فصل: باب إِذَا غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ

وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ الْبَحْرَيْنِ وَالْجِزْيَةِ وَلِمَنْ يُقْسَمُ الْفَيْءُ وَالْجِزْيَةُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين وما وعد من مال البحرين والجزية ولمن يقسم الفيء والجزية‏)‏ اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب‏.‏

فأما إقطاعه صلى الله عليه وسلم من البحرين فالحديث الأول دال على أنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك وأشار على الأنصار به مرارا فلما لم يقبلوا تركه، فنزل المصنف ما بالقوة منزلة ما بالفعل، وهو في حقه صلى الله عليه وسلم واضح لأنه لا يأمر إلا بما يجوز فعله والمراد بالبحرين البلد المشهور بالعراق، وقد تقدم في فرض الخمس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صالحهم وضرب عليهم الجزية، وتقدم في كتاب الشرب في الكلام على هذا الحديث أن المراد بإقطاعها للأنصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها لأن أرض الصلح لا تقسم ولا تقطع‏.‏

وأما ما وعد من مال البحرين والجزية فحديث جابر دال عليه وقد مضى في الخمس مشروحا‏.‏

وأما مصرف الفيء والجزية فعطف الجزية على الفيء من عطف الخاص على العام لأنها من جملة الفيء، قال الشافعي وغيره من العلماء‏:‏ الفيء كل ما حصل للمسلمين مما لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وحديث أنس المعلق يشعر بأنه راجع إلى نظر الإمام يفضل من شاء بما شاء، وقد تقدم الحديث بهذا الإسناد المعلق بعينه في المساجد من كتاب الصلاة، وذكرت هناك من وصله وبعض فوائده، وأعاده في الجهاد وغيره بأخصر من هذا، وتقدم في الخمس أن المال الذي أتى به من البحرين كأن من الجزية وأن مصرف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأن المصنف يختار أنه إلى نظر الإمام والله أعلم‏.‏

وروى عبد الرزاق في حديث عمر الطويل حين دخل عليه العباس وعلي يختصمان قال ‏"‏ قرأ عمر ‏(‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏)‏ الآية، فقالوا‏:‏ استوعبت هذه المسلمين ‏"‏ ورواه أبو عبيدة من وجه آخر وقال فيه ‏"‏ فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد إلا له فيها حق، إلا بعض من تملكون من أرقائكم ‏"‏ قال أبو عبيد‏:‏ حكم الفيء والخراج والجزية واحد، ويلتحق به ما يؤخذ من مال أهل الذمة من العشر إذا اتجروا في بلاد الإسلام، وهو حق المسلمين يعم به الفقير والغني وتصرف منه أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من جميع ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين‏.‏

واختلف الصحابة في قسم الفيء‏:‏ فذهب أبو بكر إلى التسوية وهو قول علي وعطاء واختيار الشافعي، وذهب عمر وعثمان إلى التفضيل وبه قال مالك، وذهب الكوفيون إلى أن ذلك إلى رأي الإمام إن شاء فضل وإن شاء سوى، قال ابن بطال‏:‏ أحاديث الباب حجة لمن قال بالتفضيل، كذا قال، والذي يظهر أن من قال بالتفضيل يشترط التعميم بخلاف من قال إنه إلى نظر الإمام وهو الذي تدل عليه أحاديث الباب والله أعلم‏.‏

وروى أبو داود من حديث عوف بن مالك ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه في قسمة من يومه، فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا واحدا‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ انفرد الشافعي بقوله إن في الفيء الخمس كخمس الغنيمة، ولا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم، لأن الآيات التاليات الآية الفيء معطوفات على آية الفيء من قوله‏:‏ ‏"‏ للفقراء المهاجرين ‏"‏ إلى آخرها فهي مفسرة لما تقدم من قوله‏:‏ ‏"‏ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏"‏، والشافعي حمل الآية الأولى على أن القسمة إنما وقعت، لمن ذكر فيها فقط، ثم لما رأى الإجماع على أن أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وغير ذلك من مال الفيء تأول أن الذي ذكر في الآية هو الخمس فجعل خمس الفيء واجبا لهم، وخالفه عامة أهل العلم اتباعا لعمر والله أعلم‏.‏

