فصل: (مسألة الأصح) على القول بإثبات الكلام النفسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: غاية الوصول إلى شرح لب الأصول



.(مسألة الأصح) على القول بإثبات الكلام النفسي:

(أن صيغة أفعل). والمراد بها كل ما يدل ولو بواسطة على الأمر من صيغه المحتملة لغير الوجوب، كاضرب وصلّ وصه ولينفق. (مختصة بالأمر النفسي) بأن تدل عليه وضعا دون غيره، وقيل لا فلا تدل عليه إلا بقرينة كصل لزوما، وعليه فقيل هو للوقف بمعنى عدم الدراية بما وضعت له حقيقة مما وردت له من أمر وتهديد وغيرهما، وقيل للاشتراك بين المعاني الآتية المشتركة، أما صحة التعبير عن الأمر بما يدل عليه فلا يختص بها صيغة فعل قطعا، بل تأتي في غيرها كألزمتك وأوجبت عليك، أما المنكرون للنفسي فلا حقيقة للأمر وسائر أقسام الكلام عندهم إلا العبارات. (وترد) صيغة افعل بالمعنى السابق لستة وعشرين معنى على ما في الأصل، وإلا فقد أوصلها بعضهم لنيف وثلاثين وليميز بعضها عن بعض بالقرائن. (للوجوب) نحو أقيموا الصلاة (وللندب) نحو: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} (وللإباحة) نحو: {كلوا من طيبات} أي مما يستلذ من المباحات (وللتهديد) نحو: {اعملوا ما شئتم} قيل ويصدق مع التحريم والكراهة. (وللإرشاد) نحو: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} والمصلحة فيه دنيوية بخلافها في الندب (ولإرادة الامتثال) كقولك لغير رقيقك عند العطش اسقني ماء. (وللإذن) كقولك لمن طرق الباب ادخل وبعضهم أدرج هذا في الإباحة. (وللتأديب) كقولك لغير مكلف كل مما يليك وبعضهم أدرج هذا في الندب، والأوّل فرق بأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق وإصلاح العادات والندب بثواب الآخرة أما أكل المكلف مما يليه فمندوب، ومما يلي غيره مكروه حيث لا إيذاء وإلا فحرام (وللإنذار) نحو: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} ويفارق التهديد بوجوب اقترانه بالوعيد كما في الآية، وبأن التهديد التخويف والإنذار إبلاغ المخوف منه. (وللامتنان) نحو؛ {كلوا مما رزقكم الله} ويفارق الإباحة باقترانه بذكر ما يحتاج إليه (وللإكرام) نحو: {ادخلوها بسلام آمنين} (وللتسخير) أي التذليل والامتهان نحو: {كونوا قردة خاسئين} (وللتكوين) أي الإيجاد عن العدم بسرعة نحو: {كن فيكون} (وللتعجيز) أي إظهار العجز نحو: {فأتوا بسورة من مثله} (وللإهانة) ويعبر عنها بالتهكم نحو: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (وللتسوية) بين الفعل والترك نحو: {فاصبروا أو لا تصبروا} وللدعاء نحو: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا} (وللتمني) كقولك لآخركن فلانا. (وللاحتقار) نحو: {ألقوا ما أنتم ملقون} إذ ما يلقونه من السحر وإن عظم محتقر بالنظر إلى معجزة موسى عليه الصلاة والسلام، وفرق بينه وبين الإهانة بأن محله القلب ومحلها الظاهر. (وللخبر) كخبر: «إذا لَم تَستحِ فاصْنَعْ ما شئتَ» أي صنعت (وللإنعام) بمعنى تذكر النعمة نحو: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} (وللتفويض) وهو ردّ الأمر إلى غيرك ويسمى التحكيم والتسليم نحو: {فاقض ما أنت قاض} (وللتعجب) نحو؛ {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} وتعبيري به أنسب بسابقه ولاحقه من تعبيره بالتعجب (وللتكذيب). نحو: {قل فأتوا بالتوراة قاتلوها إن كنتم صادقين} (وللمشورة) نحو: {فانظر ماذا ترى} (وللاعتبار) نحو: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} (والأصح أنها) أي صيغة افعل بالمعنى السابق. (حقيقة في الوجوب) فقط كما عليه الشافعي والجمهور، لأن الأئمة كانوا يستدلون بها مجردة عن القرائن على الوجوب، وقد شاع من غير إنكار في الندب فقط لأنه المتيقن من قسمي الطلب، وقيل حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب حذرا من الاشتراك والمجاز، وقيل مشتركة بينهما، وقيل بالوقف، وقيل مشتركة فيهما، وفي الإباحة، وقيل في الثلاثة والتهديد، وقيل أمر الله للوجوب وأمر نبيه المبتدأ منه للندب بخلاف الموافق لأمر الله أو المبين له فللوجوب أيضا، وقيل مشتركة بين الخمسة الأول الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد، وقيل بين الأحكام الخمسة الثلاثة الأول والتحريم والكراهة، وعلى الأصح هي حقيقة في الوجوب (لغة على الأصح) وهو المنقول عن الشافعي وغيره، لأن أهل اللغة يحكمون باستحقاق مخالف أمر سيده مثلًا بها للعقاب، وقيل شرعا لأنها لغة لمجرد الطلب وجزمه المحقق للوجوب بأن ترتب العقاب على الترك إنما يستفاد من أمره أو أمر من أوجب طاعته، وقيل عقلًا لأن ما يفيد الأمر لغة من الطلب يتعين أن يكون الوجوب لأن حمله على الندب يصير المعنى افعل إن شئت، وليس هذا القدر مذكورا، وقوبل بمثله في الحمل على الوجوب فإنه يصير المعنى افعل من غير تجويز ترك، وقيل في الطلب الجازم لغة وفي التوعد على الترك شرعا فالوجوب مركب مهما، وهذا ما اختاره الأصل، وقيل لإسقاط الحظر ورجوع الأمر إلى ما كان قبله من وجوب أو غيره (و) الأصح (أنه يجب اعتقاد الوجوب) في المطلوب (بها قبل البحث) عما يصرفها عنه إن كان كما يجب على الأصح اعتقاد عموم العام حتى يتمسك به قبل البحث عن المخصص، كما سيأتي، وقيل لا يجب كما في تلك. (و) الأصح (أنها إن وردت بعد حظر) لمتعلقها نحو: {وإذا حللتم فاصطادوا} (أو) بعد (استئذان) فيه كأن يقال لمن قال أفعل لك كذا افعل. (فللإباحة) الشرعية حقيقة لتبادرها إلى الذهن في ذلك لغلبة استعمالها فيها حينئذ، وقيل للوجوب كما في غير ذلك نحو: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} وقيل بالوقف فلا نحكم بشيء منها. (و) الأصح (أن صيغة النهي) أي لا تفعل الواردة. (بعد وجوب للتحريم) كما في غير ذلك ومن القائل به بعض القائل بأن الأمر بعد الحظر للإباحة، وفرق بأن مقتضى النهي وهو الترك موافق للأصل، وبأن النهي لدفع المفسدة والأمر لتحصيل المصلحة واعتناء الشارع بالأول أشدّ، وقيل للكراهة على قياس أن الأمر للإباحة، وقيل للإباحة نظرا إلى أن النهي عن الشيء بعد وجوبه يرفع طلبه فيثبت التخيير فيه، وقيل لإسقاط الوجوب ويرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم أو إباحة، وقيل بالوقف، وتعبيري بصيغة افعل وبصيغة النهي أولى من تعبيره بالأمر والنهي ليوافق القول بالإباحة، إذ لا أمر ولا نهي فيها إلا على قول الكعبي، وظاهر أن صيغة النهي بعد الاستئذان كهي بعد الوجوب.

