فصل: باب النجاسة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: غايـة البيـان شرح زبد ابن رسـلان ***


كتاب الطهارة

77 - وإنَّمَا يَصِحُّ تَطهيرٌ بِمَا *** أُطلِقَ لا مُستَعمَلٍ ولا بِمَا

78 - بطاهِرٍ مُخَالِطٍ تَغَيَّرَا *** تَغَيُّرَا إِطلاقَ الاِسم غَيَّرَا

79 - في طَعمِهِ أو ريحِهِ أو لَونِهِ *** ويُمكِنُ استِغنَاؤُهُ بِصَونِهِ

80 - واستَثْنِ تَغييراً بعُودٍ صُلْبِ *** أو وَرَقٍ أو طُحْلُبٍ أو تُرْبِ

81 - ولا بِماءٍ مُطْلَقٍ حَلَّتْهُ عَيْنْ *** نَجَاسَةٍ وَهْوَ بِدُونِ القُلَّتَيْنْ

82 - واستَثْنِ مَيْتَاً دَمُهُ لَم يَسِلْ *** أو لا يُرَى بالطَّرْفِ لَمَّا يَحصُلِ

83 - أو قُلَّتَيْنِ بالرُّطَيْلِ الرَّمْلِي *** فَوقَ ثَمَانين قَرِيبَ رِطْلِ

84 - أو قُلَّتَيْنِ بالدِّمَشقِيِّ هِيَهْ *** ثَمَانُ أَرطالٍ أَتَت بَعدَ مِيَهْ

85 - والنَّجَسُ الوَاقِعُ قَد غَيَّرَهُ *** واختِيرَ في مُشَمَّسٍ لا يُكْرَهُ

86 - وإِنْ بنَفْسِهِ انتَفَى التَّغَيُّرُ *** والماءُ لا كزَعفَرَانٍ يَطْهُرُ

87 - وكُلُّ ما استُعمِلَ في تَطهيرِ *** فَرْضٍ وقَلَّ ليس بالطَّهُورِ

كتاب الطهارة‏:‏ الكتاب لغة الضم والجمع وفي الاصطلاح اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبا والطهارة مصدر طهر بفتح الهاء وضمها والفتح أفصح يطهر بضمها فيهما وهي في اللغة النظافة والخلوص من الأدناس حسية كانت كالأنجاس أو معنوية كالعيوب وشرعا زوال المنع المترتب على الحدث أو الحبث أو الفعل الموضوع لإفادة ذلك أو لإفادة بعض آثاره كالتيمم فإنه يفيد جواز الصلاة الذي هو من آثار ذلك فهي قسمان ولهذا عرفها النووي وغيره باعتبار القسم الثاني بأنها رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما كالتيمم والأغسال المسنونة وتجديد الوضوء والغسلة الثانية والثالثة وإنما يصح تطهير بما أطلق بالبناء لما لم يسم فاعله أي إنما يصح التطهير في غير الاستحالة والتيمم بالماء المطلق وأفاد تعبيره بأنما المفيدة للحصر حصر التطهير في الماء المطلق وهو كذلك لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏}‏ ذكر الماء امتنانا فلو طهر غيره فات الامتنان ولما يأتي أما في الحدث وهو هنا أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص فلقوله تعالى ‏{‏فلم تجدوا ماء فتيمموا‏}‏ الآية وأما في النجس فلخبر ‏(‏صبوا عليه أي بول الأعرابي ذنوبا من ماء‏)‏ والأمر للوجوب فلو رفع غير الماء لم يجب التيمم عند فقده ولا غسل البول به ولا يقاس به غيره لاختصاص الطهر به تعبدا أو لما حوى من الرقة واللطافة التي لا توجد في غيره ودخل في عبارته تطهير دائم الحدث والغسلة الثانية والثالثة والوضوء المجدد والأغسال المسنونة وتناول الماء جميع أنواعه بأي صفة كان من أحمر وأسود ومنحل ثلج أو برد ومنعقد ملح أو حجر ومتصاعد من غليان الماء لأنه ماء حقيقة وينقص الماء بقدره وخرج به مالا يسمى ماء كتراب تيمم وحجر استنجاء وأدوية دباغ وشمس وريح غيرها حتى التراب في غسلات النجاسة المغلظة فإن المطهر لها هو الماء بشرط امتزاجه بالتراب في غسلة منها كما سيأتي في بابها والمطلق ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد وإن قيد لموافقة الواقع كماء بئر وثلج وبرد فدخل فيه المتغير كثيرا بما لا يؤثر كطين وطحلب وخرج به المقيد بإضافة نحوية كماء الورد وبصفه كماء دافق أي مني وبلام عهد كقوله في الخبر ‏(‏نعم إذا رأت الماء‏)‏ أي المني لا مستعمل أي لا يصح التطهير بماء مستعمل قليل في فرض من رفع حدث وإزالة نجس والمراد بالفرض ما لا بد منه آثم تاركه أولا فشمل ما توضأ به الحنفي الذي لا يعتقد وجوب النية وما اغتسلت به الكافرة ليحل وطؤها وما توضأ به الصبي واقتضى كلام الناظم أنه غير مطلق وهو كذلك ولا يحنث بشربه من حلف لا يشرب ماء ولا يقع شراؤه إن وكل في شراء ماء ولا بما موصولة أو نكرة موصوفة بطاهر مخالط تغيرا تغيرا إطلاق الاسم غيرا في طعمه أو ريحه أو لونه ويمكن استغناؤه بصونه أي لا يصح التطهير بماء تغير بطاهر مخالط له تغيرا كثيرا يمنع إطلاق اسم الماء عليه ويحدث له اسما آخر سواء أكان في طعمه أم ريحه أم لونه وسواء أكان التغير حسيا أم تقديريا كما لو وقع فيه موافق له في صفاته كماء مستعمل أو ماء شجر أو عرق فلم يغيره لكنه لو قدر مخالفا له لغيره كثيرا ويعتبر تقديره بأوسط الصفات كلون العصير وطعم الرمان وريح اللاذن بخلاف النجس كبول انقطع ريحه واختلط بماء كثير ولم يظهر به تغير فأنا نقدره بأشد الصفات كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك وخرج به مالم يتغير أو تغير لا بأحد الأوصاف الثلاثة كالمسخن والمبرد أو بأحدها لا بمخالط كالمتغير بما قرب منه أو بطول المكث أو بمجاور كدهن وكافور صلب وقطران إن لم يختلط بالماء أو بما يخالطه ولا غنى للماء عنه كالمتغير بطين أو طحلب متفتت أو نورة أو زرنيخ بمقر الماء أو ممره أوله عنه غنى وغيره يسيرا فكل منها يطهر لبقاء إطلاق اسم الماء عليه وحيث لم يتغير الخليط جاز استعمال الجميع لاستهلاكه وبقاء الاسم وعلى هذا يجب تكميل الناقص عن الطهر بالمستهلك حيث لم يجاوز ثمنه ثمن الماء المعجوز عنه والمخالط مالا يتميز في رأى العين والمحاور بخلافه وفي تعلق بما بتغيرا تضمين وهو أن لا يظهر معنى البيت إلا بآخر وهو عيب في الشعر خلافا للأخفش وقس عليه نظائره والألف في قوله تغيرا وغيرا للإطلاق واستثن أيها الناظر مما تقدم تغييرا بمجاور تغيرا كثيرا بعود صلب فإنه يصح التطهير به لأن تغيره بذلك تروح لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه أوورق من شجر تناثر وتفتت ولو كان ربيعيا أو بعيدا عن الماء فإنه يصح التطهير به لعسر الاحتراز عنه فإن طرح ولو صحيحا وتفتت ضر لكونه مخالطا مستغنى عنه أما غير المتفتت فمجاور وقد مر أنه لا يضر وخرج بالورق الثمار الساقطة ونحوها فتضر لإمكان الاحتراز عنها غالبا أو طحلب بضم الطاء مع ضم اللام وفتحها وكل ما في مقر الماء وممره فإنه يصح التطهير به لتعذر صون الماء عنه أو ترب ولو مستعملا ما لم يسم طينا فإنه يصح التطهير به لأن التغير به مجرد كدورة وهي لا تسلب الطهورية ومما يستثنى أيضا المتغير بملح مائي وإن طرح فإنه يصح التطهير به لانعقاده من الماء كالجمد بخلاف الملح الجبلي إذا لم يكن في مقر الماء وممره وقوله واستثن بمعنى استدرك إذ هو استثناء منقطع ويمكن أن يجعل منقطعا فيما عدا الرابعة متصلا فيها بناء على رأى من يجعل التغير فيما عداها سالبا للإسم وقد مر ما يؤخذ منه أن الراجح خلافه‏.‏

