فصل: (مسألة المختار جواز تقليد المفضول) من المجتهدين (لمعتقده غير مفضول)، بأن اعتقده أفضل من غيره أو مساويا له:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: غاية الوصول إلى شرح لب الأصول



.(مسألة الأصح أنه لو تكررت واقعة لمجتهد لم يذكر الدليل) الأول (وجب تجديد النظر):

سواء أتجدد له ما يقتضي الرجوع عما ظنه فيها أم لا، إذ لو أخذ بالأوّل من غير نظر لكان أخذا بشيء من غير دليل يدل له والدليل الأول لعدم تذكره لا ثقة ببقاء الظن منه، وقيل لا يجب تجديده بناء على قوة الظن السابق، فيعمل به لأن الأصل عدم رجحان غيره أما إذا كان ذاكرا للدليل، فلا يجب تجديد النظر، إذ لا حاجة إليه، (أو) أي والأصح أنه لو تكررت واقعة (لعامي استفتى عالما) فيها (وجب إعادة الاستفتاء)، لمن أفاد (ولو كان) العالم (مقلد ميت) بناء على جواز تقليد الميت وإفتاء المقلد كما سيأتي، إذ لو أخد بجواب السؤال الأول من غير إعادة لكان أخذا بشيء من غير دليل، وهو في حقه قول المفتي، وقوله الأول لا ثقة ببقائه عليه لاحتمال مخالفته له باطلاعه على ما يخالفه من دليل إن كان مجتهدا، ونص لإمامه إن كان مقلدا، وقيل لا يجب وذكر الخلاف في الصورتين من زيادتي، وقول الأصل في الشق الأول من الأولى قطعا أي عند أصحابنا لا عند الأصوليين، ومحل الخلاف في الثانية إذا عرف أن الجواب عن رأي أو قياس أو شك، والمفتي حي، فإن عرف أنه عن نص أو إجماع، أو مات المفتي فلا حاجة للسؤال ثانيا كما جزم به الرافعي والنووي.

.(مسألة المختار جواز تقليد المفضول) من المجتهدين (لمعتقده غير مفضول)، بأن اعتقده أفضل من غيره أو مساويا له:

بخلاف من اعتقده مفضولًا عملًا باعتقاده وجمعا بين الدليلين الآتيين، وقيل يجوز مطلقا. ورجحه ابن الحاجب لوقوعه في زمن الصحابة وغيرهم مشتهرا متكررا من غير إنكار، وقيل لا يجوز مطلقا، لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة في حق المجتهد، فكما يجب الأخذ بالراجح من الأدلة يجب الأخذ بالراجح من الأقوال، والراجح منها قول الفاضل، وإذا جاز تقليد المفضول لمن ذكر. (فلا يجب البحث عن الأرجح) من المجتهدين لعدم تعينه بخلاف من لم يجوز مطلقا وبما ذكر علم ما صرح به الأصل من أن العامي إذا اعتقد رجحان واحد منهم تعين لأن يقلده وإن كان مرجوحا في الواقع عملًا باعتقاده (و) المختار (أن الراجح علما) في الاعتقاد (فوق الراجح ورعا) فيه، لأن لزيادة العلم تأثيرا في الاجتهاد بخلاف زيادة الورع، وقيل العكس، لأن لزيادة الورع تأثيرا في التثبت في الاجتهاد وغيره بخلاف زيادة العلم، ويحتمل التساوي لأن لكل مرجحا. (و) المختار جواز (تقليد الميت) لبقاء قوله، كما قال الشافعي رضي الله عنه المذاهب لا تموت بموت أربابها، وقيل لا يجوز لأنه لا بقاء لقول الميت بدليل انعقاد الإجماع بعد موت المخالف، وعورض بحجية الإجماع بعد موت المجمعين، وقيل يجوز أن فقد الحي للحاجة بخلاف ما إذا لم يفقد. (و) المختار جواز (استفتاء من عرفت أهليته) للإفتاء باشتهاره بالعلم والعدالة (أو ظنت) بانتصابه والناس مستفتون له. (ولو) كان (قاضيا)، وقيل القاضي لا يفتي في المعاملات للاستغناء بقضائه فيها عن الإفتاء. (فإن جهلت) أهليته علما أو عدالة. (فالمختار الاكتفاء باستفاضة علمه وبظهور عدالته). وقيل يجب البحث عنهما بأن يسأل الناس عنهما وعليه، فالأصح الاكتفاء بخبر الواحد عنهما، وقيل لابد من اثنين وما اخترته من الاكتفاء باستفاضة علمه هو ما نقله في الروضة عن الأصحاب خلاف ما صححه الأصل من وجوب البحث عنه. (وللعامي سؤاله) أي المفتي (عن مأخذه)، فيما أفتاه به (استرشادا) أي طلبا لإرشاد نفسه بأن يذعن للقبول ببيان المأخذ لا تعنتا. (ثم عليه) أي المفتي ندبا لا وجوبا (بيانه) أي المأخذ لسائله المذكور تحصيلًا لإرشاده (إن لم يخف) عليه، فإن خفي عليه بحيث يقصر فهمه عنه، فلا يبينه له صونا لنفسه عن التعب فيما لا يفيد ويعتذر له بخفاء ذلك عليه.

.(مسألة الأصح أنه يجوز لمقلد قادر على الترجيح) وهو مجتهد الفتوى. (الإفتاء بمذهب إمامه) مطلقا:

لوقوع ذلك في الأعصار متكررا شائعا من غير إنكار بخلاف غيره فقد أنكر عليه، وقيل لا يجوز له لانتفاء وصف الاجتهاد المطلق والتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه عنه، وقيل يجوز له عند عدم المجتهد المطلق والمتمكن مما ذكر للحاجة إليه، بخلاف ما إذا وجدا أو أحدهما، وقيل يجوز للمقلد، وإن لم يكن قادرا على الترجيح لأنه ناقل لما يفتى به عن إمامه، وإن لم يصرح بنقله عنه وهذا هو الواقع في الأعصار المتأخرة، أما القادر على التخريج وهو مجتهد المذهب فيجوز له الإفتاء قطعا، كما ذكره الزركشي والبرماوي وغيرهما تبعا للمصنف في شرح المختصر وهو المتجه خلافا لما اقتضاه كلام الآمدي، من أن الخلاف في مجتهد المذهب، إذ قضية ذلك عدم جواز الإفتاء لمجتهد الفتوى وهو بعيد جدا مخالف لما أفاده النووي في مجموعه. (و) الأصح (أنه يجوز خلوّ الزمان عن مجتهد)، بأن لا يبقى فيه مجتهد وقيل لا يجوز مطلقا، وقيل يجوز أن تداعى الزمان بتزلزل القواعد بأن أتت أشراط الساعة الكبرى كطلوع الشمس من مغربها. (و) الأصح بعد جوازه (أنه يقع) لخبر الصحيحين: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». وفي خبر مسلم: «إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل» ونحوه، خبر البخاري إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم أي يقبض أهله ويثبت الجهل، وقيل لا يقع لخبر الصحيحين أيضا بطرق: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» أي الساعة كما صرح بها في بعض الطرق قال البخاري وهم أهل العلم. وأجيب بأن المراد بالساعة في هذا ما قرب منها جمعا بين الأدلة، والترجيح من زيادتي، وعبارة الأصل والمختار لم يثبت وقوعه وهو متردّد بين الوقوع وعدمه.
