فصل: كِتَابُ السَّرِقَةِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.كِتَابُ السَّرِقَةِ:

يُحْتَاجُ لِمَعْرِفَةِ مَسَائِلِ السَّرِقَةِ إلَى مَعْرِفَةِ رُكْنِ السَّرِقَةِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَظْهَرُ بِهِ السَّرِقَةُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَإِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ السَّرِقَةِ.

.فَصْلٌ: رُكْنِ السَّرِقَةِ:

أَمَّا رُكْنِ السَّرِقَةِ فَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إلَّا مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} سَمَّى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْذَ الْمَسْمُوعِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَاءِ اسْتِرَاقًا؛ وَلِهَذَا يُسَمَّى الْأَخْذُ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهَرَةِ مُغَالَبَةً أَوْ نُهْبَةً، أَوْ خِلْسَةً، أَوْ غَصْبًا، أَوْ انْتِهَابًا وَاخْتِلَاسًا لَا سَرِقَةً وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُخْتَلِسِ، وَالْمُنْتَهِبِ فَقَالَ: تِلْكَ الدُّعَابَةُ لَا شَيْءَ فِيهَا.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ عَلَى نَبَّاشٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا خَائِنٍ»، ثُمَّ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَاءِ نَوْعَانِ: مُبَاشَرَةٌ، وَتَسَبُّبٌ.
(أَمَّا) الْمُبَاشَرَةُ فَهُوَ أَنْ يَتَوَلَّى السَّارِقُ أَخْذَ الْمَتَاعِ، وَإِخْرَاجَهُ مِنْ الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ، وَأَخَذَ مَتَاعًا فَحَمَلَهُ، أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحِرْزِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ إثْبَاتُ الْيَدِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ رَمَى بِهِ خَارِجَ الْحِرْزِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ هُوَ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ عَلَيْهِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحِرْزِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ، وَأَخَذَ مَا كَانَ رَمَى بِهِ خَارِجَ الْحِرْزِ يُقْطَعُ، وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْحِرْزِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ، وَالرَّمْيُ لَيْسَ بِإِخْرَاجٍ، وَالْأَخْذُ مِنْ الْخَارِجِ لَيْسَ أَخْذًا مِنْ الْحِرْزِ فَلَا يَكُونُ سَرِقَةً.
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَالَ فِي حُكْمِ يَدِهِ مَا لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدُ غَيْرِهِ، فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الْأَخْذُ وَالْإِخْرَاجُ مِنْ الْحِرْزِ، وَلَوْ رَمَى بِهِ إلَى صَاحِبٍ لَهُ خَارِجَ الْحِرْزِ فَأَخَذَهُ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا:
(أَمَّا) الْخَارِجُ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْأَخْذُ مِنْ الْحِرْزِ.
(وَأَمَّا) الدَّاخِلُ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحِرْزِ لِثُبُوتِ يَدِ الْخَارِجِ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ مُنَاوَلَةً مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ وَلَمْ يَخْرُجَ هُوَ: فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَعِنْدَهُمَا يُقْطَعُ الدَّاخِلُ، وَلَا يُقْطَعُ الْخَارِجُ إذَا كَانَ الْخَارِجُ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ إلَى الْحِرْزِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ الدَّاخِلَ لَمَّا نَاوَلَ صَاحِبَهُ فَقَدْ أَقَامَ يَدَ صَاحِبِهِ مُقَامَ يَدِهِ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ وَالْمَالُ فِي يَدِهِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إيجَابِ الْقَطْعِ عَلَى الْخَارِجِ لِانْعِدَامِ فِعْلِ السَّرِقَةِ مِنْهُ، وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْ الْحِرْزِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إيجَابِهِ عَلَى الدَّاخِلِ؛ لِانْعِدَامِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ حَالَةَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحِرْزِ؛ لِثُبُوتِ يَدِ صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَمَى بِهِ إلَى السِّكَّةِ، ثُمَّ خَرَجَ وَأَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدُ غَيْرِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ يَدِهِ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ بِهِ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْحِرْزِ فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِ الدَّاخِلِ: فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.
(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الرُّكْنَ فِي السَّرِقَةِ هُوَ الْأَخْذُ مِنْ الْحِرْزِ، فَأَمَّا الدُّخُولُ فِي الْحِرْزِ فَلَيْسَ بِرُكْنٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الصُّنْدُوقِ، أَوْ فِي الْجَوَالِقِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الدُّخُولُ، وَلَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ اللِّصُّ ظَرِيفًا لَمْ يُقْطَعْ قِيلَ: وَكَيْفَ يَكُونُ ظَرِيفًا؟ قَالَ: يُدْخِلُ يَدَهُ إلَى الدَّارِ وَيُمْكِنُهُ دُخُولُهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَيَكُونَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ هَتْكَ الْحِرْزِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ بِهِ تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ، وَلَا يَتَكَامَلُ الْهَتْكُ فِيمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الدُّخُولُ إلَّا بِالدُّخُولِ، وَلَمْ يُوجَدْ، بِخِلَافِ الْأَخْذِ مِنْ الصُّنْدُوقِ، وَالْجَوَالِقِ؛ لِأَنَّ هَتْكَهُمَا بِالدُّخُولِ مُتَعَذَّرٌ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِإِدْخَالِ الْيَدِ فِيهَا هَتْكًا مُتَكَامِلًا فَيُقْطَعُ وَلَوْ أَخْرَجَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِ الدَّارِ إلَى السَّاحَةِ: لَا يُقْطَعُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ مَعَ اخْتِلَافِ بُيُوتِهَا حِرْزٌ، وَاحِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قِيلَ لِصَاحِبِ الدَّارِ احْفَظْ هَذِهِ الْوَدِيعَةَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَحَفِظَ فِي بَيْتٍ آخَرَ فَضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ.
وَكَذَا إذَا أَذِنَ لِإِنْسَانٍ فِي دُخُولِ الدَّارِ فَدَخَلَهَا فَسَرَقَ مِنْ الْبَيْتِ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِدُخُولِ الْبَيْتِ دَلَّ أَنَّ الدَّارَ مَعَ اخْتِلَافِ بُيُوتِهَا حِرْزٌ، وَاحِدٌ فَلَمْ يَكُنْ الْإِخْرَاجُ إلَى صَحْنِ الدَّارِ إخْرَاجًا مِنْ الْحِرْزِ، بَلْ هُوَ نَقْلٌ مِنْ بَعْضِ الْحِرْزِ إلَى الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ النَّقْلِ مِنْ زَاوِيَةٍ إلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى، هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ مَعَ بُيُوتِهَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَ كُلُّ مَنْزِلٍ فِيهَا لِرَجُلٍ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَيْتِ إلَى السَّاحَةِ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ حِرْزٌ عَلَى حِدَةٍ، فَكَانَ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ إخْرَاجًا مِنْ الْحِرْزِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ حُجَرٌ، وَمَقَاصِيرُ فَسَرَقَ مِنْ مَقْصُورٍ مِنْهَا وَخَرَجَ بِهِ إلَى صَحْنِ الدَّارِ قُطِعَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَقْصُورَةٍ مِنْهَا حِرْزٌ عَلَى حِدَةٍ، فَكَانَ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا إخْرَاجًا مِنْ الْحِرْزِ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَوْ نَقَبَ رَجُلَانِ، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا فَاسْتَخْرَجَ الْمَتَاعَ فَلَمَّا خَرَجَ بِهِ إلَى السِّكَّةِ حَمَلَاهُ جَمِيعًا يُنْظَرُ: إنْ عُرِفَ الدَّاخِلُ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّارِقُ لِوُجُودِ الْأَخْذِ وَالْإِخْرَاجِ مِنْهُ، وَيُعَزَّرُ الْخَارِجُ؛ لِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الدَّاخِلُ مِنْهُمَا لَمْ يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْقَطْعُ مَجْهُولٌ، وَيُعَزَّرَانِ: أَمَّا الْخَارِجُ فَلِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَلِارْتِكَابِهِ جِنَايَةً لَمْ يُسْتَوْفَ فِيهَا الْحَدُّ لِعُذْرٍ فَتَعَيَّنَ التَّعْزِيرُ، وَلَوْ نَقَبَ بَيْتَ رَجُلٍ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ مُكَابَرَةً لَيْلًا حَتَّى سَرَقَ مِنْهُ مَتَاعَهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدَ الْأَخْذُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ مِنْ الْمَالِكِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْغَوْثَ لَا يَلْحَقُ بِاللَّيْلِ؛ لِكَوْنِهِ وَقْتَ نَوْمٍ، وَغَفْلَةٍ فَتَحَقَّقَتْ السَّرِقَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا التَّسَبُّبُ فَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ جَمَاعَةٌ مِنْ اللُّصُوصِ مَنْزِلَ رَجُلٍ، وَيَأْخُذُوا مَتَاعًا وَيَحْمِلُوهُ عَلَى ظَهْرِ وَاحِدٍ، وَيُخْرِجُوهُ مِنْ الْمَنْزِلِ: فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُقْطَعَ إلَّا الْحَامِلُ خَاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُقْطَعُونَ جَمِيعًا.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ: أَنَّ رُكْنَ السَّرِقَةِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، وَذَلِكَ وُجِدَ مِنْهُ مُبَاشَرَةً، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَمُعِينٌ لَهُ، وَالْحَدُّ يَجِبُ عَلَى الْمُبَاشِرِ لَا عَلَى الْمُعِينِ كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الْإِخْرَاجَ حَصَلَ مِنْ الْكُلِّ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِخْرَاجِ إلَّا بِإِعَانَةِ الْبَاقِينَ وَتَرَصُّدِهِمْ لِلدَّفْعِ، فَكَانَ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْكُلِّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
وَلِهَذَا أُلْحِقَ الْمُعِينُ بِالْمُبَاشِرِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْغَنِيمَةِ كَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ الْحَامِلَ عَامِلٌ لَهُمْ فَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا الْمَتَاعَ عَلَى حِمَارٍ، وَسَاقُوهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنْ الْحِرْزِ؛ وَلِأَنَّ السَّارِقَ لَا يَسْرِقُ وَحْدَهُ عَادَةً، بَلْ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَمِنْ عَادَةِ السُّرَّاقِ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ لَا يَشْتَغِلُونَ بِالْجَمْعِ وَالْإِخْرَاجِ، بَلْ يَرْصُدُ الْبَعْضُ، فَلَوْ جُعِلَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ لَانْسَدَّ بَابُ الْقَطْعِ، وَانْفَتَحَ بَابُ السَّرِقَةِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا أُلْحِقَتْ الْإِعَانَةُ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي بَابِ قَطْعِ الطَّرِيقِ كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: شَرَائِطُ السَّرِقَةِ:

وَأَمَّا الشَّرَائِطُ فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى السَّارِقِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَسْرُوقِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَسْرُوقِ فِيهِ، وَهُوَ الْمَكَانُ.

.مَا يَرْجِعُ إلَى السَّارِقِ:

أَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى السَّارِقِ: فَأَهْلِيَّةُ وُجُوبِ الْقَطْعِ وَهِيَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا يُقْطَعُ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا.
وَفِي إيجَابِ الْقَطْعِ إجْرَاءُ الْقَلَمِ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ فَيَسْتَدْعِي جِنَايَةً، وَفِعْلُهُمَا لَا يُوصَفُ بِالْجِنَايَاتِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا سَائِرُ الْحُدُودِ كَذَا هَذَا، وَيَضْمَنَانِ السَّرِقَةَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ ضَمَانِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ يُجَنُّ مُدَّةً، وَيُفِيقُ أُخْرَى فَإِنْ سَرَقَ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ فِي حَالِ الْإِفَاقَةِ؛ يُقْطَعْ وَلَوْ سَرَقَ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ يَدْرَأُ عَنْهُمْ الْقَطْعَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: إنْ كَانَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى إخْرَاجَ الْمَتَاعِ دُرِئَ عَنْهُمْ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ وَلِيَهُ غَيْرُهُمَا؛ قُطِعُوا جَمِيعًا إلَّا الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ الْحِرْزِ هُوَ الْأَصْلُ فِي السَّرِقَةِ، وَالْإِعَانَةُ كَالتَّابِعِ فَإِذَا وَلِيَهُ الصَّبِيُّ، أَوْ الْمَجْنُونُ؛ فَقَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ بِالْأَصْلِ كَيْفَ يَجِبُ بِالتَّابِعِ؟ فَإِذَا وَلِيَهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ؛ فَقَدْ حُصِلَ الْأَصْلُ مِنْهُ، فَسُقُوطُهُ عَنْ التَّبَعِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنْ الْأَصْلِ.
(وَجْهُ)
قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- أَنَّ السَّرِقَةَ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى أَحَدٍ كَالْعَامِدِ مَعَ الْخَاطِئِ إذَا اشْتَرَكَا فِي الْقَطْعِ، أَوْ فِي الْقَتْلِ، وَقَوْلُهُ الْإِخْرَاجُ أَصْلٌ فِي السَّرِقَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ حَصَلَ مِنْ الْكُلِّ مَعْنًى؛ لِاتِّحَادِ الْكُلِّ فِي مَعْنَى التَّعَاوُنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَكَانَ إخْرَاجُ غَيْرِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ كَإِخْرَاجِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ضَرُورَةَ الِاتِّحَادِ.
عَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُدْرَأُ عَنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَيَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِمْ شَرِيكُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدٍ، فَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ فَتُقْطَعُ الْأُنْثَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ فَيُقْطَعُ الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَيَسْتَوِي الْآبِقُ وَغَيْرُهُ؛ لِمَا قُلْنَا، وَذُكِرَ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سَرَقَ- وَهُوَ آبِقٌ- فَبَعَثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَقَالَ: لَا نَقْطَعُ يَدَ الْآبِقِ إذَا سَرَقَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فِي أَيِّمَا كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ وَجَدْتَ هَذَا: أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ لَا تُقْطَعُ يَدُهُ، فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ؛ وَلِأَنَّ الذُّكُورَةَ، وَالْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرَائِطِ سَائِرِ الْحُدُودِ، فَكَذَا هَذَا الْحَدُّ، وَكَذَا الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ، وَالْكَافِرُ لِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ.

.فَصْلٌ: مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَسْرُوقِ:

وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَسْرُوقِ فَأَنْوَاعٌ:
(مِنْهَا) أَنْ يَكُونَ مَالًا مُطْلَقًا لَا قُصُورَ فِي مَالِيَّتِهِ، وَلَا شُبْهَةَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَمَوَّلُهُ النَّاسُ، وَيَعُدُّونَهُ مَالًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِعِزَّتِهِ، وَخَطَرِهِ عِنْدَهُمْ، وَمَا لَا يَتَمَوَّلُونَهُ فَهُوَ تَافِهٌ حَقِيرٌ، قَدْ رُوِيَ عَنْ- سَيِّدَتِنَا- عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمْ تَكُنِ الْيَدُ تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ»، وَهَذَا مِنْهَا بَيَانُ شَرْعٍ مُتَقَرِّرٍ؛ وَلِأَنَّ التَّفَاهَةَ تُخَلُّ فِي الْحِرْزِ؛ لِأَنَّ التَّافِهَ لَا يُحْرَزُ عَادَةً، أَوْ لَا يُحْرَزُ إحْرَازَ الْخَطَرِ، وَالْحِرْزُ الْمُطْلَقُ شَرْطٌ عَلَى مَا نَذْكُرُ.
وَكَذَا تُخَلُّ فِي الرُّكْنِ، وَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ التَّافِهِ مِمَّا لَا يَسْتَخْفِي مِنْهُ فَيَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ وَالشُّبْهَةُ فِي الرُّكْنِ، وَالشُّبْهَةُ فِي بَابِ الْحُدُودِ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ: إذَا سَرَقَ صَبِيًّا حُرًّا لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَوْ سَرَقَ صَبِيًّا عَبْدًا لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَعْقِلُ يُقْطَعُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَا يُقْطَعُ (وَوَجْهُهُ): أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِمَالٍ مَحْضٍ، بَلْ هُوَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ، آدَمِيٌّ مِنْ وَجْهٍ، فَكَانَ مَحَلُّ السَّرِقَةِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ فَلَا تَثْبُتُ الْمَحَلِّيَّةُ بِالشَّكِّ فَلَا يُقْطَعُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ.
(وَلَنَا) أَنَّهُ مَالٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِوُجُودِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ فِيهِ عَلَى الْكَمَالِ، وَلَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَتَحَقَّقُ رُكْنُ السَّرِقَةِ- كَالْبَهِيمَةِ- وَكَوْنُهُ آدَمِيًّا لَا يَنْفِي كَوْنَهُ مَالًا، فَهُوَ آدَمِيٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمَالٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِعَدَمِ التَّنَافِي فَيَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ، لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ، بِخِلَافِ الْعَاقِلِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَالًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكِنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ يَدِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ؛ لِلتَّنَافِي فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ رُكْنُ السَّرِقَةِ: وَهُوَ الْأَخْذُ، وَلَوْ سَرَقَ مَيْتَةً، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِانْعِدَامِ الْمَالِ وَلَا يُقْطَعُ فِي التِّبْنِ، وَالْحَشِيشِ، وَالْقَصَبِ، وَالْحَطَبِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَتَمَوَّلُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ.
وَلَا يَظُنُّونَ بِهَا؛ لِعَدَمِ عِزَّتِهَا، وَقِلَّةِ خَطَرِهَا عِنْدَهُمْ، بَلْ يَعُدُّونَ الظِّنَّةَ بِهَا مِنْ بَابِ الْخُسَاسَةِ، فَكَانَتْ تَافِهَةً، وَلَا قَطْعَ فِي التُّرَابِ، وَالطِّينِ، وَالْجَصِّ، وَاللَّبِنِ، وَالنُّورَةِ، وَالْآجُرِّ، وَالْفَخَّارِ، وَالزُّجَاجِ؛ لِتَفَاهَتِهَا فَرَّقَ بَيْنَ التُّرَابِ، وَبَيْنَ الْخَشَبِ، حَيْثُ سَوَّى فِي التُّرَابِ بَيْنَ الْمَعْمُولِ مِنْهُ وَغَيْرِ الْمَعْمُولِ، وَفَرَّقَ فِي الْخَشَبِ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ فِي الْخَشَبِ أَخْرَجَتْهُ عَنْ حَدِّ التَّفَاهَةِ، وَالصَّنْعَةَ فِي التُّرَابِ لَمْ تُخْرِجْهُ عَنْ كَوْنِهِ تَافِهًا، يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ فَصَّلَ فِي الْجَوَابِ فِي الزُّجَاجِ بَيْنَ الْمَعْمُولِ، وَغَيْرِ الْمَعْمُولِ، كَمَا فِي الْخَشَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الزُّجَاجَ بِالْعَمَلِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ التَّفَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْكَسْرُ، بِخِلَافِ الْخَشَبِ.
وَلَا يُقْطَعُ فِي الْخَشَبِ إلَّا إذَا كَانَ مَعْمُولًا بِأَنْ صَنَعَ مِنْهُ أَبْوَابًا، أَوْ آنِيَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مَا خَلَا السَّاجَ، وَالْقَنَا، وَالْأَبَنُوسَ، وَالصَّنْدَلَ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَصْنُوعِ مِنْ الْخَشَبِ لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً، فَكَانَ تَافِهًا، وَبِالصَّنْعَةِ يَخْرُجُ عَنْ التَّفَاهَةِ فَيَتَمَوَّلُ.
وَأَمَّا السَّاجُ، وَالْأَبَنُوسُ، وَالصَّنْدَلُ فَأَمْوَالٌ لَهَا عِزَّةٌ وَخَطَرٌ عِنْدَ النَّاسِ فَكَانَتْ أَمْوَالًا مُطْلَقَةً.
(وَأَمَّا) الْعَاجُ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إلَّا فِي الْمَعْمُولِ مِنْهُ، وَقِيلَ هَذَا الْجَوَابُ فِي الْعَاجِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَظْمِ الْجَمَلِ، فَلَا يُقْطَعُ إلَّا فِي الْمَعْمُولِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَوَّلُ لِتَفَاهَتِهِ، وَيُقْطَعُ فِي الْمَعْمُولِ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ التَّفَاهَةِ بِالصَّنْعَةِ- كَالْخَشَبِ الْمَعْمُولِ- فَأَمَّا مَا هُوَ مِنْ عَظْمِ الْفِيلِ فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَ مَعْمُولًا، أَوْ غَيْرَ مَعْمُولٍ؛ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَالِيَّتِهِ.
حَتَّى حَرَّمَ بَعْضُهُمْ بَيْعَهُ، وَالِانْتِفَاعَ بِهِ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ قُصُورًا فِي الْمَالِيَّةِ، وَلَا قَطْعَ فِي قَصَبِ النُّشَّابِ، فَإِنْ كَانَ اتَّخَذَ مِنْهُ نُشَّابًا قُطِعَ؛ لِمَا قُلْنَا فِي الْخَشَبِ، وَلَا قَطْعَ فِي الْقُرُونِ مَعْمُولَةً كَانَتْ، أَوْ غَيْرَ مَعْمُولَةٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَتْ مَعْمُولَةً وَهِيَ تُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ قِيلَ إنَّ اخْتِلَافَ الْجَوَابِ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، فَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: فِي قُرُونِ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ مُطْلَقٍ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي مَالِيَّتِهَا، وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: فِي قُرُونِ الْمُذَكَّى فَلَمْ يُوجِبْ الْقَطْعَ فِي غَيْرِ الْمَعْمُولِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ، وَأَوْجَبَ فِي الْمَعْمُولِ كَمَا فِي الْخَشَبِ الْمَعْمُولِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ الْمَدْبُوغَةِ: أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهَا فَإِنْ جُعِلَتْ مُصَلَّاةً، أَوْ بِسَاطًا قُطِعَ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَعْمُولِ مِنْهَا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ وَلَا قَطْعَ فِي الصَّيْدِ فَكَذَا فِي أَجْزَائِهِ، وَبِالصَّنْعَةِ صَارَتْ شَيْئًا آخَرَ فَأَشْبَهَ الْخَشَبَ الْمَصْنُوعَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَعْتَدَّ، بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ جُلُودَ السِّبَاعِ لَا تَطْهُرُ بِالزَّكَاةِ، وَلَا بِالدِّبَاغِ، وَلَا قَطْعَ فِي الْبَوَارِي؛ لِأَنَّهَا تَافِهَةٌ لِتَفَاهَةِ أَصْلِهَا وَهُوَ الْقَصَبُ، وَلَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ كَلْبٍ، وَلَا فَهْدٍ، وَلَا فِي سَرِقَةِ الْمَلَاهِي: مِنْ الطَّبْلِ، وَالدُّفِّ، وَالْمِزْمَارِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا لَا يَتَمَوَّلُ، أَوْ فِي مَالِيَّتِهَا قُصُورٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى كَاسِرِ الْمَلَاهِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَلَا عَلَى قَاتِلِ الْكَلْبِ، وَالْفَهْدِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.
وَلَوْ سَرَقَ مُصْحَفًا، أَوْ صَحِيفَةً فِيهَا حَدِيثٌ، أَوْ عَرَبِيَّةٌ، أَوْ شِعْرٌ فَلَا قَطْعَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْطَعُ إذَا كَانَ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَدَّخِرُونَهَا وَيَعُدُّونَهَا مِنْ نَفَائِسِ الْأَمْوَالِ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْمُصْحَفَ الْكَرِيمَ يُدَّخَرُ لَا لِلتَّمَوُّلِ، بَلْ لِلْقِرَاءَةِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْعَمَلِ بِهِ، وَكَذَلِكَ صَحِيفَةُ الْحَدِيثِ، وَصَحِيفَةُ الْعَرَبِيَّةِ، وَالشِّعْرِ يُقْصَدُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْأَمْثَالِ وَالْحِكَمِ لَا التَّمَوُّلِ.
(وَأَمَّا) دَفَاتِرُ الْحِسَابِ فَفِيهَا الْقَطْعُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا؛ لِأَنَّ مَا فِيهَا لَا يَصْلُحُ مَقْصُودًا بِالْأَخْذِ، فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ قَدْرُ الْبَيَاضِ مِنْ الْكَاغَدِ، وَكَذَلِكَ الدَّفَاتِرُ الْبِيضُ إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا؛ لِمَا قُلْنَا، عَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ-: إنَّ كُلَّ مَا يُوجَدُ جِنْسُهُ تَافِهًا مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا عِزَّ لَهُ، وَلَا خَطَرَ فَلَا يَتَمَوَّلُ النَّاسُ، فَكَانَ تَافِهًا، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَعْنَى التَّفَاهَةِ دُونَ الْإِبَاحَةِ؛ لِمَا نَذْكُرُ- إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي عَفْصٍ، وَلَا إهْلِيلَجَ، وَلَا أُشْنَانٍ وَلَا فَحْمٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُبَاحَةُ الْجِنْسِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَهِيَ تَافِهَةٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي الْعَفْصِ، وَالْإِهْلِيلَجِ، وَالْأَدْوِيَةِ الْيَابِسَةِ، وَلَا قَطْعَ فِي طَيْرٍ وَلَا صَيْدٍ وَحْشِيًّا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً، قَدْ رُوِيَ عَنْ- سَيِّدِنَا- عُثْمَانَ، وَسَيِّدِنَا- عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: لَا قَطْعَ فِي الطَّيْرِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمَا خِلَافَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ مِنْ الْجَوَارِحِ فَصَارَ صَيُودًا فَلَا قَطْعَ عَلَى سُرَّاقِهِ؛ لِأَنَّهُ- وَإِنْ عُلِمَ- فَلَا يُعَدُّ مَالًا وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ النَّبَّاشُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الْقُبُورِ فِي قَوْلِهِمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ أَخَذَ مَالًا مِنْ حِرْزٍ مِثْلِهِ فَيُقْطَعُ، كَمَا لَوْ أَخَذَ مِنْ الْبَيْتِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْكَفَنَ لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَمَوَّلُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَنْفِرُ عَنْهُ أَشَدَّ النِّفَارِ، فَكَانَ تَافِهًا، وَلَئِنْ كَانَ مَالًا فَفِي مَالِيَّتِهِ قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِثْلَ مَا يُنْتَفَعُ بِلِبَاسِ الْحَيِّ، وَالْقُصُورُ فَوْقَ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ الشُّبْهَةُ تَنْفِي وُجُوبَ الْحَدِّ، فَالْقُصُورُ أَوْلَى، رَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ قَالَ: أُخِذَ نَبَّاشٌ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ فَأَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ سَرِقَةُ مَا لَا يَحْتَمِلُ الِادِّخَارَ، وَلَا يَبْقَى مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ، بَلْ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ الِادِّخَارَ لَا يُعَدُّ مَالًا، فَلَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الطَّعَامِ الرَّطْبِ، وَالْبُقُولِ، وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ فِي قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَقِيقَةً، مُبَاحُ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَكَانَ مَالًا، فَيُقْطَعُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا لَا يُتَمَوَّلُ عَادَةً، وَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الِادِّخَارَ، وَالْإِمْسَاكَ إلَى زَمَانِ حُدُوثِ الْحَوَائِجِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ فَقَلَّ خَطَرُهَا عِنْدَ النَّاسِ فَكَانَتْ تَافِهَةً.