وقول الناظم ترب إحدى لغات التراب ولا بماء مطلق حلته عين نجاسة وهو دون القلتين أي لا يصح التطهير بماء مطلق حلت فيه عين نجاسة والحال أنه قليل ولو جاريا ولم يتغير لتنجسه بها للخبر الآتي وخرج بالماء غيره من المائع وإن كثر ومن الجامد بتوسط رطوبة فإنه ينجس فإن بلغ ما تنجس بالملاقاة قلتين بماء ولو طاهرا أو متنجسا فطهور ووصف الناظم الماء بالاطلاق قبل حلولها فيه أفاد به تنجس الماء الطاهر غير الطهور بحلولها فيه بالأولى وفي بعض النسخ وهو بدون القلتين واستثن أيها الواقف ميتا دمه لم يسل عند شق عضو منه في حياته كذباب ونمل ونحو وعقرب وبق وقمل وبرغوث ووزغ فلا ينجس ماء قليلا ولو مائعا مالم يطرح فيه ميتا أو غيره لخبر البخاري ‏(‏إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء‏)‏ زاد أبو داود ‏(‏وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء‏)‏ أمر بغمسه وقد يفضى إلى موته فلو نجس الماء لما أمر بذلك وقيس بالذباب ما في معناه مما لا يسيل دمه بخلاف نحو حية وضفدع فلو شككنا في سيل دمه امتحن بجنسه فيجرح للحاجة كما قاله الغزالى ولو كان مما يسيل دمه لكن لا دم فيه أو فيه دم لا يسيل لصغره فله حكم ما يسيل دمه كما ذكره القاضي أبو الطيب فإن طرح فيه ميتا ولو كان مما نشئوه منه نجسه لندرته إذ لا يشق الاحتراز عنه وكذا إن غيره أو لا يرى بالطرف أي البصر لما يحصل لقلته كرشاش بول أو خمر فلا ينجس ما حل فيه لمشقة الاحتراز عنه ولو رأى قوي البصر ما لا يراه غيره فالظاهر العفو كما قاله الزركشي وغيره كما في سماع نداء الجمعة وكالماء في هاتين الصورتين المائع والرطب ويستثنى أيضا مسائل منها الحيوان غير الآدمي إذا وقع في ماء قليل وعلى منفذه نجاسة وخرج منه حيا فإنه لا ينجسه بخلاف المستجمر فإنه ينجسه ومنها اليسير عرفا من دخان النجاسة ومن شعر نجس من غير كلب وخنزير ومن غبار السرجين وقوله يحصل بكسر اللام للوزن ثم عطف على قوله وهو بدون القلتين قوله أو قلتين وقدرهما بالرطيل الرملي نسبة لبلدة بالشام فوق ثمانين قريب رطل أي الذي وزنه ثمانمائة درهم قريب أحد وثمانين رطلا والقلتان بالدمشقي ميه ونحو أرطال أتت ثمانيه والرطل على هذا في مرجح الرافعي في رطل بغداد مائة وثلاثون درهما فيكون مائة رطل وثمانية أرطال وثلث رطل وعلى ما صححه النووي من أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم مائة وسبع رطل وبالبغدادي خمسمائة رطل وبالمصري على مرجح الرافعي أربعمائة وأحد وخمسون رطلا وثلث رطل وثلثا أوقية لا أربعة أخماس أوقية كما توهمه بعضهم وعلى ما صححه النووي أربعمائة وستة وأربعون رطلا وثلاثة أسباع رطل وبالمساحة في المربع ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا وفي بعض النسخ بدل هذا البيت أو قلتين بالدمشقي ميه ثمان أرطال أتت بعد ميه والنجس الواقع قد غيره أي لا يصح التطهير بماء مطلق حلت فيه عين نجاسة وهو دون القلتين وإن كان جاريا ولم تغيره لتنجسه بها لخبر مسلم ‏(‏إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده‏)‏ نهاه عن الغمس خشية النجاسة ومعلوم أنها إذا خفيت لا تغير الماء فلولا أنها تنجسه بوصولها لم ينهه ولمفهوم خبر أبي داود وغيره وقال النووي إنه حسن والحاكم أنه صحيح على شرط الشيخين إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وفي رواية صحيحة كما قال البيهقي لم ينجس فمعنى لم يحمل خبثا لم يقبله لهذه الرواية وخرج بالماء المائع وإن كثر والجامد بتوسط رطوبته فإنه ينجس وفارق كثير الماء كثير غيره بأن كثيره قوى ويشق حفظه من النجس بخلاف غيره وإن كثر فإن بلغ ما تنجس بالملاقاة قلتين بماء طاهر أو متنجس ولا تغير به عاد طهورا وأما الماء الجاري فإنه وإن كانت جرياته متصلة حسا فهي منفصلة حكما إذ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عما وراءها فلو وقع فيها نجس فكما لو وقع في راكد حتى لو كانت قليلة تنجست بوصوله إليها وإن بلغت مع ما أمامها وخلفها قلتين لتفاصل أجزاء الجاري فلا يتقوى بعضه ببعض بخلاف الراكد والجرية إذا بلغ كل منهما قلتين ولو وقع فيها وهي قليلة نجس جامد فإن كان موافقا لجرياتها تنجست دون ما أمامها وما خلفها أو واقفا أو جريها أسرع فمحله وما أمامه مما مر عليه نجس وإن امتد فراسخ حتى يجتمع في حفرة أو يتراد وعليه يقال ماء ألف قلة ينجس بلا تغير والجرية التي تعقب جرية النجس الجاري تغسل المحل فلها حكم الغسالة حتى لو كانت النجاسة مغلظة فلا بد من سبع جريات واختير دليلا عند النووي في روضته وغيرها وصححه في تنقيحه وقال في مجموعه إنه الصواب الموافق للدليل ولنص الأم والخبر ضعيف باتفاق المحدثين وكذا لأثر فإنه من رواية إبراهيم بن أبي يحيى وقد اتفقوا على تضعيفه وجرحوه إلا الشافعي فوثقه فثبت أنه لا أصل للكراهة ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء اه وأجيب بأن دعواه أن الموافق للدليل ولنص الأم عدم الكراهة ممنوعة وأثر عمر رواه الدار قطني بإسناد آخر صحيح على أن الحصر في قوله إلا الشافعي فوثقه ممنوع بل وثقه ابن جريج وابن عدي وغيرهما كما ذكره الأسنوى وقوله ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء شهادة نفي لا يرد بها قول الشافعي أو يكفى في إثباته قول سيدنا عمر الذي أعرف بالطب من غيره وتمسكه به من حيث إنه خبر لا تقليد في مشمس لا يكره استعماله والمذهب كراهة ماسخنته الشمس بحدتها وإن لم يكن بفعل أحد حيث كان بمنطبع أي منطرق غير ذهب أو فضة في قطر حار كمكة ولو في ميت أو أبرص مالم يبرد ووجد غيره والكراهة شرعية وسواء كان في طهارة أم شرب أم طعام مائع والأصل فيه ما رواه البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وقد سخنت ماء بالشمس يا حميراء لا تفعلي هذا فإنه يورث البرص وروى الشافعي عن عمر أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس وقال إنه يورث البرص والمراد به ما أثرت فيه لا ما انتقل من حالة إلى حالة أخرى والمعنى أن الشمس بحدتها تفصل من المنطبع زهومة تعلو الماء فإذا لاقت البدن خيف عليه البرص بخلاف المسخن بالنار ابتداء لذهاب الزهومة بها والعلة تقتضي أن غير الماء من المائعات كالماء وبه جزم الزركشي قال البلقيني وغير الآدمي من الحيوانات إن كان البرص يدركه كالخيل أو يتعلق بالآدمي منه ضرر اتجهت للكراهة وإلا فلا ومما يكره استعماله شديد الحرارة والبرودة لمنعه الإسباغ فإن فقد غيره وضاق الوقت وجب أو خاف منه ضررا حرم كما نبه عليه المحب الطبري وكل ماء مغضوب عليه كمياه ثمود إلا بئر الناقة وماء ديار قوم لوط لخسفها وماء ديار بابل لخبر أبي داود ‏(‏إنها أرض ملعونة‏)‏ وماء بئر ذي أروان التي وضع فيها السحر للنبي صلى الله عليه وسلم لمسخ مائها حتى صار كنقاعة الحناء وماء بئر برهوت لخبر ابن حبان ‏(‏شر بئر في الأرض برهوت‏)‏ وإن بنفسه انتفى التغير والماء أي إذا انتفى تغير الماء الكثير بالنجس بأن لم يدرك بنفسه ولا بعين كطول مكث وهبوب ريح أو بماء نبع فيه أو صب عليه ولو متنجسا طهر لانتفاء علة التنجس وهي التغير ولا يضر عود تغيره إذا خلا عن نجس جامد لا كزعفران يطهر أي إذا زال التغير ظاهرا بعين ساترة له كأن زال بنحو جص أو تراب أو زال تغير لونه بزعفران أو ريحه بمسك أو طعمه بخل لم يطهر للشك في أن تغيره زال أو استتر بل الظاهر الاستتار وقضية العلة أنه لو صفا الماء ولم يبق به تغير طهر وبه صرح في المجموع في التراب وغيره مثله وكل مستعمل في تطهير فرض من رفع حدث أو إزالة نجس ولو معفوا عنه إذ هو فرض أصالة وقل بأن كان دون القلتين ليس بالطهور لانتقال المنع إليه ولأن السلف لم يجمعوه في أسفارهم لاستعماله ثانيا مع أحتياجهم إليه وعدم استقذاره في الطهارة بل عدلوا إلى التيمم والمراد بالفرض مالا بد منه أثم تاركه أم لا فشمل ما أغتسلت به الكتابية من حيض أو نفاس ليحل وطؤها وطهارة حنفى ولو بلانية كما مر وتطهير الوجه قبل بطلان التيمم وغسل الميت وخرج بالفرض كالماء المستعمل في نفل كالغسلة الثانية والوضوء المجدد والغسل المسنون وغسل الرجلين في الخف قبل بطلان مسحمها فإنه طهور وخرج بقوله وقل ما لو كان كثيرا فهو طهور ولو انغمس ذو حدث أكبر في ماء دونهما ثم نوى ارتفع حدثه وصار مستعملا بالنسبة لغيره لا بالنسبة له حتى يخرج منه حتى لو أحدث حالة إنغماسه فلو رفع حدثه به لبقاء صورة الاستعمال والماء حال استعماله باق على طهوريته ولو نوى قبل تمام انغماسه ارتفع حدثه عن الجزء الملاقى وله تتميم انغماسه ويرتفع حدثه فلو غرف بأناء أو يده ثم غسل الباقي لم يرتفع حدثه ولو انغمس فيه جنبان ونويا معا بعد تمام انغماسهما ارتفعت جنابتهما أو مرتبا ارتفعت عن الأول لا الثاني ولو نويا معا بعد غسل جزء منهما ارتفعت جنابة الجزء وصار الماء مستعملا بالنسبة لهما والماء حال تردده على عضو غير مستعمل بالنسبة له فإن جرى من عضو المتوضئ إلى عضو آخر ولو من يد إلى أخرى صار مستعملا ولو انفصل من عضو الجنب إلى عضو آخر فيما لا يغلب فيه التقاذف كان مستعملا ولو غمس المتوضئ يده في إناء قبل فراغ الوجه لم يصر مستعملا وكذا بعده إن نوى الاغتراف والإصار مستعملا والجنب بعد النية كالمحدث بعد غسل وجهه ولو غسل كل منهما بماء في كفه باقى يده أجزأه بخلاف ما لو غسل به نميرها فإنه لا يكفى‏.‏