وفي قصة العباس دلالة على أن سهم ذوي القربى من الفيء لا يختص بفقيرهم لأن العباس كان من الأغنياء، قال إسحاق بن منصور‏:‏ قلت لأحمد في قول عمر ‏"‏ ما على الأرض مسلم إلا وله من هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم ‏"‏ قال يقول‏:‏ الفيء للغني وللفقير، وكذا قال إسحاق بن راهويه‏.‏

*3*باب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم‏)‏ كذا قيده في الترجمة، وليس التقييد في الخبر، لكنه مستفاد من قواعد الشرع، ووقع منصوصا في رواية أبي معاوية الآتي ذكرها بلفظ ‏"‏ بغير حق ‏"‏ وفيما أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بكرة بلفظ ‏"‏ من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة ‏"‏ وسيأتي الكلام على المتن في الديات فإنه ذكره فيه بهذا الإسناد بعينه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا

الشرح‏:‏

عبد الواحد شيخ شيخه هو ابن زياد، والحسن ابن عمرو هو الفقيمي بالفاء والقاف مصغرا كوفي ثقة ماله في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الأدب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مجاهد عن عبد الله بن عمرو‏)‏ أي ابن العاص، كذا قال عبد الواحد عن الحسن بن عمرو، وتابعه أبو معاوية عند ابن ماجة وعمرو بن عبد الغفار الفقيمي عند الإسماعيلي فهؤلاء ثلاثة رووه هكذا، وخالفهم مروان بن معاوية فرواه عن الحسن بن عمرو فزاد فيه رجلا بين مجاهد وعبد الله بن عمرو وهو جنادة بن أبي أمية أخرجه من طريقه النسائي، ورجح الدار قطني رواية مروان لأجل هذه الزيادة، لكن سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت، وليس بمدلس فيحتمل أن يكون مجاهد سمعه أولا من جنادة ثم لقي عبد الله بن عمرو، أو سمعاه معا وثبته فيه جنادة فحدث به عن عبد الله بن عمرو تارة وحدث به عن جنادة أخرى، ولعل السر في ذلك ما وقع بينهما من زيادة أو اختلاف لفظ فإن لفظ النسائي من طريقه ‏"‏ من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة ‏"‏ فقال ‏"‏ من أهل الذمة ‏"‏ ولم يقل معاهدا وهو بالمعنى، ووقع في رواية أبي معاوية ‏"‏ بغير حق ‏"‏ كما تقدم، ووقع في رواية الجميع ‏"‏ أربعين عاما ‏"‏ إلا عمرو بن عبد الغفار فقال ‏"‏ سبعين ‏"‏ ووقع مثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي‏.‏

‏(‏تنبيهان‏)‏ ‏:‏ أحدهما اتفقت النسخ على أن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، إلا ما رواه الأصيلي عن الجرجاني عن الفربري فقال ‏"‏ عبد الله بن عمر ‏"‏ بضم العين بغير واو، وهو تصحيف نبه عليه الجياني‏.‏

ثانيهما قوله ‏"‏ لم يرح ‏"‏ بفتح الياء والراء وأصله يراح أي وجد ريح، وحكى ابن التين ضم أوله وكسر الراء، قال‏:‏ والأول أجود وعليه الأكثر، وحكى ابن الجوزي ثالثة وهو فتح أوله وكسر ثانيه من راح يريح، والله أعلم‏.‏