(و) الأصح (أنه لو أفتى مجتهد عاميا في حادثة فله الرجوع عنه فيها إن لم يعمل) بقوله يها. (وثم مقت آخر)، وقيل يلزمه العمل به بمجرد الإفتاء فليه له الرجوع إلى غيره، وقيل يلزمه العمل به بالشروع في العمل به، بخلاف ما إذا لم يشرع، وقيل يلزمه العمل به إن التزمه، وقيل يلزمه العمل به إن وقع في نفسه صحته وخرج بقولي فيها غيرها فله الرجوع عنه فيه مطلقا، وقيل لا، لأنه بسؤال المجتهد وقبول قوله التزم مذهبه، وقيل يجوز في عصر الصحابة والتابعين لا في العصر الذي استقرت فيه المذاهب، وبقولي إن لم يعمل ما إذا عمل فليس له الرجوع جزما، وبقولي وثم مفت آخر ما لو لم يكن ثم مفت آخر فليس له الرجوع والتصريح في هذه بالترجيح بقيده الأخير من زيادتي. (و) الأصح (أنه يلزم المقلد) عاميا كان أو غيره. (التزام مذهب معين) من مذاهب المجتهدين. (ويعتقده أرجح) من غيره (أو مساويا) له، وإن كان في الواقع مرجوحا على المختار السابق. (و) لكن (الأولى) في المساوي (السعي في اعتقاده أرجح) ليحسن اختياره على غيره، وقيل لا يلزمه التزامه فله أن يأخذ فيما يقع له بما شاء من المذاهب، قال النووي هذا كلام الأصحاب والذي يقتضيه الدليل القول بالثاني. (و) الأصح بعد لزوم التزام مذهب معين للمقلد (أن له الخروج عنه)، فيما لم يعمل به لأن التزام ما لا يلزم غير ملزم. وقيل لا يجوز لأنه التزمه وإن لم يلزم التزامه، وقيل لا يجوز في بعض المسائل، ويجوز في بعض توسطا بين القولين، والترجيح في هذه من زيادتي. (و) الأصح (أنه يمتنع تتبع الرخص) في المذاهب، بأن يأخذ من كل منها الأهون فيما يقع من المسائل سواء الملتزم وغيره، ويؤخذ منه تقييد الجواز السابق فيهما بما لم يؤد إلى تتبع الرخص، وقيل يجوز بناء على أنه لا يلزم التزام مذهب معين.

.(مسألة تتعلق بأصول الدين):

(المختار) قول الكثير (إنه يمتنع التقليد في أصول الدين) أي مسائل الاعتقاد كحدوث العالم ووجود الباري، وما يجب له ويمتنع عليه وغير ذلك مما سيأتي، فيجب النظر فيه لأن المطلوب فيه اليقين. قال تعالى لنبيه: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} وقد علم ذلك. وقال للناس: {واتبعوه لعلكم تهتدون} ويقاس بالوحدانية غيرها، وقيل يجوز ولا يجب النظر اكتفاء بالعقد الجازم لأنه صلى الله عليه وسلّم كان يكتفي في الإيمان من الأعراب وليسوا أهلًا للنظر بالتلفظ بكلمتي الشهادة المنبئ عن العقد الجازم ويقاس بالإيمان غيره، وقيل لا يجوز فيحرم النظر فيه، لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان والأنظار، ودليلا الثاني والثالث مدفوعان بأنا لا نسلم أن الأعراب ليسوا أهلًا للنظر، ولا أن النظر مظنة للوقوع في الشبه والضلال، إذ المعتبر النظر على طريق العامة كما أجاب الأعرابي الأصمعي عن سؤاله بم عرفت ربك؟ فقال البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحر ذو أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير؟ ولا يذعن أحد منهم أو من غيرهم للإيمان إلا بعد أن ينظر فيهتدى له. أما النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وتدقيقها ودفع الشكوك والشبه عنها، ففرض كفاية في حق المتأهلين له يكفي قيام بعضهم بها أما غيرهم ممن يخشى عليه من الخوض فيه الوقوع في الشبه والضلال فليس له الخوض فيه، وهذا محمل نهي الشافعي وغيره من السلف عن الاشتغال بعلم الكلام، وهو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية، والترجيح من زيادتي، بل قضية كلامه في مسألة التقليد ترجيح لزومه هنا، ثم محل الخلاف في وجوب النظر في غير معرفة الله تعالى أما النظر فيها فواجب إجماعا.
(و) المختار أنه (يصح) التقليد في ذلك (بجزم) أي معه على كلّ من الأقوال، وإن أثم بترك النظر على الأول فيصحّ إيمان المقلد، وقيل لا يصحّ بل لابدّ لصحة الإيمان من النظر أما التقليد بلا جزم بأن كان مع احتمال شك أو وهم، فلا يصح قطعا إذ لا إيمان مع أدنى تردد فيه وعلى صحة التقليد الجازم فيما ذكر (فليجزم) أي المكلف (عقده بأن العالم) وهو ما سوى الله تعالى. (حادث)، لأنه متغير أي يعرض له التغير كما يشاهد وكل متغير حادث (وله محدث) ضرورة أن الحادث لابدّ له من محدث (وهو الله) أي الذات الواجب الوجود لأن مبدئ الممكنات لابدّ أن يكون واجبا، إذ لو كان ممكنا لكان من جملة الممكنات فلم يكن مبدئا لها. (الواحد)، إذ لو جاز كونه اثنين لجاز أن يريد أحدهما شيئا، والآخر ضدّه الذي لا ضدّ له غيره كحركة زيد وسكوته فيمتنع وقوع المرادين وعدم وقوعهما لامتناع ارتفاع الضدّين المذكورين واجتماعهما، فتعين وقوع أحدهما فيكون مريده هو الإله دون الآخر لعجزه، فلا يكون الإله إلا واحدا. (والواحد) الشيء (الذي لا ينقسم) بوجه (أو لا يشبه) بفتح الباء المشدّدة أي به ولا بغيره أي لا يكون بينه وبين غير شبه. (بوجه) وهذان التفسيران معناهما موجود فيه تعالى فتعبيري بأو أولى من تعبيره بالواو لإيهامه أنهما تفسير واحد، وموافق لقول إمام الحرمين في الإرشاد الواحد معناه المتوحد المتعالي عن الانقسام، وقيل معناه الذي لا مثل له فأفاد كلامه أنهما تفسيران لا تفسير واحد وإن تلازم معناهما هنا. (والله تعالى قديم) أي لا ابتداء لوجوده، إذ لو كان حادثا لاحتاج إلى محدث واحتاج محدثه إلى محدث وتسلسل والتسلسل محال، فالحدوث المستلزم له محال. (حقيقته) تعالى (مخالفة لسائر الحقائق. قال المحققون ليست معلومة الآن) أي في الدنيا للناس وقال كثير إنها معلومة لهم الآن لأنهم مكلفون بالعلم بوحدانيته وهو متوقف على العلم بحقيقته. قلنا لا نسلم أنه متوقف على العلم به بالحقيقة، وإنما يتوقف على العلم به بوجه وهو بصفاته، كما أجاب موسى عليه الصلاة والسلام فرعون السائل عنه تعالى كما قص علينا ذلك بقوله تعالى: {قال فرعون وما رب العالمين} إلخ. (والمختار ولا ممكنة) علما (في الآخرة) لأن علمها يقتضي الإحاطة به تعالى وهي ممتنعة، وقيل ممكنة العلم فيها لحصول الرؤية فيها كما سيأتي. قلنا الرؤية لا تفيد الحقيقة والترجيح من زيادتي. (ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض)، لأنه تعالى منزه عن الحدوث وهذه الثلاثة حادثة لأنها أقسام العالم لأنه إما قائم بنفسه أو بغيره، والثاني العرض الأول ويسمى بالعين، وهو محل الثاني المقوم له إما مركب وهو الجسم أو غير مركب وهو الجوهر وقد يقيد بالفرد. (لم يزل وحده ولا مكان ولا زمان) أي موجود قبلهما فهو منزّه عنهما (ثم أحدث هذا العالم). المشاهد من السموات