باب النجاسة

88 - المُسْكِرُ المائِعُ والخِنْزِيرُ *** والكلبُ مع فَرْعَيْهِمَاوالسُّورُ

89 - ومَيْتَةٌ مَعَ العِظَامِ والشَّعَرْ *** والصُّوفِ لا مَأكُولَةٌ ولا بَشَرْ

90 - والدَّمُ والقَيْءُ وكُلُّ ما ظَهَرْ *** مِنَ السَّبِيلَيْنِ سِوَى أَصل البَشَرْ

91 - وجُزْءُ حَيٍّ كَيَدٍ مفصولِ *** كَمَيْتِهِ لاشَعَرُ المأكُولِ

92 - وصُوفُهُ وريشُهُ ورِيقَتُهْ *** وعَرَقٌ والمِسْكُ ثُمَّ فَأرَتُهْ

93 - وتَطْهُرُ الخَمرُ إذا تَخَلَّلَتْ *** بنَفسِهَا وإِن غَلَتْ أو نُقِلَتْ

94 - وجِلْدُ مَيْتَةٍ سِوَى خِنْزِيرِ بَرْ *** والكلبِ اِنْ يُدْبَغْ بِحِرِّيفٍ طَهَرْ

95 - نجاسَةُ الخِنزيرِ مثلُ الكَلبِ *** تُغْسَلُ سَبْعَا مَرَّةً بِتُرْبِ

96 - وما سِوَى ذَيْنِ فَفَرْدَا يُغْسَلُ *** والحَتُّ والتَثْليثُ فيه أفضَلُ

97 - يَكفيكَ جَرْيُ المَا على الحُكمِيَّهْ *** وأَنْ تُزَالَ العَينُ مِن عَيْنِيَّهْ

98 - وبَوْلُ طِفلٍ غَيرَدَرِّ ما أَكَلْ *** يَكْفِيه رَشٌّ إِنْ يُصِبْ كُلَّ المَحَلْ