*3*باب إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ

وَقَالَ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ بِهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إخراج اليهود من جزيرة العرب‏)‏ تقدم الكلام على جزيرة العرب في ‏"‏ باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ‏"‏ من كتاب الجهاد، وتقدم فيه حديث ابن عباس ثاني حديثي الباب ولفظه ‏"‏ أخرجوا المشركين ‏"‏ وكأن المصنف اقتصر على ذكر اليهود لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم ومع ذلك أمر بإخراجهم فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أقركم ما أقركم الله‏)‏ هو طرف من قصة أهل خيبر، وقد تقدم موصولا في المزارعة مع الكلام عليه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم لليهود ‏"‏ أسلموا تسلموا ‏"‏ وسيأتي بأتم من هذا السياق في كتاب الإكراه وفي الاعتصام، ولم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد إخلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة، وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر كما سيأتي بيان ذلك كله في المغازي، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض كما تقدم، واستمروا إلى أن أجلاهم عمر، ويحتمل والله أعلم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح ما بقي من خيبر هم بإجلاء من بقي ممن صالح من اليهود ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في الأرض فبقاهم، أو كان قد بقي بالمدينة من اليهود المذكورين طائفة استمروا فيها معتمدين على الرضا بإبقائهم للعمل في أرض خيبر ثم منعهم النبي صلى الله عليه وسلم من سكنى المدينة أصلا والله أعلم، بل سياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي أنه فهم أن المراد بذلك بنو النضير، ولكن لا يصح ذلك لتقدمه على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبيت المدراس بكسر أوله هو البيت الذي يدرس فيه كتابهم، أو المراد بالمدراس العالم الذي يدرس كتابهم، والأول أرجح لأن في الرواية الأخرى ‏"‏ حتى أتى المدراس ‏"‏ وقوله ‏"‏ أسلموا تسلموا ‏"‏ من الجناس الحسن لسهولة لفظه وعدم تكلفه، وقد تقدم نظيره في كتاب هرقل ‏"‏ أسلم تسلم ‏"‏ وقوله ‏"‏ اعلموا ‏"‏ جملة مستأنفة كأنهم قالوا في جواب قوله أسلموا تسلموا‏:‏ لم قلت هذا وكررته‏؟‏ فقال‏:‏ اعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم من ذلك ومما هو أشق منه‏.‏

وقولهم ‏"‏ قد بلغت ‏"‏ كلمة مكر ومداجاة ليدافعوه بما يوهمه ظاهرها ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ذلك أريد ‏"‏ أي التبليغ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فمن يجد منكم بماله‏)‏ من الوجدان أي يجد مشتريا، أو من الوجد أي المحبة أي يحبه، والغرض أن منهم من يشق عليه فراق شيء من ماله مما يعسر تحويله فقد أذن له في بيعه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلِ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى قُلْتُ يَا أَبَا عَبَّاسٍ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا لَهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَقَالَ ذَرُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ قَالَ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا قَالَ سُفْيَانُ هَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته، والغرض منه قوله ‏"‏ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ‏"‏ ووقع في رواية الجرجاني ‏"‏ أخرجوا اليهود ‏"‏ والأول أثبت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة‏)‏ محمد هذا هو ابن سلام، وقد تقدم في كتاب الوضوء في حديث آخر ‏"‏ حدثنا محمد بن سلام حدثنا ابن عيينة ‏"‏ وسيأتي الكلام على شرح المتن في الوفاة آخر المغازي إن شاء الله تعالى‏.‏

قال الطبري‏:‏ فيه أن على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الأرض ونحو ذلك، وعلى ذلك أقر عمر من أقر بالسواد والشام، وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها‏.‏

*3*باب إِذَا غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم‏)‏ ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا فُلَانٌ فَقَالَ كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَهْلُ النَّارِ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا قَالُوا نَعَمْ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في المغازي، ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم، وسيأتي بسطه هناك إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب دُعَاءِ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب دعاء الإمام على من نكث عهدا‏)‏ ذكر فيه حديث أنس في القنوت‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْقُنُوتِ قَالَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَقُلْتُ إِنَّ فُلَانًا يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ بَعَثَ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْقُرَّاءِ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَعَرَضَ لَهُمْ هَؤُلَاءِ فَقَتَلُوهُمْ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ

الشرح‏:‏

حديث أنس في القنوت، وقد سبق شرحه مستوفى في كتاب الوتر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏حدثنا ثابت بن يزيد‏)‏ أوله تحتانية، ووهم من قال فيه زيد بغير ياء، وعاصم شيخه هو الأحول، والإسناد كله بصريون‏.‏