والأرض بما فيها (بلا احتياج) إليه (ولو شاء ما أحدثه) فهو فاعل بالاختيار لا بالذات (لم يحدث به) أي بإحداثه (في ذاته حادث)، فليس كغيره محلًّا للحوادث وهو كما قال في كتابه العزيز (فعال لما يريد، ليس كمثله شيء) وهو السميع البصير. (القدر) وهو هنا ما يقع من العبد مما قدّر في الأزل (خيره وشره) كائن (منه) تعالى بخلقه وإرادته، (علمه شامل لكل معلوم) أي ما من شأنه أن يعلم ممكنا كان أو ممتنعا جزئيا أو كليا. قال تعالى: {أحاط بكل شيء علما} (وقدرته) شاملة (لكلّ مقدور) أي ما من شأنه أن يقدر عليه، وهو الممكن بخلاف الممتنع والواجب (ما علم أنه يوجد أراده) أي أراد وجوده (وما لا) أي وما علم أنه لا يوجد، (فلا) يريد وجوده فالإرادة تابعة للعلم (بقاؤه) تعالى (غير متناه) أي لا آخر له (لم يزل) تعالى موجودا (بأسمائه) أي بمعانيها، وهي هنا ما دل على الذات باعتبار صفة كالعالم والخالق. (وصفات ذاته) وهي (ما دل عليها فعله). لتوقفه عليها (من قدرة) وهي صفة تؤثر في الشيء عند تعلقها به. (وعلم) وهو صفة أزلية تتعلق بالشيء على وجه الإحاطة به على ما هو عليه. (وحياة) وهي صفة تقتضي صحة العلم لموصوفها، (وإرادة) وهي صفة تخصص أحد طرفي الشيء من الفعل والترك بالوقوع. (أو) ما دل عليها (تنزيهه) تعالى (عن النقص من سمع وبصر) وهما صفتان أزليتان قائمتان بذاته تعالى زائدتان على العلم ليستا كسمع الخلق وبصرهم، (وكلام) وهو صفة يعبر عنها بالنظم المعروف المسمى بكلام الله أيضا، ويسميان بالقرآن أيضا. (وبقاء) وهو استمرار الوجود أما صفات الأفعال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، فليست أزلية خلافا لمتأخري الحنفية، بل هي حادثة لأنها إضافات تعرض للقدرة وهي تعلقاتها بوجودات المقدورات لأوقات وجوداتها، ولا محذور في اتصاف الباري تعالى بالإضافات، ككونه قبل العالم ومعه وبعده وأزلية أسمائه الراجعة إلى صفات الأفعال كما مر في جملة الأسماء من حيث رجوعتها إلى القدرة لا الفعل، فالخالق مثلًا من شأنه الخلق أي هو الذي بالصفة التي بها يصح الخلق وهو القدرة كما يقال السيف في الغمد قاطع أي هو بالصفة التي بها يحصل القطع عند ملاقاته المحل، فإن أريد بالخالق من صدر منه الخلق فليس صدوره أزليا.
(وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهر معناه وننزه الله عند سماع مشكله) كما في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، {ويبقى وجه ربك}. {يد الله فوق أيديهم}. وقوله صلى الله عليه وسلّم: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف شاء». رواه مسلم. (ثم اختلف أئمتنا أنؤوّل) المشكل (أم نفوّض) معناه المراد إليه تعالى. (منزّهين له) عن ظاهره، (مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح) في اعتقادنا المراد منه مجملًا، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم، والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم أي أحوج إلى مزيد علم، وكثيرا ما يقال بدل أعلم أحكم أي أكثر إحكاما أي إتقانا فيؤوّل في الآيات الاستواء بالاستيلاء والوجه بالذات واليد بالقدرة، والحديث من باب التمثيل المذكور في علم البيان نحو أراك تقدّم رجلًا وتؤخر أخرى، يقال للمتردّد في أمر تشبيها له بمن يفعل ذلك لإقدامه وإحجامه، فالمراد منه والظرف فبه خير كالجار والمجرور أن قلوب العباد كلها بالنسبة إلى قدرته تعالى شيء يسير يصرفه كيف شاء، كما يقلب الواحد من عباده اليسير بين أصبعين من أصابعه. (القرآن النفسي) أي القائم بالنفس (غير مخلوق) وهو مع ذلك أيضا (مكتوب في مصاحفنا)، بأشكال الكتابة وصور الحروف الدالة عليه (محفوظ في صدورنا) بألفاظه المخيلة. (مقروء بألسنتنا) بحروفه الملفوظة المسموعة (على الحقيقة) لا المجاز في الأوصاف الثلاثة أي يصحّ أن يطلق على القرآن حقيقة أنه مكتوب محفوظ مقروء واتصافه بهذه الثلاثة، وبأنه غير مخلوق أي موجود أزلًا وأبدا اتصاف له باعتبار وجودات الموجود الأربعة، فإن لكلّ موجود وجودا في الخارج، ووجودا في الذهن، ووجودا في العبارة، ووجودا في الكتابة فهي تدل على العبارة وهي على ما في الذهن وهو على ما في الخارج، وخرج بالنفسي اللساني فتعبيري به أولى من تعبيره بالكلام، لأنه كالقرآن مشترك بين النفسي واللساني، فلا يخرج اللساني.
(يثيب) الله تعالى عباده المكلفين (على الطاعة) فضلًا (ويعاقبـ)ـهم (إلا أن يعفو يغفر غير الشرك على المعصية) عدلًا لإخباره بذلك قال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوي وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوي}. {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (وله) تعالى (إثابة العاصي وتعذيب المطيع وإيلام الدواب والأطفال) لأنهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء لكن لا يقع منه ذلك لإخباره بإثابة المطيع وتعذيب العاصي كما مرّ ولم يرد إيلام الأخيرين في غير قود والأصل عدمه أما في القود فقال صلى الله عليه وسلّم: «لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». رواه مسلم. وقال: «يقتصّ للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرّة من الذرّة». رواه الإمام أحمد بسند صحيح، وقضية الخبرين أن لا يتوقف القود يوم القيامة على التكليف، فيقع الإيلام بالقود في الأخيرين. (ويستحيل وصفه) تعالى (بالظلم) لأنه مالك الأمور على الإطلاق يفعل ما يشاء فلا ظلم في التعذيب، والإيلام المذكورين لو فرض وقوعهما (يراه) تعالى (المؤمنون في الآخرة) قبل دخول الجنة وبعده، كما ثبت في أخبار الصحيحين الموافقة لقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} والمخصصة لقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} أي لا تراه منها خبر أبي هريرة: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «هل تضارّون في القمر ليلة البدر». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه كذلك» إلخ. وفيه أن ذلك قبل دخول الجنة، وقوله تضارُّون بتشديد الراء من الضرار وتخفيفها من الضير أي الضرر، وخبر صهيب في مسلم أنه صلى الله عليه وسلّم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم». وفي رواية ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} أي فالحسنى الجنة والزيادة النظر إليه تعالى، بأن ينكشف لنا انكشافا تاما بأن يرى بنور الأعين زائدا على نور العلم، أو بأن يخلق لنا علما به عند توجه الحاسة له عادة منزها عن المقابلة والجهة والمكان، أما الكفار فلا يرونه لقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} الموافق لقوله: {لا تدركه الأبصار} (والمختار جواز رؤيته) تعالى (في الدنيا) في اليقظة بالعين، وفي المنام بالقلب أما في اليقظة، فلأن موسى عليه الصلاة والسلام طلبها بقوله: {رب أرني أنظر إليك} وهو لا يجهل ما يجوز ويمتنع على ربه تعالى، وقيل لا يجوز لأن قومه طلبوها فعوقبوا قال تعالى: {فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} قلنا عقابهم لعنادهم وتعنتهم في طلبها لا لامتناعها، وأما في المنام فنقل القاضي عياض الاتفاق عليه، وقيل لا يجوز إذ المرئي فيه خيال ومثال وذلك على القديم محال. قلنا لا استحالة لذلك في المنام والترجيح من زيادتي، وأما وقوع الرؤية فيها فالجمهور على عدمه في اليقظة لقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} وقوله لموسى: {لن تراني} أي في الدنيا بقرينة السياق، وقوله صلى الله عليه وسلّم: «لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت». رواه مسلم، نعم الصحيح وقوعها للنبي صلى الله عليه وسلّم ليلة المعراج، وإليه استند القائل بوقوعها لغيره، وأما وقوعها في المنام فهو المختار، فقد ذكر وقوعها فيه لكثير من السلف منهم الإمام أحمد، وعليه المعبرون للرؤيا، وقيل لا لما مرّ في المنع من جوازها. (السعيد من كتب الله) أي علم (في الأزل موته مؤمنا والشقيّ عكسه) أي من كتب الله في الأزل موته كافرا وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به لاشتماله على الدور ظاهرا. (ثم لا يتبدّلان) أي المكتوبان في الأزل، بخلاف المكتوب في غيره كاللوح المحفوظ قال تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب} أي أصله الذي لا يغير منه شيء كما قاله ابن عباس وغيره، وإطلاق بعضهم أنهما يتبدّلان محمول على هذا التفصيل. (وأبو بكر) رضي الله عنه (ما زال بعين الرضا منه) تعالى، وإن لم يتصف بالإيمان قبل تصديقه النبي صلى الله عليه وسلّم، إذ لم يثبت عنه حالة كفر كما ثبت عن غيره ممن آمن. (والمختار أن الرضا والمحبة) من الله (غير المشيئة والإرادة)
منه، إذ معنى الأوّلين المترادفين أخص من معنى الثانيين المترادفين، إذ الرضا الإرادة بلا اعتراض والأخص غير الأعم بدليل قوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} مع وقوعه من بعضهم بمشيئته لقوله: {ولو شاء ربك ما فعلوه} وقالت المعتزلة وقوم من الأشاعرة منهم الشيخ أبو إسحاق الرضا والمحبة نفس المشيئة والإرادة وأجابوا عن قوله (ولا يرضى لعباده الكفر) بأنه لا يرضاه دينا وشرعا بل يعاقب عليه وبأن المراد من وفق للإيمان، ولهذا شرفهم بإضافتهم إليه في قوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقوله: {عينا يشرب بها عباد الله} وذكر الخلاف من زيادتي، (هو الرزاق) كما قال تعالى: {إن الله هو الرزاق} بمعنى الرازق أي فلا رازق غيره. وقالت المعتزلة من حصل له الرزق بتعب فهو الرازق نفسه أو بغير تعب فالله هو الرازق له. (والرزق) بمعنى المرزوق عندنا. (ما ينتفع به) في التغذي وغيره. (ولو) كان (حراما)، وقالت المعتزلة لا يكون إلا حلالًا لاستناده إلى الله في الجملة والمسند إليه لانتفاع عباده يقبح أن يكون حراما يعاقبون عليه قلنا لا يقبح بالنسبة إليه تعالى، فإن له أن يفعل ما يشاء وعقابهم على الحرام لسوء مباشرتهم أسبابه ويلزم المعتزلة أن المتعذي بالحرام فقط طول عمره لم يرزقه الله وهو مخالف لقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}، لأنه تعالى لا يترك ما أخبر بأنه عليه. (بيده) تعالى (الهداية والإضلال) وهما (خلق الاهتداء)، وهو الإيمان (و) خلق (الضلال) وهو الكفر قال تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء}. {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} وزعمت المعتزلة أنهما بيد العبد يهدي نفسه ويضلها بناء على قولهم إنه يخلق أفعاله.
(والمختار أن اللطف خلق قدرة الطاعة) أي قدرة العبد على الطاعة، وقال الأصل إنه ما يقع عنده صلاح العبد آخرة أي في آخر عمره. (و) أن (التوفيق كذلك) أي خلق قدرة الطاعة وقيل خلق الطاعة. (والخذلان ضده) وهو خلق قدرة المعصية وقيل خلق المعصية. (والختم والطبع والأكنة والأقفال) الواردة في القرآن نحو: {ختم الله على قلوبهم}. {طبع الله عليها بكفرهم} {جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه}. {أم على قلوب أقفالها} عبارات عن معنى واحد وهو (خلق الضلالة في القلب) كالإضلال، وأوّل المعتزلة هذه الألفاظ بما لا يلائم الآيات المشتملة عليها كما بين في المطولات، وذكر الأقفال من زيادتي. (والماهيات) الممكنات أي حقائقها (مجعولة) مطلقا (في الأصح) أي كل ماهية بجعل الجاعل، وقيل لا مطلقا بل كل ماهية متقررة بذاتها، وقيل مجعولة إن كانت مركبة بخلاف البسيطة. (والخلف لفظي) من زيادتي، لأن الأول أراد جعلها متصفة بالوجود لا جعلها ذوات، والثاني أراد أنها في حدّ ذاتها لا يتعلق بها جعل جاعل وتأثير مؤثر، والثالث أراد بالجعل التأليف والمركبة مؤلفة بخلاف البسيطة. (أرسل) الرب (تعالى رسله) مؤيدين منه (بالمعجزات) الباهرات (وخصّ محمدا صلى الله عليه وسلّم) منهم (بأنه خاتم النبيين) كما قال تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} (المبعوث إلى الخلق كافة)، كما في خبر مسلم: «وأرسلت إلى الخلق كافة»، وفسر بالإنس والجنّ كما فسر بهما من بلغ في قوله تعالى: {وأوحى إليّ هذا القرآن لأنذركم به} ومن بلغ أي بلغه القرآن والعالمين في قوله: {نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}، وصرح الحليمي والبيهقي بأنه صلى الله عليه وسلّم لم يرسل إلى الملائكة، وفي تفسيري الإمام الرازي والنسفي حكاية الإجماع على ذلك، لكن نقل بعضهم عن تفسير الرازي أنه أرسل إليهم أيضا، وكأنه أخذه من بعض نسخه فإن نسخه مختلفة. (المفضل عليهم) أي على الخلق كافة من الأنبياء والملائكة وغيرهم فلا يشركه غيره من الأنبياء فيما ذكر. (ثم) يفضل بعده (الأنبياء ثم خواص الملائكة) عليهم الصلاة والسلام، فخواص الملائكة أفضل من البشر غير الأنبياء، وقولي خواص من زيادتي. (والمعجزة) المؤيد بها الرسل، (أمر خارق للعادة) بأن يظهر على خلافها كإحياء ميت وإعدام جيل وانفجار المياه من بين الأصابع، (مقرون بالتحدّي) منهم أي بطلبهم الإتيان بمثل ما أتوا به ولو بالإشارة كدعواهم الرسالة، (مع عدم المعارضة).