99 - وماءُ مَغسولٍ له حُكْمُ المَحَلْ *** إِذْ لا تَغَيُّرٌ به حينَ انفَصَلْ

100 - ولْيُعْفَ عن نَزْرِ دَمٍ وَقَيْحِ *** مِنْ بَثْرَةٍ ودُمَّلٍ وقَرْحِ

باب النجاسة‏:‏ أي وإزالتها والباب أسم لجملة من العلم مشتملة على فصول غالبا والفصل أسم لجملة من العلم مشتملة على مسائل و النجاسة لها إطلاقان أحدهما على الحكم الشرعي الذى هو نقيض الطهارة وثانيهما على العين النجسة وهى بهذا الاطلاق لغة المستقذر وشرعا كل عين حرم تناولها على الأطلاق حالة الاختيار مع سهولة تمييزها لحرمتها ولا لاستقذارها ولا لضررها في بدن أو عقل فخرج بالاطلاق ما يباح قليله كبعض النباتات السمية وبحالة الاختيار حالة الضرورة فيباح فيها تناول النجاسة وبسهولة تمييزها دود الفاكهة ونحوها فيباح تناوله معها وهذان القيدان للإدخال لا للإخراج وبالبقية الآدمي والمخاط ونحوه والحشيشة المسكرة والسم الذي يضر كثيره وقليله والتراب فإن تناولها لم يحرم لنجاستها بل لحرمة الآدمى واستقذار المخاط ونحوه وضرر البقية وعرفها الناظم بالعد ليعلم طهارة غيرها على الأصل فقال المسكر المائع كنبيذ وخمر ولو مستحيلة في الحبات ومحترمة وهى ما عصرت لا بقصد الخمرية اما الخمر فتغليظا وزجرا عنها كالكلب ولقوله تعالى ‏{‏إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس‏}‏ والرجس شرعا هو النجس خرجت الثلاثة المقرونة بها بالإجماع فبقيت هي على النجاسة وأما النبيذ فقياسا إلى الخمر بجامع الإسكار بمائع وخرج بالمائع البنج والحشيشة ونحوهما فإنها حرام مع إسكارها وطهارتها ولا يرد عليه الخمر المنعقدة ولا الحشيشة المذابة نظرا إلى الأصل فيهما وقوله المسكر وما عطف عليه خبر مبتدا محذوف تقديره هى أي النجاسة والخنزير لأنه أسوأ حالا من الكلب لأنه يقتنى بحال ولندب قتله من غير ضرر فيه والنص على تحريمه و الكلب ولو معلما لخبر الصحيحين ‏(‏إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات‏)‏ ولخبر مسلم ‏(‏طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب‏)‏ وجه الدلالة أنه لو لم يكن نجسا لما أمر بإراقته لما فيها من إتلاف المال المنهى عن إضاعته وأن الطهارة إما عن حدث أو خبث والأول منتف عن الإناء فتعين كون طهارته عن الخبث فثبتت نجاسة فمه مع إنه أطيب أجزائه بل هو اطيب الحيوان نكهة لكثرة ما يلهث فبقيتها اولى وفي الخبر ‏(‏أنه صلى الله عليه وسلم دعى إلى دار قوم فأجاب ثم دعى إلى دار أخرى فلم يجب فقيل له في ذلك فقال إن في دار فلان كلبا قيل وان في دار فلان هرة فقال الهرة ليست بنجسة‏)‏ رواه الدارقطني والحاكم وإراقة ما ولغ فيه واجبة إن أريد استعمال الإناء الإ فمندوبة كسائر النجاسة إلا الخمر غير المحترمة فتجب إراقتها لطلب النفس تناولها مع فرعيهما أي الكلب والخنزير مع الآخر او مع حيوان طاهر تبعا له و تغليبا للنجاسة وعلله في المهذب بأنه مخلوق من نجاسة فكان مثلها قال في شرحه ولا ينتقض بالدود المولد منها لأنا نمنع انه مخلوق من نفسها وإنما تولد فيها كدود الخل لا يخلق من نفس الخل بل يتولد فيه قال ولو ارتضع جدى كلبه أو خنزيره فنبت لحمه على لبنها لم ينجس على الأصح والفرع يتبع أباه في نسبه وامه في رقها وحريتها وأشرفهما في الدين وإيجاب البدل و تقرير الجزية وأخفهما في عدم وجوب الزكاة وأخسها في النجاسة وتحريم الذبيحة والمناكح والسؤر بالهمزة وتبدل واوا البقية أي بقية الكلب والخنزير وفرعهما كعظم وشعر ودم وبول ودمع وعرق وسائر فضلاتها إذ ما انفصل من نجس العين فهو نجس وقيل السؤر فضله الشراب وميتة وإن لم يسل دمها لقوله تعالى ‏{‏حرمت عليكم الميتة‏}‏ وتحريم ما ليس بمحترم ولا مستقدر ولا ضرر فيه يدل على نجاسته وهي ما زالت حياتها لا بذكاة شرعية مع العظام والشعر والصوف أي جميع ذلك نجس لأن كلا منها تحله الحياة ولأن العظم جزء النجس والشعر والصوف متصلان بالحيوان اتصال خلقه فكانا كالأعضاء وكالعظم الظلف والظفر والحافر والقرن ومثل الشعر والصوف الوبر والريش لا مأكولة من سمك وجراد وجنين مذكاة مات بتذكية أمه وصيد لم تدرك ذكاته وبغير ناد مات بالسهم فإنها طاهرة لقوله تعالى ‏{‏أحل لكم صيد البحر وطعامه‏}‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم في البحر ‏(‏هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏)‏ رواه الترمذي وغيره وصححوه ولخبر الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى قال ‏(‏غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد‏)‏ وصح عن ابن عمر ‏(‏أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال‏)‏ وهو في حكم المرفوع بل رفعه ابن ماجه وغيره ولكن بسند ضعيف ولخبر ابن حبان وصححه ‏(‏ذكاة الجنين ذكاة أمه‏)‏ وفي الصحيحين ‏(‏إذا أرسلت كلبك وسميت وأمسك وقتل فكل وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه‏)‏ وفيهما أيضا من رواية رافع ابن خديج أن بعيرا ند فرماه رجل بسهم فحبسه الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم فاصنعوا به هكذا على ان الجنين والصيد والبعير ليست ميتة بل جعل الشارع هذا ذكاتها ولهذا صرح في خبر الجنين بأنه مذكى وإن لم تباشره السكين ذكره في المجموع ولا بشر أي ميتة البشر ولو كافرا طاهرة لخبر الحاكم وصححه على شرط الشيخين ‏(‏لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا‏)‏ ولقوله تعالى ‏{‏ولقد كرمنا بنى آدم‏}‏ وقضية تكريمهم عدم تنجيسهم بموتهم وأما قوله تعالى ‏{‏إنما المشركون نجس‏}‏ فالمراد به نجاسة الاعتقاد أو أجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وسلم الأسير الكافر في المسجد وقد أباح الله تعالى طعام أهل الكتاب واعلم أن فضلة الحيوان قسمان أحدهما ماله مقر واستحالة في الباطن كالدم وهو نجس من مأكول اللحم وغيره إلا ما أستثنى ثانيهما ما ليس كذلك بل يرشح رشحا كالعرق والدمع واللعاب والمخاط وهو طاهر من كل حيوان طاهر نجس من النجس وسيأتى في كلامه الإشارة إلى القسم الثانى وقد ذكر من القسم الأول أمورا فقال والدم أي المسفوح نجس ولو من سمك أو جراد أو متحليا من كبد وطحال لقوله تعالى ‏{‏أو دما مسفوحا‏}‏ أي سائلا ولقوله صلى الله عليه وسلم في دم الاستحاضة فاغسلي عنك الدم وصلى رواه الشيخان وأما الكبد والطحال والدم المحبوس في ميتة السمك والجراد والجنين فطاهرة وكذلك المنى واللبن إذا خرجا على هيئة الدم والدم الباقى على اللحم وعظامه نجس معفو عنه لأنه من الدم المسفوح وإن لم يسل لقلته ولعله مراد من عبر بطهارته و القئ وإن لم يتغير لأنه من الفضلات المستخيلة نعم لو أكل حبا وخرج منه متصلبا بحيث لو زرع لنبت فهو متجنس كما لو أكلته بهيمة وخرج من دبرها كذلك وكل ما ظهر من السبيلين أي القبل والدبر أو أحدهما مما له اجتماع واستحالة في الباطن كبول وروث ولو من سمك وجراد ومأكول اللحم وعذرة ومذى وودى ونجاسة بعضها بالنص وبعضها بالإجماع وبعضها بالقياس وأما أمره صلى الله