شـاء منهـم زرع واستغـل ولا يعـارض في ذلك‏.‏

وليس لأحدٍ من ملوكهم سماطٌ عامٌ بل إنما يمـد سماطـه لـه ولخاصتـه ولكنـه يفـرق علـى أمرائه بقراً عوضاً عن أمر أكلهم على السماط‏.‏

وأكثر قلت‏:‏ وأهمل المقر الشهابي بن فضل الله في مسالك الأبصار والتعريف عدة بلاد من مماليك الحبشة المسليمن‏.‏

منها جزيرة دهلك‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ بفتح الدال المهملة وسكون الهاء ثم لام مفتوحة وكاف‏.‏

وهي جزيرة في بحر القلزم‏.‏

واقعةٌ في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة‏.‏

قال في الأطوال‏:‏ حيث الطول إحدى وستون درجة والعرض أربع عشرة درجة‏.‏

قـال فـي تقويـم‏:‏ وهي جزيرةٌ مشهورة على طريق المسافرين في بحر عيذاب إلى اليمن‏.‏

قال ابن سعيـد‏:‏ غربـي مدينـة حلـي فـي بلـاد اليمـن فطولهـا نحـو مائتـي ميل وبينها وبين بر اليمن نحو ثلاثين ميلاً وملك دهلك من الحبش المسلمين وهو يداري صاحب اليمن‏.‏

ومنها مدينة عوان بفتح العين المهملة والواو وألف ثم نون وهي مدينةٌ على ساحل بحر القلزم مقابل تهامة اليمن حيـث الطـول ثمـانٌ وسبعـون درجـة والعـرض ثلـاث عشـرة درجـة ونصـف درجة‏.‏

قال في تقويم البلدان‏:‏ وإذا كان وقت الضحى ظهر منها الجناح وهو جبل عالٍ في البحر‏.‏

ومنها مدينة مقديشو بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المهملة ثم شين معجمة وواو في الآخر كما نقله في تقويم البلدان‏:‏ عن ضبطه في مزيل الأرتياب بالشكل‏.‏

قال ابن سعيد‏:‏ حيث الطول اثنتان وسبعون درجةً والعرض درجتان‏.‏

قال في مزيل الأرتياب‏:‏ وهي مدينة كبيرة بين الزنج والحبشة‏.‏

قـال‏:‏ وهـي علـى بحـر الهنـد ولهـا نهـرٌ عظيـم شبيـه بنيل مصر في زيادته في الصيف‏.‏

قال‏:‏ وقد ذكر أنه شقيق لنيل مصر في مخرجه من بحيرة كورا ومصبه ببحر الهند على القرب من مقدشو‏.‏

قلت‏:‏ وقد أتى الحطي ملك الحبشة النصارى على معظم هذه الممالك بعد الثمانمائة وخربها وقتـل أهلها وحرق ما بها من المصاحف وأكره الكثير منهم على الدخول في دين النصرانية ولم يبـق مـن ملوكهـا سـوى ابن مسمار المقابلة بلاده لجزيرة دهلك تحت طاعة الحطي ملك الحبشة وله عليـه إتـاوة مقـررة والسطـان سعد الدين صاحب زيلع وما معها وهو عاصٍ له خارج عن طاعته بينـه وبينـه الحـروب لا تنقطـع وللسلطـان سعـد الديـن فـي كثيـر مـن الأوقـات النصرة عليه والغلبة والله يؤيد بنصره من يشاء‏.‏

واعلم أن ما تقدم ذكره من ممالك السودان هو المشهور منها والأ فوراء ذلك بلادٌ نائية الجوانب بعيدة المرمى منقطعة الأخبار‏.‏

منهـا بلـاد الزنـج‏.‏

وهي بلادٌ شرقي الخليج البربري المقدم ذكره في الكلام على البحار تقابل بلاد الحبشة من البر الآخر‏.‏

وقاعدتهـا سفالـة الزنـج قـال فـي تقويـم البلـدان بالسين المهملة والفاء ثم ألف ولام وهاء في الآخر‏.‏

وموقعها جنوبي خط الأستواء‏.‏

قال في القانون‏:‏ حيث الطول خمسون درجةً والعرض في الجنوب درجتان‏.‏

قال في القانون‏:‏ وأهلها مسلمون‏.‏

قال ابن سعيد وأكثر معايشهم من الذهب والحديد ولباسهم جلود النمور‏.‏

وذكر المسعودي أن الخيل لا تعيش عندهم وعسكرهم رجالة وربما قاتلوا على البقر‏.‏

ومنها بلاد الهمج جنوبي بلاد التكرور‏.‏

فقد ذكر ابن سعيد أنه خرج على أصناف السودان طائفةٌ منهم يقال لهم الدمادم يشبهون التتر خرجوا في زمن خروجهم فأهلكوا ما جاورهم من البلدان‏.‏

وذكـر فـي مسالـك الأبصـار‏:‏ عـن ابـن أميـر حاجـب والـي مصـر عن منسا موسى ملك التكرور أنهم كالتتر في تدوير وجوههم وأنهم يركبون خيولاً مشققة الأنوف كالأكاديـش وأن همـج السـودان عدد لا يستوعبهم الزمان وأن منهم قوماً يأكلون لحم الناس‏.‏