من المرسل إليهم بأن لا يظهر منهم مثل ذلك الخارق فخرج غير الخارق كطلوع الشمس كل يوم والخارق بلا تحدّ والخارق المتقدّم على التحدّي والمتأخر عنه بما يخرجه عن المقارنة العرفية والسحر والشعبذة، فلا شيء منها بمعجزة كما أوضحته مع زيادة في الحاشية. (والإيمان تصديق القلب) بما علم مجيء الرسول به من عند الله ضرورة أي الإذعان والقبول له والتكليف بذلك مع أنه من الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية بالتكليف بأسبابه كإلقاء الذهن وصرف النظر وتوجيه الحواس. (ويعتبر فيه) أي في التصديق المذكور أي في الخروج به عندنا عن عهدة التكليف بالإيمان، (تلفظ القادر) على الشهادتين (بالشهادتين)، لأنه علامة لنا على التصديق الخفي عنا حتى يكون المنافق مؤمنا عندنا كافرا عند الله تعالى. قال الله تعالى: {إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} حالة كون التلفظ بذلك (شرطا) للإيمان كما عليه جمهور المحققين يعني أنه شرط لإجراء أحكام المؤمنين في الدنيا من توارث ومناكحة وغيرهما. (لا شطرا) منه كما قيل به فمن صدّق بقلبه ولم يتلفظ بالشهادتين مع تمكنه من التلفظ بهما ومع عدم مطالبته به كان مؤمنا عند الله على الأول دون الثاني، كما ذكره السعد التفتازاني في شرح المقاصد، وهو ظاهر كلام الغزالي تبعا لظاهر كلام شيخه إمام الحرمين، وما نقل عن الجمهور من أنه كافر عند الله كما هو كافر عندنا مفرع على الثاني، وترجيح الشرطية من زيادتي. (والإسلام) هو (التلفظ بذلك) وجرى الأصل على أنه أعمال الجوارح من الطاعات كالتلفظ بذلك والصلاة والزكاة أخذا بظاهر الخبر الآتي المحمول فيه الإسلام عند المحققين على أحكامه المشروعة أو على الإسلام الكامل. (ويعتبر فيه) أي في الإسلام أي في الخروج به عن عهدة التكليف به. (الإيمان) أي التصديق المذكور ولم يحك أحد خلافا في أن الإيمان شرط في الإسلام أو شطر، (والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، كذا في خبر الصحيحين المشتمل على بيان الإيمان، بأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وبيان الإسلام بالمعنى السابق بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. (والفسق) بأن يرتكب الكبيرة (لا يزيل الإيمان) خلافا للمعتزلة في زعمهم أنه يزيله بمعنى أنه واسطة بين الإيمان والكفر لزعمهم أن الأعمال جزء من الإيمان لقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى قوله: {حقا} ولخبر: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». وأجيب جمعا بين الأدلة بأن المراد بالإيمان في الآية كماله وبالخبر التغليظ والمبالغة في الوعيد وبأنه معارض بخبر: «وإن زنى وإن سرق». (والميت مؤمنا فاسقا) بأن لم يتب (تحت المشيئة) إما (يعاقب) بإدخاله النار لفسقه (ثم يدخل الجنة) لموته مؤمنا (أو يسامح) بأن لا يدخل النار بفضله فقط أو بفضله مع الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلّم أو ممن يشاؤه الله وزعمت المعتزلة أنه يخلد في النار ولا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه لقوله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}. قلنا هذا مخصوص بالكفار جمعا بين الأدلة. (وأول شافع وأولاه) يوم القيامة (نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم)، قال صلى الله عليه وسلّم: «أنا أول شافع وأول مشفع» رواه الشيخان، ولأنه أكرم عند الله من جميع العالمين، وله شفاعات أعظمها في تعجيل الحساب والإراحة من طول الوقوف وهي مختصة به الثانية في إدخال قوم الجنة بغير حساب قال النووي وهي مختصة به وتردّد بعضهم في ذلك، الثالثة فيمن استحق النار، كما مر. الرابعة في إخراج من أدخل النار من الموحدين ويشاركه فيهما الأنبياء والملائكة والمؤمنون. الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وجوز النووي اختصاصها به والكلام في العامة يوم القيامة، فلا يرد نحو الشفاعة في تخفيف عذاب القبر ولا الشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب. (ولا يموت أحد إلا بأجله) وهو الوقت الذي كتب الله في الأزل انتهاء حياته فيه بقتل أو غيره وذلك بأن الله قد حكم بآجال العباد بلا تردّد، وبأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وزعم كثير من المعتزلة أن القاتل قطع بقتله أجل المقتول، وأنه لو لم يقتله لعاش أكثر من ذلك لخبر: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ- أي يزاد له- في أثره فليصل رحمه». قلنا لا نسلم أن الأثر هو الأجل ولو سلم، فالخبر ظني لأنه من الآحاد وهو لا يعارض القطعي، وأيضا الزيادة فيه مؤولة بالبركة في الأوقات بأن يصرف في الطاعات. (والروح) وهي النفس (باقية بعد موت البدن) منعمة أو معذبة. (والأصح أنها لا تفنى أبدا)، لأن الأصل في بقائها بعد الموت استمراره وقيل تفنى عند النفخة الأولى كغيرها. (كعجب الذنب) بفتح العين وسكون الجيم وموحدة على الأشهر، وهو في أسفل الصلب يشبه في المحل محل أصل الذنب من ذوات الأربع، فلا يفنى في الأصح لخبر الصحيحين: «ليس شيء من الإنسان إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة». وفي رواية لمسلم: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب» وقيل يفنى كغيره. وصححه المزني وتأول الخبر المذكور بأنه لا يبلى بالتراب بل بلا تراب كما يميت الله ملك الموت بلا ملك الموت والترجيح من زيادتي، (وحقيقتها)؛ أي الروح (لم يتكلم عليها نبينا) محمد صلى الله عليه وسلّم. وقد سئل عنها لعدم نزول الأمر ببيانها قال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} (فنمسك) نحن (عنها)، ولا يعبر عنها بأكثر من موجود كما قال الجنيد وغيره والخائضون فيها اختلفوا فقال جمهور المتكلمين، ونقله النووي في شرح مسلم عن تصحيح أصحابنا إنها جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر. وقال كثير منهم إنها عرض وهي الحياة التي صار البدن بوجودها حيا. وقال الفلاسفة وكثير من الصوفية إنها ليست بجسم ولا عرض بل جوهر مجرد قائم بنفسه غير متحيز متعلق بالبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه، واحتج للأول بوصفها في الأخبار بالهبوط والعروج والتردُّد في البرزخ.