.(مسألة الأصح أنها) أي صيغة افعل (لطلب الماهية) لا لتكرار ولا مرة ولا لفور ولا تراخ:

فهي للقدر المشترك بينها حذرا من الاشتراك المجاز. (والمرة ضرورية) إذ لا توجد الماهية بأقل منها فيحمل عليها، وقيل المرة لأنها المتيقن وتحمل على التكرار على القولين بقرينة وقيل للتكرار مطلقا لأنه الغالب، وتحمل على المرة بقرينة، وقيل للتكرار إن علقت بشرط أو صفة بحسب تكرار المعلق به نحو: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} {والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} وإن لم تعلق بذلك فللمرة، وقيل بالوقف عن المرة والتكرار بمعنى أنها مشتركة بينهما أو لأحدهما ولا نعرفه قولان. فلا تحمل على أحد منهما إلا بقرينة، وقيل إنها للفور أي للمبادرة بالفعل عقب ورودها لأنه أحوط، وقيل للتراخي أي التأخير لأنه يسدّ عن الفور بخلاف العكس، وقيل مشتركة بينهما لأنها مستعملة فيهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة، وقيل للفور أو العزم في الحال على الفعل بعد، وقيل بالوقف عن الفور والتراخي بمعنى أنها لأحدهما ولا نعرفه. (و) الأصح (أن المبادر) بالفعل (ممتثل) لحصول الغرض، وقيل لا بناء على أن الأمر للتراخي وجوبا.

