فصل: باب ذِكْرُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الْعَبْسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها‏)‏ كذا في النسخ ‏"‏ تزويج ‏"‏ وتفعيل قد يجيء بمعنى تفعل وهو المراد هنا، أو فيه حذف تقديره تزويجه من نفسه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خديجة‏)‏ هي أول من تزوجها صلى الله عليه وسلم، وهي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، تجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وهي من أقرب نسائه إليه في النسب؛ ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة، وتزوجها سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، زوجه إياها أبوها خويلد ذكره البيهقي من حديث الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل‏:‏ عمها عمرو بن أسد ذكره الكلبي، وقيل‏:‏ أخوها عمرو بن خويلد ذكره ابن إسحاق، وكانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي حليف بني عبد الدار، واختلف في اسم هالة فقيل مالك قاله الزبير، وقيل‏:‏ زرارة حكاه ابن منده، وقيل‏:‏ هند جزم به العسكري، وقيل‏:‏ اسمه النباش جزم به أبو عبيد، وابنه هند روى عنه الحسن بن علي فقال‏:‏ ‏"‏ حدثني خالي ‏"‏ لأنه أخو فاطمة لأمها، ولهند هذا ولد اسمه هند ذكره الدولابي وغيره، فعلى قول العسكري فهو ممن اشترك مع أبيه وجده في الاسم، ومات أبو هالة في الجاهلية، وكانت خديجة قبله عند عتيق بن عائذ المخزومي‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة قد سافر في مالها مقارضا إلى الشام، فرأى منه ميسرة غلامها ما رغبها في تزوجه، قال الزبير‏:‏ وكانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة، وماتت على الصحيح بعد المبعث بعشر سنين في شهر رمضان، وقيل‏:‏ بثمان، وقيل‏:‏ بسبع، فأقامت معه صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة على الصحيح‏.‏

وقال ابن عبد البر أربعا وعشرين سنة وأربعة أشهر، وسيأتي من حديث عائشة ما يؤيد الصحيح في أن موتها قبل الهجرة بثلاث سنين، وذلك بعد المبعث على الصواب بعشر سنين، وقد تقدم في أبواب بدء الوحي بيان تصديقها للنبي صلى الله عليه وسلم في أول وهلة، ومن ثباتها في الأمر ما يدل على قوة يقينها ووفور عقلها وصحة عزمها، لا جرم كانت أفضل نسائه على الراجح، وقد تقدم في ذكر مريم من أحاديث الأنبياء بيان شيء من هذا‏.‏

وروى الفاكهي في ‏"‏ كتاب مكة ‏"‏ عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب، فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة فأذن له، وبعث بعده جارية له يقال لها نبعة فقال لها‏:‏ انظري ما تقول له خديجة‏؟‏ قالت نبعة‏:‏ فرأيت عجبا، ما هو إلا أن سمعت به خديجة فخرجت إلى الباب فأخذت بيدها فضمتها إلى صدرها ونحرها ثم قالت‏:‏ بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا لشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي وادع الإله الذي يبعثك لي‏.‏

قالت‏:‏ فقال لها‏:‏ والله لئن كنت أنا هو قد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبدا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدا ‏"‏ ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث لا تصريح فيها بما في الترجمة، إلا أن ذلك يؤخذ بطريق اللزوم من قول عائشة ‏"‏ ما غرت على امرأة ‏"‏ من قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏وكان لي منها ولد ‏"‏ وغير ذلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ح حَدَّثَنِي صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثني محمد‏)‏ هو ابن سلام كما جزم به ابن السكن، وعبدة هو ابن سليمان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمعت عبد الله بن جعفر‏)‏ هو ابن أبي طالب، ووقع عند عبد الرزاق عن ابن جريج ‏"‏ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن جعفر ‏"‏ وهو من المزيد في متصل الأسانيد لتصريح عبدة في هذه الرواية بسماع عروة عن عبد الله بن جعفر‏.‏

‏:‏ ‏(‏سمعت علي بن أبي طالب‏)‏ زاد مسلم من رواية أبي أسامة عن هشام ‏"‏ بالكوفة ‏"‏ واتفق أصحاب هشام على ذكر علي فيه‏"‏، وقصر به محمد بن إسحاق فرواه عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم لكن بلفظ مغاير لهذا اللفظ، فالظاهر أنهما حديثان، وفي الإسناد رواية تابعي عن تابعي هشام عن أبيه وصحابي عن صحابي عبد الله بن جعفر عن عمه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة‏)‏ قال القرطبي‏:‏ الضمير عائد على غير مذكور، لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعني به الدنيا‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم والثاني على هذه الأمة‏.‏

قال ولهذا كرر الكلام تنبيها على أن حكم كل واحدة منها غير حكم الأخرى‏.‏

قلت‏:‏ ووقع عند مسلم من رواية وكيع عن هشام في هذا الحديث ‏"‏ وأشار وكيع إلى السماء والأرض ‏"‏ فكأنه أراد أن يبين أن المراد نساء الدنيا، وأن الضميرين يرجعان إلى الدنيا‏.‏

وبهذا جزم القرطبي أيضا‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ أراد أنهما خير من تحت السماء وفوق الأرض من النساء، قال‏:‏ ولا يستقيم أن يكون تفسيرا لقوله نسائها لأن هذا الضمير لا يصلح أن يعود إلى السماء‏.‏

كذا قال‏.‏

ويحتمل أن يريد أن الضمير الأول يرجع إلى السماء والثاني إلى الأرض إن ثبت أن ذلك صدر في حياة خديجة وتكون النكتة في ذلك أن مريم ماتت فعرج بروحها إلى السماء، فلما ذكرها أشار إلى السماء، وكانت خديجة إذ ذاك في الحياة فكانت في الأرض فلما ذكرها أشار إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موت خديجة فالمراد أنهما خير من صعد بروحهن إلى السماء وخير من دفن جسدهن في الأرض، وتكون الإشارة عند ذكر كل واحدة منهما‏.‏