عليه وسلم في خبر العرنيين بشرب أبوال الإبل فللتداوى وهو جائز بالنجاسات غير الخمر والدود الخارج من الفرج طاهر العين وفي المجموع أن الماء السائل من فم النائم نجس إن كان من معدته ويعرف نبتنه وصفرته طاهر إن إن كان من لهواته ويعرف بانقطاعه بطول النوم وكذا إن شك وقياس المذهب العفو عمن عمت بلواه به كدم البراغيث قال وسألت الأطباء عنه فأنكروا كونه من المعدة ثم استثنى مما تقدم قوله سوى أصل البشر من منية وعلقته ومضغته فإنه طاهر تكرمه له لأنه مبدأ خلقه كالتراب وفي مسلم عن عائشة كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلى فيه وفي رواية لابنى خزيمة وحبان في صحيحهما وهو يصلى وما ورد من أنها كانت تغسله محمول على الندب وما أفاده كلامه من نجاسة منى غير الآدمى من كل حيوان طاهر تبع فيه كأصله ترجيح الرافعي والأصح عند النووى طهارته لأنه أصل حيوان طاهر فأشبه أصل الآدمى والأصح طهارة العلقه والمضغة ورطوبة الفرج من كل حيوان طاهر وجزء حي كيد مفصول كميته أي الجزء المنفصل من الحيوان حال حياته حكمه كحكم ميتته إن طاهرة فطاهر وإن نجسه فنجس كاليد المنفصلة من الحيوان فهي طاهرة من الآدمى ولو مقطوعة في سرقة نجسة من غير لخبر ‏(‏ما قطع من حى فهو ميت‏)‏ رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين فجزء البشر والسمك والجراد طاهر دون جزء غيرها وقوله مفصول فيه تذكير اليد على تأويلها بنحو الجزء وإلا فهى مؤنثة وقوله كميته ليست هاؤها للتأنيث بل هى ضمير أضيف إليها ميت بفتح الميم وإسكان الياء لا شعر المأكول وصوفه وريشه أي شعر المأكول وصوفه وريشه ووبره المنفصلات حال حياته ليست كميتته في النجاسة بل هي طاهرة لعموم الحاجة إليها ولقوله تعالى ‏{‏ومن أصوافها وأوبارها‏}‏ الآية وهى مخصصة للخبر المار وما على العضو المبان من شعر ونحوه نجس كما يؤخذ من كلامه لأنه شعر العضو والعضو غير مأكول وخرج شعر غير المأكول فهو نجس نعم يعفى عن كثيره من مركوب وريقته وعرق أي ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن بل يرشح رشحا كالريق والعرق والدمع والمخاط طاهر من كل حيوان طاهر نجس من غيره والمسك ثم فأرته بالهز وتركه أي المسك وفأرته طاهران إذا انفصلا حال حياة الظبية أو بعد ذكاتها لخبر ‏(‏المسك أطيب الطيب‏)‏ وفي الصحيحين ‏(‏أن وبيص المسك كان يرى من مفرقة صلى الله عليه وسلم‏)‏ ولا انفصال الفارة بالطبع كالجنين ولئلا يلزم نجاسة المسك وهى خراج بجانب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حتى تلقيها أما إذا انفصلا بعد الموت فنجسان كاللبن وفارقا بيض الميتة المتصلب بنموه بعد الموت بخلافهما وعلم من حصره النجاسة فيما ذكره طهارة العنبر كما نص عليها في الأم وطهارة الزباد كما صوبها في المجموع نعم يحترز عن شعره لأنه شعر سنور برى وتطهر الخمر إذا تخللت بنفسها أي نجس العين يطهر في صورتين أحدهما الخمر ولو غير محترمة إذا تخللت بنفسها أي صارت خلا من غير مصاحبة عين لمفهوم خبر مسلم عن أنس قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏أتتخذ الخمر خلا قال لا‏)‏ وروى البيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه خطب فقال لا يحل خل من خمر أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها لزوال الشدة من غير نجاسة خلقتها وأفسدت بضم الهمزة أي خللت ويبدأ إفسادها بفتح الياء أي يجعلها خلا بلا علاج آدمى وحيث حكم بطهارتها حكم بطهارة دنها تبعا لها للضرورة وإلا لم يوجد خل طاهر من خمر والخمر حقيقة هو المعتصر من العنب أما النبيذ فخمر مجازا ويؤخذ من كلام البغوي أنه يطهر لأن الماء من ضرورته وقد قال الرافعي لو ألقى في عصير العنب ماء حالة عصره لم يضر بلا خلاف لأن الماء من ضرورته اهو مراده بعصير العنب العنب الذي اعتصر ماؤه بقرينة قوله حالة عصره إذ يحتاج في استقصاء عصيره إلى صب ماء عليه لإخراج ما يبقى فيه فالماء من ضرورتة وما أفاده كلام البغوي من طهارته اختاره السكبى وغيره وهو الأصح وبه افتى الوالد رحمه الله تعالى بل جرى عليه الشيخان وغيرهما في السلم حيث جزموا بصحة السلم في خل التمر والزبيب وإن غلت فارتفعت إلى رأس الدن ثم عادت إلى أسفل وتخللت حكم بطهارة ما أرتفعت إليه من الدن للضرورة قال البغوي في فتاويه أما لو أرتفعت بفعله فلا يطهر الدن إذ لا ضرورة وكذا الخمر لاتصالها بالمرتفع النجس أو نقلت من ظل إلى شمس وعكسه أو بفتح رأس الدن استعجالا للحموضة فإنها تطهر لأن الفعل الخالى عن العين لا يؤثر بناء على أن علة النجاسة تنجسها بالعين كما سيأتى لا تحريم التخليل الدال عليه الخبر والأثر السابقان أما إذا تخللت بمصاحبة عين طرحت فيها أو وقعت فيها بنفسها حال خمريتها أو قبلها وإن لم تؤثر في التخليل كحصاة وماء فلا تطهر لتنجسها بعد تخللها بالعين التي تنجست بها ولا ولا ضرورة بخلاف الدن قال البغوى في فتاويه ولو نقلت من دن إلى آخر طهرت بالتخلل بخلاف ما لوأخرجت منه ثم صب فيه عصير آخر فتخمر ثم تخلل لا يطهر ومفهول كلامهم أنها تطهر بالتخلل إذا نزعت العين منها قبله وهى طاهرة ولم يتحلل منها شيء وهو كذلك بخلاف ما لو كانت نجسة إذ النجس يقبل التنجيس أو تحلل منها شيء وغلت بالغين المعجمة أو المهملة ثانيهما ما ذكره بقوله وجلد ميتة أي الجلد الذي تنجس بالموت يطهر باندباغه ولو بلا فعل فاعل ظاهره وباطنه بالدباغ وهو نزع الفضلات كالدم واللحم بحريف طاهر أو نجس كقرظ وذرق طير بحيث لو نقع الجلد في ماء لم يعدله النتن والفساد لخبر مسلم ‏(‏إذا ذبغ الإهاب فقد طهر‏)‏ وخبر أبى داود وغيره بإسناده حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميتة ‏(‏لو أخذتم إهابها قالوا إنها ميتة فقال يطهرها الماء والقرظ‏)‏ ورووا أيضا بإسناد حسن ‏(‏أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستمتع بجلود الميتة إذا دبغت‏)‏ وخرج بالجلد الشعر فلا يطهر لعدم تأثره بالدباغ قال النووي ويعفى عن قليله سوى خنزير بر وكلب أن يدبغ بحريف طهر أي أن جلد الكلب والخنزير وفرعهما وفرع إحدهما لا يطهر بالدبغ لأن سبب نجاسة الميتة تعرضها للعفونة والحياة أبلغ في دفعها فاذا لم تفد الطهارة فالدبغ أولى وخرج بالدبغ تجميده وتمليحه وتشميسه ونحوها فإنها لا تطهره وأفهم كلامه أنه يجب الماء في أثناء الدبغ وهو الأصح لأنه إحالة كالتخليل لا إزالة ولهذا جاز بالنجس المحصل لذلك وأما خبر ‏(‏يطهرها الماء والقرط‏)‏ فمحمول على الندب أو الطهارة المطلقة إذ يجب غسله بعد دبغه لتنجسه بالدابغ النجس أو المتنجس بملاقاته أما خنزير البحر الذى لا يعيش إلا فيه وإذا خرج منه صار عيشه عيش مذبوح فطاهر وعلم من الاقتصار على هذين الشيئين أن غيرهما من نجس العين لا يطهر وهو كذلك حتى لو صار النجس ملحا بوقوعه في مملحة أو رمادا أو دخانا بالنار لم يطهر ولا ترد طهارة المنى واللبن والمسك لأن أصلها لا يحكم عليه بالنجاسة ما دام في الجوف ما لم يتصل بخارج‏.‏