.(مسألة الأصح أن الأمر) بشيء مؤقت (لا يستلزم القضاء) له إذا لم يفعل في وقته، (بل) إنما (يجب بأمر جديد):

كالأمر في خبر الصحيحين: «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها». والقصد من الأمر الأول الفعل في الوقت، وقيل يستلزمه لإشعار الأمر بطلب استدراكه لأن القصد منه الفعل. (و) الأصح (أن الإتيان بالمأمور به) على الوجه الذي أمر به. (يستلزم الإجزاء) للمأتي به، بناء على أن الإجزاء الكفاية في سقوط الطلب، وهو الأصح كما مر، ولأنه لو لم يستلزمه لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيا إما للمأتي به، فيلزم تحصيل الحاصل أو بغيره فيلزم عدم الإتيان بتمام المأمور بل ببعضه، والفرض خلافه، وقيل لا يستلزمه بناء على أنه إسقاط القضاء لجواز أن لا يسقط المأتي به القضاء بأن يحتاج إلى الفعل ثانيا كما في صلاة من ظنّ طهره ثم تبين له حدثه. (و) الأصح (أن الأمر) للمخاطب (بالأمر) لغيره (بشيء) نحو: {وأمر أهلك بالصلاة} (ليس أمرا) لذلك الغير (به) أي بالشيء وقيل هو أمر به، وإلا فلا فائدة فيه لغير المخاطب وقد تقوم قرينة على أن غير المخاطب مأمور بذلك الشيء كما في خبر الصحيحين: أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلّم فقال: «مُرْه فَلْيُرَاجِعْها».
(و) الأصح أن الآمر (بالمد بلفظ يصلح له) هو أولى من قوله يتناوله نحو: «مَنْ قامَ فَلْيَتَوَضَّأَ». (غير داخل فيه) أي في ذلك اللفظ لبعد أن يريد الآمر نفسه، وهذا ما صححه في بحث العام عكس مقابله وهو ما صححه هنا، والأوّل هو المشهور وممن صححه الإمام الرازي والآمدي. وفي الروضة لو قال نساء المسلمين طوالق لم تطلق زوجته على الأصح، لأن الأصح عند أصحابنا في الأصول أنه لا يدخل في خطابه، وخرج بالآمر ومثله الناهي المخبر فيدخل في خطابه على الأصح كما صرح به في بحث العام، إذ لا يبعد أن يريد المخبر نفسه نحو: {والله بكل شيء عليم} وهو تعالى عليم بذاته وصفاته، فعلم أن في مجموع المسألتين ثلاثة أقوال، ومحلها إذا لم تقم قرينة على دخوله أو عدم دخوله فإن قامت عمل بمقتضاها قطعا. (ويجوز عندنا عقلًا النيابة في العبادة البدنية) إذ لا مانع ومنعه المعتزلة لأن الأمر بها إنما هو لقهر النفس وكسرها بفعلها والنيابة تنافي ذلك. قلنا لا تنافيه لما فيها من بذل المؤنة أو تحمل المنة، وخرج بزيادتي عقلًا الجواز الشرعي فلا تجوز شرعا النيابة في البدنية إلا في الحج والعمرة، وفي الصوم بعد الموت وبالبدنية المالية كالزكاة فلا خلاف في جواز النيابة فيها، وإن اقتضى كلام الأصل أن فيها خلافا، وتعبيري بما ذكر أولى من تعبيره بأن الأصح أن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع لاقتضائه أن في العبادة المالية خلافا وليس كذلك، مع أن قوله إلا لمانع إنما يناسب الفقيه لا الأصولي لأن كلامه في الجواز العقلي لا الشرعي.