وَلَوْ سَرَقَ تَمْرًا مِنْ نَخْلٍ، أَوْ شَجَرٍ آخَرَ مُعَلَّقًا فِيهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ اسْتَوْثَقُوا مِنْهُ وَأَحْرَزُوهُ، أَوْ هُنَاكَ حَائِطٌ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى رَأْسِ النَّخْلِ لَا يُعَدُّ مَالًا؛ وَلِأَنَّهُ مَا دَامَ عَلَى رَأْسِ الشَّجَرِ لَا يَسْتَحْكِمُ جَفَافُهُ فَيَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» قَالَ مُحَمَّدٌ: الثَّمَرُ مَا كَانَ فِي الشَّجَرِ، وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ فَإِنْ كَانَ قَدْ جَذَّ الثَّمَرَ، وَجَعَلَهُ فِي الْجَرِينِ، ثُمَّ سُرِقَ فَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَحْكَمَ جَفَافُهُ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا مُطْلَقًا قَابِلًا لِلِادِّخَارِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ حَتَّى يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ» فَإِذَا آوَاهُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْوِيهِ الْجَرِينُ مَا لَمْ يَسْتَحْكِمْ جَفَافُهُ عَادَةً.
فَإِذَا اسْتَحْكَمَ جَفَافُهُ لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، فَكَانَ مَالًا مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ إذَا كَانَتْ فِي سُنْبُلِهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فِي الشَّجَرِ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ مَا دَامَتْ فِي السُّنْبُلِ لَا تُعَدُّ مَالًا، وَلَا يَسْتَحْكِمُ جَفَافُهَا أَيْضًا.
(وَأَمَّا) الْفَاكِهَةُ الْيَابِسَةُ الَّتِي تَبْقَى مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ فَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَنَّهُ يُقْطَعُ فِيمَا يَتَمَوَّلُ النَّاسُ إيَّاهَا؛ لِقَبُولِهَا الِادِّخَارَ فَانْعَدَمَ مَعْنَى التَّفَاهَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ رَطْبِ الْفَاكِهَةِ وَيَابِسِهَا، وَلَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ.
وَلَوْ سَرَقَ مِنْ الْحَائِطِ نَخْلَةً بِأَصْلِهَا لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النَّخْلَةِ مِمَّا لَا يُتَمَوَّلُ، فَكَانَ تَافِهًا، وَرَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: إنَّهُ النَّخْلُ الصِّغَارُ، وَيُقْطَعُ فِي الْحِنَّاءِ، وَالْوَسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فَلَمْ يَخْتَلَّ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ، وَلَا قَطْعَ فِي اللَّحْمِ الطَّرِيِّ، وَالصَّفِيقِ؛ لِأَنَّهُ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَكَذَلِكَ لَا قَطْعَ فِي السَّمَكِ طَرِيًّا كَانَ، أَوْ مَالِحًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَعُدُّونَهُ مَالًا لِتَفَاهَتِهِ، وَلِتَسَارُعِ الْفَسَادِ إلَى الطَّرِيِّ مِنْهُ، وَلِمَا أَنَّهُ يُوجَدُ جِنْسُهُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا قَطْعَ فِي اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، فَكَانَ تَافِهًا، وَيُقْطَعُ فِي الْخَلِّ، وَالدِّبْسِ لِعَدَمِ التَّفَاهَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِمَا الْفَسَادُ، وَلَا قَطْعَ فِي: عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ، وَنَبِيذِ التَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، فَكَانَ تَافِهًا كَاللَّبَنِ، وَلَا قَطْعَ فِي الطِّلَاءِ وَهُوَ الْمُثَلَّثُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَتِهِ، وَفِي كَوْنِهِ مَالًا، فَكَانَ قَاصِرًا فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةً مِنْ نَقِيعِ الزَّبِيبِ، وَنَبِيذِ التَّمْرِ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي إبَاحَةِ شُرْبِهِ.
وَأَمَّا الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةً مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ فَلَمْ يَكُنْ مَالًا، وَيُقْطَعُ فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ، وَلَا تَفَاهَةَ فِيهِمَا بِوَجْهٍ، وَكَذَلِكَ الْجَوَاهِرُ، وَاللَّآلِئُ؛ لِمَا قُلْنَا.
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْوِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى مَعْنَى التَّفَاهَةِ، وَعَدَمِ الْمَالِيَّةِ لَا عَلَى إبَاحَةِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَاللَّآلِئِ، وَغَيْرِهَا، وَيُقْطَعُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِي الْأَدْهَانِ، وَالطِّيبِ كَالْعُودِ، وَالْمِسْكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِانْعِدَامِ مَعْنَى التَّفَاهَةِ، وَيُقْطَعُ فِي الْكَتَّانِ، وَالصُّوفِ، وَالْخَزِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيُقْطَعُ فِي جَمِيعِ الْأَوَانِي مِنْ الصُّفْرِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ النُّحَاسَ نَفْسَهُ أَوْ الْحَدِيدَ نَفْسَهُ، أَوْ الرَّصَاصَ لِعِزَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَخَطَرِهَا فِي أَنْفُسِهَا: كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا مُطْلَقًا فَلَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ الْخَمْرِ مِنْ مُسْلِمٍ، مُسْلِمًا كَانَ السَّارِقُ، أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْخَمْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.
وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا سَرَقَ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا لَا يُقْطَعُ لِأَنَّهُ- وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا عِنْدَهُمْ- فَلَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ عِنْدَنَا، فَلَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا يُقْطَعُ فِي الْمُبَاحِ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، وَإِنْ كَانَ مَالًا لِانْعِدَامِ تَقَوُّمِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا فِي نَفْسِهِ فَلَا يُقْطَعُ فِي سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَفَائِسِ الْأَمْوَالِ: مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْجَوَاهِرِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ مَعَادِنِهَا لِعَدَمِ الْمَالِكِ، وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَخْرُجُ النَّبَّاشُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُقْطَع؛ لِأَنَّ الْكَفَنَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ، وَلَا، وَجْهَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ مُؤَخَّرٌ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ إلَى الْكَفَنِ كَمَا هُوَ مُؤَخَّرٌ عَنْ الدَّيْنِ، وَالْوَصِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا أَصْلًا.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّارِقِ فِيهِ مِلْكٌ، وَلَا تَأْوِيلُ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ، أَوْ مَا فِيهِ تَأْوِيلُ الْمِلْكِ، أَوْ الشُّبْهَةَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُسَارَقَةِ الْأَعْيُنِ فَلَا يَتَحَقَّقُ رُكْنُ السَّرِقَةِ، وَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَالِاسْتِسْرَارِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةُ السَّرِقَةِ قَالَ اللَّهُ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ} فَيَسْتَدْعِي كَوْنَ الْفِعْلِ جِنَايَةً مَحْضَةً، وَأَخْذُ الْمَمْلُوكِ لِلسَّارِقِ لَا يَقَعُ جِنَايَةً أَصْلًا فَالْأَخْذُ بِتَأْوِيلِ الْمِلْكِ، أَوْ الشُّبْهَةِ لَا يَتَمَحَّضُ جِنَايَةً فَلَا يُوجِبُ الْقَطْعَ إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَا أَعَارَهُ مِنْ إنْسَانٍ، أَوْ آجَرَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ قَائِمٌ، وَلَا عَلَى مَنْ سَرَقَ رَهْنَهُ مِنْ بَيْتِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ لَهُ.
وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْحَبْسِ لَا غَيْرُ وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْعَدْلِ فَسَرَقَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ الرَّاهِنُ فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الرَّاهِنُ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِلْكُهُ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَخْذِهِ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْأَخْذِ كَمَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِوَطْئِهِ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ.
(وَأَمَّا) الْمُرْتَهِنُ فَلِأَنَّ يَدَ الْعَدْلِ يَدُهُ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ يَدِهِ عَائِدَةٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْسِكُهُ لِحَقِّهِ فَأَشْبَهَ يَدَ الْمُودَعِ، وَلَا عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكُهُمَا عَلَى الشُّيُوعِ، فَكَانَ بَعْضُ الْمَأْخُوذِ مِلْكُهُ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَخْذِهِ، فَلَا يَجِبُ بِأَخْذِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخُمُسَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ مِلْكًا، وَحَقًّا.
وَلَوْ سَرَقَ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ خَالِصُ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِ، وَبِمَا فِي يَدِهِ لَا يُقْطَعُ أَيْضًا.
(أَمَّا) عَلَى أَصْلِهِمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى، وَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: إنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكَهُ فَلَهُ فِيهِ ضَرْبُ اخْتِصَاصٍ يُشْبِهُ الْمِلْكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِخْلَاصَهُ لِنَفْسِهِ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ مَالٍ آخَرَ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الْمِلْكِ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْكَسْبُ جَارِيَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَيُورِثَ شُبْهَةً، أَوْ نَقُولُ إذَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمَوْلَى، وَلَا الْمَأْذُونُ يَمْلِكُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَالْغُرَمَاءُ لَا يَمْلِكُونَ أَيْضًا فَهَذَا مَالُ مَمْلُوكٍ لَا مَالِكٍ، لَهُ مُعِينٌ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَمَالِ الْغَنِيمَةِ.
وَلَوْ سَرَقَ مِنْ مُكَاتَبِهِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ كَسْبَ مُكَاتَبِهِ مِلْكُهُ مِنْ، وَجْهٍ، أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ الْمِلْكِ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَارِيَةً لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَالْمِلْكُ مِنْ وَجْهٍ، أَوْ شُبْهَةُ الْمِلْكِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ مَعَ مَا أَنَّ هَذَا مِلْكٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَعَلَى مَوْلَاهُ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ الْمَوْلَى فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَ نَفْسِهِ، وَإِنْ عَجَزَ فَرُدَّ فِي الرِّقِّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ، فَكَانَ الْمِلْكُ مَوْقُوفًا لِلْحَالِ فَيُوجِبُ شُبْهَةً، فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ كَأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا سَرَقَ مَا شَرَطَ فِيهِ الْخِيَارَ، وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ، وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِ، وَلَدِهِ تَأْوِيلَ الْمِلْكِ، أَوْ شُبْهَةَ الْمِلْكِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «أَنْتَ، وَمَالُك لِأَبِيك» فَظَاهِرُ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْمِلْكِ مِنْ وَجْهٍ فَيَثْبُتُ، أَوْ يَثْبُتُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ شُبْهَةً فِي وُجُوبِهِ.
(وَأَمَّا) السَّرِقَةُ مِنْ سَائِرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَلَا تُوجِبُ الْقَطْعَ أَيْضًا لَكِنْ لِفَقْدِ شَرْطٍ آخَرَ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ- إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- وَلَوْ دَخَلَ لِصٌّ دَارَ رَجُلٍ فَأَخَذَ ثَوْبًا فَشَقَّهُ فِي الدَّارِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَشْقُوقًا يُقْطَعُ فِي قَوْلِهِمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَا يُقْطَعُ وَلَوْ أَخَذَ شَاةً فَذَبَحَهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا مَذْبُوحَةً لَا يُقْطَعُ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ السَّارِقَ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ الشَّقُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ يُوجِبُ مِلْكَ الْمَضْمُونِ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُقْطَعْ إذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ شَاةً فَذَبَحَهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا كَذَا هَذَا، وَلَهُمَا أَنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ فِي مِلْكِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيُوجِبُ الْقَطْعَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ الْمَشْقُوقَ لَا يَزُولُ عَنْ مِلْكِهِ مَادَامَ مُخْتَارًا لِلْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ عِنْدَ اخْتِيَارِ الضَّمَانِ، فَقَبْلَ الِاخْتِيَارِ كَانَ الثَّوْبُ عَلَى مِلْكِهِ فَصَارَ سَارِقًا ثَوْبَيْنِ قِيمَتُهُمَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَيُقْطَعُ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الشَّاةِ: إنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ فِي مِلْكِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إلَّا أَنَّهَا تَمَّتْ فِي اللَّحْمِ، وَلَا قَطْعَ فِي اللَّحْمِ.