وقول الناظم أن يدبغ بدرج الهمزة للوزن ولما انهى الكلام على نجس العين ذكر المتنجس وهو على ثلاثة أقسام إما نجاسة مغلظة أو متوسطة أو مخففه وبدأ بالأولى فقال نجاسة الخنزير مثل نجاسة الكلب تغسل سبعا مرة بترب ممزوج بماء لخبر مسلم ‏(‏طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب‏)‏ وفي رواية صحيحة للترمذي ‏(‏أولاهن أو أخراهن بالتراب‏)‏ وفي أخرى لمسلم ‏(‏وعفروه الثامنة بالتراب‏)‏ والمراد أن التراب يمزج بالسابعة كما في رواية أ أبي داود السابعة بالتراب وهى معارضة لرواية أولاهن في محل التراب فيتساقطان في تعيين محله ويكتفى بوجوده في واحدة من السبع كما في رواية الدارقطنى إحدا هن بالبطحاء ولكنه يسن في غير الأخيرة والأولى أولى ليستغنى عن تتريب ما يصيبه شيء من الغسلات وقيس بالكلب الخنزير وفروعهما كما أشار إليه بقوله مثل الكلب وبولوغه غيره كبوله وعرقه ولو جرى الماء الكدر على المتنجس بذلك سبع جريات أو تحرك سبعا في ماء كثير كدر طهر كما قاله البغوي وغيره وأفهم كلام المصنف الاكتغاء بالسبع وإن أصابه نجس آخر وأنه لا يكفى ذر التراب على المحل ولا مزجه بغير ماء إلا أن يمزجه بالماء بعد مزجه بذلك ولا مزج غير التراب وأنه لا تقوم ثامنه أو غيرها مقام التراب وهو كذلك ولا يكفى مزج تراب غير طاهر إلى نظرا إلى أن القصد بالتراب التطهير وهو لا يحصل بذلك فتشترط طهورية التراب فلا يكفى التراب المستعمل كما صرح به الكمال سلار شيخ النووي أي وإن غسل سبعا والغسلات المزيلة للعين تعد واحدة ولو في النجاسة المغلظة حتى لو لم تزل إلا بست غسلات مثلا حسبت مرة وتكفى السبع وإن تعدد الولوغ أو الوالغ فأل في كلامه للجنس والواجب من التراب ما يكدر الماء ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل سواء أمزجه به قبل وضعهما على المحل أم بعده بأن يوضعا ولو مترتبين ثم يمزجا قبل الغسل وإن كان المحل رطبا إذا الطهور الوارد على المحل باق على طهوريته وبذلك جزم ابن الرفعة فيما لو وضع التراب أولا ومثله عكسه بلا ريب وهذا مقتضى كلامهم وهو المعتمد كما قاله البلقينى وغيره وما وقع للأسنوى ومن تبعه من أنه يجب المزج قبل الوضع كما صرح به الجوينى في التبصرة وأن ما قاله ابن الرفعة مردود بأنه خلاف مقتضى كلامهم فلا يرتكب بلا ضرورة وكلام الجويني عليه لاله إذ عبارته ليس كيفية التعفير تعفير الثوب بغبار التراب ثم غسله بعد نفضه وإنما التعفير أن يخلط التراب بالماء خلطا ثم يغسل المحل وهى دالة على أن الممنوع إنما هو غسله بعد نفض التراب أو بلا مزج وأن المعتبر مزجه قبل الغسل سواء أكان قبل الوضع أم بعده وهو المطلوب وليس في قوله ثم يغسل ما يقتضى اعتبار مزجه قبل الوضع انتهى ولا يجب تتريب الأرض الترابية ويكفى تسبيعها إذ لا معنى لتتريب التراب نعم لو تطاير شئ من غسلاتها فلا بد من تتريبه أخذا من قاعدة أن كل نجاسة مغلظة لا بد في طهرها إلا الأرض الترابية والاستثناء معيار العموم كماأفنى به الوالد رحمه الله تعالى واستقر رايه عليه آخرا ولو ولغ كلب في أناء فيه ماء كثير لم ينقص بلوغه لم ينجس الماء ولا الإناء وإن أصاب جرمه المستور بالماء وتكون كثرة الماء مانعة من تنجسه بخلاف ما لو كان به ماء قليل فإنه ينجس الماء والإناء فإن كوثر فبلغ قلتين طهر الماء لا الإناء والترب إحدى لغات التراب ثم ذكر النجاسة المتوسطة وهي غالب النجاسات فقال وما سوى ذين 9 أي نجاسة الكلب والخنزير وفرعهما ففردا أي مرة يغسل بالماء ثم النجاسة إما حكمية وهى التى يتقين وجودها ولا تحس أو عينية وهى ما تحس فالأولى يكفى فيها جرى الماء على المحل مرة واحدة من غير اشتراط أمر زائد والثانية يجب فيها مع جرىالماء زوال عينها وزوال أوصافها من طعم ولون وريح فلا تطهر مع بقاء شئ منها ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زوالة للمشقة ولو من مغلطة فإن بقيا معا ضر لقوة دلالتهما على بقاء العين وإن بقى الطعم وحده ضر وإن عسرت إزالته لسهولتها غالبا فألحق بها نادرها ولأن بقاءه يدل على بقاء العين والحث بالمثناة والقرص بالمهملة لمحل النجاسة أفضل حيث لم تتوقف إزالتها على ذلك وإلا وجبا مثلهما الاستعانة بأشنان أو نحوه والتثليث فيه أفضل أي يندب بعد طهر محل النجاسة غسله ثانية وثالثة استظهارا كطهر الحدث ولأمر المستيقظ بالتثليث مع توهم النجاسة فمع تيقنها أولى أما النجاسة المغلظة فلا يندب تثليثها على الأصح لأن المكبر لا يكبر كما أن المصغر لا يصغر وفي بعض النسخ بدل قوله والحت إلى آخره وغسلتين اندب لطهر يكمل و بين ما قدمناه بقوله يكفيك جرى الماعلى الحكميه وأن تزال العين من عينيه ثم ذكر النجاسة المخففة فقال وبول طفل ذكر غير در بالمهملة أي لبن ما أكل ما ذكر على وجه التغذى وإن كان اللبن المأكول نجسا يكفيه رش الماء وإن لم يسل إن يصب كل المحل بأن يعمه ويغمره بخلاف الأنثى والخنثى لا بد في بولهما من الغسل على الأصل ويحصل بالسيلان مع الغمر والأصل في ذلك خبر ‏(‏يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام‏)‏ رواه الترمذي وحسنه وابن خزيمه والحاكم وصححاه وفرق بينهما بأن الابتلاء بحمله أكثر وبأن بوله أرق من بولها فلا يلصق بالمحل لصوق بولها وألحق ببولها بول الخنثى من أي فرجيه خرج وعلم مما تقرر أنه لا يمنع النضح تحنيك الصبى بتمر ونحوه ولا تناوله السفوف والأدوية ونحوهما للإصلاح ومحل النضح قبل تمام الحولين إذالرضاع بعده كالطعام كما نقل عن النص ويندب في هذه التثليث أيضا ولا بد فيها من إزالة عينها وأوصافها كغيرها وخرج ببول الصبى غائطه فيجب غسله على الأصل ثم ذكر حكم غسالة النجاسة فقال وماء مغسول له حكم المحل إذ لا تغير به حتى انفصل أي أن حكم الماء الذى غسل به نجاسة ولو معفوا عنها وانفصل عن محلها حكمه عند انفصاله عنه غير متغير أي ولا زائد الوزن إن طاهر فطاهر وإن نجسا فنجس لأن بلل المحل بعض ذلك الماء والماء الواحد القليل لا يتبعض طهارة ونجاسة فيغسل ما أصابه شئ من الأولى من مرات المغلظة ستا ومن الثانية خمسا وهكذا إلى السابعة فلا يغسل منها شئ فإن انفصل متغيرا أو زا ئد الوزن بعد اعتبار ما يأخذه المحل من الماء ويعطيه من الوسخ الطاهر فهو نجس والمحل كذلك هذا في غسالة المفروض أما ماء غسالة المندوب كالتثليث فهو طهور وإذا غسل فمه المتنجس فليبالغ في الغرغرة يغسل كل ما في حد الظاهر ولا يبتلع طعاما ولا شرابا قبل غسله لئلا يصيرا آكلا للنجاسة وليعف عن نذر أي قليل دم غير مغلظ و قليل قيح من بثرة وهى بفتح الموحدة وسكون المثلثة خراج صغير و من دمل و من قرح بفتح القاف وضمها الجرح ومن فصد وحجامة من نفسه وغيره أي من غير كلب ونحوه لمشقة الاحتراز عنه أما الكلب والخنزير وفرعهما فلا يعفى عن شئ منه وخرج بقوله عن نزر الكثير عرفا فلا يعفى عنه إن كان من غيره أو حصل بفعله كأن عصره أو انتقل عن محله والا عفى عنه أيضا ويعفى عن دم البراغيث والبق والبعوض ونحوها وونيم الذباب وبول الخفاش روثة وإن كثرت إلا إن كانت بفعله فيعفى عن قليلها ويعفى عن قليل طين الشارع النجس ولو ممغلظ وهو ما يتعذر الاحتراز عنه غالبا وهو ما لا ينسب صاحبه إلى سقطة أو كبوة أو قلة تحفظ ويرجع في ذلك إلى العادة ويختلف باختلاف موضعه والزمان والمكان وأما طين الشارع الذى تظن نجاسته ظنا غالبا لغلبتها فيه فطاهر عملا بلأصل وأما ماء القروح والنفاطات فإن تغير فنجس وإلا فطاهر‏.‏