(وكرامات الأولياء) وهم العارفون بالله تعالى المواظبون على الطاعات المجتنبون للمعاصي المعرضون عن الانهماك في اللذات والشهوات (حق) أي جائزة وواقعة له ولو باختيارهم وطلبهم كجريان النيل بكتاب عمر، ورؤيته وهو على المنبر بالمدينة جيشه بنهاوند حتى قال لأمير الجيش يا سارية الجبل الجبل محذرا له من وراء الجبل لمكر العدوّ ثم، وسماع سارية كلامه مع بعد المسافة وكالمشي على الماء وفي الهواء وغير ذلك مما وقع للصحابة وغيرهم، (ولا تختص) الكرامات (بغير نحو ولد بلا والد) مما شمله قولهم ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي. (خلافا للقشيري) وإن تبعه الأصل وغيره، فالجمهور على خلافه، وأنكروا على قائله حتى ولده أبو النصر في كتابه المرشد، بل قال النووي إنه غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان ونحوه، وقد بسطت الكلام على ذلك في الحاشية، وقيل تختص بغير الخوارق كإجابة دعاء وموافاة ماء بمحل لا تتوقع فيه المياه، (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة) ببدعته كمنكري صفات الله وخلقه أفعال عباده وجواز رؤيته يوم القيامة، (على المختار) وكفرهم بعض، وردّ بأن إنكار الصفة ليس إنكارا للموصوف أما من خرج ببدعته عن أهل القبلة كمنكري حدوث العالم والبعث والحشر للأجسام والعلم بالجزئيات، فلا نزاع في كفرهم لإنكارهم بعض ما علم مجيء الرسول به ضرورة وذكر الخلاف من زيادتي. (ونرى) أي نعتقد (أن عذاب القبر) وهو للكافر والفاسق المراد تعذيبه بأن يردّ الروح إلى الجسد أو ما بقي منه حق لخبري الصحيحين: «عذاب القبر حق»، وأنه صلى الله عليه وسلّم مرّ على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان». (و) أن (سؤال الملكين) منكر ونكير للمقبور بعد ردّ روحه إليه عن ربه ودينه ونبيه، فيجيبهما بما يوافق ما مات عليه من إيمان أو كفر حق لخبر الصحيحين: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا النبي محمد؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري» إلخ. وفي رواية لأبي داود وغيره فيقولان له من ربك وما دينك وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول المؤمن ربي الله وديني الإسلام والرجل المبعوث رسول الله، ويقول الكافر في الثلاث لا أدري. وفي رواية البيهقي فيأتيه منكر ونكير. (و) أن (المعاد الجسماني) حق قال تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده)، {كما بدأنا أول خلق نعيده} وأنكرت الفلاسفة إعادة الأجسام قالوا وإنما تعاد الأرواح بمعنى أنها بعد موت البدن تعاد إلى ما كانت عليه من التجرّد متلذذة بالكمال أو متألمة بالنقصان. (وهو) أي المعاد الجسماني (إيجاد) لأجزاء الجسم الأصلية ولعوارضه (بعد فناء) لها (أو جمع بعد تفرّق) لها مع إعادة الأرواح إليها فهما قولان. (والحق التوقف) إذ لم يدل قاطع سمعي على تعين أحدهما، وإن كان كلام الأصل يميل إلى تصحيح الأول، وصرّح به شارحه الجلال المحلي، وقد بسطت الكلام على ذلك في الحاشية. (و) أن (الحشر) للخلق بأن يجمعهم الله للعرض والحساب بعد إحيائهم المسبوق بفنائهم حق ففي الصحيحين أخبار: «يحشر الناس حفاة مشاة عراة غرلًا» أي غير مختتنين. (و) أن (الصراط) وهو جسر ممدود على ظهر جهنم أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف يمرّ عليه جميع الخلائق فيجوزه أهل الجنة وتزلّ به أقدام أهل النار حق ففي الصحيحين أخبار: «يضرب الصراط بين ظهري جهنم ومرور المؤمنين عليه متفاوتين وأنه مزلة». أي تزلّ به أقدام أهل النار فيها. (و) أن (الميزان) وهو جسم محسوس ذو لسان وكفتين يعرف به مقادير الأعمال بأن توزن به صحفها أو هي بعد تجسمها. (حق) لخبر البيهقي: «يؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان» إلخ. (والجنة والنار مخلوقتان الآن). يعني قبل يوم الجزاء للنصوص الواردة في ذلك نحو (أعدّت للمتقين) (أعدت للكافرين) وقصة آدم وحوّاء في إسكانهما الجنة وإخراجهما منها، وزعم أكثر المعتزلة أنهما يخلقان يوم الجزاء لقوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادا} قلنا نجعلها بمعنى نعطيها لا بمعنى تخلقها مع أنه يحتمل الحال والاستمرار. (ويجب على الناس نصب إمام) يقوم بمصالحهم كسدّ الثغور وتجهيز الجيوش وقهر المتغلبة والمتلصصة لإجماع الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم على نصبه حتى جعلوه أهم الواجبات، وقدّموه على دفنه صلى الله عليه وسلّم ولم يزل الناس في كل عصر على ذلك. (ولو) كان من ينصب (مفضولًا)، فإن نصبه يكفي في الخروج عن عهدة النصب، وقيل لا بل يتعين نصب الفاضل وزعمت الخوارج أنه لا يجب نصب إمام وبعضهم وجوبه عند ظهور الفتن دون وقت الأمن وبعضهم عكسه والإمامية وجوبه على الله تعالى. (ولا نجوّز) نحن أيها الأشاعرة. (الخروج عليه) أي على الإمام وجوّزت المعتزلة الخروج على الجائر لانعزاله بالجور عندهم. (ولا يجب على الله) تعالى (شيء) لأنه خالق الخلق، فكيف يجب لهم عليه شيء، ولأنه لو وجب عليه شيء لكان لموجب ولا موجب غير الله، ولا يجوز أن يكون بإيجابه على نفسه لأنه غير معقول وأما نحو: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} فليس من باب الإيجاب والإلزام بل من باب التفضل والإحسان. وقالت المعتزلة يجب عليه أشياء منها الجزاء على الطاعة والعقاب على المعصية ومنها اللطف بأن يفعل في عباده ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية بحيث لا ينتهون إلى حدّ الإلجاء، ومنها الأصلح لهم في الدنيا من حيث الحكمة والتدبير.
(ونرى) أن نعتقد (أن خير البشر بعد الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أبو بكر) خليفة نبينا (فعمر فعثمان فعليّ) أمراء المؤمنين (رضي الله عنهم) لإطباق السلف على خيرتهم عند الله بهذا الترتيب، وقالت الشيعة، وكثير من المعتزلة الأفضل بعد الأنبياء عليّ، وذكر خيرية الأربعة على أمم غير نبينا من زيادتي. (و) نرى (براءة عائشة) رضي الله عنها من كل ما قذفت به لنزول القرآن ببراءتها قال تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك} الآيات. (ونمسك عما جرى بين الصحابة) من المنازعات والمحاربات التي قتل بسببها كثير منهم، فتلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا، ولأنه صلى الله عليه وسلّم مدحهم وحذر عن التكلم فيما جرى بينهم فقال: «إياكم وما شجر بين أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه». (ونراهم مأجورين) في ذلك، لأنه مبني على الاجتهاد في مسألة ظنية للمصيب فيها أجران على اجتهاده وإصابته وللمخطئ أجر على اجتهاده كما في خبر الصحيحين: «إن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». (و) نرى (أن أئمة المذاهب) الأربعة (وسائر أئمة المسلمين) أي باقيهم (كالسفيانين) الثوري وابن عيينة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وداود الظاهري. (على هدى من ربهم)، في العقائد وغيرها ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هو بريئون منه. (و) نرى (أن) أبا الحسن (الأشعري) وهو من ذرّية أبو موسى الأشعري الصحابي (إمام في السنة) أي الطريقة المعتقدة (مقدّم) فيها على غيره ولا التفات لمن تكلم فيه بما هو بريء منه. (و) نرى (أن طريق) الشيخ أبي القاسم (الجنيد) سيد الصوفية علما وعملًا (طريق مقوّم) أي مسدّد لأنه خال من البدع دائر على التسليم والتفويض والتبرّي من النفس، ومن كلامه الطريق إلى الله تعالى مسدود على خلقه لا على المقتفين، آثار رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكان يتستر بالفقه، ويفتي على مذهب شيخه أبي ثور ولا التفات لمن رماه وأتباعه بالزندقة عند الخليفة السلطان أبي الفضل جعفر المقتدر. (ومما لا يضرّ جهله) في العقيدة بخلاف ما قبله في الجملة، (وتنفع معرفته) فيها ما يذكر إلى الخاتمة، وهو (الأصح أن وجود الشيء) في الخارج واجبا كان أو ممكنا. (عينه) أي ليس زائدا عليه وقيل غيره أي زائدا عليه بأن يقوم به من حيث هو أي من غير اعتبار الوجود والعدم وإن لم يخل عنهما وقيل عينه في الواجب وغيره في الممكن، وعلى الأصح. (فالمعدوم) الممكن الوجود (ليس) في الخارج (بشيء ولا ذات ولا ثابت) أي لا حقيقة له في الخارج، وإنما يتحقق بوجوده فيه (و) الأصح (أنه) أي المعدوم المذكور (كذلك) أي ليس في الخارج بشيء ولا ذات ولا ثابت (على المرجوح). وقالت طائفة من المعتزلة إنه شيء أي حقيقة متقرّرة. (و) الأصح (أن الاسم) هو (المسمى)، وقيل غيره كما هو المتبادر فلفظ النار مثلًا غيرها، والمراد بالأول المنقول عن الأشعري في اسم الله وعن غيره مطلقا أن الاسم المدلول والمسمى في الجامد الذات من حيث هي، وفي المشتق عند الأشعري الذات باعتبار الصفة وعند غيره هما معا، فالإسلام في الجامد عند الأشعري وغيره هو المسمى، فلا يفهم من اسم الله مثلًا سواه، وفي المشتق عنده غيره إن كان صفة فعل كالخالق ولا عينه ولا غيره إن كان صفة ذات كالعالم وعند غيره هو المسمى كما في الجامد، ولا يخفى أن الخلاف فيما ذكر لفظي. (و) الأصح (أن أسماء الله توقيفية) أي لا يطلق عليه اسم إلا بتوقيف من المشرّع. وقالت المعتزلة ومن وافقهم يجوز أن يطلق عليه الأسماء اللائق معناها به، وإن لم يرد بها الشرع.