*3*باب أَمَانِ النِّسَاءِ وَجِوَارِهِنَّ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب أمان النساء وجوارهن‏)‏ الجوار بكسر الجيم وضمها المجاورة، والمراد هنا الإجارة، تقول جاورته أجاوره مجاورة وجوارا، وأجرته أجيره إجارا وجوارا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى

الشرح‏:‏

حديث أم هانئ وقد تقدم في أوائل الصلاة ما يتعلق بالمراد بفلان ابن هبيرة وغير ذلك من فوائده، ووقع هنا للداودي الشارح وهم، فإنه قال‏:‏ قوله عام الحديبية وهم من عبد الله بن يوسف والذي قاله غيره يوم الفتح، وتعقبه ابن التين بأن الروايات كلها على خلاف ما قال الداودي وليس فيها إلا يوم الفتح على الصواب‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك - يعني ابن الماجشون صاحب مالك - لا أحفظ ذلك عن غيره قال‏:‏ إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر‏:‏ وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يسعى بذمتهم أدناهم ‏"‏ دلالة على إغفال هذا القائل انتهى‏.‏

وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال‏:‏ هو إلى الإمام، إن أجازه جاز وإن رده رد‏.‏

*3*باب ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجِوَارُهُمْ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بذمتهم أدناهم‏)‏ ذكر فيه حديث علي في الصحيفة ومحمد شيخه هو ابن سلام نسبه ابن السكن، والغرض منه قوله فيه ‏"‏ وذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك ‏"‏ أي مثل ما ذكر من الوعيد في حق من أحدث في المدينة حدثا، وهو ظاهر فيما يتعلق بصدر الترجمة‏.‏

وأما قوله ‏"‏ يسعى بذمتهم أدناهم ‏"‏ فأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، وقد تقدم بيانه في فضل المدينة في أواخر الحج؛ ويأتي بهذا اللفظ بعد خمسة أبواب، ودخل في قوله ‏"‏ أدناهم ‏"‏ أي أقلهم كل وضيع بالنص وكل شريف بالفحوي فدخل في أدناهم المرأة والعبد والصبي والمجنون‏.‏

فأما المرأة فتقدم في الباب الذي قبله، وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه قاتل أو لم يقاتل‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا‏.‏

وقال سحنون‏:‏ إذا أذن له سيده في القتال صح أمانه وإلا فلا‏.‏

وأما الصبي فقال ابن المنذر‏:‏ أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز قلت‏:‏ وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة‏.‏

وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر‏.‏

لكن قال الأوزاعي‏:‏ إن غزا الذمي مع المسلمين فأمن أحدا فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه، وحكى ابن المنذر عن الثوري أنه استثنى من الرجال الأحرار الأسير في أرض الحرب فقال‏:‏ لا ينفذ أمانه، وكذلك الأجير‏.‏

وقد مضى كثير من فوائد هذا الحديث في فضل المدينة، وتأتي بقيته في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب إِذَا قَالُوا صَبَأْنَا وَلَمْ يُحْسِنُوا أَسْلَمْنَا

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ وَقَالَ عُمَرُ إِذَا قَالَ مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنَهُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا وَقَالَ تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إذا قالوا‏)‏ أي المشركون حين يقاتلون ‏(‏صبأنا‏)‏ أي وأرادوا الإخبار بأنهم أسلموا ‏(‏ولم يحسنوا أسلمنا‏)‏ أي جريا منهم على لغتهم، هل يكون ذلك كافيا في رفع القتال عنهم أم لا‏؟‏ قال ابن المنير‏:‏ مقصود الترجمة أن المقاصد تعتبر بأداتها كيفما كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال ابن عمر فجعل خالد يقتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبرأ إليك مما صنع خالد‏)‏ هذا طرف من حديث طويل أخرجه المؤلف في غزوة الفتح من المغازي، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك، وحاصله أن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قوما فقالوا صبأنا وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم وقتلهم بناء على ظهر اللفظ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأنكره، فدل على أنه يكتفى من كل قوم بما يعرف من لغتهم‏.‏

وقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يقد منه‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود، لكن ينظر فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط، وأما الضمان فيلزم عند الأكثر‏.‏

وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق‏:‏ ما كان في قتل أو جراح ففي بيت المال‏.‏

وقال الأوزاعي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة‏:‏ على العاقلة‏.‏

وقال ابن الماجشون لا يلزم فيه ضمان‏.‏

وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الأحكام، وهذا من المواضع التي يتمسك بها في أن البخاري يترجم ببعض ما ورد في الحديث وإن لم يورده في تلك الترجمة فإنه ترجم بقوله ‏"‏ صبأنا ‏"‏ ولم يوردها، واكتفى بطرف الحديث الذي وقعت هذه اللفظة فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عمر إذا قال مترس فقد آمنه إن الله يعلم الألسنة كلها‏)‏ وصله عبد الرزاق من طريق أبي وائل قال ‏"‏ جاءنا كتاب عمر ونحن نحاصر قصر فارس فقال‏:‏ إذا حاصرتم قصرا فلا تقولوا أنزل على حكم الله فإنكم لا تدرون ما حكم الله، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم، وإذا لقي الرجل الرجل فقال لا تخف فقد أمنه، وإذا قال مترس فقد أمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها ‏"‏ وأول هذا الأثر أخرجه مسلم من طريق بريدة مرفوعا في حديث طويل‏.‏

و ‏"‏ مترس ‏"‏ كلمة فارسية معناها لا تخف وهي بفتح الميم وتشديد المثناة وإسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف التاء وبه جزم بعض من لقيناه من العجم، وقيل بإسكان المثناة وفتح الراء ووقع في الموطأ رواية يحيى بن يحيى الأندلسي مطرس بالطاء بدل المثناة، قال ابن قرقول‏:‏ هي كلمة أعجمية، والظاهر أن الراوي فخم المثناة فصارت تشبه الطاء كما يقع من كثير من الأندلسيين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال تكلم لا بأس‏)‏ فاعل قال هو عمر، وروى ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان في تاريخه من طرق بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال ‏"‏ حاصرنا تستر، فنزل الهرمزان على حكم عمر، فلما قدم به عليه استعجم، فقال له عمر‏:‏ تكلم لا بأس عليك، وكان ذلك تأمينا من عمر ‏"‏ ورويناه مطولا في سنن سعيد ابن منصور حدثنا هشيم أخبرنا حميد، وفي نسخة إسماعيل بن جعفر من طريق ابن خزيمة عن علي بن حجر عنه عن حميد عن أنس قال ‏"‏ بعث معي أبو موسى بالهرمزان إلى عمر، فجعل عمر يكلمه فلا يتكلم، فقال له‏:‏ تكلم، قال‏:‏ أكلام حي أم كلام ميت‏؟‏ قال تكلم لا بأس ‏"‏ فذكر القصة، فأل فأراد قتله فقلت‏:‏ لا سبيل إلى ذلك، قد قلت له تكلم لا بأس، فقال من يشهد لك‏؟‏ فشهد لي الزبير بمثل ذلك، فتركه فأسلم، وفرض له في العطاء‏.‏

قال ابن المنير‏.‏

يستفاد منه أن الحاكم إذا نسى حكمه فشهد عنده اثنان به نفذه، وأنه إذا توقف في قبول شهادة الواحد فشهد الثاني بوفقه انتفت الريبة ولا يكون ذلك قدحا في شهادة الأول، وقوله ‏"‏إن الله يعلم الألسنة كلها ‏"‏ المراد اللغات، ويقال إنها ثنتان وسبعون لغة‏:‏ ستة عشر في ولد سام، ومثلها في ولد حام، والبقية في ولد يافث‏.‏

*3*باب الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ

وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ وَقَوْلِهِ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الْآيَةَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره‏)‏ أي كالأسرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإن جنحوا للسلم - جنحوا طلبوا السلم - فاجنح لها‏)‏ أي أن هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين، وتفسير جنحوا بطلبوا هو للمصنف‏.‏