وَقَوْلُهُ: وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِالشَّقِّ، قُلْنَا قَبْلَ الِاخْتِيَارِ: مَمْنُوعٌ فَإِذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ السَّارِقِ، وَسَلَّمَ الثَّوْبَ إلَيْهِ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ اخْتِيَارِ الضَّمَانِ مَلَكَهُ مِنْ حِينِ وُجُودِ الشَّقِّ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْرَجَ مِلْكَ نَفْسِهِ عَنْ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَحُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ قَالَ: مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ شَقَّ الثَّوْبَ عَرْضًا، فَأَمَّا لَوْ شَقَّهُ طُولًا فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّهُ بِالشَّقِّ طُولًا خَرَقَهُ خَرْقًا مُتَفَاحِشًا فَيَمْلِكُهُ بِالضَّمَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا خَرَقَ الثَّوْبَ تَخْرِيقًا مُسْتَهْلَكًا، وَقِيمَتُهُ بَعْدَ تَخْرِيقِهِ عَشَرَةٌ: أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-؛ لِأَنَّ التَّخْرِيقَ إذَا وَقَعَ اسْتِهْلَاكًا أَوْجَبَ اسْتِقْرَارَ الضَّمَانِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ مِلْكَ الْمَضْمُونِ.
وَإِذَا لَمْ يَقَعْ اسْتِهْلَاكًا؛ كَانَ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمَالِكِ، فَلَا يَجِبُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمَضْمُونَ،- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ غَرِيمٍ لَهُ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَأْخُوذَ بِنَفْسِ الْأَخْذِ فَصَارَ قِصَاصًا بِحَقِّهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي حَقِّ هَذَا الْمَالِ سَارِقًا، فَلَا يُقْطَعُ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ حَقِّهِ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، بَلْ بِالِاسْتِبْدَالِ وَالْبَيْعِ، فَكَانَ سَارِقًا مِلْكَ غَيْرِهِ فَيُقْطَعُ كَالْأَجْنَبِيِّ إلَّا إذَا قَالَ: أَخَذْتُهُ لِأَجْلِ حَقِّي عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَهَاهُنَا جِنْسٌ مِنْ الْمَسَائِلِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهَا إلَى أَصْلٍ آخَرَ هُوَ أُولَى بِالتَّخْرِيجِ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُهُ- إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدُ.
مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا لَيْسَ لِلسَّارِقِ فِيهِ حَقُّ الْأَخْذِ، وَلَا تَأْوِيلُ الْأَخْذِ، وَلَا شُبْهَةُ التَّنَاوُلِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَيَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً، وَأَخْذُ غَيْرِ الْمَعْصُومِ لَا يَكُونُ جِنَايَةً أَصْلًا، وَمَا فِيهِ تَأْوِيلُ التَّنَاوُلِ، أَوْ شُبْهَةُ التَّنَاوُلِ لَا يَكُونُ جِنَايَةً مَحْضَةً، فَلَا تُنَاسِبُهُ الْعُقُوبَةُ الْمَحْضَةُ، وَلِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَعْصُومٍ يُؤْخَذُ مُجَاهَرَةً لَا مُخَافَتَةً فَيَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ فِي رُكْنِ السَّرِقَةِ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: لَا قَطْعَ فِي سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ، وَلَا فِي الْمُبَاحِ الْمَمْلُوكِ، وَهُوَ مَالُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
(وَأَمَّا) مَالُ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَعْصُومًا؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ اسْتَفَادَ الْعِصْمَةَ بِالْأَمَانِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْإِتْلَافِ كَمَالِ الذِّمِّيِّ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذَا مَالٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ لِيَقْضِيَ بَعْضَ حَوَائِجِهِ، ثُمَّ يَعُودَ عَنْ قَرِيبٍ، فَكَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ يُورِثُ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ فِي مَالِهِ؛ وَلِهَذَا أَوْرَثَ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ فِي دَمِهِ حَتَّى لَا يُقْتَلَ بِهِ الْمُؤْمِنُ قِصَاصًا؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ بِعَارِضِ أَمَانٍ هُوَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَعِنْدَ الزَّوَالِ يَظْهَرُ أَنَّ الْعِصْمَةَ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ، إنَّ كُلَّ عَارِضٍ عَلَى أَصْلٍ، إذَا زَالَ؛ يُلْحَقُ بِالْعَدَمِ مِنْ الْأَصْلِ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَيُجْعَلَ كَأَنَّ الْعِصْمَةَ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، قَدْ اسْتَفَادَ الْعِصْمَةَ بِأَمَانٍ مُؤَبَّدٍ، فَكَانَ مَعْصُومَ الدَّمِ، وَالْمَالِ عِصْمَةً مُطْلَقَةً لَيْسَ فِيهَا شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ.
وَبِخِلَافِ ضَمَانِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ ضَمَانِ الْمَالِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، وَكَذَا لَا قَطْعَ عَلَى الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ فِي سَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ، أَوْ الذِّمِّيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى اعْتِقَادِهِ الْإِبَاحَةَ، وَلِذَا لَمْ يَلْتَزِمْ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي حَدِّ الزِّنَا، وَلَا يُقْطَعُ الْعَادِلُ فِي سَرِقَةِ مَالِ الْبَاغِي؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ فِي حَقِّهِ كَنَفْسِهِ، وَلَا الْبَاغِي فِي سَرِقَةِ مَالِ الْعَادِلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ تَأْوِيلٍ، وَتَأْوِيلُهُ.
وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، لَكِنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ عِنْدَ انْضِمَامِ الْمَنَعَةِ إلَيْهِ مُلْحَقٌ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْقَطْعِ؛ وَلِهَذَا أُلْحِقَ بِهِ فِي حَقِّ مَنْعِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ السَّرِقَةُ مِنْ الْغَرِيمِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ سَرَقَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِمَّا إنْ كَانَ سَرَقَ مِنْهُ خِلَافَ جِنْسِ حَقِّهِ، فَإِنْ سَرَقَ جِنْسَ حَقِّهِ بِأَنْ سَرَقَ مِنْهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَلَهُ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَيْهِ حَالًا- لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مُبَاحٌ لَهُ لِأَنَّهُ ظَفَرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ إذَا ظَفَرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ؛ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِذَا أَخَذَهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ.
وَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَأْخُوذِ حَقُّهُ عَلَى الشُّيُوعِ، وَلَا قَطْعَ فِيهِ، فَكَذَا فِي الْبَاقِي- كَمَا إذَا سَرَقَ مَالًا مُشْتَرَكًا- وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مُؤَجَّلًا فَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ سَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ (وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ قَبْلَ حِلِّ الْأَجَلِ؛ فَسَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّ الْأَخْذِ قَائِمٌ، وَهُوَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّأْجِيلِ فِي تَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ لَا فِي سُقُوطِ الدَّيْنِ، فَقِيَامُ سَبَبِ ثُبُوتِهِ يُورِثُ الشُّبْهَةَ.
وَإِنْ سَرَقَ خِلَافَ جِنْسِ حَقِّهِ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَسَرَقَ مِنْهُ دَنَانِيرَ، أَوْ عُرُوضًا قُطِعَ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْكَرْخِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَذَكَرَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ أَنَّهُ إذَا سَرَقَ الْعَرُوضَ، ثُمَّ قَالَ أَخَذْتُ لِأَجْلِ حَقِّي لَا يَقْطَعُ فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا إذَا سَرَقَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَخَذْتُ لِأَجْلِ حَقِّي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُلْ فَقَدْ أَخَذَ مَالًا لَيْسَ لَهُ حَقُّ أَخْذِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قِصَاصًا إلَّا بِالِاسْتِبْدَالِ، وَالتَّرَاضِي، وَلَمْ يَتَأَوَّلْ الْأَخْذَ أَيْضًا، فَكَانَ أَخْذُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا شُبْهَةِ حَقٍّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ إذَا ظَفَرَ، بِخِلَافِ جِنْسِ حَقِّهِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافًا مُؤْذِنًا لِلشُّبْهَةِ.
وَإِذَا قَالَ أَخَذْتُ لِأَجْلِ حَقِّي فَقَدْ أَخَذَهُ مُتَأَوِّلًا؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَعْنَى، وَهِيَ الْمَالِيَّةُ لَا الصُّورَةُ، وَالْأَمْوَالُ كُلُّهَا فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ مُتَجَانِسَةٌ، فَكَانَ أَخْذًا عَنْ تَأْوِيلٍ فَلَا يُقْطَعُ وَلَوْ أَخَذَ صِنْفًا مِنْ الدَّرَاهِمِ أَجْوَدَ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ أَرْدَأَ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَضِيَ بِهِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَلَا يَكُونُ مُسْتَبْدِلًا حَتَّى يَجُوزَ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، مَعَ أَنَّ الِاسْتِبْدَالَ بِبَدَلِ الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ تَثْبُتُ شُبْهَةُ حَقِّ الْأَخْذِ فَيَلْحَقُ بِالْحَقِيقَةِ فِي بَابِ الْحَدِّ كَمَا فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ.
وَلَوْ سَرَقَ حُلِيًّا مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَيْهِ دَرَاهِمُ، أَوْ حُلِيًّا مِنْ ذَهَبٍ، وَعَلَيْهِ دَنَانِيرُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِيرُ قِصَاصًا مِنْ حَقِّهِ إلَّا بِالْمُرَاضَاةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا، وَاسْتِبْدَالًا فَأَشْبَهَ الْعُرُوضَ، وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ قَدْ اسْتَهْلَكَ الْعُرُوضَ، أَوْ الْحُلِيَّ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ الْعَيْنِ فَإِنَّ هَذَا يُقْطَعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقَاصِدَ إنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ فَلَا يُوجِبُ سِوَى الْقَطْعِ وَلَوْ سَرَقَ مُكَاتَبٌ، أَوْ عَبْدٌ مِنْ غَرِيمِ مَوْلَاهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ قَبْضِ دَيْنِ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ؛ فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَوْلَى وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَا يُقْطَعُ لِثُبُوتِ حَقِّ الْقَبْضِ لَهُ بِالْوَكَالَةِ، فَصَارَ كَصَاحِبِ الدَّيْنِ.
وَلَوْ سَرَقَ مِنْ غَرِيمِ مُكَاتَبِهِ، أَوْ مِنْ غَرِيمِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكُ مَوْلَاهُ، فَكَانَ لَهُ حَقُّ أَخْذِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْقَبْضِ؛ فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ سَرَقَ مِنْ غَرِيمِ أَبِيهِ، أَوْ وَلَدِهِ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَلَا فِي قَبْضِهِ، إلَّا إذَا كَانَ غَرِيمُ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْقَبْضِ لَهُ كَمَا فِي دَيْنِ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُخَرَّجُ سَرِقَةُ الْمُصْحَفِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَأْوِيلُ الْأَخْذِ إذْ النَّاسُ لَا يَضِنُّونَ بِبَذْلِ الْمَصَاحِفِ الشَّرِيفَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَادَةً فَأَخَذَهُ الْآخِذُ مُتَأَوِّلًا، وَكَذَلِكَ سَرِقَةُ الْبَرْبَطِ، وَالطَّبْلِ، وَالْمِزْمَارِ، وَجَمِيعِ آلَاتِ الْمَلَاهِي؛ لِأَنَّ آخِذَهَا يَتَأَوَّلُ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِمَنْعِ الْمَالِكِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَنَهْيِهِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا، وَكَذَلِكَ سَرِقَةُ شِطْرَنْجٍ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ سَرِقَةُ صَلِيبٍ، أَوْ صَنَمٍ مِنْ فِضَّةٍ مِنْ حِرْزٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِلْكَسْرِ.
(وَأَمَّا) الدَّرَاهِمُ الَّتِي عَلَيْهَا التَّمَاثِيلُ فَيُقْطَعُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْبَدُ عَادَةً فَلَا تَأْوِيلَ لَهُ فِي الْأَخْذِ لِلْمَنْعِ مِنْ الْعِبَادَةِ فَيُقْطَعُ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا قُطِعَ سَارِقٌ فِي مَالٍ، ثُمَّ سَرَقَهُ مِنْهُ سَارِقٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ فِي حَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَلَا مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّهِ لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ، وَتَقَوُّمُهُ فِي حَقِّهِ بِالْقَطْعِ، وَلِأَنَّ كَوْنَ يَدِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ يَدًا صَحِيحَةً؛ شُرِطَ وُجُوبُ الْقَطْعِ، وَيَدُ السَّارِقِ لَيْسَتْ يَدًا صَحِيحَةً؛ لِمَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ سَرَقَ مَالًا فَقُطِعَ فِيهِ فَرَدَّهُ إلَى الْمَالِكِ، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهُ مِنْهُ ثَانِيًا فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْمَرْدُودَ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ كَانَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَإِمَّا إنْ أَحْدَثَ الْمَالِكُ فِيهِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يُقْطَعْ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ- رَحِمَهُمُ اللَّهُ-.