باب الآنية

101 - يُبَاحُ مِنها طاهرٌ مِن خَشَبِ *** أو غَيرِهِ لافِضَّةٍ أو ذَهَبِ

102 - فيَحْرُمُ استعمالُهُ كَمِرْوَدِ *** لامرَأَةٍ وجَازَ مِن زَبَرْجَدِ

103 - وتَحْرُمُ الضَّبَةُ مِن هَذِينِ *** بِكِبَرٍ عُرْفَاً مَعَ التَّزَيُّنِ

104 - إِنْ فُقِدَا حَلَّتْ وفَرْدَا يُكْرَهُ *** والحاجَةُ التي تُساوي كَسْرَهُ

105 - ويُسْتَحَبُّ في الأواني التَّغْطِيَهْ *** ولو بِعُودٍ حُطَّ فوق الآنِيَهْ

106 - ويُتَحَرَّى لاشتِبَاهِ طَاهِرِ *** بنَجِسٍ ولو لأعمى قادِرِ

107 - لا الْكَمِّ والبولِ ومَيْتَةٍ وما *** وَرْدٍ وحَمْرٍ دَرِّ أُتْنٍ مَحْرَمَا

باب الآنية‏:‏ جميع إناء كسقاء وأسقية وبناء وأبنية يباح منها أتخاذ واستعمالا طاهر من خشب وغيره كخزف ونحاس وحديد ورصاص وجلود من حيث كونه إناء طاهرا ففي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من إناء من صفر ومن إناء من شبه ومن تور من حجارة والصفر بضم الصاد النحاس والشبه بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة النحاس الأحمر الذى يشبه الذهب في لونه فلا يرد تحريم استعمال جلد أو غيره من آدمى ولا مغصوب أو مسروق لأن تحريمها ليس من الحيثية المذكورة بل من حيث حرمة الآدمى والاستيلاء على حق الغير بغير إذنه خرج بالطاهر النجس فلا يباح استعماله إلا في جاف أو ماء كثير لا فضة أو ذهب فيحرم استعماله على الذكور والإناث والخناثى والصبيان حتى يحرم على المكلف سقى نحو طفل في إناء منهما أو من أحدهما وسواء أكان الاستعمال في طهارة أو غيرها لخبرالصحيحين ‏(‏لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها‏)‏ وقيس غير الأكل والشرب عليهما لأن علة التحريم وجود عين الذهب والفضة مراعى فيها الخيلاء وقد يعللون بالخيلاء مراعين فيها العين ولا فرق في الإناء بين كونه كبيرا أو صغيرا كمرود لامرأة وملعقة للأكل أو الشرب وخلال الأسنان نعم لو احتاج إلى الاكتحال بميل منهما أو من أحدهما لجلاء العين جاز ومحل التحريم إذا وجد غيره وإلا جاز استعماله نعم يقدم الفضة على الذهب عند وجودهما ويؤخذ من كلامه صحة طهارته منه وكون المأكول أو المشروب حلالا وهو كذلك ويحرم الاحتواء على مجمرة منه أو كونها بقربه بحيث يعد متطيبا بها عرفا والتطيب بماء الورد أو غيره منه فليفرغه في يده اليسرى ثم في يده اليمنى ثم يستعمله وكما يحرم استعماله يحرم اتخاذه لأنه يجر إلى استعماله كآلة اللهو واقتناؤه أيضا ويحرم التزيين به ولو في البيوت والحوانيت والكعبة فلا أجرة لصانعه ولا أرش على كاسره ويحل إناء ذهب أو فضة موه بنحاس أو غيره إن حصل منه شئ بالعرض على النار وإلا حرم ويحل إناء نحاس أو نحوه موه بذهب أو فضة إن لم يحصل منه شئ بالعرض على النار وإلا حرم وجاز من زبرجد بدال مهملة وفيروزج وياقوت وبلور وكل جوهر ولو من طيب مرتفع كمسك وعنبر وكافور بناء على أن علة تحريم إناء النقدين العين مع أن الجوهر النفيس لا يعرفه إلا الخواص فلا خيلاء وكما يجوز استعمال الإناء الذى نفاسته لصنعته لا لذاته كزجاج وخشب محكم الخرط وتحرم الضبة من هذين أي من ذهب أو فضة بكبر عرفا مع التزيين أي تحرم الضبة منهما أو من أحدهما مع كبرها وكونها كلها أو بعضها للتزيين لوجود المعنيين العين والخيلاء ومرجع الكبر وضده العرف على اللأصح فان شك في الكبر فالأصل الإباحة إن فقدا أي الكبر والزينة بأن كانت صغيرة لحاجة حلت بلا كراهة وفردا يكره والحاجة التى تساوى كسرى أي أن كانت الضبة كبيرة لحاجة أو صغيرة فوق الحاجة كره استعمالها والتزيين بها واتخاذها للكبر والزينة ولم تحرم للحاجة في الأولى والصغر في الثانية والمراد بالحاجة غرض إصلاح كسر الإناء دون التزيين ولا يعتبر العجز عن غير الذهب والفضة لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذى كله ذهب أو فضة فضلا عن المضبب به كما مر وأصل ضبة الإناء ما يصلح به خلله من صفيحة أو غيرها وإطلاقها على ما هو للزينة توسع والأصل في ذلك خبر البخاري عن أنس ‏(‏أن قدحه صلى الله عليه وسلم الذي يشرب فيه كان مسلسلا بفضة‏)‏ أي مشعبا بخيط فضة لانشقاقه وما ذكره كأصله من مساواة ضبة الذهب لعنبة الفضة تبع فيه الرافعي ورجح النووى تحريمها مطلقا لأن الدليل المخصص للتحريم إنما ورد في الفضة ولا يلزم من جوازها جوازه لأن الخيلاء فيه أشدوبابه أضيق وفي بعض النسخ بدل قوله والحاجة الخ لحاجة ما لم تجاوز كسره ويستحب في الأواني التغطية ولو بعود حط فوق الانية مع تسمية الله تعالى ليلا كان أو نهارا سواء أكان فيها ماء أو غيره لخبر الصحيحين عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏غطوا الإناء وأوكئوا السقاء‏)‏ وفي رواية لهما ‏(‏خمر آنيتك واذكر اسم الله ولو تعرض عليها عودا‏)‏ قال الأئمة وفائدة ذلك من ثلاثة أوجه