والذي يظهر لي أن قوله ‏"‏ خير نسائها ‏"‏ خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال مريم خير نسائها أي نساء زمانها، وكذا في خديجة‏.‏

وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه ‏"‏ كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية ‏"‏ فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية كما أثبته لمريم، فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق، وجاء ما يفسر المراد صريحا، فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه ‏"‏ لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين ‏"‏ وهو حديث حسن الإسناد، واستدل بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة‏.‏

قال ابن التين‏:‏ ويحتمل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك لأنها كان لها عند موت خديجة ثلاث سنين، فلعل المراد النساء البوالغ‏.‏

كذا قال، وهو ضعيف، فإن المراد بلفظ النساء أعم من البوالغ، ومن لم تبلغ أعم ممن كان موجودة وممن ستوجد‏.‏

وقد أخرج النسائي بإسناد صحيح وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا ‏"‏ أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية ‏"‏ وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل، قال القرطبي‏:‏ لم يثبت في حق واحدة من الأربع أنها نبية إلا مريم‏.‏

وقد أورد ابن عبد البر من وجه آخر عن ابن عباس رفعه ‏"‏ سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ‏"‏ قال‏:‏ وهذا حديث حسن يرفع الإشكال، قال‏:‏ ومن قال إن مريم ليست بنبية أول هذا الحديث وغيره بأن ‏"‏ من ‏"‏ وإن لم تذكر في الخبر فهي مرادة‏.‏

قلت الحديث الثاني الدال على الترتيب ليس بثابت، وأصله عند أبي داود والحاكم بغير صيغة ترتيب، وقد يتمسك بحديث الباب من يقول إن مريم ليست بنبية لتسويتها في حديث الباب بخديجة، وليست خديجة بنبية بالاتفاق‏.‏

والجواب أنه لا يلزم من التسوية في الخيرية التسوية في جميع الصفات، وقد تقدم ما قيل في مريم في ترجمتها من أحاديث الأنبياء والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الليث قال‏:‏ كتب إلى هشام بن عروة‏)‏ وقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الليث ‏"‏ حدثني هشام بن عروة ‏"‏ فلعل الليث لقي هشام بعد أن كتب به إليه فحدثه به، أو كان من مذهبه إطلاق ‏"‏ حدثنا ‏"‏ في الكتابة، وقد نقل الخطيب ذلك عنه في علوم الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ فيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلا عمن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بينت سبب ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها‏.‏

ووقع في الرواية التي تلي هذه بأبين من هذا حيث قال فيها‏:‏ ‏"‏ من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ‏"‏ وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها‏.‏

قلت‏:‏ وقع عند النسائي من رواية النضر بن شميل عن هشام ‏"‏ من كثرة ذكره إياها وثنائه عليها ‏"‏ فعطف الثناء على الذكر من عطف الخاص على العام، وهو يقتضي حمل الحديث على أعم مما قاله القرطبي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هلكت قبل أن يتزوجني‏)‏ ذكر في الحديث الذي بعده قدر المدة، وسيأتي البحث فيه، وأشارت بذلك إلى أنها لو كانت موجودة في زمانها لكانت غيرتها منها أشد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأمره الله أن يبشرها إلخ‏)‏ سيأتي شرحه بعد هذا، وهو أيضا من جملة أسباب الغيرة، لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبي صلى الله عليه وسلم فيها‏.‏

ووقع عند الإسماعيلي من رواية الفضل بن موسى عن هشام بن عروة بلفظ ‏"‏ ما حسدت امرأة قط ما حسدت خديجة حين بشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت من قصب ‏"‏ الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإن كان ليذبح الشاة إلخ‏)‏ إن مخففة من الثقيلة ويراد بها تأكيد الكلام، ولهذا أتت باللام في قولها ‏"‏ ليذبح‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في خلائلها‏)‏ بالخاء المعجمة جمع خليلة أي صديقة، وهي أيضا من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏منها‏)‏ أي من الشاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما يسعهن‏)‏ أي ما يكفيهن كذا للأكثر‏.‏

وفي رواية المستملي والحموي ‏"‏ ما يتسعهن ‏"‏ أي يتسع لهن‏.‏

وفي رواية النسفي ‏"‏ يشبعهن ‏"‏ من الشبع بكسر المعجمة وفتح الموحدة وليس في روايته ‏"‏ ما‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا قَالَتْ وَتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَأَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا حميد بن عبد الرحمن‏)‏ هو الرؤاسي بضم الراء وعلى الواو همزة وبعد الألف مهملة‏.‏

ثقة باتفاق، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الحدود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وتزوجني بعدها بثلاث سنين‏)‏ قال النووي‏:‏ أرادت بذلك زمن دخولها عليه، وأما العقد فتقدم على ذلك بمدة سنة ونصف أو نحو ذلك، كذا قال، وسيأتي في ‏"‏ باب تزويج عائشة ‏"‏ ما يوضح أن المدة بين العقد عليها والدخول كان أكثر من ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأمره ربه عز وجل أو جبريل‏)‏ هو شك من الراوي، وسيأتي في حديث أبي هريرة في هذا الباب أن البشارة بذلك من الله كانت على لسان جبريل عليه السلام‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثني عمر بن محمد بن الحسن حدثنا أبي‏)‏ هو الأسدي الذي يعرف بالتل بالمثناة وتشديد اللام، واسم والد الحسن الزبير، وعمر كوفي ما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الزكاة، وهو من صغار شيوخه‏.‏