(أَمَّا) الْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ لِلْمَسْرُوقِ حَقًّا لِلْعَبْدِ قَدْ سَقَطَتْ عِنْدَ السَّرِقَةِ الْأُولَى لِضَرُورَةِ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى أَصْلِنَا، وَعَلَى أَصْلِهِ لَمْ تَسْقُطْ، بَلْ بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ، وَسَنَذْكُرُ تَقْرِيرَ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ (
وَجْهُ) مَا رَوَى أَنَّ الْمَحَلَّ وَإِنْ سَقَطَتْ قِيمَتُهُ الثَّابِتَةُ حَقًّا لِلْمَالِكِيَّةِ فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى فَقَدْ عَادَتْ بِالرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا عَادَتْ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، حَتَّى لَوْ أَتْلَفَهُ السَّارِقُ يَضْمَنُ فَكَذَا فِي حَقِّ الْقَطْعِ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْعِصْمَةَ، وَإِنْ عَادَتْ بِالرَّدِّ لَكِنْ مَعَ شُبْهَةِ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ لِضَرُورَةِ وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَأَثَرُ الْقَطْعِ قَائِمٌ بَعْدَ الرَّدِّ فَيُورِثُ شُبْهَةً فِي الْعِصْمَةِ؛ وَلِأَنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُ الْمَسْرُوقِ فِي حَقِّ السَّارِقِ بِالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُ.
وَأَثَرُ الْقَطْعِ بَعْدَ الرَّدِّ قَائِمٌ فَيُورِثُ شُبْهَةَ عَدَمِ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّهِ فَيَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ، وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ؛ لِمَا بَيَّنَّا هَذَا إذَا كَانَ الْمَرْدُودُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ (فَأَمَّا) إذَا أَحْدَثَ الْمَالِكُ فِيهِ حَدَثًا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ عَنْ حَالِهِ، ثُمَّ سَرَقَهُ السَّارِقُ الْأَوَّلُ فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِيهِ مَا لَوْ فَعَلَهُ الْغَاصِبُ فِي الْمَغْصُوبِ لَأَوْجَبَ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ يُقْطَعُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَبَدَّلَتْ الْعَيْنُ، وَتَصِيرُ فِي حُكْمِ عَيْنٍ أُخْرَى، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ تَتَبَدَّلْ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا سَرَقَ غَزْلًا فَقُطِعَ فِيهِ، وَرُدَّ إلَى الْمَالِكِ فَنَسَجَهُ ثَوْبًا فَعَادَ فَسَرَقَهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ قَدْ تَبَدَّلَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَغْصُوبًا لَا يُقْطَعُ حَقُّ الْمَالِكِ، وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبَ خَزٍّ فَقُطِعَ فِيهِ، وَرُدَّ إلَى الْمَالِكِ فَنَقَضَهُ فَسَرَقَ النَّقْضَ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَتَبَدَّلْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ الْغَاصِبُ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ، وَلَوْ نَقَضَهُ الْمَالِكُ، ثُمَّ غَزَلَهُ غَزْلًا، ثُمَّ سَرَقَهُ السَّارِقُ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ وُجِدَ مِنْ الْغَاصِبِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَيَدُلُّ عَلَى تَبَدُّلِ الْعَيْنِ وَلَوْ سَرَقَ بَقَرَةً فَقُطِعَ فِيهَا، وَرَدَّهَا عَلَى الْمَالِكِ فَوَلَدَتْ، وَلَدًا ثُمَّ سَرَقَ الْوَلَدَ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عَيْنٌ أُخْرَى لَمْ يُقْطَعْ فِيهَا فَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ جِنْسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ مُحْرَزًا مُطْلَقًا خَالِيًا عَنْ شُبْهَةِ الْعَدَمِ مَقْصُودًا بِالْحِرْزِ، وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ شَرْطِ الْحِرْزِ مَا رُوِيَ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ، أَوْ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ».
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ حَتَّى يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ فَفِيهِ الْقَطْعُ» عَلَّقَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقَطْعَ بِإِيوَاءِ الْمُرَاحِ، وَالْمُرَاحُ حِرْزُ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْجَرِينُ حِرْزُ الثَّمَرِ فَدَلَّ أَنَّ الْحِرْزَ شَرْطٌ، وَلِأَنَّ رُكْنَ السَّرِقَةِ هُوَ الْأَخْذُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَالْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِخْفَاءِ فَلَا يَتَحَقَّقُ رُكْنُ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ وَجَبَ لِصِيَانَةِ الْأَمْوَالِ عَلَى أَرْبَابِهَا قَطْعًا لِأَطْمَاعِ السُّرَّاقِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَالْأَطْمَاعُ إنَّمَا تَمِيلُ إلَى مَا لَهُ خَطَرٌ فِي الْقُلُوبِ، وَغَيْرُ الْمُحَرَّزِ لَا خَطَرَ لَهُ فِي الْقُلُوبِ عَادَةً، فَلَا تَمِيلُ الْأَطْمَاعُ إلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الصِّيَانَةِ بِالْقَطْعِ، وَبِهَذَا لَمْ يُقْطَعْ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ، وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَمَلِ الِادِّخَارَ، ثُمَّ الْحِرْزُ نَوْعَانِ: حِرْزٌ بِنَفْسِهِ، وَحِرْزٌ بِغَيْرِهِ.
(أَمَّا) الْحِرْزُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ: كُلُّ بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلْإِحْرَازِ مَمْنُوعَةِ الدُّخُولِ فِيهَا إلَّا بِالْإِذْنِ: كَالدُّورِ، وَالْحَوَانِيتِ، وَالْخِيَمِ، وَالْفَسَاطِيطِ، وَالْخَزَائِنِ، وَالصَّنَادِيقِ.
(وَأَمَّا) الْحِرْزُ بِغَيْرِهِ: فَكُلُّ مَكَان غَيْرُ مُعَدٍّ لِلْإِحْرَازِ يُدْخَلُ إلَيْهِ بِلَا إذْنٍ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ كَالْمَسَاجِدِ، وَالطُّرُقِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحْرَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَافِظٌ.
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حَافِظٌ فَهُوَ حِرْزٌ؛ لِهَذَا سُمِّيَ حِرْزًا بِغَيْرِهِ حَيْثُ وَقَفَ صَيْرُورَتُهُ حِرْزًا عَلَى وُجُودِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْحَافِظُ، وَمَا كَانَ حِرْزًا بِنَفْسِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُجُودُ الْحَافِظِ لِصَيْرُورَتِهِ حِرْزًا، وَلَوْ وُجِدَ فَلَا عِبْرَةَ بِوُجُودِهِ، بَلْ وُجُودُهُ، وَالْعَدَمُ سَوَاءٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحِرْزَيْنِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ عَلَى حِيَالِهِ بِدُونِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَّقَ الْقَطْعَ بِإِيوَاءِ الْمُرَاحِ، وَالْجَرِينِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ وُجُودِ الْحَافِظِ.
وَرُوِيَ أَنَّ «صَفْوَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ مُتَوَسِّدًا بِرِدَائِهِ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْحِرْزَ بِنَفْسِهِ» فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ نَوْعَيْ الْحِرْزِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا سَرَقَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ يُقْطَعُ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّةَ حَافِظٌ، أَوْ لَا لِوُجُودِ الْأَخْذِ مِنْ الْحِرْزِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مُغْلَقَ الْبَابِ، أَوْ لَا بَابَ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَحْجُوزًا بِالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يُقْصَدُ بِهِ الْإِحْرَازُ كَيْفَ مَا كَانَ، وَإِذَا سَرَقَ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي يُقْطَعُ إذَا كَانَ الْحَافِظُ قَرِيبًا مِنْهُ فِي مَكَان يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ، وَيُحْفَظُ فِي مِثْلِهِ الْمَسْرُوقُ عَادَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَافِظُ مُسْتَيْقِظًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، أَوْ نَائِمًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقْصِدُ الْحِفْظَ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا، وَلَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ إلَّا بِفِعْلِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ سَارِقَ صَفْوَانَ، وَصَفْوَانُ كَانَ نَائِمًا وَلَوْ أُذِنَ لِإِنْسَانٍ بِالدُّخُولِ فِي دَارِهِ فَسَرَقَ الْمَأْذُونُ لَهُ بِالدُّخُولِ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يُقْطَعْ وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَافِظٌ، أَوْ كَانَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ نَائِمًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ حِرْزٌ بِنَفْسِهَا لَا بِالْحَافِظِ، وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ حِرْزًا بِالْإِذْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَافِظِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا أُذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فَقَدْ صَارَ فِي حُكْمِ أَهْلِ الدَّارِ.
فَإِذَا أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ خَائِنٌ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ»، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِ الدَّارِ الْمَأْذُونِ فِي دُخُولِهَا، وَهُوَ مُقْفَلٌ، أَوْ مِنْ صُنْدُوقٍ فِي الدَّارِ، أَوْ مِنْ صُنْدُوقٍ فِي بَعْضِ الْبُيُوتِ، وَهُوَ مُقْفَلٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْبَيْتُ مِنْ جُمْلَةِ الدَّارِ الْمَأْذُونِ فِي دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ الْوَاحِدَةَ حِرْزٌ وَاحِدٌ قَدْ خَرَجَتْ بِالْإِذْنِ لَهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ حِرْزًا فِي حَقِّهِ فَكَذَلِكَ بُيُوتُهَا، وَمَا رُوِيَ أَنَّ أَسْوَدَ بَاتَ عِنْدَ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَرَقَ حُلِيًّا لَهُمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَسْرُوقًا مِنْ دَارِ النِّسَاءِ لَا مِنْ دَارِ الرِّجَالِ، وَالدَّارَانِ الْمُخْتَلِفَانِ إذَا أُذِنَ بِالدُّخُولِ فِي إحْدَاهُمَا لَا تَصِيرُ الْأُخْرَى مَأْذُونًا بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ كَانَ فِي حَمَّامٍ، أَوْ خَانٍ، وَثِيَابُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَسَرَقَهَا سَارِقٌ: إنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ نَائِمًا أَوْ يَقْظَانًا، وَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ، وَثَوْبُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ قُطِعَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ، وَهُوَ مَعَهُ فِي الْحَمَّامِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ، وَهُوَ مَعَهُ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ نَزَلَ قَوْمٌ فِي خَانٍ فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ، وَكَذَلِكَ الْحَانُوتُ؛ لِأَنَّ الْحَمَّامَ، وَالْخَانَ، وَالْحَانُوتَ كُلُّ وَاحِدٍ حِرْزٌ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا أُذِنَ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَافِظُ فَلَا يَصِيرُ حِرْزًا بِالْحَافِظِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: إذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ لَيْلًا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يُؤْذَنُوا بِالدُّخُولِ فِيهِ لَيْلًا فَأَمَّا الصَّحْرَاءُ، أَوْ الْمَسْجِدُ- وَإِنْ كَانَ مَأْذُونَ الدُّخُولِ إلَيْهِ- فَلَيْسَ حِرْزًا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِالْحَافِظِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ مِنْ الْحَافِظِ فَلَا يَبْطُلُ مَعْنَى الْحِرْزِ فِيهِ.
وَقَالُوا فِي السَّارِقِ مِنْ الْمَسْجِدِ: إذَا كَانَ ثَمَّةَ حَافِظٌ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ بِحِرْزٍ بِنَفْسِهِ، بَلْ بِالْحَافِظِ، فَكَانَتْ الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا الْحَافِظُ هِيَ الْحِرْزُ لَا كُلُّ الْمَسْجِدِ فَإِذَا انْفَصَلَ مِنْهَا فَقَدْ انْفَصَلَ مِنْ الْحِرْزِ فَيُقْطَعُ.
(فَأَمَّا) الدَّارُ، فَإِنَّمَا صَارَتْ حِرْزًا بِالْبِنَاءِ، فَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا لَمْ يُوجَدْ الِانْفِصَالُ مِنْ الْحِرْزِ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ سَرَقَ فِي السُّوقِ مِنْ حَانُوتٍ فَتَخَرَّبَ الْحَانُوتُ، وَقَعَدَ لِلْبَيْعِ، وَأُذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُقْطَعْ، وَكَذَلِكَ لَوْ سُرِقَ مِنْهُ، وَهُوَ مُغْلَقٌ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهُ لَمَّا أُذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهِ فَقَدْ أُخْرِجَ الْحَانُوتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا فِي حَقِّهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ مِنْ بَيْتِ قُبَّةٍ، أَوْ صُنْدُوقٍ فِيهِ مُقْفَلٌ؛ لِأَنَّ الْحَانُوتَ كُلَّهُ حِرْزٌ وَاحِدٌ كَالدَّارِ عَلَى مَا مَرَّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَمَعَهُ جُوَالِقُ وَضَعَهُ، وَنَامَ عِنْدَهُ يَحْفَظُهُ فَسَرَقَ مِنْهُ رَجُلٌ شَيْئًا، أَوْ سَرَقَ الْجُوَالِقَ: فَإِنِّي أَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّ الْجَوَالِقَ بِمَا فِيهَا مُحْرَزٌ بِالْحَافِظِ فَيَسْتَوِي أَخْذُ جَمِيعِهِ، وَأَخْذُ بَعْضِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ فُسْطَاطًا مَلْفُوفًا قَدْ، وَضَعَهُ، وَنَامَ عِنْدَهُ يَحْفَظُهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ مَضْرُوبًا لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَلْفُوفًا كَانَ مُحْرَزًا بِالْحَافِظِ كَالْبَابِ الْمَقْلُوعِ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ، وَإِذَا كَانَ الْفُسْطَاطُ مَضْرُوبًا كَانَ حِرْزًا بِنَفْسِهِ فَإِذَا سَرَقَهُ فَقَدْ سَرَقَ نَفْسَ الْحِرْزِ، وَنَفْسُ الْحِرْزِ لَيْسَ فِي الْحِرْزِ فَلَا يُقْطَعُ كَسَارِقِ بَابِ الدَّارِ وَلَوْ كَانَ الْجَوَالِقُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ فَشَقَّ الْجَوَالِقَ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْجُوَالِقَ حِرْزٌ؛ لِمَا فِيهِ.