أحدها ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فان الشيطان لا يحل سقاء ولا يكشف إناء ثانيها ما جاء في رواية لمسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء الا نزل فيه من ذلك الوباء قال الليث بن سعد أحد رواته في مسلم فالأعاجم يتوقون ذلك في كانون الأول قال بعض المتأخرين وهو كيهك ثالثها صيانتها من النجاسة ونحوها وقد عمل بعضهم بالسنة في التغطية بعود فأصبح وأفعى ملتفة على العود ولم تنزل في الإناء ولكن لا يعرض العود على الإناء إلا مع ذكر اسم الله فإن السر الدافع هو اسم الله تعالى مع صدق النية ويسن أيضا إيكاء السقاء وإطفاء النار عند النوم وإغلاق الباب بعد المغرب وجمع الصبيان والمواشي ثم شرع في ذكر الاجتهاد فقال ويتحرى جوازا إن قدر على طهور بيقين ووجوبا إن لم يقدر عليه ويجتهد لاشتباه طاهر بنجس ولو لأعمى قادر الاجتهاد والتحرى والتآخى بذل المجهود في طلب المقصود فيجتهد الاشتباه طاهر من ماء أو ثوب أو طعام أو شراب أو غيرها بآخر نجس بأن يبحث عما يبين النجس بالأمارات المغلبة على الظن كرشاش حول إنائه أو ابتلال طرفه أو تحركه أو قرب الكلب منه أو زيادته أو نقصه ويستعمل ما ظن طهارته لأن الحل شرط للمطلوب يمكن التوصل إليه بالاجتهاد فجاز كالقبلة وقد يجب بأن لا يجد غيرهما وضاق وقت الصلاة أو أضطر للتناول وشمل إطلاقه ما لو حصل الاشتباه بإخبار ثقة ولو أنثى وعبدا كأن أخبره بتنجس أحدهما مبهما وكذا إن أخبره به معينا ثم التبس عليه فإن لم يلتبس عليه وبين سبب النجاسة أو كان فقيها في المياه موافقا له لزمه قبول خبره وامتنع عليه الاجتهاد كالمفتى يجد النص و كالقبلة وغيرها وكما يجتهد البصير يجتهد الأعمى القادر على الاجتهاد على الأصح كما في الوقت ولأن له طريقا غير البصر كالشم واللمس والذوق وفارق منعه في القبلة بأن أدلتها بصرية فإن تخير قلد بصيرا ثقة كالعامى يقلد مجتهدا بخلاف ما لو اشتبه عليه الوقت فإن له أن يقلده إن لم يتحير لأن الاجتهاد هناك إنما يتأتى بتعاطى أعمال مستغرقة للوقت وفيه مشقة ظاهرة بخلافه هنا فإن لم يجده أو اختلف عليه بصيران أو تحرى بصير وتحير لم يصح تيممه إلا أن لا يبقى معه ماء طاهر بيقين وخرج بقوله قادر الأعمى العاجز عن الاجتهاد لفقد شمه ولمسه وذوقه وسمعه أو لبلادة ونحوها فإنه لا يجتهد بل يقلد ثقة عارفا لا الكم أي لو أشتبه عليه أحد كمى ثوب متنجس بالآخر فلا اجتهاد فيه بل يجب غسلهما معا لتصح صلاته فيه لأنه ثوب واحد تيقن نجاسته فلا تزول بالشك كما لو خفى محل النجاسة فيه ولم تنحصر في محل منه فلو اجتهد وغسل المتنجس عنده لم تصح صلاته فيه بعمة في الثوبين فيهما معا على الأصح وفرق بأن محل الاجتهاد الاشتباه بين شيئين فتأثيره في أجزاء الواحد أضعف فلو انفصل الكمان أو أحدهما كانا كالثوبين والبول وميتة وماء ورد وخمر در أتن لو أشتبه ماء وبول منقطع الرائحة أو ميتة بمذكاة أو ماء ورد بماء أو خمر يحل أو لبن بدر أي لبن أتن بضم الهمزة والتاء جمع أتان بالمثناة وهى الأنثى من الحمر الأهلية فلا اجتهاد إذ لا أصل للخمسة في حل المطلوب بل في مسئلة البول يريقها أو أحدهما أو يصب منه في الآخر ثم يتيمم فلو تيمم قبل ذلك لم يصح لأنه تيمم بحضرة طاهر بيقين له طريق إلى إعدامه فلا يشكل بصحة اليمم بحضرة ماء منع منه نحو سبع وفي مسئلة ماء الورد يتوضأ بكل منهما مرة ويعذر في تردده في النية وإن قدر على طهور بيقين ولا يجب عليه إزالة التردد بان يأخذ غرفة من هذا وغرفة من الآخر ويستعملها دفعة في وجهه ناويا ولو اشتبهت ميتة بمذكيات بلد أو إناء بول بأواني بلد فله أخذ بعضها بلا اجتهاد إلى أن يبقى واحد ومحرما أي لا يتحرى فيها لو اشتبهت بأجنبيات محصورات إذ لا علامة تمتاز بها المحرم عن غيرها فإن ادعى امتيازها بعلامة فلا اجتهاد أيضا لأنها إنما تعتمد عند اعتضاد الظن بأصل الحل والأصل في الأبضاع الحرمة فإن اشتبهت بغير محصورات فله أن ينكح منهن إلى أن يبقى عدد محصور لئلا ينسد عليه باب النكاح وكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد يعسر على الناظر عده بمجرد النظر كالمائتين فغير محصور وإن سهل عدة كعشرة وعشرين فمحصور وبينهما وسائط تلحق بأحدهما بالظن وما وقع فيه الشك استفتى فيه القلب ولو اشتبهت زوجته بأجتناب حرم عليه أن يطأ منهم مطلقا لأن الوطء لا يباح إلا بالعقد ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة فيحتاط لها والاجتهاد خلاف الاحتياط‏.‏

وقد أشار الناظم بكلامه إلى بعض شروط الاجتهاد فمنها أن يكون بين متعدد وأن يكون باقيا على الأصح خلافا للرافعي وأن يكون لكل من المشتبهين أصل في حل المطلوب وأن يكون للعلامة في المتعدد مجال أي مدخل وكلها تعلم من كلامه على هذا الترتيب وأما ظهور العلامة فإنما هو شرط للعمل وبالاجتهاد‏.‏