وقد نزل البخاري في هذا الإسناد بالنسبة لحديث حفص بن غياث درجة، فإنه يروي الكثير عن ولده عمر بن حفص وغيره من أصحاب حفص، وهنا لم يصل لحفص إلا باثنين، وبالنسبة لرواية هشام بن عروة درجتين فإنه قد سمع من بعض أصحابه وأخرج هذا في الصحيح في كتاب العتق منه ‏"‏ حدثنا عبيد بن موسى عن هشام بن عروة من مسند أبي ذر‏"‏، والسبب في اختياره إيراد هذه الطريق النازلة ما اشتملت عليه من الزيادة على رواية غيره كما سأنبه عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وما رأيتها‏)‏ في رواية مسلم من هذا الوجه ‏"‏ ولم أدركها ‏"‏ ولم أر هذه اللفظة إلا في هذه الطريق، نعم أخرجها مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ ‏"‏ وما رأيتها قط ‏"‏ ورؤية عائشة لخديجة كانت ممكنة، وأما إدراكها لها فلا نزاع فيه لأنه كان لها عند موتها ست سنين، كأنها أرادت بنفي الرؤية والإدراك النفي بقيد اجتماعهما عند النبي صلى الله عليه وسلم، أي لم أرها وأنا عنده ولا أدركتها كذلك‏.‏

وقد وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة ‏"‏ ولقد هلكت قبل أن يتزوجني‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها‏)‏ في رواية عبد الله البهي عن عائشة عند الطبراني ‏"‏ وكان إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فربما قلت إلخ‏)‏ هذا كله زائد في هذه الرواية، فقد أخرج الحديث مسلم وأبو عوانة والإسماعيلي وأبو نعيم من طريق سهل بن عثمان والترمذي عن أبي هشام الرفاعي كلهم عن حفص بن غياث بدونها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كأنه لم يكن‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ كأن لم ‏"‏ بحذف الهاء من كأنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنها كانت وكانت‏)‏ أي كانت فاضلة وكانت عاقلة ونحو ذلك، وعند أحمد من حديث مسروق عن عائشة ‏"‏ آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان لي منها ولد‏)‏ وكان جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة، إلا إبراهيم فإنه كان من جاريته مارية، والمتفق علبه من أولاده منها القاسم وبه كان يكنى، مات صغيرا قبل المبعث أو بعده، وبناته الأربع‏:‏ زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة، وقيل‏:‏ كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، وعبد الله ولد بعد المبعث فكان يقال له الطاهر والطيب، ويقال هما أخوان له، وماتت الذكور صغارا باتفاق، ووقع عند مسلم من طريق حفص بن غياث هذه في آخر الحديث ‏"‏ قالت عائشة‏:‏ فأغضبته يوما فقلت خديجة، فقال‏:‏ إني رزقت حبها ‏"‏ قال القرطبي كان حبه صلى الله عليه وسلم لها لما تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرة كل منها كان سببا في إيجاد المحبة‏.‏

ومما كافأ النبي صلى الله عليه وسلم به خديجة في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها، فروى مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏ لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت ‏"‏ وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين، لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاما انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها‏.‏

ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن، لما ثبت ‏"‏ أن من سن سنة حسنة ‏"‏ وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل‏.‏

وقال النووي‏:‏ في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيا وميتا، وإكرام معارف ذلك الصاحب‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ قَالَ نَعَمْ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن إسماعيل‏)‏ هو ابن أبي خالد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قلت لعبد الله بن أبي أوفى إلخ‏)‏ هذا مما حمله التابعي عن الصحابي عرضا، وليس هذا من التلقين، لأن التلقين لا استفهام فيه وإنما يقول الطالب للشيخ قل حدثنا فلان بكذا فيحدث به من غير أن يكون عارفا به حديثه ولا بعدالة الطالب فلا يؤمن أن لا يكون ذلك الطالب ضابطا لذلك القدر فيدل على تساهل الشيخ، فلذلك عابوه على من فعله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بشر النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ هو استفهام محذوف الأداة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال نعم‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ بشر خديجة ببيت من قصب، قال نعم إلخ ‏"‏ ووقع في رواية جرير عن إسماعيل أنهم قالوا لعبد الله بن أبي أوفى ‏"‏ حدثنا ما قال لخديجة‏:‏ قال‏:‏ قال‏:‏ بشروا خديجة ‏"‏ فذكر الحديث، هكذا تقدم في أبواب العمرة من البخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من قصب‏)‏ بفتح القاف والمهملة بعدها موحدة، قال ابن التين‏:‏ المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف‏.‏

قلت‏:‏ عند الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من طريق أخرى عن ابن أبي أوفى ‏"‏ يعني قصب اللؤلؤ‏"‏، وعنده في ‏"‏ الكبير ‏"‏ من حديث أبي هريرة ‏"‏ بيت من لؤلؤة مجوفة ‏"‏ وأصله في مسلم، وعنده في الأوسط ‏"‏ من حديث فاطمة قالت‏:‏ قلت يا رسول الله أين أمي خديجة‏؟‏ قال‏:‏ في بيت من قصب، قلت أمن هذا القصب‏؟‏ قال‏:‏ لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت ‏"‏ قال السهيلي‏:‏ النكتة في قوله‏:‏ ‏"‏ من قصب ‏"‏ ولم يقل من لؤلؤ أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع هذا الحديث انتهى‏.‏

وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏"‏ ببيت ‏"‏ فقال أبو بكر الإسكاف في ‏"‏ فوائد الأخبار ‏"‏‏:‏ المراد به بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال‏:‏ ‏"‏ لا نصب فيه ‏"‏ أي لم تتعب بسببه‏.‏

قال السهيلي‏:‏ لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضا غيرها‏.‏

قال‏:‏ وجزاء الفعل يذكر غالبا بلفظه وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر انتهى‏.‏

وفي ذكر البيت معنى آخر، لأن مرجع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إليها، لما ثبت في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت‏)‏ قالت أم سلمة ‏"‏ لما نزلت دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليا والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال‏:‏ اللهم هؤلاء أهل بيتي ‏"‏ الحديث أخرجه الترمذي وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة، لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها، وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا صخب فيه ولا نصب‏)‏ الصخب بفتح المهملة والمعجمة بعدها موحدة‏:‏ الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب بفتح النون والمهملة بعدها موحدة التعب‏.‏