وقال غيره‏:‏ معنى جنحوا مالوا‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ السلم والسلم واحد وهو الصلح‏.‏

وقال أبو عمر‏:‏ والسلم بالفتح الصلح، والسلم بالكسر الإسلام‏.‏

ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ فَقَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ

الشرح‏:‏

حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله ابن سهل وقتله بخيبر‏.‏

والغرض منه قوله ‏"‏ انطلق إلى خيبر وهي يومئذ صلح ‏"‏ وفهم المهلب من قوله في آخره ‏"‏ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده ‏"‏ أنه يوافق قوله في الترجمة ‏"‏ والمصالحة مع المشركين بالمال ‏"‏ فقال‏:‏ إنما وداه من عنده استئلافا لليهود وطمعا في دخولهم في الإسلام‏.‏

وهذا الذي قاله يرده ما في نفس الحديث من غير هذه الطريق ‏"‏ فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه ‏"‏ فإنه مشعر بأن سبب إعطائه ديته من عنده كان تطيبا لقلوب أهله‏.‏

ويحتمل أن يكون كل منهما سببا لذلك‏.‏

وبهذا تتم الترجمة‏.‏

وأما أصل المسألة فاختلف فيه‏.‏

فقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على مال يؤدونه إليهم فقال‏:‏ لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم‏.‏

وقال لا بأس أن يصالحهم على غير شيء يؤدونه إليهم كما وقع في الحديبية‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم، لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفرا عنهم، إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو، لأن ذلك من معاني الضرورات، وكذلك إذا أسر رجل مسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز‏.‏

وأما قول المصنف ‏"‏ وإثم من لم يف بالعهد ‏"‏ فليس في حديث الباب ما يشعر به، وسيأتي البحث فيه في كتاب القسامة من كتاب الديات إن شاء الله تعالى‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ قوله في نسب محيصة بن مسعود ‏"‏ ابن زيد ‏"‏ يقال إن الصواب ‏"‏ كعب ‏"‏ بدل زيد‏.‏

*3*باب فَضْلِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب فضل الوفاء بالعهد‏)‏ ذكر فيه طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، قال ابن بطال‏:‏ أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم، وليس هو من صفات الرسل‏.‏

*3*باب هَلْ يُعْفَى عَنْ الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ سُئِلَ أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ قَتْلٌ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ لا يقتل ساحر أهل العهد لكن يعاقب، إلا إن قتل بسحره فيقتل، أو أحدث حدثا فيؤخذ به‏.‏

وهو قول الجمهور‏.‏

وقال مالك‏:‏ إن أدخل بسحره ضررا على مسلم نقض عهده بذلك‏.‏

وقال أيضا‏:‏ يقتل الساحر ولا يستتاب، وبه قال أحمد وجماعة، وهو عندهم كالزنديق‏.‏

وقوله ‏"‏وقال ابن وهب إلخ ‏"‏ وصله ابن وهب في جامعه هكذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان من أهل الكتاب‏)‏ قال الكرماني‏:‏ ترجم بلفظ الذمي وسئل الزهري بلفظ أهل العهد وأجاب بلفظ أهل الكتاب، فالأولان متقاربان، وأما أهل الكتاب فمراده من له منهم عهد، وكان الأمر في نفس الأمر كذلك‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ لا حجة لابن شهاب في قصة الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ولأن السحر لم يضره في شيء من أمور الوحي ولا في بدنه، وإنما كان اعتراه شيء من التخيل، وهذا كما تقدم أن عفريتا تفلت عليه ليقطع صلاته فلم يتمكن من ذلك، وإنما ناله من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى‏.‏

قلت‏:‏ ولهذا الاحتمال لم يجزم المصنف بالحكم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ

الشرح‏:‏

الحديث طرف من حديث عائشة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر ‏"‏ وأشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عوفي أمر بالبئر فردمت وقال‏:‏ كرهت أن أثير على الناس شرا ‏"‏ وسيأتي الكلام على شرحه مستوفي حيث ذكره المصنف تاما في كتاب الطب إن شاء الله تعالى‏.‏