وَإِنْ أَخَذَ الْجَوَالِقَ كَمَا هِيَ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ نَفْسَ الْحِرْزِ، وَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ الْجَمَلَ مَعَ الْجَوَالِقِ؛ لِأَنَّ الْحِمْلَ لَا يُوضَعُ عَلَى الْجَمَلِ لِلْحِفْظِ، بَلْ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْجَمَلَ لَيْسَ بِمُحْرِزٍ، وَإِنْ رَكِبَهُ صَاحِبُهُ فَلَمْ يَكُنْ الْجَمَلُ حِرْزًا لِلْجَوَالِقِ فَإِذَا أَخَذَ الْجَوَالِقَ فَقَدْ أَخَذَ نَفْسَ الْحِرْزِ وَلَوْ سَرَقَ مِنْ الْمَرَاعِي بَعِيرًا، أَوْ بَقَرَةً، أَوْ شَاةً لَمْ يُقْطَعْ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاعِي مَعَهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الْعَطَنِ، أَوْ الْمُرَاحِ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ يُقْطَعُ إذَا كَانَ مَعَهَا حَافِظٌ، أَوْ لَيْسَ مَعَهَا حَافِظٌ، غَيْرَ أَنَّ الْبَابَ مُغْلَقٌ فَكَسَرَ الْبَابَ، ثُمَّ دَخَلَ فَسَرَقَ بَقَرَةً قَادَهَا قَوْدًا حَتَّى أَخْرَجَهَا أَوْ سَاقَهَا سَوْقًا حَتَّى أَخْرَجَهَا، أَوْ رَكِبَهَا حَتَّى أَخْرَجَهَا؛ لِأَنَّ الْمَرَاعِيَ لَيْسَتْ بِحِرْزٍ لِلْمَوَاشِي.
وَإِنْ كَانَ الرَّاعِي مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا مِنْ الرَّعْيِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوَاشِيَ لَا تُجْعَلُ فِي مَرَاعِيهَا لِلْحِفْظِ، بَلْ لِلرَّعْيِ فَلَمْ يُوجَدْ الْأَخْذُ مِنْ حِرْزٍ، بِخِلَافِ الْعَطَنِ، أَوْ الْمُرَاحِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقْصَدُ بِهِ الْحِفْظُ، وَوُضِعَ لَهُ، فَكَانَ حِرْزًا، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا، وَجَلَدَاتٌ نَكَالًا» فَإِذَا أَوَاهَا الْمُرَاحُ، وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهَا الْقَطْعُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَلَا يُقْطَعُ عَبْدٌ فِي سَرِقَةٍ مِنْ مَوْلَاهُ مُكَاتَبًا كَانَ الْعَبْدُ، أَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ تَاجِرًا عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ أُمُّ وَلَدٍ سَرَقَتْ مِنْ مَالِ مَوْلَاهَا؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَأْذُونُونَ بِالدُّخُولِ فِي بُيُوتِ سَادَاتِهِمْ لِلْخِدْمَةِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَوْلَاهُمْ حِرْزًا فِي حَقِّهِمْ.
وَذَكَرَ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ- سَيِّدِنَا- عُمَرَ، وَالْحَضْرَمِيَّ جَاءَا إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعَبْدٍ لَهُ فَقَالَ: اقْطَعْ هَذَا فَإِنَّهُ سَرَقَ فَقَالَ: وَمَا سَرَقَ قَالَ: مِرْآةً لِامْرَأَتِي ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا فَقَالَ- سَيِّدُنَا- عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَرْسِلْهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ؛ فَيَكُونَ إجْمَاعًا، وَلَا قَطْعَ عَلَى خَادِمِ قَوْمٍ سَرَقَ مَتَاعَهُمْ، وَلَا عَلَى ضَيْفٍ سَرَقَ مَتَاعَ مَنْ أَضَافَهُ، وَلَا عَلَى أَجِيرٍ سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالدُّخُولِ أَخْرَجَ الْمَوْضِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا فِي حَقِّهِ، وَكَذَا الْأَجِيرُ إذَا أَخَذَ الْمَتَاعَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي أَخْذِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِأَخْذِ الْمَتَاعِ يُورِثُ شُبْهَةَ الدُّخُولِ فِي الْحِرْزِ، وَلِأَنَّ الْإِذْنَ بِالْأَخْذِ فَوْقَ الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ، وَذَا يَمْنَعُ الْقَطْعَ فَهَذَا أَوْلَى.
وَلَوْ سَرَقَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْمُؤَاجِرِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَنْزِلٍ عَلَى حِدَةٍ يُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي الْحِرْزِ.
وَأَمَّا الْمُؤَاجِرُ إذَا سَرَقَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَكَذَلِكَ يُقْطَعُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ- وَعِنْدَهُمَا لَا يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْحِرْزَ مِلْكُ السَّارِقِ فَيُورِثُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ شُبْهَةً فِي إبَاحَةِ الدُّخُولِ فَيَخْتَلُّ الْحِرْزُ فَلَا قَطْعَ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ مَعْنَى الْحِرْزِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمِلْكِ إذْ هُوَ اسْمٌ لِمَكَانٍ مُعَدٍّ لِلْإِحْرَازِ يُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ إلَّا بِالْإِذْنِ، قَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ مَمْنُوعٌ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمَنْزِلِ الْمُسْتَأْجَرِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وِلَادٌ، أَوْ لَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْوَالِدَيْنِ، وَالْمَوْلُودَيْنِ كَذَلِكَ فَأَمَّا فِي غَيْرِهِمْ فَيُقْطَعُ، وَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِ الْعِتْقِ، وَالنَّفَقَةِ، قَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْخُلُ فِي مَنْزِلِ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ عَادَةً، وَذَلِكَ دَلَالَةُ الْإِذْنِ مِنْ صَاحِبِهِ فَاخْتَلَّ مَعْنَى الْحِرْزِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ فِعْلٌ يُفْضِي إلَى قَطْعِ الرَّحِمِ.
وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْمُفْضِي إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ وَلَوْ سَرَقَ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَسْرُوقِ لَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَيُقْطَعُ سِوَاهُ، وَالْكَلَامُ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِمْ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ يُقْطَعُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاسَطَةَ بِالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي هَذِهِ الْقَرَابَةِ عَادَةً، وَكَذَا هَذِهِ الْقَرَابَةُ لَا تَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنْ الْقَطِيعَةِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ فِي الْعِتْقِ، وَالنَّفَقَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَوْ سَرَقَ مِنْ ذِي مَحْرَمٍ لَا رَحِمَ لَهُ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- يُقْطَعُ الَّذِي سَرَقَ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّضَاعِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا سَرَقَ مِنْ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ لَا يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْمُبَاسَطَةَ بَيْنَهُمَا فِي الدُّخُولِ ثَابِتَةٌ عُرْفًا، وَعَادَةً فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَدْخُلُ فِي مَنْزِلِ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ كَمَا يَدْخُلُ فِي مَنْزِلِ أُمِّهِ مِنْ النَّسَبِ، بِخِلَافِ الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَلَهُمَا أَنَّ الثَّابِتَ بِالرَّضَاعِ لَيْسَ إلَّا الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ، وَأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ أُمِّ مَوْطُوءَتِهِ؛ وَلِهَذَا يُقْطَعُ فِي الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ وَلَوْ سَرَقَ مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ، أَوْ مِنْ زَوْجِ أُمِّهِ، أَوْ مِنْ حَلِيلَةِ ابْنِهِ، أَوْ مِنْ ابْنِ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتِهَا، أَوْ أُمِّهَا يُنْظَرُ إنْ سَرَقَ مَالَهُمْ مِنْ مَنْزِلِ مَنْ يُضَافُ السَّارِقُ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ، وَأُمِّهِ، وَابْنِهِ، وَامْرَأَتِهِ لَا يُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ بِالدُّخُولِ فِي مَنْزِلِ هَؤُلَاءِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَنْزِلُ حِرْزًا فِي حَقِّهِ.
وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَنْزِلٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَا فِيهِ لَمْ يُقْطَعْ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْزِلٌ عَلَى حِدَةٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ- عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ-: لَا يُقْطَعُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ مِنْ غَيْرِ مَنْزِلِ السَّارِقِ، أَوْ مَنْزِلِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمُ اللَّهُ- (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْقَرَابَةُ، وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَ السَّارِقِ، وَبَيْنَ الْمَسْرُوقِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ صَاحِبِهِ فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ فِي الْحِرْزِ شُبْهَةً؛ لِأَنَّ حَقَّ التَّزَاوُرِ ثَابِتٌ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ قَرِيبِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَنْزِلِ لِغَيْرِ قَرِيبِهِ لَا يَقْطَعُ التَّزَاوُرَ، وَهَذَا يُورِثُ شُبْهَةَ إبَاحَةِ الدُّخُولِ لِلزِّيَارَةِ فَيَخْتَلُّ مَعْنَى الْحِرْزِ، وَلَا قَطْعَ عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ، أَوْ مِنْ بَيْتٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْخُلُ فِي مَنْزِلِ صَاحِبِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِمَالِهِ عَادَةً، وَذَلِكَ يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْحِرْزِ، وَفِي الْمِلْكِ أَيْضًا، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: إذَا سَرَقَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ آخَرَ يُقْطَعُ، وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ عَبْدِ صَاحِبِهِ، أَوْ أَمَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ، أَوْ سَرَقَ عَبْدُ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَمَتُهُ، أَوْ مُكَاتَبُهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ سَرَقَ خَادِمُ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الدُّخُولِ فِي الْحِرْزِ وَلَوْ سَرَقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ زَوْجِهَا، أَوْ سَرَقَ رَجُلٌ مِنْ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَبَانَتْ بِغَيْرِ عِدَّةٍ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ حِينَ، وُجُودِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا يَنْعَقِدُ عِنْدَ الْإِبَانَةِ؛ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ طَارِئَةٌ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ الطَّارِئُ مُقَارَنًا فِي الْحُكْمِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَقِيقَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الِاعْتِبَارِ إسْقَاطُ الْحَدِّ وَقْتَ الِاعْتِبَارِ وَفِي الِاعْتِبَارِ هاهنا إيجَابُ الْحَدِّ فَلَا يُعْتَبَرُ وَلَوْ سَرَقَ مِنْ مُطَلَّقَتِهِ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ سَرَقَتْ مُطَلَّقَتُهُ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا، أَوْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي حَالِ قِيَامِ الْعِدَّةِ قَائِمٌ مِنْ وَجْهٍ أَوْ أَثَرُهُ قَائِمٌ، وَهُوَ الْعِدَّةُ، وَقِيَامُ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَمْنَعُ الْقَطْعَ فَقِيَامُهُ مِنْ وَجْهٍ، أَوْ قِيَامُ أَثَرِهِ يُورِثُ شُبْهَةً.
وَلَوْ سَرَقَ رَجُلٌ مِنْ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ، وَجْهَيْنِ: (إمَّا) أَنْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ، وَإِمَّا أَنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ؛ لَمْ يُقْطَعْ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مَانِعٌ طَرَأَ عَلَى الْحَدِّ، وَالْمَانِعُ الطَّارِئُ فِي الْحَدِّ كَالْمُقَارَنِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَيَصِيرُ طَرَيَان الزَّوْجِيَّةِ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ الْقَطْعِ كَقِرَانِهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ مَا قُضِيَ بِالْقَطْعِ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْطَعُ.