وأغرب الداودي فقال‏:‏ الصخب العيب، والنصب العوج‏.‏

وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة‏.‏

وقال السهيلي‏:‏ مناسبة نفي هاتين الصفتين - أعني المنازعة والتعب - أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَالَةَ قَالَتْ فَغِرْتُ فَقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمارة‏)‏ هو ابن القعقاع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي هريرة‏)‏ في رواية مسلم عن ابن نمير عن ابن فضيل بهذا الإسناد ‏"‏ سمعت أبا هريرة‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أتى جبريل‏)‏ في رواية سعيد بن كثير عند الطبراني أن ذلك كان وهو بحراء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذه خديجة قد أتت‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ قد أتتك ‏"‏ ومعناه توجهت إليك، وأما قوله ثانيا، ‏"‏ فإذا هي أتتك ‏"‏ فمعناه وصلت إليك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إناء فيه إدام أو طعام أو شراب‏)‏ شك من الراوي، وكذا عند مسلم‏.‏

وفي رواية الإسماعيلي ‏"‏ فيه إدام أو طعام وشراب ‏"‏ وفي رواية سعيد بن كثير المذكور عند الطبراني أنه كان حيسا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاقرأ عليها السلام من ربها ومني‏)‏ زاد الطبراني في الرواية المذكورة ‏"‏ فقالت‏:‏ هو السلام ومنه والسلام وعلى جبريل السلام ‏"‏ وللنسائي من حديث أنس قال‏:‏ ‏"‏ قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله يقرئ خديجة السلام ‏"‏ يعني فأخبرها ‏"‏ فقالت‏:‏ إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته ‏"‏ زاد ابن السني من وجه آخر ‏"‏ وعلى من سمع السلام، إلا الشيطان‏"‏، قال العلماء في هذا القصة دليل على وفور فقهها، لأنها لم تقل ‏"‏ وعليه السلام ‏"‏ كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد ‏"‏ السلام على الله فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إن الله هو السلام، فقولوا التحيات لله ‏"‏ فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يرد عليه السلام كما يرد على المخلوقين، لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضا دعاء بالسلامة، وكلاها لا يصلح أن يرد به على الله فكأنها قالت‏:‏ كيف أقول عليه السلام والسلام اسمه، ومنه يطلب، ومنه يحصل‏.‏

فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره فقالت‏:‏ ‏"‏ وعلى جبريل السلام ‏"‏ ثم قالت‏:‏ ‏"‏ وعليك السلام ‏"‏ ويستفاد منه رد السلام على من أرسل السلام وعلى من بلغه‏.‏

والذي يظهر أن جبريل كان حاضرا عند جوابها فردت عليه وعلى النبي صلى الله عليه وسلم مرتين‏:‏ مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع لأنه لا يستحق الدعاء بذلك‏.‏

قيل‏:‏ إنما بلغها جبريل عليه السلام من ربها بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم احتراما للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك وقع له لما سلم على عائشة لم يواجهها بالسلام بل راسلها مع النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد واجه مريم بالخطاب، فقيل لأنها نبية، وقيل‏:‏ لأنها لم يكن معها زوج يحترم معه مخاطبتها‏.‏

قال السهيلي‏:‏ استدل بهذه القصة أبو بكر بن داود على أن خديجة أفضل من عائشة لأن عائشة سلم عليها جبريل من قبل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربها‏.‏

وزعم ابن العربي أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة، ورد بأن الخلاف ثابت قديما وإن كان الراجح أفضلية خديجة بهذا وبما تقدم‏.‏

قلت‏:‏ ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ‏"‏ قال السبكي الكبير كما تقدم‏:‏ لعائشة من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة‏.‏

واستدل لفضل فاطمة بما تقدم في ترجمتها أنها سيدة نساء المؤمنين‏.‏

قلت‏:‏ وقال بعض من أدركناه‏:‏ الذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أولى، وأن لا نفضل إحداهما على الأخرى‏.‏

وسئل السبكي‏:‏ هل قال أحد إن أحدا من نساء النبي صلى الله عليه وسلم غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة‏؟‏ فقال‏:‏ قال به من لا يعتد بقوله‏:‏ وهو من فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم على جميع الصحابة لأنهن في درجته في الجنة‏.‏

قال‏:‏ وهو قول ساقط مردود انتهى‏.‏

وقائله هو أبو محمد بن حزم وفساده ظاهر‏.‏

قال السبكي‏:‏ ونساء النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل، وهن أفضل النساء لقول الله تعالى‏:‏ ‏(‏لستن كأحد من النساء إن اتقيتن‏)‏ الآية، ولا يستثنى من ذلك إلا من قيل إنها نبية كمريم، والله أعلم‏.‏

ومما نبه عليه أنه وقع عند الطبراني من رواية أبي يونس عن عائشة أنها وقع لها نظير ما وقع لخديجة من السلام والجواب، وهي رواية شاذة، والعلم عند الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال إسماعيل بن خليل‏)‏ كذا في جميع النسخ التي اتصلت إلينا بصيغة التعليق، لكن صنيع المزي يقتضي أنه أخرجه موصولا، وقد أخرجه أبو عوانة عن محمد بن يحيى الذهلي عن إسماعيل المذكور، وأخرجه مسلم عن سويد بن سعيد والإسماعيلي من طريق الوليد بن شجاع كلاهما عن علي بن مسهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏استأذنت هالة بنت خويلد‏)‏ هي أخت خديجة، وكانت زوج الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس والد أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكروها في الصحابة وهو ظاهر هذا الحديث، وقد هاجرت إلى المدينة لأن دخولها كان بها أي بالمدينة، ويحتمل أن تكون دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حيث كانت عائشة معه في بعض سفراته، ووقع عند المستغفري من طريق حماد بن سلمة عن هشام بهذا السند ‏"‏ قدم ابن لخديجة يقال له هالة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم في قائلته كلام هالة، فانتبه وقال‏:‏ هالة هالة ‏"‏ قال المستغفري‏:‏ الصواب هالة أخت خديجة انتهى‏.‏