(و) الأصح (أن للمرء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله) وإن اشتمل على التعليق خوفا من سوء الخاتمة المجهولة وهو الموت على الكفر والعياذ بالله تعالى، ودفعا لتزكية النفس أو تبركا بذكر الله تعالى، أو تأدّبا وإحالة للأمور على مشيئة الله تعالى، فهو أعم من قوله يقول أنا مؤمن إن شاء الله خوفا من سوء الخاتمة. (لا شكا في الحال) في الإيمان، فإنه في الحال متحقق له جازم باستمراره عليه إلى الخاتمة التي يرجو حسنها ومنع أبو حنيفة وغيره أن يقول ذلك لإيهامه الشك المذكور، ويردّ بأن إيهام الشك لا يقتضي منع ذلك وإنما يقتضي أنه خلاف الأولى وهو كذلك، إذ الأولى الجزم كما جزم به السعد التفتازاني كغايره أما إذا قاله شكا في إيمانه فهو كافر. (و) الأصح (أن تمتيع الكافر) أي تمتيع الله له بمتاع الدنيا. (استدراج) من الله له حيث يمتعه مع علمه بإصراره على الكفر إلى الموت فهو نقمة عليه يزداد بها عذابه كالعسل المسموم. وقالت المعتزلة إنه نعمة يترتب عليها الشكر وتعبيري بتمتيع أولى من تعبيره بملاذ لسلامته من التجوز في إطلاق الاستدراج على الملاذ لأنه معنى وهي أعيان، (و) الأصح (أن المشار إليه بأنا الهيكل المخصوص) المشتمل على النفس، لأن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان يشير إلى هذه البنية المخصوصة، ولأن الخطاب متوجه إليها. وقال أكثر المعتزلة وغيرهم هو النفس لأنها المدبرة، وقيل مجموع الهيكل والنفس كما أن الكلام اسم لمجموع اللفظ والمعنى، (و) الأصح (أن الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ ثابت) في الخارج، وإن لم ير عادة إلا بانضمامه إلى غيره ونفاه الحكماء (و) الأصح (أنه لا حال أي لا واسطة بين الموجود والمعدوم)، وقيل إنها ثابتة كالعالمية واللونية للسواد مثلًا، وعلى الأول ذلك ونحوه من المعدوم، لأنه أمر اعتباري والقائل بالثاني عرفها بأنها صفة لموجود لا توصف بوجود ولا عدم، أي أنها غير موجودة في الأعيان ولا معدومة في الأذهان. (و) الأصح (أن النسب والإضافات أمور اعتبارية) يعتبرها العقل لا وجود لها في الخارج كما هو عند أكثر المتكلمين قالوا إلا الأين فموجود وسموه كونا وجعلوا أنواعه أربعة الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وقال أقلهم والحكماء الأعراض النسبية موجودة في الخارج وهي سبعة الأين وهو حصول الجسم في المكان والمتى وهو حصول الجسم في الزمان، والوضع وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ونسبتها إلى الأمور الخارجة عنه كالقيام والانتكاس والملك وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار ما يحيط به، وينتقل بانتقاله كالتقمص والتعمم، وأن انفعل وهو تأثير الشيء في غيره ما دام يؤثر، وأن ينفعل وهو تأثر الشيء عن غيره ما دام يتأثر كحال المسخن ما دام يسخن والمتسخن ما دام يتسخن، والإضافة وهي نسبة تعرض للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى كالأبوة والبنوة وهذه السبعة من جملة المقولات العشرة والثلاثة الباقية الجوهر والكم والكيف وهي معروفة في الكتب الكلامية، وبما تقرر علم أن قولي كغيري والإضافات من عطف الخاص على العام، وإنما لم أعبر عنها بالنسب لأن فيها كلاما مر. وأحيل على ذكرها هنا. (و) الأصح (أن العرض لا يقوم بعرض) وإنما يقوم بالجوهر الفرد أو المركب. أي الجسم كما مر وجوز الحكماء قيامه بالعرض، إلا أنه بالآخرة تنتهي سلسلة الأعراض إلى جوهر أي جوزوا اختصاص العرض بالعرض اختصاص النعت بالمنعوت كالسرعة والبطء للحركة، وعلى الأول هما عارضان للجسم وليسا بعرضين زائدين على الحركة، لأنها أمر ممتد يتخلله سكنات أقل أو أكثر باعتبارها تسمى الحركة سريعة وبطيئة.
(و) الأصح أن العرض (لا يبقى زمانين) بل ينقضي ويتجدّد مثله بإرادته تعالى في الزمان الثاني، وهكذا على التوالي حتى يتوهم من حيث المشاهدة أنه مستمر باق. وقال الحكماء إنه يبقى إلا الحركة والزمان والأصوات. (و) الأصح أن العرض (لا يحل محلين) وإلا لأمكن حلول الجسم الواحد في مكانين في حالة واحدة وهو محال، وقال قدماء الفلاسفة القرب ونحوه مما يتعلق بطرفين يحل محلين، وعلى الأول قرب أحد الطرفين مخالف لقرب الآخر بالشخص وإن تشاركا في الحقيقة. (و) الأصح (أن) العرضين (المثلين) بأن يكونا من نوع (لا يجتمعان) في محل واحد إذ لو قبلهما المحل لقبل الضدين، إذ القابل لشيء لا يخلو عنه أو عن مثله أو عن ضده واللازم باطل وجوزت المعتزلة اجتماعهما محتجين بأن الجسم المغموس في الصبغ ليسودّ يعرض له سواد، ثم آخر فآخر إلى أن يبلغ غاية السواد بالمكث. قلنا عروض السواد آت له ليس على وجه الاجتماع بل على وجه البدل فيزول الأول ويخلفه الثاني، وهكذا بناء على أن العرض لا يبقى زمانين كما مر، (كالضدين). فإنهما لا يجتمعان كالسواد والبياض لا كالبياض والخضرة لأنهما ليسا في غاية الخلاف (بخلاف الخلافين)، وهما أعم من الضدين فإنهما يجتمعان كالسواد والحلاوة، وفي كل من الأقسام يجوز ارتفاع الشيئين نعم يمتنع في ضدّين لا ثالث لهما. (والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان) كالقيام وعدمه، ودليل الحصر فيما ذكر أن المعلومين إن أمكن اجتماعهما فالخلافان وإلا فإن لم يمكن ارتفاعهما فالنقيضان أو الضدان اللذان لا ثالث لهما، وإلا فإن اختلفت حقيقتهما فالضدان اللذان لهما ثالث وإلا فالمثلان، وفائدته أنه لا يخرج عن الأربعة شيء إلا ما تفرد الله به لأنه تعالى ليس ضدًّا لشيء ولا نقيضا ولا خلافا ولا مثلًا.