(وَجْهُ)
قَوْلِهِ: أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ الْقَائِمَةَ عِنْدَ السَّرِقَةِ إنَّمَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ بِاعْتِبَارِ الشُّبْهَةِ، وَهِيَ شُبْهَةُ عَدَمِ الْحِرْزِ، أَوْ شُبْهَةُ الْمِلْكِ فَالطَّارِئَةُ لَوْ اُعْتُبِرَتْ مَانِعَةً لَكَانَ ذَلِكَ اعْتِبَارَ الشُّبْهَةِ، وَإِنَّهَا سَاقِطَةٌ فِي بَابِ الْحُدُودِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْإِمْضَاءَ فِي بَابِ الْحُدُودِ مِنْ الْقَضَاءِ فَكَانَتْ الشُّبْهَةُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْإِمْضَاءِ كَالْمُعْتَرِضَةِ عَلَى الْقَضَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا، وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ، ثُمَّ إنَّ الْمَقْذُوفَ زَنَى قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ، وَجَعَلَ الزِّنَا الْمُعْتَرِضَ عَلَى الْحَدِّ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ الْقَذْفِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الطَّارِئَ عَلَى الْحُدُودِ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي الطَّرَّارِ إذَا طَرَّ الصُّرَّةَ مِنْ خَارِجِ الْكُمِّ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْكُمِّ فَطَرَّهَا؛ يُقْطَعُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَيُقْطَع، وَبِتَفْصِيلِ الْكَلَامِ فِيهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، وَيَتَّفِقُ الْجَوَابُ، وَهُوَ أَنَّ الطَّرَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقَطْعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَلِّ الرِّبَاطِ، وَالدَّرَاهِمُ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ مَصْرُورَةً عَلَى ظَاهِرِ الْكُمِّ، وَإِمَّا أَنْ كَانَتْ مَصْرُورَةً فِي بَاطِنِهِ، فَإِنْ كَانَ الطَّرُّ بِالْقَطْعِ، وَالدَّرَاهِمُ مَصْرُورَةٌ عَلَى ظَاهِرِ الْكُمِّ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ هُوَ الْكُمُّ.
وَالدَّرَاهِمُ بَعْدَ الْقَطْعِ تَقَعُ عَلَى ظَاهِرِ الْكُمِّ فَلَمْ يُوجَدْ الْأَخْذُ مِنْ الْحِرْزِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَإِنْ كَانَتْ مَصْرُورَةً فِي دَاخِلِ الْكُمِّ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْقَطْعِ تَقَعُ فِي دَاخِلِ الْكُمِّ، فَكَانَ الطَّرُّ أَخْذًا مِنْ الْحِرْزِ، وَهُوَ الْكُمُّ فَيُقْطَعُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ الطَّرُّ بِحَلِّ الرِّبَاطِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ حَلَّ الرِّبَاطَ تَقَعُ الدَّرَاهِمُ عَلَى ظَاهِرِ الْكُمِّ بِأَنْ كَانَتْ الْعُقْدَةُ مَشْدُودَةً مِنْ دَاخِلِ الْكُمِّ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَإِنْ كَانَ إذَا حَلَّ تَقَعُ الدَّرَاهِمُ فِي دَاخِلِ الْكُمِّ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى إدْخَالِ يَدِهِ فِي الْكُمِّ لِلْأَخْذِ يُقْطَعُ لِوُجُودِ الْأَخْذِ مِنْ الْحِرْزِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا يَخْرُجُ النَّبَّاشُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ بِنَفْسِهِ أَصْلًا إذْ لَا تُحْفَظُ الْأَمْوَالُ فِيهِ عَادَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ، وَالدَّنَانِيرَ لَا يُقْطَعُ، وَلَا حَافِظَ لِلْكَفَنِ لِيُجْعَلَ حِرْزًا بِالْحَافِظِ فَلَمْ يَكُنْ الْقَبْرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ، وَلَا بِغَيْرِهِ، أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْحِرْزِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حِرْزَ مِثْلِهِ فَلَيْسَ حِرْزًا لِسَائِرِ الْأَمْوَالِ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي كَوْنِهِ حِرْزًا فَلَا يُقْطَعُ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِرْزُ مِثْلِهِ، أَوْ حِرْزُ نَوْعِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّهُ: يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِرْزُ مِثْلِهِ كَالْإِصْطَبْلِ لِلدَّابَّةِ، وَالْحَظِيرَةِ لِلشَّاةِ حَقٌّ لَوْ سَرَقَ اللُّؤْلُؤَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يُقْطَعُ.
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَا كَانَ حِرْزَ النَّوْعِ يَكُونُ حِرْزًا لِلْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، وَجَعَلُوا سُرَيْجَةَ الْبَقَّالِ حِرْزًا لِلْجَوَاهِرِ فَالطَّحَاوِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- اعْتَبَرَ الْعُرْفَ، وَالْعَادَةَ، وَقَالَ: حِرْزُ الشَّيْءِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ عَادَةً، وَالنَّاسُ فِي الْعَادَاتِ لَا يُحْرِزُونَ الْجَوَاهِرَ فِي الْإِصْطَبْلِ، وَالْكَرْخِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- اعْتَبَرَ الْحَقِيقَةَ؛ لِأَنَّ حِرْزَ الشَّيْءِ مَا يَحْرُزُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَقِيقَةً، وَسُرَيْجَةُ الْبَقَّالِ تَحْرُزُ الدَّرَاهِمَ، وَالدَّنَانِيرَ، وَالْجَوَاهِرَ حَقِيقَةً، فَكَانَتْ حِرْزًا لَهَا، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ نِصَابًا، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الشَّرْطِ يَقَعُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا فِي أَصْلِ النِّصَابِ أَنَّهُ شَرْطٌ أَمْ لَا؟، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ قَدْرِهِ، وَالثَّالِثُ: فِي بَيَانِ صِفَاتِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ شَرْطٌ فَلَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ، وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخَوَارِجِ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} مِنْ غَيْرِ شَرْطِ النِّصَابِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ»، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنْ الْحِبَالِ مَا لَا يُسَاوِي دَانَقًا، وَالْبَيْضَةُ لَا تُسَاوِي حَبَّةً.
(وَلَنَا) دَلَالَةُ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ مِنْ الصَّحَابَةِ، أَمَّا دَلَالَةُ النَّصِّ؛ فَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، وَالسَّارِقُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ مَعْنًى، وَهُوَ السَّرِقَةُ، وَالسَّرِقَةُ اسْمٌ لِلْأَخْذِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَمُسَارَقَةِ الْأَعْيُنِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحَاجَةُ فِي الِاسْتِخْفَاءِ فِيمَا لَهُ خَطَرٌ، وَالْحَبَّةُ لَا خَطَرَ لَهَا فَلَمْ يَكُنْ أَخْذُهَا سَرِقَةً، فَكَانَ إيجَابُ الْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ اشْتِرَاطًا لِلنِّصَابِ دَلَالَةً.
(وَأَمَّا) الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ- رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- أَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ، وَإِنَّمَا جَرَى الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي التَّقْدِيرِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي التَّقْدِيرِ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ أَصْلَ النِّصَابِ شَرْطٌ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا رَوَوْا مِنْ الْحَدِيثِ غَيْرُ ثَابِتٍ، أَوْ مَنْسُوخٌ، أَوْ يُحْمَلُ الْمَذْكُورُ عَلَى حَبْلٍ لَهُ خَطَرٌ كَحَبْلِ السَّفِينَةِ، وَبَيْضَةٍ خَطِيرَةٍ كَبَيْضَةِ الْحَدِيدِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي قَدْرِ النِّصَابِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ أَصْحَابُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَا قَطْعَ فِي أَقَلِّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ مَالِكٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَابْنُ أَبِي لَيْلَى بِخَمْسَةٍ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- عِنْدَ مَالِكٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ- بِثَلَاثِينَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بِرُبْعِ دِينَارٍ حَتَّى لَوْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ إلَّا حَبَّةً، وَهُوَ مَعَ نُقْصَانِهِ يُسَاوِي عَشَرَةً لَا يُقْطَعُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا يُقْطَعُ وَلَوْ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ لَا يُسَاوِي عَشَرَةً لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يُقْطَعُ، وَقِيمَةُ الدِّينَارِ عِنْدَنَا عَشَرَةٌ، وَعِنْدَهُ اثْنَا عَشَرَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ احْتَجَّ مَنْ اعْتَبَرَ الْخَمْسَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُقْطَعُ الْخَمْسَةُ إلَّا بِخَمْسَةٍ»، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- بِمَا رُوِيَ عَنْ- سَيِّدَتِنَا- عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
وَرُوِيَ عَنْ- سَيِّدِنَا- عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ:»، وَهِيَ قِيمَةُ رُبُعِ دِينَارٍ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الدِّينَارَ عَلَى أَصْلِهِ مُقَوَّمٌ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
(وَلَنَا) مَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْطَعُ إلَّا فِي ثَمَنِ مِجَنٍّ»، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ».
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِينَارٍ، أَوْ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ»، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ إلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ»، وَكَانَ يُقَوَّمُ يَوْمَئِذٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَعَنْ ابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا قُطِعَتْ يَدٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ:»، وَكَانَ يُسَاوِي يَوْمَئِذٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ- سَيِّدَنَا- عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سَارِقِ ثَوْبٍ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَمَرَّ بِهِ- سَيِّدُنَا- عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَا يُسَاوِي إلَّا ثَمَانِيَةً فَدَرَأَ- سَيِّدُنَا- عُمَرُ الْقَطْعَ عَنْهُ، وَعَنْ- سَيِّدِنَا- عُمَرَ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ، وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ فِي الْعَشَرَةِ.
وَفِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ؛ لِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فَوَقَعَ الِاحْتِمَالُ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ فَلَا يَجِبُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ النِّصَابَ شَرْطُ وُجُوبِ الْقَطْعِ بِالسَّرِقَةِ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي أَخْذِ سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ قُطِعَ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ كَمَالُ النِّصَابِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ السَّرِقَةُ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِفَقْدِ الشَّرْطِ، وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ إذَا دَخَلَ رَجُلٌ دَارَ الرَّجُلِ فَسَرَقَ مِنْ بَيْتٍ فِيهَا دِرْهَمًا فَأَخْرَجَهُ إلَى صَحْنِهَا، ثُمَّ عَادَ فَأَخَذَ دِرْهَمًا مِنْ الْبَيْتِ فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ عَادَ فَأَخَذَ دِرْهَمًا مِنْ الْبَيْتِ فَأَخْرَجَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ حَتَّى أَخَذَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْعَشَرَةَ مِنْ الدَّارِ قُطِعَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّارَ مَعَ صَحْنِهَا، وَبُيُوتِهَا حِرْزٌ، وَاحِدٌ فَمَا دَامَ فِي الدَّارِ لَمْ يُوجَدْ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحِرْزِ فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْ الدَّارِ جُمْلَةً فَقَدْ وُجِدَ إخْرَاجُ نِصَابٍ مِنْ الْحِرْزِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ.
وَلَوْ كَانَ خَرَجَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ الدَّارِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ سَرِقَاتٌ إذْ كُلُّ فِعْلٍ مِنْهُ إخْرَاجٌ مِنْ الْحِرْزِ، فَكَانَ كُلُّ فِعْلٍ مِنْهُ مُعْتَبَرًا بِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ سَرِقَةُ مَا دُونَ النِّصَابِ فَلَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ دَخَلُوا دَارًا، وَأَخْرَجُوا مِنْ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا الْمَتَاعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إلَى صَحْنِ الدَّارِ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ مِنْ الصَّحْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً يُقْطَعُونَ إذَا كَانَ مَا أَخْرَجُوا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَإِنْ تَفَرَّقَ الْإِخْرَاجُ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَهُوَ سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا تَفَرَّقَ فَهُوَ سَرِقَاتٌ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُعْتَبَرًا بِنَفْسِهِ وَلَوْ سَرَقَ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ مَنْزِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِأَنْ سَرَقَ مِنْهُ دِرْهَمًا، أَوْ تِسْعَةً لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُمَا سَرِقَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَنْزِلَيْنِ حِرْزٌ بِانْفِرَادِهِ فَهَتْكُ أَحَدِهِمَا بِمَا دُونَ النِّصَابِ لَا يُعْتَبَرُ فِي هَتْكِ الْآخَرِ فَيَبْقَى كُلُّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَبَرًا فِي نَفْسِهِ.
وَلَوْ سَرَقَ رَجُلٌ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لِعَشْرَةِ أَنْفُسٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ قُطِعَ، وَإِنْ تَفَرَّقَ مُلَّاكُهَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُ السَّارِقِ، وَالسَّارِقُ وَاحِدٌ، فَكَانَ النِّصَابُ كَامِلًا، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ حَالُ السَّارِقِ دُونَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ شَرْطُ وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَالْقَطْعُ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ جَانِبُ مَنْ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَجِبْ لَهُ، بَلْ لِلَّهِ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وَإِنْ كَانَ عَشْرَةُ أَنْفُسٍ فِي دَارِ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتٍ عَلَى حِدَةٍ فَسَرَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمًا يُقْطَعُ إذَا خَرَجَ بِالْجَمِيعِ مِنْ الدَّارِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الدَّارَ حِرْزٌ وَاحِدٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا نِصَابًا كَامِلًا، فَكَانَتْ السَّرِقَةُ وَاحِدَةً، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ عَظِيمَةً فِيهَا حُجُرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ حُجْرَةٌ فَسَرَقَ مِنْ كُلِّ حُجْرَةٍ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَرِقَاتٌ إذْ كُلُّ حُجْرَةٍ حِرْزٌ بِانْفِرَادِهَا، وَالسَّرِقَاتُ إذَا اخْتَلَفَتْ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَمَالُ النِّصَابِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَلَوْ سَرَقَ عَشْرَةُ أَنْفُسٍ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعُوا، بِخِلَافِ الْوَاحِدِ إذَا سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ عَشْرَةِ أَنْفُسٍ أَنَّهُ يُقْطَعُ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي حِرْزٍ وَاحِدٍ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ جَانِبُ السَّارِقِ لَا جَانِبُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، فَكَانَتْ السَّرِقَةُ وَاحِدَةً فَيُعْتَبَرُ كَمَالُ النِّصَابِ فِي حَقِّ السَّارِقِ لَا فِي حَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُجْتَمَعَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ الْحِرْزُ وَاحِدًا حَتَّى لَوْ سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مُتَفَرِّقًا مِنْ كُلِّ كِيسٍ دِرْهَمًا مِنْ عَشْرَةِ أَنْفُسٍ مِنْ مَنْزِلٍ وَاحِدٍ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ فَإِذَا أَخْرَجَهَا مِنْهُ فَقَدْ خَرَجَ بِنِصَابٍ كَامِلٍ مِنْ السَّرِقَةِ فَيُقْطَعُ وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ فَوَضَعَهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخَذَ ثَوْبًا آخَرَ يُسَاوِي تِسْعَةً فَأَخْرَجَهُ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ الْمَأْخُوذُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا فَلَا يُقْطَعُ، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) صِفَاتُ النِّصَابِ.