وروى الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من طريق تميم بن زيد بن هالة عن أبي هالة عن أبيه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو راقد فاستيقظ فضمه إلى صدره وقال‏:‏ ‏"‏ هالة هالة ‏"‏ وذكر ابن حبان وابن عبد البر في الصحابة هالة بن أبي هالة التميمي، فلعله كان لخديجة أيضا ابن اسمه هالة والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فعرف استئذان خديجة‏)‏ أي صفته لشبه صوتها بصوت أختها فتذكر خديجة بذلك، وقوله‏:‏ ‏"‏ ارتاع ‏"‏ من الروع بفتح الراء أي فزع، والمراد من الفزع لازمه وهو التغير‏.‏

ووقع في بعض الروايات ‏"‏ ارتاح ‏"‏ بالحاء المهملة أي اهتز لذلك سرورا، وقوله ‏"‏اللهم هالة ‏"‏ فيه حذف تقديره اجعلها هالة، فعلى هذا فهو منصوب، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه هالة وعلى هذا هو مرفوع، وفي الحديث أن من أحب شيئا أحب محبوباته وما يشبهه وما يتعلق به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حمراء الشدقين‏)‏ بالجر، قال أبو البقاء‏:‏ يجوز في حمراء الرفع على القطع والنصب على الصفة أو الحال، ثم الموجود في جميع النسخ وفي مسلم ‏"‏ حمراء ‏"‏ بالمهملتين، وحكى ابن التين أنه روي بالجيم والزاي ولم يذكر له معنى، وهو تصحيف والله أعلم‏.‏

قال القرطبي‏:‏ قيل‏:‏ معنى حمراء الشدقين بيضاء الشدقين، والعرب تطلق على الأبيض الأحمر كراهة اسم البياض لكونه يشبه البرص، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة يا حميراء‏.‏

ثم استبعد القرطبي هذا لكون عائشة أوردت هذه المقالة مورد التنقيص، فلو كان الأمر كما قيل لنصت على البياض لأنه كان يكون أبلغ في مرادها‏.‏

قال‏:‏ والذي عندي أن المراد بذلك نسبتها إلى كبر السن، لأن من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه يغلب على لونه غالبا الحمرة المائلة إلى السمرة، كذا قال، والذي يتبادر أن المراد بالشدقين ما في باطن الفم فكنت بذلك عن سقوط أسنانها حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللثة وغيرها، وبهذا جزم النووي وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قد أبدلك الله خيرا منها‏)‏ قال ابن التين‏:‏ في سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المقالة دليل على أفضلية عائشة على خديجة إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا حسن الصورة وصغر السن انتهى‏.‏

ولا يلزم من كونه لم ينقل في هذه الطريق أنه صلى الله عليه وسلم رد عليها عدم ذلك، بل الواقع أنه صدر منه رد لهذه المقالة، ففي رواية أبي نجيح عن عائشة عند أحمد والطبراني في هذه القصة ‏"‏ قالت عائشة فقلت أبدلك الله بكبيرة السن حديثة السن، فغضب حتى قلت‏:‏ والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير ‏"‏ وهذا يؤيد ما تأوله ابن التين في الخيرية المذكورة، والحديث يفسر بعضه بعضا‏.‏

وروى أحمد أيضا والطبراني من طريق مسروق عن عائشة في نحو هذه القصة ‏"‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي إذ كفر بي الناس ‏"‏ الحديث، قال عياض قال الطبري وغيره من العلماء الغيرة مسامح للنساء ما يقع فيها ولا عقوبة عليهن في تلك الحالة لما جبلن عليه منها، ولهذا لم يزجر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة عن ذلك‏.‏

وتعقبه عياض بأن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها، فلعلها لم تكن بلغت حينئذ‏.‏

قلت‏:‏ وهو محتمل مع ما فيه من نظر، قال القرطبي‏:‏ لا تدل قصة عائشة هذه على أن الغيرة لا تؤاخذ بما يصدر منها، لأن الغيرة هنا جزء سبب، وذلك أن عائشة اجتمع فيها حينئذ الغيرة وصغر السن والإدلال، قال فإحالة الصفح عنها على الغيرة وحدها تحكم، نعم الحامل لها على ما قالت الغيرة لأنها هي التي نصت عليها بقولها ‏"‏ فغرت ‏"‏ وأما الصفح فيحتمل أن يكون لأجل الغيرة وحدها، ويحتمل أن يكون لها ولغيرها من الشباب والإدلال‏.‏

قلت‏:‏ الغيرة محققة بتنصيصها، والشباب محتاج إلى دليل، فإنه صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي بنت تسع وذلك في أول زمن البلوغ، فمن أين له أن ذلك القول وقع في أوائل دخوله عليها وهي بنت تسع‏.‏

وأما إدلال المحبة فليس موجبا للصفح عن حق الغير، بخلاف الغيرة فإنما يقع الصفح بها لأن من يحصل لها الغيرة لا تكون في كمال عقلها، فلهذا تصدر منها أمور لا تصدر منها في حال عدم الغيرة، والله أعلم‏.‏

*3*باب ذِكْرُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي‏)‏ أي ابن جابر بن مالك من بني أنمار بن أراش، نسبوا إلى أمهم بجيلة، يكنى أبا عمرو على المشهور، واختلف في إسلامه والصحيح أنه في سنة الوفود سنة تسع، ووهم من قال إنه أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يوما لما ثبت في الصحيح ‏"‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له استنصت الناس ‏"‏ في حجة الوداع وذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بأكثر من ثمانين يوما، وكان موت جرير سنة خمسين وقيل‏:‏ بعدها‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته فاستأذنت عليه، وليس كما حمله بعضهم على إطلاقه فقال كيف جاز له أن يدخل على محرم بغير حجاب‏؟‏ ثم تكلف في الجواب أن المراد مجلسه المختص بالرجال، أو أن المراد بالحجاب منع ما يطلبه منه‏.‏

قلت‏:‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ ما حجبني ‏"‏ يتناول الجميع مع بعد إرادة الأخير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا رآني إلا ضحك‏)‏ في رواية الحميدي عن إسماعيل ‏"‏ إلا تبسم في وجهي ‏"‏ وروى أحمد وابن حبان من طريق المغيرة بن شبيل عن جرير قال‏:‏ ‏"‏ لما دنوت من المدينة أنخت ثم لبست حلتي فدخلت، فرماني الناس بالحدق، فقلت‏:‏ هل ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، ذكرك بأحسن ذكر فقال‏:‏ يدخل عليكم رجل من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

وَعَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ أَوْ الْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ قَالَ فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ قَالَ فَكَسَرْنَا وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعن قيس‏)‏ هو موصول بالإسناد المذكور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذو الخلصة‏)‏ بفتح المعجمة واللام والصاد المهملة وحكي إسكان اللام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ اليمانية ‏"‏ بتخفيف الياء وحكي تشديدها، وقوله‏:‏ ‏"‏ أو الكعبة الشامية ‏"‏ استشكل الجمع بين هذين الوصفين، وسيأتي جوابه مع شرح هذه القصة في أواخر المغازي مع الكلام على قوله الكعبة اليمانية أو الكعبة الشامية إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب ذِكْرُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الْعَبْسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي‏)‏ بالموحدة، واسم اليمان حسل بمهملتين وكسر أوله وسكون ثانيه ثم لام ابن جابر له ولأبيه صحبة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ هَزِيمَةً بَيِّنَةً فَصَاحَ إِبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ أُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَنَادَى أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي فَقَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ أَبِي فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما هزم‏)‏ بضم أوله، وقوله‏:‏ ‏"‏ وأخراكم ‏"‏ أي اقبلوا أخراكم أو احذروا أخراكم أو انصروا أخراكم، وقوله‏:‏ ‏"‏ احتجزوا ‏"‏ أي انفصلوا من القتال وامتنع بعضهم من بعض، وسيأتي بقية شرح هذه القصة في كتاب المغازي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال أبي‏)‏ القائل هو هشام بن عروة، نقله عن أبيه عروة وفصله من حديث عائشة فصار مرسلا، وقوله‏:‏ ‏"‏ ما زالت في حذيفة منها ‏"‏ أي من هذه الكلمة أي بسببها، وقوله‏:‏ ‏"‏ بقية خير ‏"‏ يؤخذ منه أن فعل الخير تعود بركته على صاحبه في طول حياته‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع ذكر جرير وحذيفة مؤخرا عن ذكر خديجة عليها السلام، وفي بعضها مقدما وهو أليق، فإن الذي يظهر أنه أخر ذكر خديجة عمدا لكون غالب أحوالها متعلقة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث فوقع له في ذلك حسن التخلص من المناقب التي استطرد من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إليها، فلما فرغ منها رجع إلى بقية سيرته ومغازيه، والله أعلم‏.‏

*3*باب ذِكْرُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

وَقَالَ عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ قَالَتْ وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ لَا أُرَاهُ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة‏)‏ أي ابن عبد شمس، وهي والدة معاوية، قتل أبوها ببدر كما سيأتي في المغازي، وشهدت مع زوجها أبي سفيان أحدا، وحرضت على قتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم لكونه قتل عمها شيبة وشرك في قتل أبيها عتبة فقتله وحشي بن حرب كما سيأتي بيان ذلك في حديث وحشي، ثم أسلمت هند يوم الفتح، وكانت من عقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي ثم طلقها في قصة جرت، فتزوجها أبو سفيان فأنتجت عنده، وهي القائلة للنبي صلى الله عليه وسلم لما شرط على النساء المبايعة ولا يسرقن ولا يزنين ‏"‏ وهل تزني الحرة ‏"‏‏؟‏ وماتت هند في خلافة عمر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عبدان‏)‏ كذا للجميع بصيغة التعليق، وكلام أبي نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ يقتضي أن البخاري أخرجه موصولا عن عبدان، وقد وصله البيهقي أيضا من طريق أبي الموجه عن عبدان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خباء‏)‏ بكسر المعجمة وتخفيف الموحدة مع المد هي خيمة من وبر أو صوف، ثم أطلقت على البيت كيف ما كان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال وأيضا والذي نفسي بيده‏)‏ قال ابن التين‏:‏ فيه تصديق لها فيما ذكرته، كأنه رأى أن المعنى‏:‏ وأنا أيضا بالنسبة إليك مثل ذلك‏.‏

تعقب من جهة طرفي البغض والحب، فقد كان في المشركين من كان أشد أذى للنبي صلى الله عليه وسلم من هند وأهلها، وكان في المسلمين بعد أن أسلمت من هو أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها ومن أهلها، فلا يمكن حمل الخبر على ظاهره‏.‏

وقال غيره‏:‏ المعنى بقوله ‏"‏ وأيضا ‏"‏ ستزيدين في المحبة كلما تمكن الإيمان من قلبك وترجعين عن البغض المذكور حتى لا يبقى له أثر، فأيضا خاص بما يتعلق بها لا أن المراد بها أني كنت في حقك كما ذكرت في البغض ثم صرت على خلافه في الحب بل ساكت عن ذلك، ولا يعكر على هذا قوله في بعض الروايات ‏"‏ وأنا ‏"‏ إن ثبتت الرواية بذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن أبا سفيان رجل مسيك‏)‏ سيأتي شرحه في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى، وفي الحديث دلالة على وفور عقل هند وحسن تأتيها في المخاطبة، ويؤخذ منه أن صاحب الحاجة يستحب له أن يقدم بين يدي نحواه اعتذارا إذا كان في نفس الذي يخاطبه عليه موجدة، وأن المعتذر يستحب له أن يقدم ما يتأكد به صدقه عند من يعتذر إليه، لأن هندا قدمت الاعتراف بذكر ما كانت عليه من البغض ليعلم صدقها فيما ادعته من المحبة، وقد كانت هند في منزلة أمهات نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأن أم حبيبة إحدى زوجاته بنت زوجها أبي سفيان‏.‏

*3*باب حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ

الشرح‏:‏

‏(‏باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل‏)‏ هو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، وقد تقدم نسبه في ترجمته‏.‏