.(مسألة المختار) تبعا لإمام الحرمين والغزالي والنووي في روضته في كتاب الطلاق وغيرهم (أن الأمر النفسي بـ)ـشيء (معين) إيجابا أو ندبا (ليس نهيا عن ضده ولا يستلزمه):

لجواز أن لا يخطر الضد بالبال حال الأمر تحريما كان النهي أو كراهة، واحدا كان الضد كضد السكون أي التحرك أو أكثر كضد القيام أي القعود وغيره، وقيل نهي عن ضده، وقيل يستلزمه فالأمر بالسكون مثلًا أي طلبه ليس نهيا عن التحرّك أي طلب الكف عنه ولا مستلزما له على الأول ومستلزما له على الثالث، وعينه على الثاني بمعنى أن الطلب واحد هو بالنسبة إلى السكون أمر وإلى التحرّك نهي، واحتج لهذين القولين بأنه لما لم يتحقق المأمور به بدون الكف عن ضده كان طلبه طلبا للكف أو مستلزما له. وأجيب بمنع الملازمة لجواز أن لا يخطر الضد بالبال حال الأمر كما مر، فلا يكون مطلوب الكف به، وقيل القولان في الوجوب دون أمر الندب، لأن الضد فيه لا يخرج به عن أصله من الجواز بخلافه في أمر الوجوب لاقتضائه الذم على الترك وخرج بالنفسي الأمر اللفظي فليس عين النهي اللفظي قطعا ولا يستلزمه في الأصح وبالمعين المبهم من أشياء فليس الأمر به بالنظر إلى ما صدقه نهيا عن ضدّه منها ولا مستلزما له قطعا. (و) المختار (أن النهي) النفسي عن شيء معين تحريما أو كراهة (كالأمر) فيما ذكر فيه، فالنهي ليس أمرا بالضد ولا يستلزمه، وقيل عينه، وقيل يستلزمه، وقيل هذان القولان في نهي التحريم دون نهي الكراهة، والضد إن كان واحدا فواضح أو أكثر فالأمر بواحد منه، وقيل النهي أمر بضده قطعا بناء على أن المطلوب في النهي فعل الضد، وقيل لا قطعا بناء على أن المطلوب في النهي انتفاء الفعل، والترجيح في هذه والتي قبلها من زيادتي والنهي اللفظي يقاس بالأمر اللفظي.

.(مسألة الأمران إن لم يتعاقبا):

بأن يتراخى ورود أحدهما عن الآخر بمتماثلين ولم يمنع من التكرار مانع أو بمتخالفين. (أو تعاقبا) لكن (بغير متماثلين) بعطف كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، أو بدونه كاضرب زيدا أعطه درهما (فغيران) فيعمل بهما جزما. (وكذا) إن تعاقبا (بمتماثلين ولا مانع من التكرار) في متعلقهما من عادة أو غيرها فإنهما غيران (في الأصح) مع عطف كصلِّ ركعتين وصل ركعتين أو بدونه كصل ركعتين صل ركعتين لظهور العطف في التأسيس وأصالة التأسيس في غير العطف، وهذا ما نقله الأصل في شرح المختصر كالصفي الهندي عن الأكثرين، وقيل الثاني تأكيد فيهما لتماثل المتعلقين، وقيل بالوقف عن التأسيس والتأكيد في غير العطف لاحتمالهما، والترجيح من زيادتي في غير العطف، وما ذكرته من الخلاف مع العطف حكاه الأصل. قال الزركشي وفيه نظر فقد صرح الصفي الهندي وغيره بأنه لا خلاف في أنه للتأسيس، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، ويجاب بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. (فإن كان) ثمَّ (مانع) من التكرار (عادي وعارضه عطف) نحو صل ركعتين وصل الركعتين. (فالوقف) عن التأسيس والتأكيد لاحتمالهما، وظاهر أنه إن وجد مرجح عمل به. (وإلا) بأن كان ثمَّ مانع عقلي نحو اقتل زيدا اقتل زيدا، أو شرعي نحو أعتق عبدك أعتق عبدك، أو لم يعارضه عطف نحو اسقني ماء اسقني ماء، صل ركعتين صل ركعتين. (فالثاني تأكيد). وإن كان بعطف في الأولين أما كونه تأكيدا في الأولين فظاهر، وأما في الأخيرتين فلأن العادة باندفاع الحاجة بمرة في أولها، وبالتعريف في ثانيهما ترجح التأكيد، وقولي وإلا أعم من قوله فإن رجح التأكيد بعادي قدم.