(و) الأصح (أن أحد طرفي الممكن) وهما الوجود والعدم (ليس أولى به) من الآخر، بل هما بالنظر إلى ذاته جوهرا كان أو عرضا على السواء، وقيل العدم أولى به مطلقا لأنه أسهل وقوعا في الوجود لتحققه بانتفاء شيء من أجزاء العلة التامة للوجود المفتقر في تحققه إلى تحقق جميعها، وقيل أولى به في الأعراض السيالة كالحركة والزمان والصوت دون غيرها وقيل الوجود أولى به عند وجود العلة وانتفاء الشرط لوجود العلة وإن لم يوجد هو لانتفاء الشرط. (و) الأصح (أن) الممكن (الباقي محتاج) في بقائه، (إلى مؤثر)، كما يحتاج إليه في ابتداء وجوده، وقيل لا كما لا يحتاج بقاء البناء بعد بنائه إلى فاعل. (سواء) على الأول (قلنا إن علة احتياج الأثر) أي الممكن في وجوده (إلى المؤثر) أي العلة التي لاحظها العقل في ذلك، (الإمكان) أي استواء الطرفين بالنظر إلى الذات (أو الحدوث) أي الخروج من العدم إلى الوجود، (أو هما) على أنهما (جزآ علة أو الإمكان بشرط الحدوث) وهي (أقوال) فيحتاج الممكن في بقائه إلى مؤثر على الأول، لأن الإمكان لا ينفك عنه، وعلى جميع بقيتها، لأن شرط بقاء الجوهر العرض والعرض لا يبقى زمانين فيحتاج في كل زمان إلى المؤثر. (و) الأصح (أن المكان) الذي لا خفاء في أن الجسم ينتقل عنه، وإليه ويسكن فيه فيلاقيه بالمماسة أو النفوذ كما سيأتي معناه اصطلاحا. (بعد مفروض) أي مقدر (ينفذ فيه بعد الجسم وهو) أي هذا البعد. (الخلاء والخلاء جائز عندنا والمراد به كون الجسمين لا يتماسان ولا) يكون (بينهما ما يماسهما)، فهذا الكون الجائز هو الخلاء الذي هو معنى البعد المفروض الذي هو معنى المكان فيكون خاليا عن الشاغل، وقيل المكان السطح الباطن للحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى كالسطح الباطن للكوز المماس للسطح الظاهر من الماء الكائن فيه، وقيل هو بعد موجود ينفذ فيه بعد الجسم بحيث ينطبق عليه، وخرج بقيد النفوذ فيه بعد الجسم، والترجيح من زيادتي،
وعلى ما رجحته جمهور المتكلمين والقولان بعده للحكماء أوّلهما لأرسطو وأتباعه، وعليه بعض المتكلمين، وثانيهما لشيخه أفلاطون وأتباعه، وخرج بزيادتي عند الحكماء فمنعوا الخلاء أي خلوّ المكان بمعناه عندهم عن الشاغل إلا بعض قائلي الثاني فجوزوه، واحتج مجوزه بأنه لو لم يكن في العالم خلاء، بل كان العالم كله ملأ لزم من تحرك بقة تدافع العالم بأسره وهو باطل، واحتج مانعه بأن الماء إذا صبّ في إناء مشبك أعلاه، فإن الهواء يخرج عند صبّ الماء لمزاحمة الهواء له حتى يسمع لهما صوت عند تزاحمهما، أما معنى المكان لغة، فقال ابن جني ما حاصله ما وجد فيه سكون أو حركة.
(و) الأصح (أن الزمان) معناه اصطلاحا (مقارنة متجدّد موهوم لمتجدد معلوم) إزالة للإبهام من الأول بمقارنته للثاني كما في آتيك عند طلوع الشمس، وقيل هو جوهر ليس بجسم ولا جسماني.، أي داخل في الجسم فهو قائم بنفسه مجرد عن المادة، وقيل فلك معدّل النهار وهو جسم سميت دائرته أي منطقة البروج منه بمعدل النهار لتعادل الليل والنهار في جميع البقاع عند كون الشمس عليها، وقيل عرض فقيل حركة معدل النهار، وقيل مقدارها، والقول الأصح قول المتكلمين والأقوال بعده للحكماء، أما معناه لغة فالمدة من ليل أو نهار. (ويمتنع تداخل الجواهر) هو أعم من قوله تداخل الأجسام أي دخول بعضها في بعض على وجه النفوذ فيه من غير زيادة في الحجم لما فيه من مساواة الكل للجزء في العظم. (و) يمتنع (خلوّ الجوهر) مفردا كان أو مركبا (عن كل الأعراض) بأن لا يقوم به واحد منها بل يجب أن يقوم به عند وجوده شيء منها لأنه لا يوجد بدون التشخص والتشخص، إنما هو بالأعراض (والجسم غير مركب منها) لأنه يقوم بنفسه بخلافها. (وأبعاده) أي الجسم من طول وعرض وعمق (متناهية) أي لها حدود تنتهي إليها وزعم بعضهم أن لها حدودا لا نهاية لها، وتعبيري بالجسم أولى من تعبيره بالجوهر، (والمعلول يعقب علته رتبة) اتفاقا.
(والأصح) ما قاله الأكثر وصححه النووي في أصل الروضة (أنه يقارنها زمانا) عقلية كانت كحركة المفتاح بحركة اليد أو وضعية بوضع الشارع أو غيره كقولك لعبدك إن دخلت الدار فأنت حرّ، وكقول النحاة الفاعلية علة للرفع، وقيل يعقبها مطلقا، واختاره الأصل تبعا لوالده، لأنه لو قال لغير موطوءة إذا طلقتك فأنت طالق، ثم قال لها أنت طالق وقعت المنجزة دون المعلقة فلو قارن المعلول علته لوقعت المعلقة أيضا، وقد يردّ بأن عدم وقوعها لتقدم المنجزة رتبة فلم يكن المحل قابلًا للطلاق، وقيل يعقبها إن كانت وضعية لا عقلية. (و) الأصح (أن اللذة) الدنيوية من حيث تعيين مسماها، وإن كانت في نفسها بديهية. (ارتياح) أي نشاط للنفس. (عند إدراك) لما يلائم الارتياح. (فالإدراك ملزومها) أي ملزم اللذة لا نفسها، وقيل هي الخلاص من الألم بأن تدفعه، وردّ بأنه قد يلتذ بشيء من غير سبق ألم بضده كمن وقف على مسألة علم أو كنز مال فجأة ومن غير خطورهما بالبال وألم الشوق إليهما، وقيل هي إدراك الملائم فإدراك الحلاوة لذة تدرك بالذائقة، وإدراك الجمال لذة تدرك بالباصرة، وإدراك حسن الصوت لذة تدرك بالسامعة. وقال الإمام الرازي هي في الحقيقة ما يحصل بإدراك المعارف العقلية. قال وما يتوهم من لذة حسية كقضاء شهوتي البطن والفرج أو خيالية كحب الاستعلاء والرياسة فهو في الحقيقة دفع آلام بلذة الأكل والشرب والجماع دفع ألم الجوع والعطش ودغدغة المنيّ لأوعيته، ولذة الاستعلاء والرياسة دفع ألم القهر والغلبة. (ويقابلها) أي اللذة (الألم) فهو على الأول انقباض عند إدراك ما لا يلائم، وعلى الثاني ما يحصل ما يؤلم، وعلى الثالث إدراك غير الملائم، وعلى الرابع ما يحصل عند عدم إدراك المعارف. (وما تصوّره العقل إما واجب أو ممتنع أو ممكن) لأن ذات المتصوّر إما أن تقتضي وجوده في الخارج أو عدمه أو لا تقتضي شيئا منهما بأن يوجد تارة، ويعدم أخرى. والأول الواجب، والثاني الممتنع، والثالث الممكن، وكل منهما لا ينقلب إلى غيره لأن مقتضى الذات لازم لها لا يعقل انفكاكه عنها.