وهو والد سعيد بن زيد أحد العشرة؛ وكان ممن طلب التوحيد وخلع الأوثان وجانب الشرك، لكنه مات قبل المبعث، فروى محمد بن سعد والفاكهي من حديث عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب قال‏:‏ ‏"‏ قال لي زيد بن عمرو‏:‏ إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقره مني السلام‏.‏

قال عامر‏:‏ فلما أسلمت أعلمت النبي صلى الله عليه وسلم بخبره قال‏:‏ فرد عليه السلام وترحم عليه، قال‏:‏ ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا ‏"‏ وروى البزار والطبراني من حديث سعيد بن زيد قال‏:‏ ‏"‏ خرج زيد بن عمرو وورقة بن نوفل يطلبان الدين، حتى أتيا الشام، فتنصر ورقة وامتنع زيد، فأتى الموصل فلقي راهبا فعرض عليه النصرانية فامتنع ‏"‏ وذكر الحديث نحو حديث ابن عمر الآتي في ترجمته وفيه ‏"‏ قال سعيد بن زيد فسألت أنا وعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد فقال‏:‏ غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم‏"‏، وروى الزبير بن بكار من طريق هشام بن عروة قال‏:‏ ‏"‏ بلغنا أن زيدا كان بالشام، فبلغه مخرج النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأقبل يريده فقتل بمضيعة من أرض البلقاء ‏"‏ وقال ابن إسحاق‏:‏ لما توسط بلاد لخم قتلوه، وقيل‏:‏ إنه مات قبل المبعث بخمس سنين عند بناء قريش الكعبة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ وَيَقُولُ الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ وَأَنْزَلَ لَهَا مِنْ السَّمَاءِ الْمَاءَ وَأَنْبَتَ لَهَا مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏بأسفل بلدح‏)‏ هو مكان في طريق التنعيم بفتح الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة وآخره مهملة، ويقال هو واد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقدمت‏)‏ بضم القاف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ كذا للأكثر‏.‏

وفي رواية الجرجاني ‏"‏ فقدم إليه النبي صلى الله عليه وسلم سفرة ‏"‏ قال عياض‏:‏ الصواب الأول، قلت‏:‏ رواية الإسماعيلي توافق رواية الجرجاني، وكذا أخرجه الزبير بن بكار والفاكهي وغيرهما‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ كانت السفرة لقريش قدموها للنبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل منها فقدمها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها وقال مخاطبا لقريش الذين قدموها أولا‏:‏ ‏"‏ إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم ‏"‏ انتهى‏.‏

وما قاله محتمل، لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك، فإني لم أقف عليه في رواية أحد‏.‏

وقد تبعه ابن المنير في ذلك وفيه ما فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏على أنصابكم‏)‏ بالمهملة جمع نصب بضمتين وهي أحجار كانت حول الكعبة يذبحون عليها للأصنام، قال الخطابي‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه، لأن الشرع لم يكن نزل بعد، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة‏.‏

قلت‏:‏ وهذا الجواب أولى مما ارتكبه ابن بطال، وعلى تقدير أن يكون حارثة ذبح على الحجر المذكور فإنما يحمل على أنه إنما ذبح عليه لغير الأصنام، وأما قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما ذبح على النصب‏)‏ فالمراد به ما ذبح عليها للأصنام، ثم قال الخطابي‏:‏ وقيل‏:‏ لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك شيء‏.‏

قلت‏:‏ وفيه نظر، لأنه كان قبل المبعث فهو من تحصيل الحاصل‏:‏ وقد وقع في حديث سعيد بن زيد الذي قدمته وهو عند أحمد ‏"‏ وكان ابن زيد يقول‏:‏ عذت بما عاذ به إبراهيم، ثم يخر ساجدا للكعبة، قال‏:‏ فمر بالنبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما فدعياه فقال‏:‏ يا ابن أخي لا آكل مما ذبح على النصب، قال‏:‏ فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذلك‏"‏‏.‏

وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما قال‏:‏ ‏"‏ خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من مكة وهو مردفي، فذبحنا شاة على بعض الأنصاب فأنضجناها، فلقينا زيد بن عمرو ‏"‏ فذكر الحديث مطولا وفيه‏:‏ ‏"‏ فقال زيد‏:‏ إني لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه ‏"‏ قال الداودي‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث يجانب المشركين في عاداتهم، لكن لم يكن يعلم ما يتعلق بأمر الذبح، وكان زيد قد علم ذلك من أهل الكتاب الذين لقيهم‏.‏

وقال السهيلي‏:‏ فإن قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أولى من زيد بهذه الفضيلة، فالجواب أنه ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي يراه لا بشرع بلغه، وإنما كان عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام، والأصح أن الأشياء قبل الشرع لا توصف بحل ولا بحرمة، مع أن الذبائح لها أصل في تحليل الشرع، واستمر ذلك إلى نزول القرآن، ولم ينقل أن أحدا بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نزلت الآية‏.‏

قلت‏:‏ وقوله إن زيدا فعل ذلك برأيه أولى من قول الداودي إنه تلقاه عن أهل الكتاب، فإن حديث الباب بين فيما قال السهيلي، وإن ذلك قاله زيد باجتهاد لا بنقل عن غيره، ولا سيما وزيد يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحدا من أهل الكتابين‏.‏

وقد قال القاضي عياض في الملة المشهورة في عصمة الأنبياء قبل النبوة إنها كالممتنع لأن النواهي إنما تكون بعد تقرير الشرع، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا قبل أن يوحى إليه بشرع من قبله على الصحيح، فعلى هذا فالنواهي إذا لم تكن موجودة فهي معتبرة في حقه والله أعلم‏.‏

فإن فرعنا على القول الآخر فالجواب عن قوله ‏"‏ ذبحنا شاة على بعض الأنصاب ‏"‏ يعني الحجارة التي ليست بأصنام ولا معبودة، إنما هي من آلات الجزار التي يذبح عليها، لأن النصب في الأصل حجر كبير، فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام فيذبحون له وعلى اسمه، ومنها ما لا يعبد بل يكون من آلات الذبح فيذبح الذابح عليه لا للصنم، أو كان امتناع زيد منها حسما للمادة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن زيد بن عمرو‏)‏ هو موصول بالإسناد المذكور‏.‏