(فَمِنْهَا) أَنْ تَكُونَ الدَّرَاهِمُ الْمَسْرُوقَةُ جِيَادًا حَتَّى لَوْ سَرَقَ عَشَرَةً زُيُوفًا، أَوْ نَبَهْرَجَةً، أَوْ سَتُّوقَةً لَا يُقْطَعُ إلَّا أَنْ تَكُونَ كَثِيرَةً تَبْلُغُ قِيمَةَ عَشَرَةٍ جِيَادٍ، وَكَذَلِكَ الْمَسْرُوقُ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ إذَا كَانَ لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ جِيَادٍ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الدَّرَاهِمِ فِي الْأَحَادِيثِ يَنْصَرِفُ إلَى الْجِيَادِ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَعْتَبِرَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَزْنَ سَبْعَةٍ كَذَا قَالُوا؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قُدِّرَ بِهِ النِّصَابُ فِي الزَّكَوَاتِ، وَالدِّيَاتِ، وَكَذَا النَّاسُ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا فِي، وَزْنِ الدَّرَاهِمِ.
وَلِأَنَّ هَذَا أَوْسَطُ الْمَقَادِيرِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ صِغَارًا، وَكِبَارًا فَإِذَا جُمِعَ صَغِيرٌ، وَكَبِيرٌ كَانَا دِرْهَمَيْنِ مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ، فَكَانَ هَذَا الْوَزْنُ هُوَ أَوْسَطُ الْمَقَادِيرِ فَاعْتُبِرَ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا»، وَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ مَضْرُوبَةً؟ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ- عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ- أَنَّهُ يَعْتَبِرُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً، وَهَكَذَا رَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ حَتَّى لَوْ كَانَ تِبْرًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً لَا يُقْطَعُ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- عَلَيْهِمْ الرَّحْمَةُ- أَنَّ السَّارِقَ إذَا سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَرُوجُ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ قُطِعَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهَا مَضْرُوبَةً لَيْسَ بِشَرْطٍ.
بَلْ يُقْطَعُ فِي الْمَضْرُوبَةِ، وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَرُوجُ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ لَهُمَا أَنَّ تَقْدِيرَ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَقَعَ بِالدَّرَاهِمِ، أَوْ تَقْوِيمَ الْمِجَنِّ، وَقَعَ بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمُ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبَةِ، وَالتِّبْرُ لَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَضْرُوبِ فِي الْمَالِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ عَنْهُ فِي الْقِيمَةِ فَأَشْبَهَ نُقْصَانَ الْوَزْنِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- اعْتَبَرَ الْجَوَازَ، وَالرَّوَاجَ فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ فَأَجْرَى بِهِ التَّعَامُلَ بَيْنَ النَّاسِ، يَسْتَوِي فِي نِصَابِهِ الْمَضْرُوبُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْمُكَسَّرُ كَمَا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ فَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ، وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْحُدُودِ، ثُمَّ كَمَالُ النِّصَابِ فِي قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ يُعْتَبَرُ وَقْتَ السَّرِقَةِ لَا غَيْرُ، أَمْ وَقْتَ السَّرِقَةِ، وَالْقَطْعِ جَمِيعًا؟.
وَفَائِدَةُ هَذَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ كَامِلَةً وَقْتَ السَّرِقَةِ، ثُمَّ نَقَصَتْ أَنَّهُ هَلْ يَسْقُطُ الْقَطْعُ؟ فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ نُقْصَانَ الْمَسْرُوقِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ نُقْصَانُ الْعَيْنِ بِأَنْ دَخَلَ الْمَسْرُوقَ عَيْبٌ، أَوْ ذَهَبَ بَعْضُهُ.
(وَإِمَّا) أَنْ كَانَ نُقْصَانُ السِّعْرِ فَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ الْعَيْنِ يُقْطَعُ السَّارِقُ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَمَالُ النِّصَابِ وَقْتَ الْقَطْعِ، بَلْ وَقْتَ السَّرِقَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ عَيْنِهِ هَلَاكُ بَعْضِهِ، وَهَلَاكُ الْكُلِّ لَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ، فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ السِّعْرِ- ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَا يُقْطَعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ يُقْطَعُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-.
(وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ دُونَ نُقْصَانِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَحِلِّ، وَهَذَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، ثُمَّ نُقْصَانُ الْعَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ، فَنُقْصَانُ السِّعْرِ أَوْلَى (
وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- الْفَرْقُ بَيْنَ النُّقْصَانَيْنِ.
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ يُورِثُ شُبْهَةَ نُقْصَانٍ فِي الْمَسْرُوقِ وَقْتَ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا قَائِمَةٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَتَغَيُّرُ السِّعْرِ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَى السَّارِقِ أَصْلًا فَيُجْعَلَ النُّقْصَانُ الطَّارِئُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ السَّرِقَةِ، بِخِلَافِ نُقْصَانِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْعَيْنِ إذْ هُوَ هَلَاكُ بَعْضِ الْعَيْنِ، وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ وُجُودِهِ وَقْتَ السَّرِقَةِ، وَكَذَا إذَا سَرَقَ فِي بَلَدٍ فَأَخَذَ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ أَنْقَصُ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى تَكُونَ الْقِيمَةُ جَمِيعًا فِي السِّعْرِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ السَّرِقَةِ لَا غَيْرُ، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ مَقْصُودًا بِالسَّرِقَةِ لَا تَبَعًا لِمَقْصُودٍ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ فِي قَوْلِهِمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّرِقَةِ إذَا كَانَ مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ لَوْ انْفَرَدَ، وَبَلَغَ نِصَابًا بِنَفْسِهِ يُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ بِنَفْسِهِ نِصَابًا إلَّا بِالتَّابِعِ يَكْمُلُ النِّصَابُ بِهِ فَيُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ وَاحِدًا مِنْهُمَا مَقْصُودًا، وَلَا يَبْلُغُ بِنَفْسِهِ نِصَابًا يَكْمُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَيُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالسَّرِقَةِ مِمَّا لَا يُقْطَعُ فِيهِ لَوْ انْفَرَدَ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يَبْلُغُ نِصَابًا إذَا لَمْ يَكُنْ الْغَيْرُ مَقْصُودًا بِالسَّرِقَةِ، بَلْ يَكُونُ تَابِعًا فِي قَوْلِهِمَا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- يُقْطَعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ نِصَابًا كَامِلًا، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ: إذَا سَرَقَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فِيهِ شَرَابٌ، أَوْ مَاءٌ أَوْ لَبَنٌ، أَوْ مَاءُ وَرْدٍ، أَوْ ثَرِيدٌ، أَوْ نَبِيذٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُقْطَعُ فِيهِ لَوْ انْفَرَدَ؛ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ مَا فِي الْإِنَاءِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُقْطَعُ فِيهِ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَيُعْتَبَرُ أَخَذُ الْإِنَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ فَيُقْطَعُ فِيهِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ السَّرِقَةِ مَا فِي الْإِنَاءِ، وَالْإِنَاءُ تَابِعٌ.
أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الْإِنَاءَ بِالْأَخْذِ لَأَبْقَى مَا فِيهِ، وَمَا فِي الْإِنَاءِ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ بِالْمَقْصُودِ لَا يَجِبُ بِالتَّابِعِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الْكِتَابِ فَقَالَ: إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى مَا فِي جَوْفِهِ فَإِنْ كَانَ مَا فِي جَوْفِهِ لَا يُقْطَعُ فِيهِ؛ لَمْ أَقْطَعْهُ وَلَوْ سَرَقَ مَا فِي الْإِنَاءِ فِي الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ الْإِنَاءَ مِنْهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ الْإِنَاءَ فَارِغًا مِنْهُ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَرَقَ مَا فِيهِ فِي الدَّارِ عُلِمَ أَنَّ مَقْصُودَهُ هُوَ الْإِنَاءُ، وَالْمَقْصُودُ بِالسَّرِقَةِ إذَا كَانَ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، وَبَلَغَ نِصَابًا يُقْطَعُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا سَرَقَ صَبِيًّا حُرًّا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ.
وَإِنْ كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُقْطَعُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُلِيِّ فَلَا يَكُونُ أَخْذُهُ سَرِقَةً، بَلْ يَكُونُ خِدَاعًا فَلَا يُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ عَبْدًا صَبِيًّا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَا يُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ يُقْطَعُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَرِقَةَ مِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ يُوجِبُ الْقَطْعَ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ لَا يُوجِبُ، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ وَلَوْ سَرَقَ كَلْبًا، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ السِّبَاعِ فِي عُنُقِهِ طَوْقٌ لَمْ يُقْطَعْ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ مُصْحَفًا مُفَضَّضًا، أَوْ مُرَصَّعًا بِيَاقُوتٍ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ سَرَقَ كُوزًا قِيمَتُهُ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ عَسَلٌ يُسَاوِي دِرْهَمًا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا فِيهِ مِنْ الْعَسَلِ، وَالْكُوزُ تَبَعٌ فَيَكْمُلُ نِصَابُ الْأَصْلِ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ حِمَارًا يُسَاوِي تِسْعَةً، وَعَلَيْهِ إكَافٌ يُسَاوِي دِرْهَمًا يُقْطَعُ؛ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ ثَوْبٍ، وَالثَّوْبُ لَا يُسَاوِي عَشَرَةً يُنْظَرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْلُحُ وِعَاءً لِلدَّرَاهِمِ بِأَنْ تُشَدَّ فِيهِ الدَّرَاهِمُ عَادَةً بِأَنْ كَانَتْ خِرْقَةً، وَنَحْوَهَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْأَخْذِ هُوَ مَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ بِأَنْ كَانَ ثَوْبَ كِرْبَاسَ فَإِنْ كَانَ تَبْلُغُ قِيمَةُ الثَّوْبِ نِصَابًا بِأَنْ كَانَ يُسَاوِي عَشَرَةً يُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ نِصَابًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَا يُقْطَعُ.
وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ اللِّصَّ إنْ كَانَ يَعْلَمُ بِالدَّرَاهِمِ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لَا يُقْطَعُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ عَلِمَ بِهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
(وَوَجْهُهُ): أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَسْرُوقِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ نِصَابًا، قَدْ وُجِدَ.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ الْأَصْلِ: أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ بِالدَّرَاهِمِ كَانَ مَقْصُودُهُ بِالْأَخْذِ الدَّرَاهِمَ وَقَدْ بَلَغَتْ نِصَابًا فَيُقْطَعُ، وَإِذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ بِهَا كَانَ مَقْصُودُهُ الثَّوْبَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ النِّصَابَ فَلَا يُقْطَعُ.
(وَجْهُ) الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِأَبِي حَنِيفَةَ- عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ- أَنَّ مِثْلَ هَذَا الثَّوْبِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا تُشَدُّ بِهِ الدَّرَاهِمُ عَادَةً كَانَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقَطْعُ فَكَذَا فِيمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ وَلَوْ سَرَقَ جُوَالِقًا، أَوْ جِرَابًا فِيهِ مَالٌ كَثِيرٌ قُطِعَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّرِقَةِ هُوَ الْمَظْرُوفُ لَا الظَّرْفُ، وَالْمَقْصُودُ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ فَيُقْطَعُ، وَكَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ لَا يُسَاوِي عَشَرَةً، وَفِيهِ مَالٌ عَظِيمٌ عَلِمَ بِهِ اللِّصُّ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ يَصْلُحُ وِعَاءً لِلْمَالِ الْكَثِيرِ، وَلَا يَصْلُحُ وِعَاءً لِلْيَسِيرِ، فَفِيمَا صَلَحَ وِعَاءً لَهُ يُعْتَبَرُ مَا فِيهِ، لِأَنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ مَقْصُودَهُ مَا فِيهِ وَفِيمَا لَا يَصْلُحُ يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ مَقْصُودًا بِالسَّرِقَةِ، وَمَا فِيهِ تَابِعًا لَهُ وَلَا قَطْعَ فِي الْمَقْصُودِ لِنُقْصَانِ النِّصَابِ فَكَذَا فِي التَّابِعِ؛ لِأَنَّ التَّبَعَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.