الحديث‏:‏

قَالَ مُوسَى حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا تَحَدَّثَ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي فَقَالَ لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ قَالَ زَيْدٌ مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا قَالَ زَيْدٌ وَمَا الْحَنِيفُ قَالَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَالَ لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ قَالَ مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا قَالَ وَمَا الْحَنِيفُ قَالَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام خَرَجَ فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لَا تَقْتُلْهَا أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال موسى‏)‏ هو ابن عقبة، والخبر موصول بالإسناد المذكور إليه، وقد شك فيه الإسماعيلي فقال‏:‏ ما أدري هذه القصة الثانية من رواية الفضيل بن موسى أم لا‏.‏

ثم ساقها مطولة من طريق عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة، وكذا أوردها الزبير بن بكار والفاكهي بالإسنادين معا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا أعلمه إلا يحدث به عن ابن عمر‏)‏ قد ساق البخاري الحديث الأول في الذبائح من طريق عبد العزيز بن المختار عن موسى بغير شك، وساق الإسماعيلي هذا الثاني من رواية عبد العزيز المذكور بالشك أيضا فكان الشك فيه من موسى بن عقبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يسأل عن الدين‏)‏ أي دين التوحيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويتبعه‏)‏ بتشديد المثناة بعدها موحدة‏.‏

وللكشميهني بسكون الموحدة بعدها مثناة مفتوحة ثم عين معجمة أي يطلبه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلقي عالما من اليهود‏)‏ لم أقف على اسمه، وفي حديث زيد بن حارثة المذكور ‏"‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن عمرو‏:‏ ما لي أرى قومك قد شنفوا عليك ‏"‏ أي أبغضوك، وهو بفتح الشين المعجمة وكسر النون بعدها فاء ‏"‏ قال خرجت أبتغي الدين فقدمت على الأحبار فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلقي عالما من النصارى‏)‏ لم أقف على اسمه أيضا، ووقع في حديث زيد بن حارثة ‏"‏ قال لي شيخ من أحبار الشام‏:‏ إنك لتسألني عن دين ما أعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخا بالجزيرة‏.‏

قال فقدمت عليه فقال‏:‏ إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك، وجميع من رأيتهم في ضلال ‏"‏ وفي رواية الطبراني من هذا الوجه ‏"‏ وقد خرج في أرضك نبي، أو هو خارج، فارجع وصدقه وآمن به‏.‏

قال زيد‏:‏ فلم أحس بشيء بعد‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وهذا مع ما تقدم يدل على أن زيدا رجع إلى الشام فبعث النبي صلى الله عليه وسلم به فرجع ومات، والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأنا أستطيع‏)‏ أي والحال أن لي قدرة على عدم حمل ذلك، كذا للأكثر بتخفيف النون ضمير القائل‏.‏

وفي رواية بتشديد النون بمعنى الاستبعاد، والمراد بغضب الله إرادة إيصال العقاب كما أن المراد بلعنة الله الإبعاد عن رحمته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلما برز‏)‏ أي خارج أرضهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم‏)‏ بكسر الهمزة الأولى وفتح الثانية‏.‏

وفي حديث سعيد بن زيد ‏"‏ فانطلق زيد وهو يقول‏:‏ لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا‏.‏

ثم يخر فيسجد لله‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الليث‏:‏ كتب إلى هشام‏)‏ أي ابن عروة، وهذا التعليق رويناه موصولا في حديث زغبة من رواية أبي بكر بن أبي داود عن عيسى بن حماد وهو المعروف بزغبة عن الليث‏.‏

وأخرج ابن إسحاق عن هشام بن عروة هذا الحديث بتمامه، وأخرجه الفاكهي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد والنسائي وأبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من طريق أبي أسامة كلهم عن هشام بن عروة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما منكم على دين إبراهيم غيري‏)‏ زاد أبو أسامة في روايته ‏"‏ وكان يقول‏:‏ إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم ‏"‏ وفي رواية ابن أبي الزناد ‏"‏ وكان قد ترك عبادة الأوثان، وترك أكل ما يذبح على النصب ‏"‏ في رواية ابن إسحاق ‏"‏ وكان يقول‏:‏ اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه‏.‏

ثم يسجد على الأرض براحته‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان يحيي الموءودة‏)‏ هو مجاز، والمراد بإحيائها إبقاؤها‏.‏

وقد فسره في الحديث‏.‏

ووقع في رواية ابن أبي الزناد ‏"‏ وكان يفتدي الموءودة أن تقتل ‏"‏ والموءودة مفعولة من وأد الشيء إذا أثقل، وأطلق عليها اسم الوأد اعتبارا بما أريد بها وإن لم يقع‏.‏

وكان أهل الجاهلية يدفنون البنات وهن بالحياة، ويقال كان أصلها من الغيرة عليهن لما وقع لبعض العرب حيث سبى بنت آخر فاستفرشها، فأراد أبوها أن يفتديها منه فخيرها فاختارت الذي سباها، فحلف أبوها ليقتلن كل بنت تولد له، فتبع على ذلك‏.‏

وقد شرحت ذلك مطولا في كتابي في ‏"‏ الأوائل‏"‏‏.‏

وأكثر من كان يفعل ذلك منهم من الإملاق كما قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم‏)‏ وقصة زيد هذه تدل على هذا المعنى الثاني، فيحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين كان سببا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أكفيك مؤنتها‏)‏ كذا لأبي ذر، ولغيره ‏"‏ أكفيكها مؤنتها ‏"‏ زاد أبو أسامة في روايته ‏"‏ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن زيد فقال‏:‏ يبعث يوم القيامة أمة وحده بيني وبين عيسى ابن مريم ‏"‏ وروى البغوي في ‏"‏ الصحابة ‏"‏ من حديث جابر نحو هذه الزيادة، وساق له ابن إسحاق أشعارا قالها في مجانبة الأوثان لا نطيل بذكرها‏.‏